وضعت رندا شعث، في مدخل معرضها الأخير في جاليري جيبسوم٬ اقتباسًا من رواية "فهرس" للكاتب سنان أنطون: "ستكون الدقيقة فضاءً ثلاثي الأبعاد. ستكون مكانًا أقتنص فيه الأشياء والأرواح وهي تسافر. التقاطع الذي تلتقي فيه قبل أن تختفي الى الأبد، بلا وداع. البشر يودعون معارفهم وأحبتهم فقط. أما الأشياء فهي تودع بعضها البعض ولكنها تودع البشر أيضًأ، لكننا لا نسمع أصواتها وهمساتها، لأننا لا نحاول. قلما نلمح ابتسامات الأشياء. نعم، الأشياء، أيضًا لها وجوه، لكننا لا نراها، ومن يراها بعد أن يعاني ويدرب نفسه كي يفعل ذلك ومن يحاورها يصبح مجنونًا في عُرفكم."
وجدت شعث ضالتها في هذا الاقتباس كما وجدتها في أربعين صورة فوتوغرافية بالألوان؛ اختارتها لمعرضها "لا يزول". في هذا الحوار مع "مدى مصر"٬ تحدثنا شعث عن قصة هذه الصور ورحلتها مع توثيق الحياة اليومية والأحداث على صفحات الصحف وداخل قاعات المحاضرات بالجامعة.
مدى مصر: هل كان التقاط هذه الصور دون هدف أم في إطار مشروع تبلورين من خلاله مشاعر الحميمية والدفء؟
رندا شعث: عملت على هذا المشروع لمدة عامين وفي ذهني فكرة هذا المعرض. ولكن قبل ذلك، كان الأمر مجرد نوع من التوثيق. كنت أذهب إلى منزل جدتي في الإسكندرية وأقضي الصيف هناك وكان هو المنزل الوحيد الباقي لي؛ بسبب كثرة تنقلنا من منزل إلى آخر. كنت أحب هذا المنزل، وأصابني الخوف حين فكر مُلاكه في بيعه، فقررت توثيقه. أما الآن، فلا يحتوي المعرض سوى على صورتين فقط للمنزل. في العام ونصف العام الماضيين، ذهبت إلى عدة منازل وشعرت فيها بالألفة حتى من المرة الأولى. كنت أرى تفاصيل صغيرة مثل علبة حلوى "ماكينتوش" التي يستخدمونها لحفظ أدوات التطريز. أدركت أنني أبحث عن الدفء في البيوت التي لا تربطني بها صلة. خشيت أن يكون هناك إحساس بالحنين إلى الماضي. هناك بعض الحنين بالطبع، لكنه ليس كل شيء. شاهد البعض أعمالي وربطها بعام 1948، وفلسطين والتهجير من المنازل، لكن الأمر ليس كذلك.


قال لي أحدهم إنني مصورة شارع وأن الثورة في الشارع، ولكنه يشعر أنني مفتقدة الشارع. ضايقني هذا التعليق، وشعرت أنه ذكوري بشكل ما. فكرت قليلا وعثرت على رد على تعليقه في الصور. ليس عيبًا أن نتوقف ونفكر حتى نتمكن من مواصلة عملنا. لقد فكرت في تسمية المعرض "كُمُون"، ولكن الناس قد يعتقدون أن الكلمة هي "كَمّون". [تضحك]


مدى: كيف تتعاملين مع هذا المعرض كونك "مصورة شارع" تنخرط في قلب العمل الصحفي، بينما تتطرق الصور إلى مساحات شخصية ولاعتيادية الحياة اليومية واللا حدث؟
رندا: لا أعتبر نفسي مصورة أخبار بالمعنى التقليدي بل مصورة ناس. هكذا صورت الثورة وهكذا صورت في غزة. أصور الناس أثناء تعاملهم مع الحدث. ما يختلف هذه المرة هو أنني أصور أشياء بإحساسي الشخصي. عادة أعتمد على الأشخاص عندما أصور حدثًا ما. هذه المرة لا يوجد أشخاص ولكننا نشعر بوجودهم.
مدى: هل تعتقدين أن في هذا المعرض نوع من السيرة الذاتية؟.
رندا: بالطبع هناك عنصر من السيرة الذاتية. ولكن الصور تلمس كل شخص بشكل مختلف عن الآخر. فالمشروع بدأ بمنطق السيرة الذاتية ولكنه تجاوز هذا الإطار بعد أن بدأت الذهاب إلى بيوت أخرى بحثًا عن الدفء.
مدى: لفت انتباهي أن أحد زوار المعرض قال إن الصور في حاجة إلى تسليط الإضاءة بطريقة خاصة لكي نتفادى الانعكاسات التي لا تسمح لنا برؤية الصور بشكل أوضح. حين نرى انعكاس ملامحنا على الصورة، قد تخطر لنا فكرة أن هذه اللقطات والذكريات تنتمي إلينا أو على الأقل تربطنا بها علاقة ما.
رندا: (تضحك). صحيح، ارتبط الجمهور بالصور بطرق مُختلفة ولأسباب شخصية، لقد نفذت الصور إليهم بطرق متنوعة.
مدى: كيف اخترتِ الصور التي ستُعرض؟
رندا: التقطت الكثير من الصور، واغتنمت كل فرصة مُتاحة لأحصل على صورة. في البداية، استبعدت الصور التي تبرز جمال العمارة لأن هذا لم يكن هدفي على الإطلاق. لقد التقطتها لأنها تذكرني بأشياء شخصية. ثم استبعدت الصور التي تجمع ما بين مشاهد خارجية وأخرى داخلية، بعد أن قررت عرض صور المشاهد الداخلية فقط. قررت كذلك استبعاد الصور التي يظهر فيها أشخاص، ومع ذلك هناك شعور بوجود الأشخاص داخل الصور.
مدى: أثناء زيارتي للمعرض، كنتِ تتحدثين عن حرصك على عدم التدخل في الصور بالتحرير، وذلك من منطق نزاهة التوثيق، وأنكِ تطاردين البيئة الطبيعية حتى تحصلين على الصورة المطلوبة، لماذا؟ وهل هو جزء من رد فعل أوسع تجاه آليات التصوير الرقمي بما فيها معدات التصوير وعمليات تحرير الصور باستخدام تطبيقات. وكيف أثر هذا التحول على أداء المصور في رأيك؟
رندا: غالبًا ما أستخدم برنامج "فوتوشوب" في ضبط التباين (الكونتراست) وتقريب الألوان من الحقيقة ولكني لا أدخل أي تغييرات على الصور. أنا لست ضد التكنولوجيا؛ فالطباعة في غرفة تحميض الأفلام هي نوع من التكنولوجيا التي نستخدم من خلالها تقنيات تعريض الصور لضوء أكثر وغيرها. فمن الغباء أن نرفض التكنولوجيا. كنت متخوفة بالطبع من الانتقال إلى التصوير الرقمي، وكتبت مقالًا يناقش هذا الموضوع. تعيش الصورة من 100 إلى 150 عامًا كما أثبتت الأبحاث، بينما تصمد الأقراص المُدمجة و(الفلاشات) لوقت طويل. لقد فقدت كثير من الأشياء وأصبحت أكثر وعيًا لفكرة الدعم (باك آب) والنسخ.

مدى: متى أُقيم آخر معرض لك؟
رندا: منذ خمس سنوات قدمت معرض باسم "خارج الألبوم". كما اشتركت مع زملائي من المصورين في معرض "شوف"، وسبقه معرض جماعي آخر في ٢٠١٢.
مدى: ما هو شعورك وأنت تقدمين معرضًا فرديًا مرة أخرى؟ خاصة أنك موثقة منغمسة في الحياة اليومية ومهتمة بالحميمية. كيف تنظرين الى هذه الصور على حوائط الجاليري الجامدة؟


رندا: كنت أعرف أن هناك تحديات. ولقد منحوني مساحة وسلطة لأقوم بأشياء مختلفة. ولكن الخلاف بدأ مع الخطوة الأولى؛ مثل عدم وضع إطار للصورة، وغيرها من الخلافات. مثلًا، عندما كنا نُعد للعدد التجريبي للصحيفة، كانت هناك قصة عن تربية الحمام الزاجل. التقطنا صورًا للرجل الذي يربي الحمام، ولمنزله وشرفته. وكانت هناك صورة للرجل وهو يقف في شرفة منزله القديمة، تظهر فيها الأقفاص والحمام ينطلق للتو. انتظرت النص لنستكمل النشر. ثم ذهبت لغرفة التنسيق، ورأيت بعض الفتيات يقمن بقص الحمام فقط من الصورة، فتخيلت أنهن انتهين من العمل مبكرًا ويفعلن هذا لتمضية الوقت. كدت أصاب بأزمة قلبية عندما عرفت أنهن قصصن صور الحمام لطبعها مع الموضوع، وصرخت.


مدى: نحن بحاجة للتخلص من ظاهرة الديكوباج في الصحف المصرية.
رندا: الصورة فن بمفردها. والمصور يبذل جهدًا كبيرًا في التكوين والإضاءة حتى يخلق معنى وحالة. ولذا فإن الصورة لا تحتاج لإطار أو ديكوباج. لقد خضنا معارك أخرى، منها مثلا أهمية وضع اسم المصور حتى وإن لم يكن من مصوري الصحيفة، يجب كتابة اسم المصدر. ولقد نجحنا في هذا، ونجحنا كذلك في تحاشي وضع صور خارج السياق أو صورًا نمطية، مثل وضع صور لأشخاص من ذوي البشرة السوداء مع خبر عن القبض على عصابة من السودانيين. كما اتفقنا على ألا نصور المتهمين بوجوههم. وكان هناك نقاش طويل مع رئيس التحرير حول هذا الموضوع، واتفقنا إن كان المتهم شخصية عامة فلا مشكلة في ذلك لأن الناس تعرفه بالفعل ولكن الشخص المجهول أمر مختلف خاصة أنه إذا أثبتت براءته فلن يتذكره أحد. وبالطبع وعدونا بنشر قصص مصورة ولكنه لم يحدث.
أصبحنا نلتقط الصور بمنطق وثائقي. عندما نذهب لتغطية مظاهرة، نجمع المعلومات الأساسية عن المتظاهرين وعددهم ومكانهم وسبب تظاهرهم، ثم نلتقط لهم صورة بانورامية نضعها في صدر الصفحة الأولى ثم نبحث عن تفاصيل أخرى. بماذا يشعر المتظاهرون؟ ما هو شكل المكان؟ وماذا يفعل المارة؟ هل يُلقي السكان أشياء على المتظاهرين؟ نقوم بتوثيق بلدنا وما يحدث فيها. كل شيء يتغير من حولنا ونحن نوثق لهذا التغيير. تتغير الشوارع وتهدم البيوت ويتغير الملبس. شجعت زملائي من المصورين الشباب على العمل على قصص مصورة في أوقات فراغهم. وكنت أعطيهم الوقت والمساحة والمعدات للقيام بذلك. ولقد نجحنا في نشر قصة مصورة أو قصتين. عملت مع جيل من المصورين يهتمون بعملهم ويؤمنون بفكرة التوثيق وبالطريقة التي تضيف بها الصورة إلى النص المكتوب.
مدى: لماذا تعتقدين بوجود هذا القدر من الأمية البصرية بالرغم من العدد الكبير للصور المحيطة بنا؟
رندا: ليس هناك تدريس للتصوير في الجامعات. وإذا كان هناك تدريس فهو يغطي الجانب النظري فقط. لم يكن هناك مدرسة واحدة فكرية وعملية تدرس التصوير. ولكن هناك جيل من المصورين طوروا عملهم من خلال أقسام التصوير في الصحف كالشروق والمصري اليوم، كما أقامت المعارض المُستقلة دورات لتعليم التصوير، يُدرس فيها أجانب. بهذا أصبح لدينا جيًلا جديدًا من المصورين.

مدى: ما هو شعورك حيال نقل تجربة التدريس إلى الجامعة الأمريكية؟
رندا: لقد بدأت هذا الدور في صحيفة الشروق. لا شيء يبعث على السرور أكثر من نقل المعرفة. ليس لدي مال أمنحه للناس، ليس لدي سوى 25 عامًا من الخبرة أقدمها للآخرين، ثم أكتشف أن هناك مصورين تجاوزوا ما أنجزت في أعمالهم. نواجه التحديات في الجامعة لأن الأمر لا يقتصر على قاعة المحاضرات. في صحيفة الشروق، كنا نتناول الطعام معًا، ونشاهد الأفلام معًا، إلخ.. كان لدينا أسلوب حياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقارير ذات صلة
بوابة زمنية تداريها شجرة.. عن أرشيف استوديو بدوي
هذا النص ضمن رُحنا وشُفنا#16 من «مُنتهى الأدب»
من بورسعيد صور لا تُنسى
هذا النص ضمن رحنا وشفنا العدد 13# «مُنتهى الأدب»
بينالي الشارقة والفن في اللحظة الراهنة
في مجموعة قراءة حول نظرية الجماليات، تعلمنا أن على الفن أن ينقلب على نفسه
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن