سابع مدى| الأولى لجيجي
الفصل الأول من رواية «الأولى لجيجي»، تصدر عن دار المحروسة
أعرف كل شيء عن جيجي. لا أبالغ، كل تفصيلة منذ مولدها وحتى انتحارها يوم عيد ميلادها، في اليوم الأخير من ديسمبر قبل أعوام. مثلًا، أعرف عن سباق المشي الذي تقيمه مع مُشاة لا تعرفهم في الشوارع. عن حلمها المتكرر بأنها واحدة من خماسي باور رينجرز، يحاولون إنقاذ العالم مرة كل عدة أيام. عن حوارها الأخير مع القط، الحوار الذي أكد لها فيه أن قرار الانتحار سليم. لم يكن انتحارًا مسرحيًا أو دمويًا لكن حياتي تغيرت تمامًا بسببه. والآن، مع تكليفي بمهمة أن أجرّب قدرتي على الحكي، لم أفكر في أحد أفضل منها. الحكاية الأولى يجب أن تكون لجيجي والطريق إلى ألوانها. استعددت لهذه المهمة بكل ما أمكنني جمعه من معلومات. ولهذا أعرف عنها كل شيء.
أعرف عن الليلة الوحيدة التي باتت فيها عند حبيب عمرها. يومها، استيقظت جيجي يملأها نور الحب. خططت لهذا اليوم طويلًا ولن تسمح لشيء بإفساده. الفترة الأخيرة كانت صعبة بينهم. عاشت قبلها شهورًا تبني الأمل ثم شاهدته ينهار. يتسرب الحب من قلب حبيبها ولا شيء يمكنها فعله. أقنعت نفسها أن هذه هي سُنّة الحياة. الحب يموت كما يولد. يمكننا أن نحاول، أن نأمل. يمكننا أن نبكي وندعو الله. أوشكت على الاستسلام لكن الحياة همست لها بلعبة أخيرة. جرّبتها وبدا أنها تنجح.
في هذا اليوم، أنهى الحبيب امتحانات سنته الجامعية الأخيرة. حلم بهذه اللحظة مرارًا. قضى سبع سنوات في الجامعة، سنة وراء الأخرى، حتى وصل إلى هذه اللحظة. النهاية أخيرًا. لازم نحتفل، قالت له. المفروض، لو عنده دم، يعزمها على العشاء. يذهبون بعده إلى مكان ما للشُرب والرقص. اتفقوا على الخطة. سيمر عليها حوالي الثامنة مساءً لبدء الاحتفالات. أكدت عليه ضرورة التوجه إلى بيته فور انتهاء الامتحان. حاول تنام شوية عشان تقدر تشرب وترقص بالليل. لن تقبل أي أعذار.
ما زال اليوم في أوله لكن عليها أن تستعد. خرجت من غرفتها وفكرت في تجنب جدتها لكنها شعرت بالذنب. تقضي جدتها معظم وقتها وحيدة. القط يهوّن عليها وحدتها طبعًا لكنه ليس كافيًا. ولهذا تحاول جيجي إجبار نفسها على قضاء وقت معها كل يوم. حتى لو نصف ساعة فقط، سيفرق هذا معها.
جدتها ممددة على الكنبة والقط يحوم حولها. سألتها إذا كانت تريد شيئًا تشربه. تريد شايًا لكنها أصرت على تحضيره بنفسها. لحقت بها جيجي إلى المطبخ يتبعهم القط. أعدت شايها وسألت جيجي إذا كانت ترغب في شرب شاي معها. طلبت جيجي فنجان قهوة. سادة لو سمحتي يا تيتا.
لاحظت أن وجه جيجي منوّر وأكدت جيجي أن هذا صحيح. حبيبي عازمني على العشا النهارده بمناسبة تخرجه. ضحكت جدتها وتحسرت على أيام زمان، أيام الحب والشقاوة. استرجعت بعض الذكريات لكن لم يبدو على جيجي الاقتناع. لا تستطيع تخيل أيام شقاوة في حياة جدتها. أخرجت جدتها صورة قديمة لها كأنها دليل صدقها. أبيض وأسود لكن جيجي خمنت أن الفستان الذي كانت جدتها ترتديه أصفر. تقف في الحديقة الواسعة داخل جامعة المنصورة. ذراعها ممدودة إلى جانبها، ورأسها يميل إلى الخلف قليلًا. شعرها أسود طويل وتبدو سعيدة. قالت إنها كانت سعيدة فعلًا وقت الصورة لكن هذا لا يعني أن الستينيات كانت سعيدة عمومًا. مكناش نعرف ساعتها بس كل ده كان حرام. للأسف مكانش فيه حد يقولنا الكلام ده وقتها. يلّا، ربنا يسامحنا.
أحضرت جيجي فوطتها. استحمت بعناية ثم قفزت إلى الميزان. ميزان معقد متعدد الأغراض اشترته معها في زيارتها الأخيرة إلى أمريكا. يقيس الوزن طبعًا، بالإضافة إلى كمية دهون البطن والعضلات ومؤشر كتلة الجسم. تتوقع اليوم تحقيق هدف جديد. انخفض وزنها إلى 85 كيلو. لكن الأهم كمية دهون البطن. وصلت إلى 19٪ للمرة الأولى في حياتها. نظرت في المرآة وغمزت لنفسها. جيجي شطورة.
لفت الفوطة حول جسمها واتجهت إلى غرفتها. تمنت لو أمكنها التوجه إلى غرفتها عارية. لا تهتم أن يكون الحبيب في الغرفة ليشهد هذا. تحب هذا الشعور لنفسها. كمية دهون البطن أخيرًا عند 19. تشعر أن حركتها جميلة وتتمنى أن يسجلها الوجود. على الأرجح لن تلاحظ جدتها إذا جربت لكنها لا تجرؤ على المخاطرة. بعد أسبوعين، بعد موت جدتها، سيصبح هذا روتينًا يوميًا.
فتحت جزءًا من الستارة لإدخال بعض النور. جلست على طرف السرير مقابل مرآة الدولاب. وضعت رجلًا على الأخرى. فتحة الفوطة تكشف طول رجلها. رفعت الموبايل بجوار وجهها والتقطت عدة صور. تأملتها وأعجبتها واحدة منها. الفلاش غطّى وجهها فمنح الصورة بعض الغموض. فخذها مشدود وظهرها مفرود. أرسلتها إلى الحبيب. المفروض أن يكون في امتحانه الآن. ليكن هذا أول ما يراه عندما ينتهي. أولى هدايا التخرج.
أخرجت من الدولاب فستانًا يحمل ورودًا قرمزية متجاورة تقطعها أوراق خضراء. اشترته من سوق الوكالة بسعر رخيص لكنه شيك جدًا. أرسلته إلى المغسلة فور شرائه فعاد جديدًا. مقاسه مضبوط. يظهر تقاسيم جسمها لكنه ليس ضيقًا. بطنها مشدودة وثديها شامخ. ثنيات الجزء الأسفل دفعت الورود لتقبيل بعضها. اختارت كلوتًا جديدًا لزوم المفاجأة، وبرا رياضية لزوم الظهر المفرود.
احتارت في لون المنيكور. أخرجت مجموعتها وأمسكت الزجاجات الصغيرة بجوار الفستان. اختارت الفيروزي. دهنت كل ظُّفر في يدها وقدمها بعناية. المنيكور الجيد ينشف دون كرمشة ولا تُفسده احتكاكات الحركة البسيطة. نفخت فيه لأن الانتظار يضايقها. استكملت مكياجها. تمددت على السرير وفتحت الموبايل. صوّرت قدمها. تحب قدمها لأنها الجزء الوحيد المتناسق دون مجهود. المسافة بين الأصابع متناسبة ولا توجد أي بروزات تقتل هذا التناسق. اللون الفيروزي أضفى عليها جمالًا.
أرسل لها الحبيب أنه في الطريق. ارتدت الفستان واختارت شنطة يد كبيرة. وضعت فيها قميصًا للنوم وكلوتًا آخر. اليوم خطوة جديدة في علاقتهم لكنه لا يعرف بعد. وضعت برفيوم ونظرت لنفسها في المرآة وابتسمت. والله عسل. اتصل بها عند وصوله. أخبرت جدتها أنها ستقابل صديقتها بعد الخروج وأنها ستبات الليلة عندها. القط يتابع حركتها كأنه يعرف أنها تكذب. علّقت جدتها أن فستانها أقصر من اللازم. قبّلتها جيجي على رأسها وردت أن فستانها في الستينيات كان أقصر من اللازم أيضًا.
خرجت من بوابة العمارة. ارتاحت وابتسمت حين وجدته راكنًا على الناحية الأقرب من بيتها. لا تحب أن تعبر الطريق في فستان قصير كهذا. في العادي تحيط بها النظرات بسبب شعرها الأشقر. وفي فستان كهذا ربما لن تكتفي النظرات بإحاطتها. ابتسم لابتسامتها وفتح باب السيارة لها. وحشتيني يا قمر. أنت كمان وحشتني أوي. مال ناحيتها كأنه يحاول تقبيلها. اتلم احنا في الشارع. ضحك وسألها تشربي جوينت؟ يا ريت. أخرج جوينتًا جاهزًا من علبة سجائره. استخدم فلتر سجائر عادي بدلًا من الفلتر الورق كي تحتمل تدخينها. أعجبها هذا الاهتمام. ابتسمت وأشعلته. أشارت إلى الفلتر وقالت حلو الأداء ده، استمر وهظبّطك.
خرجوا إلى المحور في اتجاه الشيخ زايد. حجز في مطعم يحبه هناك يقدم كحولًا أيضًا. سألها عن سبب حلاوتها الزائدة اليوم. هزت كتفها كأنها لا تبالي وقالت إنها حلوة على طول. لكنها كانت تبالي. لا يعرف شيئًا عن كمية دهون البطن التي وصلت إلى 19٪ لكنه شعر بالاختلاف.
ركن أمام المطعم كي لا تعبر الطريق في فستانها القصير. أمسك يدها حتى وصلوا إلى الترابيزة. سحب كرسيًا وتأكد أنها استقرت ثم جلس أمامها.
طلب حمامًا محشيًا وورق عنب، وطلبت هي ستيك. قال إن المطعم يقدم بيرة درافت. طلبوا اثنين. انتظر وصول البيرة حتى يدخن. أخرج علبته المارلبورو الأبيض. أشعل واحدة لها وأخرى لنفسه. قالت إن المارلبورو الأبيض أصبحت مرتبطة عندها به. تستغرب إذا قابلت مارلبورو أبيض بدونه. تشيرز. تشيرز.
حكت له عن مراقبة القط لها. رفع عينه إليها ليتأكد أنها تتكلم بجد. كانت تتكلم بجد. القط يراقبها فعلًا. لحق بها إلى غرفتها اليوم بعد استحمامها. سواد عيونه المستديرة وإطارها الذهبي يجذبون كل شيء إليه. تأملها وهي ترتدي ملابسها. بحلق في ثديها كأن معجب بحلاوته. تجاهلته في البداية لكنه لم يهتز. التفتت بعيدًا عنه فشعرت بنظراته تخترق ظهرها. أحرجتها طريقته ففتحت الباب وطلبت منه أن يغادر. نظر بعيدًا للحظة كأنه يفكر. التفت إليها مرة أخرى ثم غادر.
غمز الحبيب وقال إن القط معذور، صدرك مجنن شباب كل الكائنات. ضحكت واعترضت لأن القط ليس شابًا. حكى لها عن ريك ومورتي حين ركبّوا جهازًا على دماغ الكلب يجعله ذكيًا. يتكلم ويفهم ويفكر ويخطط. الموضوع كان لطيفًا في البداية. الكلب ينظف مكانه ويهتم بشؤونه ولا يحتاج أحدًا. لكن الموضوع أفلت سريعًا. بدأ في تجنيد زملائه الكلاب وأسسوا تنظيمًا سريًا للانتقام. حين حانت ساعة الصفر، سيطروا على العالم. عاقبوا البشر على قرون الاستعباد وتفننوا في إذلالهم. لكن الكلب عفا عن ريك فقط لأن ريك كان يحبه ويشفق عليه. قالت إنها لا تتخيل أن تقوم الكلاب بهذا. الكلاب حيوانات طيبة وهبلة وعلى الأرجح لن يحملوا أي ضغينة. بس القطط ممكن جدًا تعمل كده فعلًا.
تذكرت إحدى ليالي الصيف، حين استيقظت على صوت القط يتكلم خارج الغرفة. انطباعها الأول وسط النوم والاستيقاظ كان أنه يتحدث الإنجليزية لكنها لم تفهم ما يقول. فكرت في الخروج لمعرفة مع من يتحدث لكنها خافت. تجاهلت الأمر وجاهدت لاستكمال نومها. في البداية كانت تظن أن هذا القط بالذات شيطاني. كتبت هذا على فيسبوك، لكن الردود أجمعت أن هذا طبيعي. كل مَن يعيشون مع قطط يعرفون هذا جيدًا. القطط تقريبًا أوشكت على النجاح فيما فعله كلب ريك دون حتى جهاز.
وصل الطعام. ورق العنب كان رائعًا، فالتقط واحدة بشوكته وأطعمها. لم يعجبه الحمام المحشي لكنه يرغب في تناول وجبته كاملة حتى يستطيع استكمال الشُرب. أعجبها الستيك. أطعمته كما أطعمها. سألته عن الامتحان فقال إنه غالبًا هينجح السنة دى. لديه شعور قوي بهذا.
لا يعرف أي مستقبل يتطلع إليه بعد تخرجه. خلاص المفروض دلوقتي بقيت دكتور بس مش مقتنع. حياته كلها تحددت بتوقعات عائلته المرتفعة لما يجب أن يحققه. عوّدهم على هذا منذ صغره. دائمًا متفوق ومن الأوائل. وكان منطقيًا للجميع أنه سيدرس الطب. لكن مجموعه في ثانوية عامة لم يكن كافيًا. أحبطه هذا فشعر برغبة أكبر في دراسة الطب. لهذا حين اقترح أبوه خيار الطب الخاص وافق فورًا. واستمرت توقعات أهله مرتفعة كأن هذا لم يكن فشلًا.
ساءت علاقته بأبيه منذ تلك اللحظة. تقريبًا مبنتكلمش خالص. مفيش تليفونات إلا لو ماما صممت. ومن ساعة ما عمل فيسبوك من كام سنة مفيش بيننا غير أربع رسايل بتتكرر بعد كل امتحان. عملت إيه؟ كويس الحمد لله. هتنجح يعني؟ إن شاء الله.
يعمل أبوه طبيبًا في السعودية منذ عقود. عاش هو وأمه وأخته معه هناك عدة سنوات ثم عادوا بدونه مع دخول أخته الجامعة. في البداية كانوا يسافرون له مع كل فرصة. مع السنوات، أصبح هذا صعبًا. واكتفوا بأن يأتي هو شهرًا إلى مصر في إجازة الصيف.
كان حزينًا وهو صغير لأن أبيه لا يعيش معهم. يتذكر انتظار الصيف لأنه يعني شهرًا كاملًا معه. كان طفلًا أهبل. بعدما كبر، أدرك أن العلاقة بينهم مثالية في شكلها الحالي. أبوه يشعر بذنب مستمر لأنه لا يقضي وقتًا كافيًا معهم، ولهذا يستمر في إرسال الأموال دون حساب. وفي المقابل، لا يلتزم هو بتقديم أي شيء له. التنازل الوحيد أنه يضطر لقضاء بعض الوقت معه حين يأتي في الصيف، وقت كان يفضل قضاؤه في أشياء أخرى. بس مش مشكلة. أحسن بكتير إنه يكون عايش معانا هنا. تخيلي لو كنا مع بعض وش في وش بعد كل امتحان. عملت إيه؟ كويس الحمد لله. هتنجح يعني؟ إن شاء الله.
شعرت بالحزن من أجله. فكرت في أبيها، وفكرت أنها، مثله، لا تراه الآن سوى كل صيف. لكنها تفتقده. تفتقد التفاصيل الصغيرة مثل فرح أحد أقاربهم الصيف الماضي حين اصطحبها للرقص استجابة لنداء الدي جي للأحباب أن ينضموا إلى العرسان في رقصة هادئة أخيرة. وتفتقد التفاصيل الكبيرة التي تجعل مجرد وجوده المادي بالقرب منها مريحًا. الحياة تختلف كثيرًا حين يغيب. أمسكت بيد الحبيب وضغطت عليها دون أن تدري ما تقول.
أخبرها أنه لا يعرف لماذا يرتاح للكلام معها بهذه الطريقة. لم يعترف بحقيقة مشاعره تجاه أبيه لأي شخص قبلها. لكنه حتى لم يتردد في الفضفضة لها. يشعر أنه تجاوز معها الحاجة للتواصل كأنه يجلس مع نفسه. كأنها ليست موجودة. أعاد كلامه لها ذكريات أزمتها السابقة مع وجودها. كأنها ليست موجودة؟ تضايقت لحظة لكنها أحست بصدقه. قبّلت يده. إيدي بس؟ ضحكت وطلبت أن يصبر على رزقه.
تريد أن ترقص. مزاجها جيد وفستانها جميل. فكر في النزول إلى القاهرة لكنه تراجع. لا يرغب في القيادة كل هذه المسافة خصوصًا وهو سكران. خصوصًا وهي ترتدي فستان قصير كهذا. أكيد سيكون هناك كمائن على مدخل أكتوبر آخر الليل. قال إنه سمع عن نايت كلوب جديد افتتح هنا في الشيخ زايد. توجهوا إليه. دي جي يلعب مجموعة أغاني بوب لتسخين الحضور في انتظار الدي جي الأساسي لليلة. اقترحت شراء زجاجة نبيذ أحمر وأعجبته الفكرة. تشيرز. تشيرز.
بعد قليل، جذبت بنت في ساحة الرقص انتباهه. ترتدي جينزًا أزرقًا ضيقًا وقميصًا أسودًا واسعًا وقصيرًا يكشف بطنها. ابتعد ببصره عنها لكنه شعر برغبة في العودة إليها. التقط كأسه، أخذ رشفة، ثم أعاده. كرر جولة بصره كأنه لا يقصد شيئًا. أبطأ عند المنطقة التي تقف فيها البنت. تأمل شعرها الأسود المضموم ولمح بطنها. استكمل جولته وعاد سريعًا إلى جيجي. لا يريد أن تلاحظ وتتضايق. البنت جميلة لكن ما يتشكل مع جيجي أكبر من مجرد واحدة جميلة ترقص.
تأملها. تسند وجهها على يدها. أظافرها فيروزية تتغير درجته مع تغير الضوء المنعكس عنها. ألوانها تشفط كل شيء نحو وجودها. قمر، قال لها. أكيد كل الولاد بيبصوا عليها دلوقتي وبيحسدوه. عندهم حق، هو نفسه مش مصدق.
ضحكت وقالت إن خيال الولاد واسع. ربما يتخيلون سيناريو ما سيحدث بينهم الليلة. ربما يفكرون أنها ستنتهي من رقصها وتغادر معه. ربما يشترون زجاجة نبيذ ويتجهون إلى بيته، يشربون ويتكلمون. ربما يعلمها كيف تلف جوينتًا، وربما تفشل مرارًا في دلع. ربما يقبل كتفها وهي تحاول. ربما يتسلل بيده ليعبث بها وربما تسمح له. ربما يشاهدون فيلمًا معًا، لكنهم لن يتذكروا ما شاهدوه لأنهم انشغلوا بأشياء أخرى. لم يصدق ما سمعه. قرصة ألم تعبر قضيبه. هل تدعو نفسها إلى بيته؟
بدأ الدي جي الأساسي وازدحم المكان. قالت إنها ترغب في الرقص. أمسك يدها وسحبها. واجهته في البداية فأمسك بوسطها. نظرت إلى عينه وابتسمت. ترغب في تقبيله، شعرت بهذا يجتاح جسمها. سكرانة قليلًا. زحام المكان يشعرها بالأمان، وإمساكه بها يزيد من اطمئنانها. لا شيء قادر على إفساد هذا. أغمضت ورفعت يدها ودارت داخله. سندت ظهرها إليه. أغمض واندمج جسمه مع جسمها. يشعر بمسافة تفصل بينهم وبين المحيطين. يدور بها ويشعر بالهواء المنزلق يخبره بالمرات التي أوشكوا فيها على الاصطدام بآخرين. اقترب منها أكثر ومال إلى أذنها. مش يلا نروّح؟
فتحت عينها وضحكت وسألته مستنيين إيه؟ ابتسم أنهم في انتظار المُزة. المزة جاهزة. سحبها إلى الترابيزة. صب النبيذ المتبقي وشربه سريعًا. دفع الحساب وغادروا. صمتوا طوال الطريق. توقف أمام محل الكحول. تركها في السيارة فتوترت. الوقت متأخر وتخاف بشكل عام من بشر الليل. تلفتت حولها لكنها لم تلحظ أحدًا. راقبت مدخل المحل حتى خرج الحبيب منه فاطمأنت.
ركن سيارته أمام المنزل. فتح باب الشقة وأدخلها أولًا. النور يغمر الشقة في بطء. أغلق الباب. مد يده إلى وسطها فالتفتت له. رفع يده إلى وجهها وقبّلها. بادلته قبلاته. تأملت وجهه. أحمر قليلًا ويتنفس بصوت عالٍ. يتنهد بعد كل قبلة.
أنوار الشقة تلطخ كل شيء بلون برتقالي. رُكنة زرقاء كبيرة تأكل مساحة الصالة يقابلها تلفزيون كبير. ورائها ناحية الشباك المطل على الشارع ترابيزة سفرة صغيرة حولها أربعة كراسي. إلى اليسار مطبخ يُطل على الصالة يليه ممر ينتهي إلى الغرف. غرفة للنوم وأخرى فارغة بينهم حمّام كبير. أحجام مختلفة من سجاد قديم يحاول تغطية ما يقدر عليه من الأرضية.
خلعت جزمتها وجلست عند زاوية الرُكنة. توجه إلى المطبخ وأخرج كأسين. فحص نظافتهم. بصمة إصبع على إحداها. حاول مسحها لكنه فشل. سيشرب هو فيه وخلاص. أمسكه بيمينه وقبض عليه حتى لا ينسى وعاد إليها. وضعه ناحيته ووضع كأسها أمامها. ليس لديه فتاحة نبيذ فاستخدم مسمارًا. حاول طويلًا وملأ العرق جبينه. شعر عند لحظة أن الزجاجة ستنكسر تحت ضغط إحراجه. لكنه فتحها وصب الكؤوس. تشيرز. تشيرز. تسمعي مزيكا؟ أسمع. شغّل ساوندكلاود على سماعة صغيرة. يلف جوينتًا بينما يتأمل امتداد فخذها. أشعله واقترب منها وأخبرها أن جسمها حلو. رفعت ركبتها اليمنى قليلًا إلى الأعلى وهزتها ونظرت له وابتسمت.
تمدد إلى جانبها وأمسك بيدها. أرجلهم متوازية. أظافرها الفيروزية تنثر لونها على كل ما حولها. أخرجت موبايلها وصوّرت تشابك أياديهم. زجاجة النبيذ على الهامش. الدخان يضيف غشاوة مريحة على المشهد. وضع كأسه وعاد بيده إلى بطنها. تحرك بأصابعه على ثنياتها وقبّل كتفها. مالت برأسها ناحيته وقبّلت جبينه. رفع وجهه وقبّلها. لامس بطنها وتسلل إلى ثديها الأيسر. تحركت شحنة كهرباء من أطرافه تجاه حلمتها. رفعت يدها إلى وجهه واستمرت في تقبيله. أنزل حمالات فستانها وفك مشبك البرا. دفن رأسه في ثديها. حاولت خلع تيشرته فاعتدل ونزعه سريعًا. ما تقلعي. ضحكت وهزت كتفها ورفضت. قرر عدم الجدال وبدأ في تعريتها. استسلمت له وانهمكوا في أجسامهم.
انتهوا واسترخوا. تمددت في حضنه وأغمضوا عيونهم. سلبها الصمت قدرتها على متابعة الزمن. ربما مرت ربع ساعة، ربما ساعة. لم تكن متأكدة مما تشعر به. لم تكن مرتها الأولى لكنها كانت مختلفة. فتحت عينها وتأملت قضيبه مسترخيًا. رفعت يدها إلى صدره لكنه لم يتحرك. ترغب في اعتلائه مرة أخرى لكن ليس مستعدًا الآن. شاهدوا فيلمًا. أنهوا زجاجة النبيذ وعدة جوينتات.
قبل أن تنام، رفعت صورة أياديهم على فيسبوك معها بقلب أزرق. لا تعتبر القلب الأحمر رمزًا دقيقًا للحب. القلب الأحمر مليء بالحياة، على عكس ما يفعله الحب. يدفع الحب الدم للهروب ليترك القلب أزرقًا. الأزرق هو لون الحب.
مؤلف الرواية، محمد حمامة، يعمل محررًا في «مدى مصر»
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن