رغم فشله في القمح.. التموين تلجأ إلى «التوريد الإلزامي» للأرز
أصدرت وزارة التموين، الثلاثاء الماضي، قرارًا يلزم المزارعين، للمرة الأولى، بتسليمها طن أرز عن كل فدان (حوالي 25% من إنتاج الفدان)، مع توقيع عقوبات على الممتنعين عن التسليم، وذلك بهدف جمع مليون ونصف مليون طن هذا الموسم، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتأمين احتياجات بطاقات التموين من الأرز. وفقًا لبيان الوزارة، يبدأ توريد اﻷرز، اليوم الخميس، وينتهي في منتصف ديسمبر المقبل.
بحسب القرار، يعد الامتناع عن التسليم مخالفة تموينية يُعاقَب عليها بالمنع من زراعة الأرز الموسم المقبل، والحرمان من الأسمدة والمبيدات المدعمة لجميع المحاصيل لمدة عام، فضلًا عن سداد عشرة آلاف جنيه مقابل الطن الذي لم يُسلم.
مزارعون ومصادر بقطاع الحبوب تحدثوا لـ«مدى مصر» توقعوا أن تفشل الوزارة في جمع مستهدفها من الأرز، في ظل انخفاض السعر الذي وضعته للشراء مقابل أسعار السوق الحالية، لتكرر فشلها في جمع مستهدفها من القمح رغم إلزام المزارعين بتسليمه أيضًا منذ شهور، فيما أعرب عدد من المزارعين عن ضيقهم من «إصرار الحكومة على ليّ ذراعهم» دون أن تقدم لهم أية خدمات زراعية على مدار السنة، ما قد يدفع بعضهم لعدم زراعة اﻷرز في الموسم المقبل.
«طالما فيه فرق سعر، حتى لو عشرة جنيه، يبقى الوزارة مش هتقدر تلم حاجة، ولنا في القمح أسوة» يقول وليد دياب، الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن، لـ«مدى مصر».
في قرارها اﻷخير، سعّرت الوزارة نوعين أساسيين من الأرز الشعير (في صورته الأولى): عريض الحبة وحددته بسعر 6850 جنيه للطن، ورفيع الحبة بسعر 6600 جنيه. فيما يبلغ متوسط السعر العالمي للأرز الشعير الشهر الجاري، حوالي سبعة آلاف جنيه، وفقًا لمؤشرات أسعار الغذاء لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.
الأسعار الجديدة التي حددتها الوزارة تزيد بالفعل على أسعار الموسم الماضي التي بلغت 4500 جنيه للأرز العريض وأربعة آلاف للرفيع، غير أنها تقل عن أسعار الأرز المتبقي حاليًا في السوق من محصول الموسم الماضي، والتي تجاوزت عشرة آلاف جنيه للطن من كلا النوعين، حسبما أوضح عضو شعبة الأرز بغرفة الحبوب باتحاد الصناعات الغذائية، مصطفى السلطيسي، لـ«مدى مصر».
بدوره، دعا نقيب الفلاحين، فريد واصل، لأن تساوي أسعار تسويق المحصول المحلي، الأسعار العالمية، أو تزيد قليلًا، لمواجهة تكاليف الزراعة المرتفعة في مصر. وفقًا لمزراعين، تتكلف زراعة فدان الأرز نحو 17 ألف جنيه، بينما تستمر أسعار مستلزمات الإنتاج في الارتفاع بشكل مطرد.
زرعت مصر هذا العام نحو مليون ونصف مليون فدان أرز، تنتج نحو ستة ملايين طن من الأرز الشعير، تنتج بدورها نحو 3.4 مليون طن أرز أبيض، وهي الكمية التي لا تكفي الاحتياجات المحلية «لذا نوفر نحو 250 ألف طن سنويًا عبر الاستيراد»، بحسب السلطيسي.
فيما يوضح عضو غرفة الحبوب، مجدي الوليلي، أن وزارة التموين توفر سنويًا حوالي 360 إلى 420 ألف طن أرز للبطاقات التموينية بسعر عشرة جنيهات للكيلو، من خلال طرح مناقصات محلية بأسعار مقاربة لأسعار السوق، للمضارب الحكومية التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية ومضارب القطاع الخاص، ومع قرب انتهاء الإنتاج المحلي تطرح المناقصات الدولية للاستيراد.
إلزام المزارعين بتوريد الأرز كان اقتراحًا من أحد أعضاء غرفة الحبوب باتحاد الصناعات، حسبما قال هو نفسه لـ«مدى مصر»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، وموضحًا أنه تقدم بالاقتراح لوزير التموين في اجتماع، الاثنين الماضي، ورفضه الوزير في البداية بدافع المحافظة على آليات سوق العمل الحر، «لكن أوضحنا وجهة نظرنا بعرض الموقف الصعب اللي حصل الموسم اللي فات من تدهور للمعروض، والزيادة الكبيرة اللي حصلت في الأسعار، ووصلت لمستوى غير مسبوقة، وأشرنا إلى أن التخزين الحكومي لو تم هيحمي السوق من تكرار ده تاني، وبالتالي تمت الموافقة».
عضو غرفة الحبوب أشار إلى أن السعر الذي حددته الوزارة كان مشمولًا في اقتراحه للوزير، «حرصنا على زيادة أسعار الأرز السنة دي بالمقارنة مع السنة اللي فاتت، أخذًا في الحسبان تضخم تكاليف الإنتاج على الفلاحين، وتشجيعًا ليهم على الاستمرار في الزراعة»، بحسب العضو.
كانت وزارة التموين في بداية الموسم الماضي حددت سعرًا استرشاديًا للأرز بلغ 3700 جنيه للطن، رفضه المزارعون، مطالبين بزيادته إلى أربعة آلاف جنيه للطن، وبينما اشترت مضارب اﻷرز (الخاصة وقطاع اﻷعمال) من الفلاحين كميات بأسعار تراوحت ما بين 4000 و4500 جنيه للطن، رفضت الحكومة شراء اﻷرز من المضارب بأزيد من سعرها الاسترشادي.
في أكتوبر 2021، ومع إصرار الوزارة على عدم رفع سعر اﻷرز، دعا وزير التموين، على المصيلحي، العاملين في مضارب الأرز وقتها لوقف المزايدة على سعر الأرز، لأن الحكومة لن تسمح بتصديره. وأكد في الوقت نفسه على وجود وفرة في المخزون تكفي حتى ثلاثة أشهر. وأضاف: «وبالتالي اللي عايز يقعد رزُه عنده، يخليه عنده ويتصور جنبه».
«الناس قعدت رُزها جنبها فعلًا زي ما سيادة الوزير قال، بس استخدمته في حاجة تانية خالص»، يقول محمد الجوهري، مزارع بالدقهلية، لـ«مدى مصر».
في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الذرة الصفراء في الأسواق، ما دفع المزارعين لاستخدام الأرز كعلف حيواني بدلًا منها، وفقًا للجوهري ومصادر أخرى بالقطاع الزراعي، وهو ما تسبب في استهلاك معظم الإنتاج، ونقصه في السوق، وبالتالي ارتفاع سعره حتى تجاوز عشرة آلاف جنيه للطن.
كما رفض المصيلحي شراء المحصول المحلي ثم تراجع، كان قد رفض أيضًا طرح مناقصات دولية للاستيراد، حسبما قال مصدر بقطاع الحبوب لـ«مدى مصر»: «اتحايلنا على الوزير في آخر مارس، ولأكثر من شهر، عشان يطرح مناقصة استيراد لتخفيف العبء على المعروض المحلي، لكنه كان رافض، والمناقصة اتطرحت برضه في الآخر في مايو اللي فات بإجمالي 50 ألف طن، وصلت الشهر ده، لكن بعد ما كانت الأسعار وصلت لمستويات غير مسبوقة وبقت 13 ألف جنيه للطن».
مصادر مختلفة تحدثت لـ«مدى مصر» اعتبرت قرار التوريد الإلزامي للأرز تكرار لخطأ الحكومة بإلزام المزارعين بتوريد القمح، ففي ظل انخفاض السعر الحكومي مقابل سعر السوق، وغياب ما يحفز الفلاحين للتوريد، سيكون للقطاع الخاص حظوظ أوفر.
كانت «التموين» ألزمت مزارعي القمح بتسليمها حصة من محصولهم، في محاولتها للاستغناء عن جزء من القمح المستورد، الذي اشتعلت أسعاره إثر الغزو الروسي لأوكرانيا، ولوّحت الوزارة بعقوبات على غير الملتزمين تصل إلى الحبس، كما مدّت موسم الحصاد حتى نهاية أغسطس الجاري، بدلًا من نهايته السنوية في يوليو.
لكن، بسبب الفارق بين السعر الذي عرضته وبين الأسعار العالمية، جمعت الوزارة حتى أسبوع مضى 3.7 مليون طن قمح فقط، من أصل ستة ملايين طن استهدفتها في بداية الموسم، خفضتها خلال الموسم لـ 5.5 مليون مع انخفاض معدل التوريد.
«ده القطاع الخاص ممنوع من شراء القمح المحلي، ومع ذلك القمح كله اتسرب للقطاع الخاص، ما بالك بقى الرز اللي القطاع الخاص مش ممنوع من شرائه، أكيد هيدخل يلم المحصول ويخزنه لحد ما سعره يعلا، حتى لو طلع قرار بمنع القطاع الخاص من الشراء، هيشتروا برضه»، يقول مصدر بقطاع الحبوب اشترط عدم ذكر اسمه.
من جانبه، اعترض مصدر من نقابات الفلاحين، على قرارات التوريد الإجباري التي تنتهجها الحكومة مؤخرًا وقال: «الفلاحين مع الدولة، وهيفضلوا يزرعوا المحاصيل الاستراتيجية مهما كان وضعها، على أقل تقدير الناس بتخزن كميات لاستهلاكها الشخصي، لكن الحكومة محتاجة تراعي وضعهم في ظل ارتفاع أسعار الخامات المستخدمة في الإنتاج زي الأسمدة، اللي ما بتوفرش منها كل الاحتياجات».
أما الجوهري فوصف سياسات الوزارة في التعامل مع توفير السلع الاستراتيجية بالعشوائية، معتبرًا أن الدولة بكامل وزاراتها المعنية يجب أن تشجع المزارعين على الاستمرار في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، من خلال دعمهم ماديًا وفنيًا، وليس «تخويفهم وتهديدهم»، خاصة وأنه تهديد بغير حق، حسب وصفه، مشيرًا إلى عدم دستورية إلزام الوزارة الفلاحين ببيع محصولهم بسعر إجباري، ما دامت لم تتعاقد على ذلك قبل بداية الموسم.
«تصرفاتهم دي هتخلي الفلاحين تبطل زراعة خالص، حتى لو بيهوشوا ومش هيعملوا حاجة. بيجبر الفلاحين يبيعوا القمح بسعر أقل من السوق، ويهددهم بالسجن، ودلوقتي بيهددهم بالرز. بلاها خالص الأرض دي، ونشوف شغلانة تانية، وكلنا هنبقى خسرانين». يقول الجوهري.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن