زقزقة الحُمر
خطوة عزيزة # 6| البلكونة
#جو عام
نسمعُ صوت زقزقة آتٍ من البلكونة، يكسر هذا الصوت روتين الحياة التي رسمتها بسمة جاهين لبطلة قصتها؛ دنيا على القد، مشاوير محسوبة، روتين يمكن اختصاره في أسطر وأرقام تُسجّل على ورق كارتون الخزين، وذلك في الحلقة السادسة من «خطوة عزيزة»، السلسلة التي وضع أساسها ودعا الناس للإقامة بها، هيثم الشاطر وهاني المصطفى، عن البيوت.
#خطوة عزيزة
الوضع ممل في الخارج، لا يكسر الملل إلّا زقزقة عصافير حمراء اللون قابعة في قفص حديدي مزين بشرائط حمراء في بلكونة الدور الخامس. داخل فتحة وراء القفص الحديدي تحاول أرجل صرصار الصمود أمام ذرات ترابية رطبة لها رائحة تثير جهازه العصبي، هي في الواقع بقايا قطع صابون تستخدمها السيدة التي تسكن شقة هذه البلكونة لسد الشقوق التي تظهر مع الوقت في أماكن متفرقة في الحوائط. بعد معافرة، يتمكن الصرصار من الخروج من الحفرة ويطير داخل المنزل بعد أن يمسح أرجله بعضها ببعض حتى يتخلص من بعض الذرات الرطبة. يصل إلى المطبخ، ليجد السيدة نفسها تمسح الأرضية بالجاز، وهو ما يجعله يُعيد الطيران خارج المطبخ، بعيدًا عن الرائحة، لا يعلم أن الشقة كلها معبأة بالجاز.
تفوح من هذا البيت دائمًا رائحة جاز، فنظافة الشقة التي لا تتجاوز الستين مترًا هي المهمة اليومية الرئيسية عند السيدة. ولكن اليوم خاص، فهو التالي ليوم المهام الصعبة، لذلك ستقوم السيدة كطقس تطهيري بتنظيف البيت وتغيير كل أوراق الغار التي تُعلقها على الحوائط، ووضع نفتالين جديد في كل الدواليب والكراتين، وسد الحُفر الجديدة ببقايا الصابون، وتنظيف قفص العصافير في البلكونة الوحيدة. هذا بالتأكيد ليس يوم سعد الصرصار الذي يخرج هاربًا من المطبخ ويترك السيدة تنظف الأرضية، بعد أن انتهت من غسل المواعين التي تستخدمها: كوب زجاجي وطبقين وملعقة وطاسة. ودَعك جوانب البوتجاز المُسطّح، والحوض المزيّت، بسبب سكبها للزيت الأسود الذي استخدمته لأسبوع فيه، بالكربونات والخل. يطير الصرصار من الجاز إلى ورق الغار، ويسقط في إحدى الأركان على إحدى الكراتين المرصوصة بالصالة، فيأخذ وقته للراحة قليلًا. بينما تخرج السيدة من المطبخ بسرعة لا تتناسب مع سنها الذي تخطى الستين، وتتجه ناحية الغرفة المشمسة.
***
في الشقة غرفتان صغيرتان، غرفة ببلكونة وأخرى بلا نوافذ. تشاركت السيدة الغرفة المظلمة مع أمها لمدة خمسة وأربعين عامًا، حتى تُوفيت الأم، فأصبحت الغرفة لها وحدها. بالغرفة كنبتان بلديتان، كانتا متلاصقتين عندما كانت أم السيدة حية، تنامان بجوار بعضهما. ولكن بعد الوفاة، أزاحت السيدة إحداهما ووضعتها في الطرف الآخر الموازي، وأصبحت تضع عليها ملابس أمها، بدلًا من وضعها في الصندوق تحت الكنبة.
أما الغرفة المُشمسة فهي غرفة أبيها، الغرفة التي تمر عليها كل فترة لتتأكد أن كل شيء هناك على ما يرام. للغرفة بلكونة كبيرة، هي التي أتى منها الصرصار. وضعت فيها السيدة منشر غسيل وقفص عصافير حمراء اللون، تسميهم الصُحبة. بعد أن تنتهي من كل مهامها، تحب السيدة تحضير الشاي والجلوس في البلكونة للاستئناس بالأصدقاء وبالنسيم وبالليل السرمدي. بدأت هذه العادة منذ سنوات قليلة، عندما أدركت أن البلكونة لا تُعتبر جزءًا من الخارج، وأنه مسموحٌ لها بالجلوس فيها، وأنه لا ضرر منها ولا ضرار.
أما بداخل الغرفة فيوجد سرير كبير مُذهب، تقشّر ذهبه منذ الله أعلم، ودولاب كبير به ملابس أبيها الداخلية وجلاليبه وبدلاته الرمادية التي كان يرتديها وهو ذاهب إلى العمل كمعاون محطة قطار. تُغيّر السيدة ملاءة السرير كل أسبوع مرة، وتُخرج الجلاليب والبدلات الثلاث تهويهم وتكويهم وتضعهم مرة أخرى بالدولاب. لا تغسلهم أبدًا، حتى لا تطير رائحة الأب، ويبقى البيت فارغًا.
أما الصالة التي يحاول فيها الصرصار التماسك قليلًا حتى يجد مخرجًا، لا يوجد فيها شباك أو بلكونة، فقط باب الشقة المغلق دائمًا، لذلك تكون دائما معتمة نهارًا كليلًا. بجوار الكراتين الخمس المرصوصة على أرضية الصالة كنبة بلدي، عليها كسوة مهترئة، ستزيحها السيدة بعد دقيقة وترميها بالحمام على كومة الغسيل، ثم ترفع الكراتين على الكنبة، وتمسح الأرضية بالجاز، وهو ما سيضطر الصرصار المرهق إلى الطيران إلى الحمام كمساحة آمنة قليلًا، بعيدًا عن النشاط الجازي الدائر في أرضية الشقة.
***
في الحمام تتراكم كومة غسيل. ملابس السيدة التي ارتدتها البارحة: بلوزتها الصفراء ذات الزهور الحمراء الباهتة، والجيبة السوداء التي بصق عليها شحاذ بصقة لم تنتبه لها وهي تهرول خائفة، والشراب النايلون الذي اكتشفت طريقة لترقيعه، وصدريتها الوحيدة التي تهلهلت بسبب ضمور صدرها، بالإضافة إلى كسوة ثلاث كنبات وملاءة سرير، وأخيرًا الجلابية التي ترتديها.
تجلس السيدة على كرسي حمام، أمامها طشتان، بهما ماء. تغسل الأصعب أولًا، كسوات الكنب ثم الملاءة ثم ملابسها. تستخدم في هذا صابون غسيل وزهرة من عند العطار. لم تقتنع أبدًا بمساحيق الغسيل، اعتبرتها خزعبلات الزمن الجديد. ومع ذلك عندما دق أحد البائعين، منذ سنوات لا تتذكرها على بابها، لكي يخبرها إنها ستدخل سحبًا للفوز بجنيه ذهب إذا شاركت عدد أكياس مسحوق الغسيل الذي تستخدمه، قررت وقتها أن تستخدم المسحوق، ليس للذهب فحسب، ولكن لأن الرجل كان لطيفًا معها أيضًا. ولكن عندما لم يمر الرجل مرة أخرى لثلاثة أشهر، توقفت عن هذا العبث وعادت للصابون والزهرة، إلا أنها ما زالت تحتفظ بالأكياس في كرتونة وحيدة تضعها في دولاب الأب.
***
تأخذ السيدة حمامًا بعد الانتهاء من غسل الملابس. تغسل شعرها الأبيض وجسدها الضئيل جيدًا بالصابونة النابلسي، لا تتهاون في نظافتها وتشتري الصابون التجاري سيء الجودة المنتشر بالسوق، بل تشتري «النابلسي» دائمًا، حتى بعد أن وصل ثمنها خمسة جنيهات. فالنابلسي كانت -وما زالت- صابونة الملوك، غنّت لها أم كلثوم وتموضعت لها الفنانات. تنشف جسدها وترتدي جلبابها القطني، وتفرد شعرها الرطب على كتفها استعدادًا لتزييته بزيت النعناع وعقده في ضفيرة كبيرة حول رأسها، وتأخذ طشت الملابس لتنشره في البلكونة، بينما ينفض الصرصار المبلل قطرات الماء التي تطايرت نحوه، استعدادًا لخروجه من الحمام للبحث عن طعام.
أن تنظف الشقة كلها وتغسل أكوام من الملابس لهو عمل مرهق، خاصة لسيدة في الستين من عمرها، لذلك تأتي الرغبة الطبيعية في رمّ البدن، وهو ما استعدت له بطبق بصارة حضّرته في الصباح قبل بدء عملية التنظيف. تأكل السيدة البصارة الصفراء مع بصلة مدشوشة منقوعة بالخل والملح والكمون، وعيش بائت ناشف تبلله بقليل من الماء حتى يطرى قليلًا. تحضر الطعام في صينية وتجلس على الأرضية في الصالة أمام الكنبة، حتى يتسنى لها رؤية الكراتين التي تحتوي على علب الشاي التي شربتها على مدار ثلاثة عشر عامًا. لا تكتفي السيدة بتجميع علب الشاي، بل تسجل عليها أحداث يومها: ما الذي أكلته، ما المكان الذي نظفته، ما الذي كانت ترتديه، ما الذي سمعته من الجارات، مَن ضربها زوجها وهربت إلى الشارع، سعر كيلو الطماطم.
اليوم لديها الكثير لتسجله، وهو ما سيأخذ منها الوقت والمجهود، لذلك لا تنتبه إلى الصرصار الذي يقف على بُعد خطوات منها يأكل فتات الخبز الواقعة منها.
تنتهي من الطعام، وتضع الأطباق بالحوض، لن تغسلها الآن بل ستفعلها بعد أن تنتهي من شرب الشاي، حتى تستخدم سلك المواعين مرة واحدة. يصب هذا في مصلحة الصرصار الذي لم يشبع من فتات الخبز، فيتجه إلى بقايا البصارة في الطبق، بينما تتجه السيدة إلى الكراتين. تجلس على الأرضية وتفتحها، وتخرج العبوات وحبوب النفتالين التي وضعتها لكي تمنع وجود الحشرات الزاحفة، وتستبدلها بحبوب جديدة، ثم تضع العبوات مجددًا، وتمسك كرتونة جديدة، لكي تسجل عليها أحداث البارحة.
***
هي لا تحب الخروج، ولكنها تخرج مضطرة لشراء متطلبات البيت، من فول مدشوش وبصل وكزبرة من سوق الخضار، وبقدونس وعيش بلدي من الفرن، والجاز وبيكربونات الصوديوم وصابون يدوي وصابون نابلسي وزهرة من العطار. تحاول شراء هذه الطلبات من البائعين حول البيت، حتى لا تطيل البقاء خارج المنزل.
أما يوم المهام فهو مختلف، هو يوم القيامة كما تسميه، حين تتجه نحو ماكينة الصرف، تقبض معاشها لأبيها، ثم تتجه إلى محل تليفونات صغير، المحل الذي علّمها أخوها كيف ترسل له نصف معاشها الشهري منه، متحملةً هي تكلفة إرسال الفلوس، ولكنها تكلفة بسيطة كعوض لأخيها الذي كان من المفترض أن يعيش معها هو وزوجته وأطفاله الثلاثة، ولكن بحكم عمله في محافظة بعيدة، ترك الشقة لها وحدها.
تعجبت وقتها من التقدم الذي حدث حولها، أصبحت هي فجأة من أصحاب الكروت الفضية التي تجعلها تقف أمام الماكينات لسحب المال مثلها مثل الأغنياء، والآن بغمضة عين ترسل لأخيها المال من خلال الهاتف. ولكن مع عدم فهمها الكامل لطرق سحب المعاش من الماكينة، ومعاصرتها لعدم كفاءة هذه الماكينات التي لا تخرج المعاش كاملًا، وأيضًا تأكل كروت بعض الواقفين، يوترها يوم القبض لفزعها من أن تأكل الماكينة معاشها فتبقى هي وأخيها بلا طعام. تلعن التقدم والحديد، ما لها طوابير المعاشات وشبابيك القبض وفظاظة الموظفين، على الأقل كانت تعرف حال الدنيا وتأخذ فكتها كاملة.
حانت ساعة التسجيل، تمسك قلمها وتبدأ. في العبوة الجديدة تسجل السيدة مبلغ 1750، وهو ليس معاشها كاملًا بل يُفترض أن يكون 1823، لكنها وجدته 1759، واضطرت إلى سحب 1750 فقط، لأن الماكينة أكلت تسعة جنيهات. وهو ما دعاها لأن تصرخ أمام الماكينة وسط الناس بصوت حاد وعالٍ غير معتادة هي عليه: حديدة بنت كلب.
الرقم الثاني الذي تسجله هو المبلغ الذي أرسلته إلى أخيها. كان من المفترض أن ترسل نصف معاشها، ولكنها أرسلت له زيادة عليه 25 جنيهًا، لأنه اشتكى لها المرة الماضية من الغلاء و«العيشة اللي مش عايزة تتعدل»، لذلك أخبرت نفسها إنها من واجبها كعمة لأطفال أخيها أن تزيد المال المرسل، وأنه يمكنها ببساطة أن تمتنع عن شراء حزم البقدونس والكزبرة لمدة أسبوعين لتأكل البصارة صفراء.
يتبقى حادث وحيد تتردد السيدة في تدوينه، وهو حادث دهس إحدى السيارات لقطة. نزل وقتها الرجل من سيارته وحمل القطة بمناديل ورقية ووضعها بجانب الطريق، ثم عاد سريعًا إلى سيارته. مرت السيدة على القطة، لم تمت وقتها بعد، كانت في هذه اللحظات الأخيرة بين الحياة والموت، بطنها مشقوق والأمعاء خارجة، ولا أثر للمناديل الورقية، تشبعت بالدماء واختفت. مشهد وقفت أمامه السيدة فترة، حتى غلبها الخوف من أصوات السيارات المارة ونظرات الشحاذين واقتراب الظلام، فقررت العودة إلى بيتها. الآن بعد تردد، تدون فقط: «قطة حمراء»، ثم تضع القلم الأحمر وعبوة الشاي في الكرتونة الخامسة، وتتأكد من حبات النفتالين، ثم ترص الكارتونة في مكانها وتتنفس.
***
جاء الليل السرمدي الآن، تدرك ذلك من ظلمة غرفة أبيها، ومن الهدوء القادم من قفص العصافير.
تتحرك السيدة ناحية الغرفة، لتتأكد مجددًا أن كل شيء هناك على ما يرام، فتجد أن كل شيء على ما يرام، تمامًا كما تركته منذ دقائق، فتطمئن وتذهب إلى البلكونة وتفتحها، فيستقبلها النسيم الذي تحبه. النسيم الذي لا ضرر منه ولا ضرار، معلنًا أنه وقت الشاي. تذهب إلى المطبخ لكي تحضر الصينية التي بها السبرتاية والكوب الزجاجي وعبوة الشاي المرسومة عليها عروسة حمراء، وتعود مجددًا إلى البلكونة، وتجلس على أرضيتها الرطبة مستمتعة بالهدوء. وقتها يقرر الصرصار الذي أكل القليل من البصارة وتشبعت أنسجته برائحة الجاز، أن يتبع النسيم الذي بدأ ينتشر في البيت، ويزحف خارج المطبخ، ولكن جهازه العصبي وأنسجته المهترئة لا تساعده على الوصول إلى البلكونة المفتوحة على مصراعيها تناديه للخروج، بدلًا من الفتحة الصغيرة التي سُدت الآن ببقايا صابون جديدة. يصل بصعوبة إلى إحدى الكراتين المرصوصة ويقرر أن يستقر فيها إلى حين.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن