تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
زراعة الإسمنت في الحدائق 

زراعة الإسمنت في الحدائق 

كتابة: بيسان كساب 8 دقيقة قراءة
الحديقة الدولية

بعد أشهر قليلة من الإعلان عن طرح ركنين من الحديقة الدولية في مدينة نصر لاستغلال القطاع الخاص، وهو المشروع الذي تضمن تجريفًا لسبعة آلاف متر مربع من المساحات الخضراء، توشك الحديقة على طرح نحو سبعة آلاف متر مربع أخرى في صورة ركنين آخرين ضمن مزايدة يرجح أن يتم الإعلان عنها في فبراير المقبل، حسبما قال لـ«مدى مصر» مصدر على صلة مباشرة بالمزايدة المرتقبة. 

يمثل طرح الركنين جانبًا كان مؤجلًا من خطة «تطوير» الحديقة، ففي الوقت الذي نجحت فيه إدارة الحديقة في طرح ركنين العام الماضي، بناءً على مزايدتين وقتها، تعثر طرح الركنين الآخرين. وقال المصدر نفسه إن حصيلة طرح الركنين السابقين للإيجار بلغت 19 مليون جنيه في أول سنة: ثمانية ملايين جنيه عن أحد الأركان و11 مليون جنيه عن الركن الآخر، على أن تزيد القيمة السنوية للإيجار 10%. 

ليس معروفًا بعد طبيعة الاستثمارات في الركنين السابقين، حيث أنها ما زالت قيد الإنشاءات حاليًا. 

مشروع التطوير الجديد يتضمن إزالة أجزاء من السور الخارجي للحديقة، بحيث تُقتطع الأركان عمليًا من مساحة الحديقة، ولا يحتاج رواد المطاعم والمقاهي التي سيشملها المشروع إلى دخول الحديقة. 

كان الجدل حول مشروع «تطوير» الحديقة الدولية قد تفجر في سبتمبر الماضي، بعدما رصدت صور جرى تداولها على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي عمليات تجريف لأجزاء من الحديقة. وبدا الأمر تبعًا للتعليقات على الصور، كما لو كانت الحديقة على وشك التجريف بالكامل. بعدها بأيام، صدر تكذيب من مجلس الوزراء لتجريف الحديقة، قائلًا إن ما يجري هو «تنفيذ خطة شاملة لتطوير الحديقة ورفع كفاءة جميع خدماتها»

لأول وهلة يبدو مشروع الـ«تطوير»، بما تضمنه من تجريف مساحات خضراء واسعة من الحديقة، كان «مدى مصر» شاهدا عليها، هي أسوأ ما يمكن تخيله، باعتبارها أكبر حديقة تابعة لمحافظة القاهرة. لكن تتبع تفاصيل مشروع التطوير كشفت أن اقتطاع تلك الأجزاء يبدو هو التطور الطبيعي لنظام تمويل الحديقة الدولية وغيرها، ضمن مشروع «الحدائق المتخصصة»، وهو نظام تمويل يجعل من الحدائق موردًا لتمويل الخزانة العامة، لا العكس.

تمثل الحديقة الدولية، التي تبلغ مساحتها 55 فدانًا، أكبر الحدائق المتخصصة. وتأسس مشروع الحدائق المتخصصة التابع لمحافظة القاهرة عام 1987، ويضم حاليًا 27 حديقة: ثماني بالمنطقة الغربية، تسع بالمنطقة الجنوبية، ست بالمنطقة الشرقية، وأربع بالمنطقة الشمالية.

التعريف الرسمي للحدائق المتخصصة يشير إلى أنها لا تهدف للربح، لكنها تحتاج لتغطية نفقاتها من إيراداتها. تُجمّع إيرادات الحدائق معًا ويعاد توزيعها مجددًا، وهو ما يعني أن الحدائق التي تحقق إيرادات مرتفعة تستخدم جانب من إيراداتها في الإنفاق على الحدائق صاحبة الإيرادات الأقل، كما يوضح لـ«مدى مصر» مسؤول في الحديقة الدولية. 

قبل مشروع التطوير، كانت الحديقة الدولية تعتمد في إيراداتها على حصيلة التذاكر، والتي يبلغ سعر الواحدة منها عشرة جنيهات، إلى جانب إيرادات إيجار محلات ومطاعم صغيرة ومتوسطة في قلب الحديقة، بالإضافة إلى قاعة كانت في الماضي مطعم قبل نهاية فترة إيجاره، ومشروع ملاهي صغير، وإيجار قطعة أرض تابعة للحديقة أقيم عليها مشروع ملاهي وندر لاند الملاصق لها. لكن تلك المشروعات إجمالًا تدر دخلًا متواضعًا عمومًا في محاولة للتماشي مع ضرورة تقديم خدماتها بأسعار في متناول رواد الحديقة، الذين ينحدرون من أوساط اجتماعية محدودة الدخل غالبًا، بحسب مسؤول في الحديقة. 

ووفقًا لنفس المسؤول في الحديقة الدولية، تواجه تلك الحدائق أزمة في التمويل، لأن مصروفات الكهرباء والمياه أصبحت تشكل عبئًا كبيرًا، حيث تطالب الحكومة الحدائق بفواتير تعتمد على شريحة كبار المستهلكين. يقلل ذلك من إمكانية أن تغطي إيرادات التذاكر تلك المصروفات. 

 أيضًا، منذ عام 2016 جرى تغيير بارز في نظام تمويل الحدائق المتخصصة، حين بدأت وزارة المالية في خصم 15% من الإيرادات الشهرية «للصناديق الخاصة والحسابات الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص للخزانة العامة للدولة»، وهو قرار انطبق على الحدائق المتخصصة.

وتبعًا للمصدر نفسه، فذلك يعني عمليًا أن وزارة المالية تخصم 15% من الإيرادات (وليس من الأرباح) في السادس والعشرين من كل شهر، بغض النظر عن احتياجات الحدائق من عدمها. 

وفقًا لعاملين في الحديقة، أدى نظام التمويل هذا إلى «تقشف» شديد على مستوى أجور العاملين الذين يصل عددهم في الحديقة الدولية 268 عاملًا، من أصل نحو 750 هم إجمالي عدد العاملين في الحدائق المتخصصة في القاهرة. وأوضح أحد العاملين في الحديقة أن العاملين محرومون من أي ترقيات وأي علاوات اجتماعية تقرها الدولة، وكذلك من أي منح في المناسبات، من قبيل المولد النبوي وموسم بدء الدراسة.

ولهذا السبب، يعد البحث عن مشاريع «التطوير» عبر طرح مساحات من الحدائق المتخصصة للقطاع الخاص، بما قد يتضمنه ذلك من تجريف تلك المساحات، ضرورة لا بديل عنها، كما يقول المصدر، موضحًا: «تصل تكلفة تشغيل الحدائق المتخصصة شهريًا إلى أربعة ملايين جنيه في المتوسط، أي 48 مليون جنيه سنويًا، وبسبب الإيرادات الإضافية التي حققها مشروع طرح الركنين.. 19 مليون جنيه، بالإضافة إلى الإيرادات التي تحققت قبلها من مشروع شبيه في حديقة الطفل [في مدينة نصر] والتي بلغت خمسة ملايين جنيه، أصبح من المتوقع أن تكشف الحسابات الختامية للحدائق المتخصصة -في نهاية العام المالي- عن تحقيق فائض، في حين أن إيرادات الحدائق المتخصصة إجمالًا قبل مشروعات التطوير الأخيرة كانت تبلغ في المتوسط 40 مليون جنيه تقريبًا أي تقل عن مصروفاتها».

لكن «أتعلمين إلى أين سيوجه هذا الفائض؟» يتساءل المصدر. «سيذهب لسداد جزء من قرض حصلت عليه الحدائق المتخصصة من محافظة القاهرة لتغطية نفقاتها في وقت تفشي فيروس كورونا بسبب انهيار حصيلة التذاكر. ذلك لأن الدولة تتعامل مع الحدائق كمشروع استثماري تنتظر منه الأرباح وتقرضه وتنتظر منه السداد». 

حديقة الطفل

مؤمن الحسيني، أستاذ الهندسة العمرانية في الجامعة الأمريكية، يرى أن نظام تمويل الحدائق المتخصصة على هذا النحو يعني أن الدولة تنظر لهذه الحدائق كمشروع ينبغي ألا يحصل فقط على تمويل من الدولة، وإنما أن يدر أيضًا أرباحًا للدولة، وهو ما يتنافى تمامًا مع أي منطق للعدالة العمرانية. «يفسر هذا النمط من التمويل -طبعًا- الميل لاقتطاع مساحات خضراء من المساحات المخصصة للمنفعة العامة للمجتمع في محاولة لجلب المزيد من التمويل بأي ثمن». 

ويضيف الحسيني: «لا يمكن تطبيق منطق المشروع الذي يهدف لتحقيق الربح على الكثير من الخدمات، من ضمنها الحدائق بطبيعة الحال، لأن تقديم تلك الخدمات بسعر منخفض بما لا يشمل أي ربح، يأتي لتحقيق هدف أسمى، ويعود بفائدة أكبر على المجتمع، وأبرز مثال على ذلك هو مشروع مترو الأنفاق مثلًا، الذي لا ينبغي بحال من الأحوال أن يكون مربحًا لأن تقديم خدمة النقل الجيد والمريح بسعر يتناسب مع الجميع يحقق هدفًا أهم للمجتمع، وهو القدرة مثلًا على القيام بالعمل على أفضل وجه وتقليل الزحام». 

تمثل مساحة حدائق القاهرة الممولة من الدولة تقريبًا 12%، هي مجموع مساحة الحدائق التابعة لهيئة النظافة والتجميل وحديقة الأسماك التابعة لوزارة الزراعة. في المقابل، باقي مساحات الحدائق كلها لا تمولها الدولة: الحدائق المتخصصة، وتمثل 26% تقريبًا، بالإضافة إلى 62% تقريبًا يمثلها مشروع تلال الفسطاط.

caption
تصوير: بيانات هيئة النظافة والتجميل في القاهرة ومحافظة القاهرة وحسابات «مدى مصر»

استبعد الشكل السابق مساحة حديقة الأزهر، لكونها تمول من مؤسسة أغاخان، كذلك حديقتي الحيوان والأورمان اللتين تقعان في محافظة الجيزة. كما استبعد الحدائق التابعة للقوات المسلحة بسبب قلتها، وعدم إمكانية الوصول لنظام تمويلها، وهي: حديقة الأسرة في ألماظة التي انتقلت تبعيتها من الحدائق المتخصصة إلى القوات المسلحة، وخمسة آلاف متر اقتطعت من حديقة العاشر من رمضان (المتخصصة) في مدينة نصر، وانتقلت ملكيتها أيضًا للقوات المسلحة لتأسيس محطة وقود سيارات، وحديقة اللوتس، المواجهة لحديقة العاشر من رمضان، التابعة لهيئة النظافة والتجميل، والتي انتقلت تبعيتها للقوات المسلحة أيضًا وجُرفت بالكامل. كما خُصمت من بيانات قائمة مشروع الحدائق المتخصصة مساحة حديقة السادس من أكتوبر التي انتقلت تبعيتها لقائمة حدائق الهيئة العامة للنظافة والتجميل في محاولة لمساعدتها على استيعاب عمال حديقة الفسطاط بعد انتقال الأخيرة لصندوق التنمية الحضرية. 

حديقة الفسطاط

ضُمت حديقة الفسطاط إلى مشروع تلال الفسطاط. وهو مشروع استثماري، ما زال قيد الإنشاء، و«تستهدف الدولة أن يموّل نفسه ويحقق أرباحًا عبر إيرادات فنادق وملاهي ومقاهي ومطاعم»، حسبما قال لـ«مدى مصر»، خالد صدّيق، رئيس صندوق التطوير الحضري، الذي يشرف على المشروع، مضيفًا أن «أسعار التذاكر لم تحدد بعد لأن المشروع بعد تنفيذه ستُعهد إدارته على الأرجح إلى شركة خاصة، ويفترض أن تحدد هي أسعار التذاكر ضمن دراسة للإيرادات المتوقعة من المشروع كله». 

تصل مساحة المشروع إلى 500 فدان، ما يعني أنه يفوق في مساحته كل حدائق القاهرة مجتمعة. وقبل إطلاق المشروع، كانت نصف تلك المساحة تمثل حديقة الفسطاط العامة، التي كانت تتبع هيئة النظافة والتجميل. وقتها كان سعر التذكرة لا يتعدى خمسة جنيهات، قبل أن تُسلم الحديقة إلى صندوق التنمية الحضرية ويتغير طابعها وتضاف إليها مثل مساحتها. 

«فيه مشكلة في إدراك أهمية الفراغ العام كخدمة مجانية توفرها الدولة. بالتالي، صانع القرار بيشوف إن أهم من وجود المكان كخدمة هو إدراره للربح، اللي برضه بيبقى شايف إنها خدمة للمواطنين، فبالتالي المطاعم والكافيهات دي خدمات تناسب توفير ربح للحكومة من الأماكن العامة»، يقول أحمد زعزع، معماري ومصمم وباحث عمراني وشريك مؤسس في شركة «10 طوبة» للدراسات و التطبيقات العمرانية.

في المقابل، يغيب إدراك قيمة المساحات الخضراء كما هي «كرئة» للقاهرة التي يسكنها أكثر من عشرة ملايين نسمة، يضاف إليهم سبعة أو ثمانية ملايين من الزوار يوميًا. الحاجة لتلك «الرئة» أكد عليها الباحثان نزار كفافي وحسام فتحي، مدرسا الهندسة العمرانية بجامعة القاهرة عام 2019، في أحد أبحاثهما المنشورة في المجلة الدولية للتنمية والاستدامة. وبجانب أهمية المساحات الخضراء والمفتوحة للبيئة، لدى تلك المساحات أيضًا صلة وثيقة بسعادة المواطنين.

«على الرغم من كل الصعاب التي يعاني منها الناس، وحتى مع الندرة الشديدة في المساحات الخضراء الحضرية، لا يزال التواجد في المساحات الخضراء يُحدِث فرقًا في سبل عيش الناس ونوعية حياتهم. وعلى الرغم من أن معظم الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع كانوا غير سعداء بشكل عام في حياتهم بسبب الأزمات الاقتصادية الصعبة في مصر، إلا أنهم عبّروا عن سعادتهم بالمساحات الخضراء، بل ذكروا أنها من بين الملاجئ النادرة التي يتوجهون إليها بحثًا عن الرضا والفرح والارتياح»، يقول الباحثان في ورقتهما.

وبحسب الباحثين: «من المثير للدهشة أن 95% من سكان القاهرة يضطرون إلى الدفع لدخول المساحات الخضراء، وهو ما يستبعد بالتأكيد قطاعًا كبيرًا من المواطنين الذين لا يستطيعون تحمل رسوم الدخول خاصة للعائلات الكبيرة الفقيرة».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#عمران

«النيل» في مزاد الجيش

مع بداية التحول للنيوليبرالية في بدايات الألفينيات، تغيرت فلسفة الدولة في التعامل مع الفراغ العام.

محمد عز 11 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن