تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بوابة زمنية تداريها شجرة.. عن أرشيف استوديو بدوي

بوابة زمنية تداريها شجرة.. عن أرشيف استوديو بدوي

هذا النص ضمن رُحنا وشُفنا#16 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: بلال حسني 8 دقيقة قراءة

يوم الجمعة 7 نوفمبر 2025، رُحت وشُفت استوديو بدوي الكائن خلف سينما أمير بالإسكندرية، ضمن زيارات محدودة نظّمها «مشروع أرشيف بدوي» للاطلاع على الصور المُخزّنة في المكان منذ منتصف القرن الماضي. 

استقبلنا الفنان البصري أحمد ناجى دراز أمام باب الاستوديو. صعدنا إلى الطابق الأول، ثم دخلنا الغرفة التي لم يتبدّل فيها شيء تقريبًا منذ عقود. قال إنه بإمكاننا التحرك بحُرية في المكان حتى يكتمل حضور المدعوين.

من بين المُعتقدات القليلة التي لا أرغب في التخلي عنها، أن الأماكن تحتفظ بذاكرةٍ لكل ما حدث فيها؛ ذاكرةٍ تتجاوز حضورها الروحاني. الصور الفوتوغرافية بدورها تفعل الشيء ذاته: تحلّ محلّ الماضي، تُفسده قليلًا، ثم تخلق له ذكرياتها الخاصة. ثمة آثار صراع أزمنةٍ بطيئةٍ متدفقة وآنية، تتجاور في بضعة أمتار مربعة من حجرتين.

يقع استوديو بدوي في شارع صفية زغلول، أمام ميدان صغير يتوسطه تمثال الخديوي إسماعيل.

وبرغم أن دراز أرسل لي خريطة تحدد المكان، فقد اتصلت به ليصفه لي بنفسه، وأضاف: «هتلاقي الاستوديو متخبي ورا شجرة».

يقع الاستوديو على مقربة من مقهى صغير ينتمي لمسار حركتي في المدينة، فهو من المقاهي المفضّلة لديّ، ومع ذلك كنت أجهل مكانه تمامًا.

دعاني دراز بلطف لأن أنتهي من تدخين سيجارة قبل أن نصعد إلى الاستوديو. 

الدقيقة التي أنهيت فيها السيجارة حملت أُلفة غامضة، واستعادت ذاكرتي لحظات مررت فيها أمام هذه العمارة مرات كثيرة، دون أن تترك فيّ ذكرى محددة، كلها كانت ذكريات تمشية.

كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، والضوء يسقُط على إعلان خشبي ضخم في المدخل يحمل جملة: سوبر جيرل. 

إلي جوار النافذة المُطلة على شجرة كثيفة تعزل الضوء عن المكان، يقف الإعلان بلا دليل واضح أنه يخصّ محلًا بعينه. وإن كان عالم بدوي يعمل في صالحه، فهي تبدو لي علامة عند بوابة تطلّ على غابته، تستقبل زائر الاستوديو.. السوبر جيرل. 

حين تجاوزت عتبة الاستوديو، واجهني برواز لامرأةٍ ثلاثينية يراقب المكان من منطقته الحرجة، في منتصف جبينها دائرة علامة حمراء صغيرة. كان معظم المصورين يرسمونها ويضعون الصورة في فاترينة الاستوديو.

عين ثالثة، ربما يرسمها المصور تأثرًا بمفهوم الجمال في الثقافة الهندية، وربما كانت امتدادًا لتقليد قديم حيث كان المصورون يضيفون الألوان يدويًا لتكثيف جاذبية الملامح، لكن مصورًا عجوزًا أخبرني ذات مرة أنها كانت علامة حماية من الحسد. الشر برّه وبعيد.

ستارة بدوي

يصعُب على المرأة أن ترى صورة بدوي المُعاد طبعها حديثًا، والمعلّقة كستارة قماشية على مدخل الاستديو؛ صورة يهتز فيها بدوي مع كلّ ريح أو شخصٍ يدلف عبر الباب، بزواله المزدوج، ناظرًا إلى الموضع الذي تقع فيه صورة ملهمته.

مكان تشعُر فيه بألم الحبّ في أقصى درجاته، وفي الوقت نفسه برائحة احتراق الصور.

يقول دراز إن أحمد بدوي كان واحدًا من أوائل مصوّري الإسكندرية. تتلمذ وتعلّم التصوير والتحميض في بحري على يد مصور أرمني، ثم أسّس استوديو أوائل الخمسينيات، كمصوّر للأفراح والحفلات والبورتريهات.

لم يكن هذا هو «الشغل العادي» لبقية الاستديوهات آنذاك، إذ كان الناس في ذلك الوقت يلجأون إلى المُصوِّر من أجل أي شيء يحتاج إلي صورة: عقد شراء منزل، أو محضر حادث، أو بطاقة شخصية. ومع بداية الستينيات، صوَّر بدوي مناسبات رسمية للمحافظة، لكنه استمر بعمله في الاستوديو كمصوِّر للأشخاص، بحسب المُصوِّر حازم جودة، أحد القيّمين على مشروع أرشيف بدوي.

كان الاستوديو مكانًا محوريًا في حياة الناس، والمصور الذي يختارونه يحفظ أسرارهم وتفاصيل حياتهم الاجتماعية.

يقول دراز إنه بعد مرور السنوات، أصبح الاستوديو عملًا عائليًا، كل من تعلّم فنون الصنعة من بدوي كان يعرّف نفسه باسمه كأنه ابنه، ثم جاء جيل الأحفاد الذين واصلوا العمل في التصوير، ومنهم عبد العزيز، حتى أغلَق الاستوديو نهائيًا عام 2013.

كان لعبد العزيز صديقان، أحمد ناجي دراز وحازم جودة، وكانا يعرفان أن جدّه مصوّر قديم يمتلك استوديو مهجورًا. بعد سنوات من إغلاقه، دعاهم عبد العزيز لاستخدام المكان كمساحةٍ للتجريب واللعب.

لم يكن أيّ منهم يدرك ما يحتويه المكان. ظنوا أنها بضع صور قديمة مبعثرة هنا وهناك. حتى اقترح أحدهم ذات يوم البحث عن كاميرا داخل المكان.

بعد جولةٍ في الطابق الأول، اكتشف الأصدقاء الثلاثة بدرومًا صغيرًا في مدخل العمارة، لا تتجاوز مساحته ثلاثة أمتار مربعة. وحينما فتحوه، وجدوا كمًّا هائلًا من ألبومات الصور.

لم تكن كل الصور بحالةٍ جيّدة، خمسون عامًا من الرطوبة والمياه وسوء التهوية جعلت عددًا كبيرًا منها يلتصق ببعضه.

كان أول ما خطر ببالهم إخراج المجموعات للتهوية، وبعد أن نالت جرعة من الهواء النظيف وبدأت تجف، راحت الصور تنفصل وتتكشف من جديد أمامهم.

كانت الألبومات مقسّمة حسب الحقبة: من الخمسينيات إلى الألفينات.

بعد ثلاث سنواتٍ من العمل، نمت لديهم الرغبة في دعوة الناس لمشاهدة هذا الكنز، فأسّسوا مشروع «أرشيف بدوي» عام 2023.  

قبل أن يأخذنا في جولةٍ خارج الاستوديو، اختتم دراز حديثه قائلًا إن المكان رغم أهميته غير صالح لاستقبال الزوّار: شديد الحرارة في الصيف، وتتسرب الأمطار إليه في الشتاء.

بالنسبة لي، كلمة «صيف» تجمع كل الجمال والأمل والحزن، مثل صور مهرجان الإسكندرية السينمائي التي التقطها بدوي، أو تلك المجموعة من الصور الشخصية لسعيد صالح، ولبلبة، ومحمود عبد العزيز، ونيللي، ضمن كراسة مجموعات الصور. ومع حلول الشتاء، في الحديقة المقابلة للاستوديو، ومن خلال النوافذ المفتوحة، كنا سنسمع شريفة فاضل ونجاح سلام. 

شعرتُ بأن الزيارة محددة سلفًا، كرحلة صيدٍ تُدار وفق الطقس، وشعرتَ بالعطش. 

كان الزوّار، كلَّ منهم، يمسك بصورة يتفحّصها، بينما كانت الصور الموزّعة على الطاولة تتجاوب معهم، إذ يمرّ خيط ضوء منعكس من الشمس على جزء من ملامحها، كما لو أن إرادتهم هي أوعيتها. 

من غير المرجّح أن ترى صورة لأحد تعرفه، لكنك تواصل التنقيب: صور لعساكر مع أطفالهم لحظة  عودتهم من الإجازة، وأبطال رياضيين.

caption

خلف إحدى الصور كُتب: 

«وأهديكم هذه الصورة التي فيها رسمي أنا

والأخت حليمة على اليمين- علامة x

وعلى نجية،

وعلى الأخت عزيزة على الشمال- علامة xx

وعلى الصغار»

وكانت العلامتان بالحبر الأزرق، فوق الأشخاص في الصورة. 

كانت هذه الصورة الأولى بين صور أخرى، لا تمتلك في ذاتها أي حقيقة خاصة، فلو وضعناها إلي جانب غيرها على الطاولة، لما اكتسبت قيمة أكبر من أيّ منها. لكن الإهداء منحها حياة مختلفة: بدا كما لو أن صاحبها أرسلها إلى شخص لا يعرف من في الصورة، فاضطر أن يشير إليهم بعلامات.

 بعد نصف قرن، سيجبر هذا الإهداء، غريبًا مثلي على التأمل، ألا أمرّ على الصورة مرور المُتصفّح العابر، لأن صاحبها أراد لها أن تظل ذات أهمية لأطراف عائلته، الممتدة إلى آخر مجهول.

انتصار الحب على الموت القديم، لكن هكذا هي الأمور، وإلى جانب ذلك، لا يزال الموت والفقد موجودين.

إن إيماننا بوجود معنى عميق في اتصالنا كنسل واحد، أكثر حضورًا وحساسيًة من أيّ بعد ديني أو فكري، يشبه الفعل البسيط والمطمئن لكلب شارع حين يشتم مؤخرة كلب آخر. 

شعور غريب: كأننا أشباح بلا وزن.

السر في احتفاظ المصور أحمد بدوي بنسخة احتياطية لكل صورة، أنه أراد أن تكون مرجعية لأصحاب الصور، إذا تلفت نسخهم، وأن تظل كذلك لتربط شبكة واسعة وعشوائية لسكان الإسكندرية. كل صورة خرجت في ظرف ووُضعت في الجيب خلقت مسارًا دائمًا، بدايته الاستوديو. مثل الحيوانات التي لا تدرك كل شيء لكنها تعرف طريقها. الصور أيضًا تعرف مسارها، تنبض داخل الأظرف كبكتيريا دقيقة، تأكل العالم ببطء لا يُرى، دون حاجة لمساعدة المحيط، و يعجز الجميع عن إحباطها. 

يقع الاستوديو في مركز تجاري قديم، ظلّ على حاله منذ سنوات طويلة: ممر ضيق تتجاور فيه محلات الخياطة والأحذية، حتى آخر الممر حيث الحجرة المظلمة التي كان بدوي يقوم فيها بتحميض الأفلام. بنى بدوي عالمه الصغير بحيث يتحرك كل ساعة بين أصدقائه من الورش والمحلات المجاورة، وصولًا إلى الحجرة المظلمة التي اختارها قصدًا أو دون قصد. 

هناك عناصر هندسية للبلاط، والمنظور، والضوء من النوافذ، وحقيقة أننا داخل صورة مصممة مسبقًا، وأننا بالكامل تقريبًا ضمن الإطار، تجعل من المستحيل عند النظر إليها ألا أتذكر الشهر والسنة الذي التُقطت فيه كل صورة. لا يعقل أبدًا أن تجتمع كل الصور، على امتداد كل هذه السنوات، من دون أن تتكوّن -من كل العيون- تشيك تشاك، ضغطة واحدة على زر rec بكاميراتهم الخاصة. 

بينما كان أحد الأفلام المحترقة يكاد يتفتت في يد حازم، مدّه نحونا بحذر، كأنه يسلم زمنًا هشًا، تصفحت في الكراسات التي سجل فيها بدوي أسماء وتواريخ وعناوين كل مجموعة صور، فوجدت مجموعة منها  بعنوان منزلي القديم: شارع عمر المختار. 

نظم الأصدقاء الثلاثة معرضًا لمجموعة من صور بدوي في حيّ كوم الدكة.

تجاوب الأهالي معهم، وأكملوا ما غاب عن الصور من تفاصيل الحياة اليومية قبل نصف قرن.

قال أحدهم إن العائلة بأكملها كانت تتحرك من كوم الدكة إلى محطة الرمل وهم يحملون تورتة عيد ميلاد أحد أفرادها، موكب صغير يصعد إلى الاستوديو، يلتقطون جميعًا صورة تذكارية مع التورتة. دون أن تمسّ أو يفقدوا بريق ملابسهم الجديدة.

هي لحظة السعادة القصوى للعائلة، ثم يعودون بالمسار نفسه، بالحرص ذاته، حاملين التورتة إلى منزلهم في كوم الدكة. المسافة لم تكن بالهينة، لكنهم كانوا يفعلونها كل عام. 

كان بدوي يدوّن تاريخ هذا اليوم ويستعدّ له في كل مرة، ليلتقط الصورة الجديدة للطفل الذي يصير مراهقًا، ثم شابًا، ثم يلتحق بالجيش، لحروب لم يخترَها، تعيده الصورة أو يتلاشى فيها. 

خطر لي أن أخبرهم في ستوديو بدوي بإعلان يقول: 

«استلم صورتك فورًا، حتى وإن كان موعد التسليم منذ خمسين عامًا».

انتهى وقت الزيارة، واتجهت إلى الطابق الأرضي، ترددت قليلًا، ووددت العودة مرة أخرى لمشاهدة مخزن الصور، لكن الرغبة تبددت. أخبرنا دراز أن اكتشافهم للمخزن كان صدفة، وحين فتح هو وأصحابه الباب، اندفعت نحوهم علب أفلام وأحذية مرقمة بتواريخ كل مجموعة صور التقطت في ستديو بدوي.

كانوا محظوظين بتلك اللحظة التي لا يمكن التقاطها الآن، ولا تكرارها: لحظة اندفاع باب المخزن بقدر اندفاع بدوي، تماسّ بين ثلاثة شباب وما خزّنه بدوي، بين زمنين التقيا في غبار المكان، القدرة على تسلل كل تلك الحيوات إلى الداخل. 

رغبتُ أن أحتفظ بهذه الفكرة، والعودة يومًا ما إلى البدروم -إلى الزمن الخام المُخزَّن- لأفتحه لهم من جديد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن