تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سابع مدى| سقوط سيرة رائحة 

سابع مدى| سقوط سيرة رائحة 

كتابة: تامر فتحي 5 دقيقة قراءة
مستوحاة من قصيدة تامر فتحي تصوير: عمر مصطفى

«سقوط سيرة رائحة» هو ديوان تامر فتحي الثاني، بعد ديوانه الأول «بالأمس فقدت زرًا»، (2005-شرقيات). يصدر الديوان قريبًا عن دار المرايا. هنا نقرأ القصيدة رقم 6 من الديوان. 

استهلال

«كان عليه أن يسقط من النافذة ليكتشف رائحته وعوالم الروائح من حوله، وليسأل نفسه السؤال الأزلي: من أنا؟

كان عليه أن يسقط لينال الحياة»

** 

رَائِحة 6

وأَنَا الرَّائِحَةُ الَّتِي تَخَلَّتْ عَنْ عَبَقِهَا 

كَي تَـتَشَرَّبَ الرَّوَائِحَ مَا اسْتَطَاعَتْ 

لِدَرَجَةِ أَنَّـهَا لـمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَـعُودَ لِعَبَقِهَا الأَوَّل 

نَسِيتْ كَيْفَ يَكُون.

أَنَا رَائِحَةُ اللَّحْظَةِ الـمـُسْتَحِيْلَة 

حِينَ تَسُودُ السَّكِيْنَة

وَيَفُوْحُ المِسْكُ الأَبْيَضُ مَمزُوجًا بِعَبَقِ الأَنْـفَاسِ الحِسِّيَّةِ 

فِي تَألُّقِهَا السَّمَاوِي

والـمُوسِيقَى تَسِيْلُ فِي الـثَّنـَـايَا البَعِيْدَة 

حَيْثُ الوَقْتُ لَا آخِرَ لَه.

تَقولُ أُمِّي: يَا وَلَدي لَيْسَتْ هَكَذَا الدُّنْيَا

يَقُولُ أَخِي: حَالِم

تَقولُ أُخْتِي: مِثَالِيّ

وَتَقُولُ الأُخْرَى: عَبِيطٌ

وَأَقولُ لِنَـفْسِي: لَا بَأْسَ مَا دُمْتُ أَفُوزُ بِاللَّذَّةِ

دَاخِلَ نَـفْسِي

وَأَنَا أَشُمُّ الرَّوائِحَ عَلَى مَهَلٍ 

.....

.....

أَوَّلُ مَا شَمَمْتُ شَمَمْتُ الرَّائِحَةَ الأُولَى

صَاحِبَةَ السَّطْوَةِ بِينَ الرَّوَائِح

خَلَّفَتْهَا بِنْتُ الجَارِةِ عَالِقَةً بِأَصَابِعِي 

وَفِي الهَوَاءِ الـمُحيطِ بِي

تَـتَحَرَّكُ وأَنَا أَتْبَعُهَا كَذَكَرِ النَّحلِ 

فِي الأَمَاكِنِ والأَزْمِنَة

وَسْطَ الضَّبَابِ

وَالْعَتَمَةِ

وَالأَضْوَاء الخَافِتَةَ

وَوَسْطَ العُطُورِ الـمُحَرَّمَةِ

أَتَـنَسَّمُهَا

فَـتَمْتَلِئُ فِيَّ الأَوْرِدَة

وَأَنْدَفِعُ مَحْمُومًا أَهْذِي

يَا لَلرَّائِحَةِ اَلَّتِي أَكَّدَتْ لِي 

أَنَّ بِوُسْعِ القَلْبِ أَنْ يَكونَ رَبًّا للجَسَد

بَلْ أَنْ يَكُونَ الجَسَد.

وَأَنَّ العَقْلَ أُكْذُوبَةٌ وأَدْلجَةٌ وتَأطِير

وَأَنَّ العَقْلَ يُخْطِئ 

وأَنَّ القَلْبَ لَيْسَ كَذَلِك

وأَنَّ الرُّوحَ هُنَا وَفِي كُلِّ مَكَان

وأَنَّ أَنَا وَاحِدَةً لَيْسَتْ كَافِيَةً لِاسْتِيعَابِ الأَمْر.

يَا  لَلْرَّائِحَةِ اَلَّتِي جَعَلَتْنِي أَحِسُّ العَالَم

كَأَنِّي مُجَرَّدُ عُرُوقٍ َوَمِـجَسَّات 

أُخْطُبُوطٌ مَدَّ أَذْرُعَهُ

لِيَـتَـوَحَّدَ مَعَ البَحر

يَا لَلرَّائِحَةِ اَلَّتِي أَوقَـعَتْنِي فِي الخَطِيئَةِ

لِأَجِدَ الله.

.....

ثُمّ شَمَمْتُ رَائِحَةَ غَلْي الغَسِيْل 

وقَـلْيِ الفُلْفُلِ الحَار

ورَائِحَةَ القِطَطِ 

على سَلَالِم البَيتِ القَدِيم

إِنَّـهَا الآن الرَّوَائِحُ اَلَّتِي تَقذِفُنِي فِي قَـلْبِ الذِّكرَى 

مُنغَمِسًا لِلَحظَةٍ بِلَا بَيَانٍ وَلَا تَـفْصِيل 

حَيْثُ حَيَاةٌ قَدِيمَةٌ تُستَعَادُ فِي عَبَق.

.....

.....

ورَائِحَةَ حبَّاتِ البُنّ 

وَهِي تَـتَـقَلَّبُ فِي طَاسَات مَطَاحِن «البُنِّ البِرَازِيليّ» 

إِنَّـهَا عَبَقُ الخَيَال

والبَهجَةِ الـمُفْرِطَة

.....

.....

ورَائِحَةَ صَالَاتِ السِّينِما 

وأَشْرِطَةِ الفِيديُو 

والْكُتُبِ الْقَدِيمَة 

تِلكَ كَانتْ رَائِحَةَ الدَّهشَةِ العَارِمَة.

.....

.....

ورَائِحَةَ الجُوَافَة 

وَنَحْنُ نَطْمِسُ بِهَا رِيحَ السَّجَائِر 

فِي سَنَوَاتِ الْمُرَاهِقَةِ الـمُبَكِّرة 

إِنَّـهَا رَائِحَةُ الْمُهَادَنَةِ مَعَ الْبَـيْتِ 

وَالْبَـرَاءَةِ الـمـُخَادِعَة 

رَائِحَةُ التَّجْرِيبِ 

دُونَ خَسائِرَ فادِحَة

.....

.....

ثُمَّ شَمَمْتُ رَائِحَةَ الشِّعْرِ

وَالدُّخَانِ الأَسْمَى 

فَاتِح المغَالِق

كَاشِفِ كَلِمَاتِ السِّرّ

ومُجْلِي الغُيُومِ عَنِ العُيُون 

.....

.....

وَرَائِحَةَ النَّوْعِ الفَريدِ مِنْ بَيْنِ أَنْواعِ المِسْكِ الأَبْيَضِ 

العِطْرُ السَّاطِعُ فِي الرُّوحِ 

وَالوَاصِلُ لِمُنْتَهَى الشُّعُور 

البَاعِثُ عَلَى الحَياةِ

واللَّذَّةِ القُصْوَى 

دَاخِلَ مَكَامِنِ الصَّدْرِ

......

.....

وَرائِحَةَ الرُّضَّعِ بَعْدَ الرَّضَاعَةِ 

وَرائِحَةَ أَقْمِشَةِ مَلابِسِهِمْ 

وَبُدْرَةِ التَّـلْك 

......

......

وَرائِحَةَ أَنْـفَاسِ جَدِّي 

رائِحَةُ السِّنِين الطِّوَال  

واقْتِرَابِ الرَّحِيل 

.....

.....

ورَائِحَةَ الْكَافُور 

حِينَ يُوضَعُ فِي مَاءِ غُسْلِ اَلـمَيِّتينَ

مستوحاة من القصيدة
تصوير: عمر مصطفى

أَنَا عُصَارَةُ الرَّوَائِحِ

قَارُورَةُ العَبَقِ الـمُعَتَّق 

ذُو خَيَالٍ وَحْشِيٍّ 

أَنَسَجُ بَيْنَ اللَّفْتَةِ الْعَابِرَةِ وَتَصَارِيفِ الْكَوْنِ عَلاقَة

وَأُشَكِّلُ مِنْ نَـفْثَةِ دُخَانٍ سُلَّمًا أَعْرُجُ عَلَيْهِ 

إِلَى سَمَاوَاتِ الدَّلَالَةِ حَتَّى امَّحَتْ الـمَسَافَةُ

بَيْنَ الْمَجَازِ وَأرْضِ الْوَاقِعِ وَالْتَـبَسَتِ الْعِبَارَةُ

وَتَسَاوَى الجَمِيلُ وَالقَبِيحُ

وَالطَّيِّبُ وَالشِّرِّيرُ

وانْـهَارَت الـمُسَلَّمَاتُ كُلُّهَا

وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْمَحْسُوسَ فِي عُنْفُوَانِ تَجَلِّيِهِ الـمَادِيِّ  هُوَ أَصْدَقُ مِنَ الـمُتَصوَّرِ وَالذِّهْنِيِّ وَأَكْثَرُ خَيَالًا مِنَ الْخَيَالِيّ.

وَأَنَّ العِلْمَ جُمُودٌ

وَالْمُتَحَرِّكَ الْفَذَّ صَعْبُ الإدْرَاك

فِي تَـتَـبُّعِهِ النَّشْوَة

وَعِنْدَ بُلُوغِهِ السَّرَاب

وَأَنَّ حَيَاةً أَغَنَى مِنْ فِكْرَة

وَأَنَّ الرَّوَائِحَ أَبَلَغُ مِنَ الكَلِمَات 

تَحْمِلُ الشُّعُورَ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى وَلَا صَوْت

لِيَسْرِي فِي الْهَوَاء.

الْهَوَاء 

الْهَوَاء

يَحْمِلُ الرَّوَائِحَ كُلَّهَا  

ولا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ أيُّ شَيء

يُغَادِرُهُ مَنْ يُغَادِر

ويَظَلُّ فِيهِ مَنْ يَظَلّ 

وَيَبْقَـى الهَوَاءُ هَوَاءً مُطْلَقًا لا يَحُدُّهُ شَيء.

لِذَا اِتِّسَاقًا مَعَ الفِكْرَةِ فَـتَحْتُ النَّافِذَةَ وَوَقَـفْتُ عَليهَا  

وَقَرَّرْتُ إِلْقَاءَ نَفْسِي

لِاختِبَارِ الخِفَّة

وَاختِبَارِ السُّقُوط

وَاختِبَارِ الهَوَاء.

«لَا يَا وَلَدِي لَا تَفْعَل» 

«لكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ يَا أُمِّي ضَرُورَةَ الحَيَاة 

كَمَا فَـعَلَ أَبِي أَفْـعَلُ وكَمَا فَـعَلَ إِخْوَتِي» 

قَالَتْ: «لَكِنَّهُ قَاسٍ كَالـمَوْت» 

قُـلْتُ: «وَهَكَذَا هِيَ الحَيَاةُ فِي البُيُوتِ العُلْوِيَّة 

مَوْتٌ يَلِيهِ مَوْت

فَكُلُّ شَىْءٍ فِي البَيْتِ مُعَاد

فَالْعَفْشُ فِي مَكَانِهِ 

والحَوَائِطُ وَالأَرْكَان 

وَأَجْهِزَةُ الحَيَاةِ السَّهْلَةِ 

وَالأَفكَارُ الجَاهِزَة 

وَجَوْلَاتُ التَّسَوُّق 

وَالرَّغْبَةُ فِي الِامْتِلَاَك  

وَالخَوْفُ مِنَ الفَقْدِ 

وَعَلَى مَاءِ الوَجْه 

حَيْثُ أَنَّ قَمِيصًا فَاخِرًا 

لَهُوَ جَوْهَرُ الإنْسَان.

فَلِمَاذَا البَيْتُ وَفِي الخَارِجِ بَرَاح؟

وَلِمَاذَا فِي الدَّاخِلِ وَفِي الدَّاخِلِ إِجَابَاتٌ جَاهِزَةٌ 

وَفِي الخَارِجِ سُؤَال؟»

«السُؤَالُ خَطِيئَـتُـنَا الأُولَى» قَالَ أَبِي

«وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَخْتَبِرَ شَيْئًا

لَيْسَ لَنَا إِلَّا الْيَقِينُ مَلَاذًا

مَصِيرُ الرِّجَالِ 

وَلِذَلِكَ سَقَطْنَا

قُـلْتُ: «وَكَيْفَ يَتَأتَّى اليَقِينُ؟»

قَالَ: «بِالاِعْتِيَادِ

قُـلْتُ: «تَـقْصِدُ بِالثَّـبَاتِ وبالَّلاسُؤَال

بِالْقَنَاعَاتِ المـُعَلَّبَةِ

لَا.. لَيْسَ الْيَقِينُ عُلْبَةً سَهْلَةَ الفَتْحِ 

بَلْ بَابًا يُـفْضِي إِلَى بَابٍ 

وَطَرِيقًا يُـفْضِي إِلَى طَرِيق 

مِنْ غَيْرِ وُصُول

« أَخْرَق» قَالَ أَخِي 

«لَا بُدَّ مِنْ وُصولٍ؛ مَا سَقَطْنَا إِلَّا لِنَصِل» 

قُـلْتُ: «الوُصولُ مَوْتٌ 

والْيَقِينُ مَوْتٌ 

والتَّساؤُلُ حَياةٌ وَشَغَفٌ وَانْتِشاءٌ 

وَفِي الإجَابَةِ اسْتِكانَةٌ لِوَهْم»

قَالَتْ أُخْتِي: «وَهْمٌ ضَرُورِيٌٌّ وَإِلَّا كَانَ الجُنُونُ وَكَانَ العَدَم»

قُـلْتُ: «لِمَاذَا لَا تَـنْـفَتِحُ الْعُيُونُ الـمُغْمَضَةُ لِتَرَى البَرَاحَ؟»

قَالَ أَخِي: «وَلِمَاذَا تُـبْصِرُ الْبَـرَاءةُ

قُـبْحَ العَالَم؟»

قُـلْتُ «لِأَنَّهُ لَا بَرَاءَةَ وَلَا قُـبْحَ وَلَا جَمَال

نَحْنُ مَنْ أَطْلَقْنَا التَّسْمِيَة»

قَالَتْ أُخْتِي: «حَتَّى وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ وَدَلِيل؟»

قُـلْتُ: «حَتَّى وَإِنْ ثَـبُـتَتْ النُّصُوصُ وَالْأَدِلَّةُ

وَشُوهِدَتْ الْبَرَاهِينُ

كُلُّ شَيْءٍ مُتَحَرِّكٌ

مُنْفَلِتٌ

عَصِيٌّ عَلَى الإِمْسَاكِ وَالتَّعْرِيف

كُلَّمَا اِقْـتَـرَبْـنَا اِبْـتَـعَد

كُلَّمَا حَدَّدَنَا 

تَسَرَّبَ وَانْـفَرَط»

قَالَ أَخِيٌّ: «الْمَعْرِفَةُ رُؤْيَةٌ وَتَحَكُّم

الْمَعْرِفَةَ قُـوَّة»

قُـلْتُ: «الـمَعْرِفَةُ ثِقْلٌ

يَهِدُّ الرُّوْحَ 

وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَحَد 

وَالْحَقِيقَةُ ثُـقْبٌ أَسْوَد

لَنْ تَـتَجَلَّى كَامِلَةً حَتَّى تَـبْلَعَ فِي دَاخِلِهَا الكُلَّ

والكُلُّ مُثْـقَلٌ

وَمَآلُهُ إِلَى سُقُوط

«سَتَقْصِمُ الأَرْضُ ظَهْرَكَ» قَالَتْ أُمِّي.

قُـلْتُ: «أَعْرِفُ 

لَكِنِّي أَطْمَعُ أَنْ يَحْمِلَنِي الهَوَاءُ» 

ثُمَّ أَلْقَيْتُ بِنَـفْسِي مِنَ النَّافِذَةِ 

النَّافِذَةُ اَلَّتِي رَاحَتْ تَـبْـتَعِد .

«الوُدَعَاءُ يَحْمِلُهُمُ الهَوَاءُ يَا أُمِّي 

الوُدَعَاءُ يَحْمِلُهُمُ الهَوَاءُ 

خِفَافُ الرُّوحِ  

الرَّيَاحِين

الـمُتَخَلُّونَ عَنْ ذَاتٍ تَحْبِسُهُمْ

الْمُنْتَشِرُونَ فِي الْهَوَاء

لَا يَسْقُطُونَ

بَلْ يَـتَأَرْجَحُونَ

يَـتَـهَادَوْنَ

وَرَقًا

وَرِيشًا

وَرَوَائِحَ

عن الكاتب

تامر فتحي

صحفي ومترجم وكاتب سيناريو أفلام وثائقية وشاعر مصري. كتب مع مواقع مختلفة منها: «مراسلون»، و«مدى مصر»، و«المدن»، وجريدة «الاتحاد» اللبنانية وغيرها. له ديوان «بالأمس فقدت زرًا، قصة الملابس» الصادر في…

تقارير ذات صلة

#سابع مدى

2011

من ديوان «كأنها مغفرة» كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال، في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا…

هدى عمران 4 دقيقة قراءة
#سابع مدى

كيف تكونين من هنا

مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»

أوكسانا تيموفيڤا 27 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن