تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«زاوية للأفلام القصيرة».. الأرشيف والعائلة والجنسانية

«زاوية للأفلام القصيرة».. الأرشيف والعائلة والجنسانية

أسئلة الهوية والذاكرة في الدورة التاسعة للمهرجان

كتابة: رحمة الحداد 10 دقيقة قراءة

بداية من فبراير 2016 ولتسع دورات متواصلة حتى الآن، عمل مهرجان زاوية للأفلام القصيرة كمؤشر على موجات/اهتمامات صانعي الأفلام المبتدئين أو الصاعدين، خاصة في أعمالهم الأولى أو الثانية، أو هؤلاء الأكثر تمرسًا ممن يحيدون عن الأفلام التجارية الطويلة، ليعودوا للشكل الأكثر تجريبية الذي يسمح به الفيلم القصير. 

يمكن حصر مجموعة من التيمات والميول المشتركة في أفلام الدورة التاسعة، التي أقيمت في مارس من هذا العام بسينما زاوية، ومن خلالها يمكن تأمُّل المساحات التي تتحرك خلالها السينما البديلة أو الشابة على مستوى الشكل والموضوع. ساعد في تكثيف صبغة تيمية/موضوعية على كل برنامج ميل من المبرمجين لتأطير كل برنامج من البرامج الأربعة الرسمية بتيمة/مزاج تشترك به أفلام العرض، يحيد عنها أفلام قليلة. 

لكن بشكل عام يعد كل برنامج وحدة بنائية داخلها تجارب سينمائية قصيرة، تكمل بعضها كقطع أحجية، تسري خلال الدورة بأكملها، حتى مع تقسيمها لبرامج وتيمات منوعة، لكن تتخللها موضوعات وجماليات متكررة، سواء بسبب أساليب الإنتاج وورش العمل أو بسبب سير موجات محددة كل فترة بين صانعي الأفلام من الشباب في بداية مسيرتهم. يتكرر تقنيًا استخدام الأرشيفات العائلية والشخصية، واستدعاء جماليات الريترو retro للثمانينيات والتسعينيات، ومن خلالها يتم مساءلة أفراد العائلة، واستكشاف الماضي الذاتي، وربطه بالعام سياسيًا أو اجتماعيًا، وفي بعض الأحيان استكشاف الذاتي والانغماس به. ومن خلال التركيز على الذاكرة والعائلة تتولد تيمة متصلة، وهي الأمومة وماهيتها، كما تتعدد الأفلام التي تتناول ديناميكيات النوع/الجنس والرغبة والكبت المجتمعي، بجانب أسئلة الهوية والتمثيل الذاتي.

نساء في مواجهة الكاميرا

بالإمكان تقسيم التيمات الأكثر انتشارًا في البرامج إلى ثلاثة أقسام عامة، هي الأفلام التسجيلية المتعلقة بالهوية والتمثيل الجندري، والأفلام الذاتية المعتمدة على الأرشيف الشخصي، والأفلام الروائية التي تتخذ من الجنسانية النسائية موضوعًا. ويمكن تتبع تيمة الهوية والتمثيل الجندري بعيدًا عن تيمات الانعتاق الجنساني في أفلام تسجيلية مثل «أصوات منا وإلينا» لعمر أبو جبل و«هدى: أُم مع ايقاف التنفيذ» لرابيل عريان، و«لا أجد هواء أتنفسه» لنسرين لطفي الزيات، الذي عُرض دون الإعلان عنه، بسبب تعرضه لعقبات رقابية. 

جمع تلك الأفلام البرنامج الأول ليكون أكثر البرامج تناغمًا نوعيًا وموضوعيًا، تجمع الأفلام الثلاثة أشكال تسجيلية تقليدية تحدث في هيئة محاورات مع عنصر يقوده الصانع خلف الكاميرا، وتتقاطع التيمات في بعض الأفلام بين الأمومة والهوية والثقل الاجتماعي المصاحب للنوع. 

في «أصوات منا وإلينا» تتحدث إلينا «علية» بشكل مباشر، علية هي امرأة متحولة جنسيًا ذات صوت رقيق ومظهر حريص، تحاول إيجاد مكانها بالعالم في جسد جديد، تحاور جسدها القديم وروحها الماضية. يصنع وجود علية في مدينة أوروبية شعورًا أكثر تسامحًا، فيصبح وجودها في المساحات العامة مربكًا، لكن ليس بكارثية وجودها في بلد غير متقبل للسيولة الجندرية ظاهريًا على الأقل. بافتتاح البرنامج الأول والمجموعة كلها بهذا الفيلم ترسي الدورة تناولها لأصوات متنوعة، تتجول بين التنوع الجندري والديني والطبقي، بينما يحلق شبح الرقابة فوق العروض، ويذكر بسخرية وتقبل كأمر واقع. 

من فيلم «أصوات منا وإلينا»

في سياق الأفلام التسجيلية كذلك عُرض «لا أجد هواء أتنفسه»، عرض الفيلم كذلك في مسابقة الأفلام القصيرة لمهرجان القاهرة، العام الماضي، لكنه واجه صعوبات رقابية في عرضه بمهرجان زاوية، حتى تمت الموافقة على عرضه مرة واحدة دون إعادة، يتخذ الفيلم صيغة تسجيلية تقليدية، حيث تتابع كاميرا المخرجة وصوتها أحيانًا امراة تدعى سعاد تسكن في منطقة شعبية بالعاصمة المصرية، وتكافح للحصول على الاستقلال والحماية من زوجها العنيف والمؤذي.

تتحلل سعاد من قيود الهيئة الدينية والطبقة والتوقعات الاجتماعية أمام الكاميرا، ترفع نقابها وتعبر عن حبها للرسم والفن، بل وتعبر عن تطويرها إعجاب بأحد مشايخ الطرق الصوفية، مع نهاية الفيلم تصبح سعاد شخصية مألوفة، وكأنك قضيت معها وقتًا وأجريت معها محادثات صادقة وكاشفة.

من فيلم «لا أجد هواء أتنفسه»

يكمل الثلاثية التسجيلية فيلم «هدى: أم مع إيقاف التنفيذ»، الذي عرض سابقًا في مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة، ليتبع شخصيته الرئيسية «هدى»، امرأة من طبقة متوسطة مستقرة ماديًا، حلمت بالأمومة لكن لم تنلها، تجد أمومتها وتمارسها في دار كاثوليكية للأيتام، وتتخذ من مريم إحدى فتيات الدار ابنة لها، في شكل غير تقليدي يدمج الأمومة بالصداقة.

تنكشف هدى أمام كاميرا الصانعة كذلك، تسرد تعرضها لاعتداء جنسي في طفولتها، وتتحدث بحرية عن رفضها للأدوار التقليدية للنساء، يتضح أن الفيلم ذو طبيعة ذاتية بحديث مخرجته رابيل بعد العرض، فهدى خالتها، والفيلم مشروع تخرجها، لكن صيغته التسجيلية شديدة التقليدية تهمش تلك القرابة، وتجعل العنصر -أي هدى- وجهًا يتحدث للشاشة دون محاولة لفرض حميمية محددة معه.

«هدى: أم مع إيقاف التنفيذ»

الأرشيف والفيلم الذاتي 

يتبنى «هدى» سردية بديلة ومعقدة عن الأمومة، ربما لاقت التفاعل الجماهيري الأكبر بين أفلام الدورة، يمكن من خلال ذلك التمثيل للأمومة الانطلاق لتمثلات أخرى أكثر ذاتية ومباشرة، وهو ما يمثل التيمة الأخرى المهيمنة على أفلام البرامج، في مجموعة من السرديات الذاتية التي تستخدم الأرشيف العائلي وأفراد العائلة نفسها كعناصر فيلمية. تتضمن تلك الأفلام مساءلة الآباء والأمهات والجدات، ومحاولة شد خيط من خلال الصدمات الجيلية لصناعة بورتريهات ذاتية، يمكن وصف التيمة المتخللة لتلك التجارب بأنها استحضار للذاكرة.

تضم المجموعة فيلم «الأم والدب»، لياسمينا الكمالي، الفائز بجائزة مسابقة الأفلام القصيرة، في مهرجان القاهرة، وكذلك في مهرجان زاوية للأفلام القصيرة. يأتي الفيلم كنتاج لورشة «قافلة بين سينمائيات»، التي ضمت مجموعة من النساء في تجارب لصناعة أفلام تسجيلية. يستخدم «الأم والدب» مزيجًا من الأرشيف والمقاطع المصورة العائلية، وصيغة تسجيلية تعتمد على المقابلة المباشرة. في هذه الحالة لا تتخفى الصانعة خلف الكاميرا لتترك المساحة للعنصر، بل يتبادل الصانع والعنصر صناعة الفيلم.

تواجه ياسمينا والدتها وتواجه الأم ابنتها، بالأسئلة وبالكاميرا نفسها. تصبح الكاميرا هنا وسيلة مشتركة للمواجهة وإعادة النظر. كما يبني الفيلم جيلًا متسلسلًا من الأمهات. والدة ياسمينا تحكي عن والدتها، بينما تعرض على الشاشة صورًا التقطتها الجدة للوالدة، وتنسقها وتركبها الحفيدة. تتحدث الأم بحرية وتحفُّظ في آن، عن عدم تلقيها الحب من والدتها، وعن بعدها عن الشكل المعتاد للأمومة الحنونة، وفي الوقت نفسه تُسائل ابنتها عن سبب بُعدها. تظهر نتيجة الفيلم النهائية منمقة بصريًا، بكادرات ناعمة، تُعلي القيم الجمالية التقليدية على فوضوية الأرشيف، وإضاءة دافئة نوستالجية تشابه تلك التي تظهر في الصور الأرشيفية.

من فيلم «الأم والدب»

على النقيض من ذلك التنميق البصري يأتي فيلم «اقلب الشريط من فضلك» لمارك حنين، يعمل فيلم حنين على حد وصفه كذاكرة مشوَّشة، تتمثل بصريًا في فوضى تسجيلية، كأنها شريط فيديو تالف، تتداخل به الصور القديمة مع الجديدة، من الأرشيف العام والخاص. صنع حنين فيلمه في أثناء الحجر الصحي وقت تفشي وباء كوفيد 19. بدأ في تسجيل جدته المسنة خوفًا من تلاشيها من ذاكرته. توفت الجدة قبل عرض الفيلم، وبقي الفيلم كذكرى شخصية له وتجربة جمعية يمكن التوحد معها، في ردود الجدة الساخرة ومخاوفها من الاحتجاز، والربط البصري بين المحتوى المصور حديثًا وأرشيف مارك الذاتي المصور من قبل والديه في طفولته، ليصنع أرشيفًا داخل الأرشيف يضم عدة أجيال. 

من فيلم «اقلب الشريط من فضلك»

بشكل مشابه تتلاعب ميسون عبد الغني في «أبي لم يحب لعبي» بأرشيف عائلتها، تستخدمه كمادة خام، تخربه وتعيد تشكيله ليصبح مادة للتجريب وخلق الكولاجات الرقمية، تعمل ميسون بالنصوص المكتوبة والصور الثابتة والمتحركة، لتبني سردية ذاتية عن أبيها وعن طفولتها، في شكل أكثر سيولة وأقل مباشرة، ففي حالتها ليست هناك مساءلة مباشرة للعنصر، بل تعاطي ذاتي مع الذاكرة الأسرية والبصرية لعائلتها.

من فيلم «أبي لم يحب لعبي»

تمتد مساءلة الجدة كعنصر للاستكشاف العائلي في فيلم «سر جدتي» لنورهان عبد السلام. صُنع الفيلم في إطار ورشة «قافلة بين سينمائيات» مثل «الأم والدب»، في «سر جدتي» لا تستخدم نورهان أرشيفًا بصريًا خاصًا أو جماليات شرائط الثمانينيات المصورة، بل تستخدم التأريخ الشفهي واقتفاء الأثر. تترك صوت جدتها يسرد حكاية قديمة، بينما تعرِض الصورة أماكن وقوع الحكاية، في قرية ريفية ساكنة وقت الغسق، القرية التي اختطفت بها جدتها طفلة، حيث قضت طفولتها في محاولات للانعتاق من قبضة أسرة من طبقة عليا، في تاريخ غير محدد في الفيلم، لكن حددته نورهان في أثناء حديثها بأنه قبيل ثورة 52، أي في أواخر أيام الملكية.

يضفي الفيلم بُعدًا قليلًا ما يُرى في أفلام الدورة وأفلام الفترة بشكل عام، وهو بُعد سياسي اجتماعي بجانب الشخصي، يطرح «سر جدتي» شكلًا من التراتبية الطبقية من خلالها كتب تاريخ عائلتها وحاضرها.

من فيلم «سر جدتي»

المراهقة كمجاز

يمكن وصف السمت العام لأفلام البرنامج بالذاتية والانغماس بالعوالم الخاصة داخليًا وعائليًا. تتجنب الأفلام وصانعوها الاشتباك مع الأوضاع السياسية والاجتماعية الآنية. لكن بعضها يفعل عن طريق طرح تيمات عامة، مثل «مانجو» لرندة علي الذي يتعامل مع شخصيات من طبقة متوسطة عليا، ومحاولات تأقلمها مع التغيرات العمرانية والحضرية المتسارعة في الشوارع المصرية، أو «بعد ذلك لم يحدث شيء» لإبراهيم عمر، الفيلم السوداني الذي تقع أحداثه في القاهرة، حول حدث مأساوي، وفاة طفل وصعوبة دفنه، لتأخر استجابة الهيئات المصرية المختصة، لأن اليوم ليس ضمن أيام العمل الرسمية. 

من فيلم «مانجو»
من فيلم «بعد ذلك لم يحدث شيء»

هيمنة الذاتية على الأعمال هي سمة متكررة في الأفلام المبكرة، يتيح ذلك استكشاف المواد المتاحة والنظر للداخل لما يعلمه الصانع، ويعلم كيف يعبر عنه بالأدوات القريبة منه، تحيد عن تلك القاعدة الأفلام التي تتناول غضبًا يتعلق بالنوع وديناميكات الجنسانية الشابة في مصر المعاصرة.

معظم تلك الأفلام تتخذ من النساء الشابات في عمر المدرسة بطلات لها، بينما يصنعها رجال، أفلام مثل «مدينة بلا حب» لمصطفى جيربي، و«بيني وبينك» لعمرو السيوفي، تتعامل بشكل مباشر مع جنسانية  الفتيات المراهقات، مستدعية ليس التجربة الشخصية، بل أفلام أخرى تناولت موضوعات مشابهة، كلا الفيلمين يكرر مشهدية وضع مستحضرات التجميل، أحمر الشفاه (باللون الأحمر) ويستحضر السلطة الأبوية، في «بيني وبينك» بشكل حرفي، وفي «مدينة بلا حب» بشكل مجتمعي، يستخدم الفيلمان بطلاتهما من الفتيات لتأطير نقد مجتمعي، لكشف نفاق وسرية المجتمع، فيما يخص الجنسانية النسائية، في «بيني وبينك» الذي تقع أحداثه في منزل فارغ، حيث تجد شابة في المرحلة الثانوية تقريبًا نفسها وحدها، فتبدأ في تصفح مواقع للمحادثات الجنسية، تبحث الشابة عن الحب والرغبة في خلط بينهما -منها كشخصية ومن صانع العمل- تتجول بين المستخدمين، رجال في منتصف العمر تجد بينهم والدها، وهو ما يوصل الدراما إلى ذروتها.

يخلق الفيلم قصة توق إلى الصحبة، وفضول تجاه الحميمية عن طريق مشهد تخيلي بالأبيض والأسود، ترى به الفتاة حياتها مع شاب حادثته من خلال تلك المواقع، قبل أن يعود واقعها/والدها، الذي يتضاعف أسباب خوفها منه، ليس فقط لإمكانية أن يكتشف ما تفعل، لكن لأنها الآن تعلم ما يفعل.

من فيلم «مدينة بلا حب»

في إطار مشابه يأتي فيلم «دم فاسد» لطارق الشربيني، في شكل أكثر جدية وقتامة، يتناول حدثًا محددًا عن شابة تجتمع بشاب في غرفة مغلقة، قبل أن يباغتهما أخوها، مهددًا إياها بفضحها، إذا لم تتنازل له عن أملاك والدهما. يتحرك «دم فاسد» في إطار خارج عالم المراهقين، فبطلته أم عزباء، مما يجعله أكثر عنفًا وصدامية، لكنه يقع كذلك في إطار الأفلام التي تحلّل جنسانية النساء بنظرة إثارية، تسعى بشكل رئيسي لاستدعاء الصدمة وجرأة الطرح بصريًا وليس موضوعيًا. 

من فيلم «دم فاسد»

في حكاية أكثر خفة يتناول «مدينة بلا حب» لمصطفى الجيربي، سعْي مراهقة وحبيبها لاقتناص قُبلة في مدخل إحدى البنايات، في تمثيل بصري لشكل الحياة اليومية المصرية، التي تخلو من مظاهر الحب أو الحميمية العامة، بينما هناك تطبيع مع مشاهد العنف الجنسي، لا يتطرق الفيلم لخلفية ذلك السياسية أو الاجتماعية، بل يترك ذلك الموقف المألوف الواحد يحكي ما خلفه.

عرضت بالدورة التاسعة من مهرجان زاوية للأفلام القصيرة مجموعة أفلام متنوعة بصريًا وتمثيليًا، بين التجريب البصري والموضوعي، كما تمثل بعض الأفلام هروبًا من رقابة صارمة، بموضوعات يصعب عرضها في سياقات أكثر تجارية، مما يتيح مساحة للتعبير الذاتي باستخدام المواد الأرشيفية الشخصية أو عن طريق الحكي المباشر، وغيرها من الأساليب، التي تسمح الأفلام القصيرة المستقلة إنتاجيًا بالتحرك داخلها، ويصعب رؤيتها في السياقات الإنتاجية الأكثر رسمية وتجارية.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن