رحلة في اتجاهين إلى سيينَّا مع هشام مطر
هذا النص ضمن العدد #06 من «مُنتهى الأدب»
في كتاب «شَهْر في سِيينَّا»، الصادر حديثًا عن دار الشروق بترجمة زوينه آل تويّه، منَح هشام مَطَر نفسَه إجازة للراحة والتأمُّل، لمدة شَهر في مدينة إيطالية صغيرة طال شوقه إلى رؤية فنونها، وعاد منها بكتابٍ صغير ورشيق يستعرضُ رحلته ومباني وفنون سِيينَّا، إلى جانب تأمُّلاته في رحلته الذاتية وقِيم إنسانية مثل الصَداقة والفَقد والمواطَنة.
في كتابه السابق مباشرةً «العَودة: آباء وأبناء والأرض بينهم»، الحائز على جائزة بولتيزر لأفضل كتاب سِيَريّ (2017)، يروي الكاتب الأنجلوفوني رِحلة عودته إلى بلده الأصلي ليبيا، بحثًا عن إجابات تشفي غليله بشأن اختفاء أبيه داخل سجون نظام القذافي منذ العام 1990، بعد غياب مَطر عنها لـ30 عامًا. ليجد السجون خالية بلا أثر لوالده، ويظل الأمل مع ذلك، كما كتبَ في العودة: «مُلحًا وماكرًا.»
بعد الانتهاء مباشرة من «العودة»، بدا أنَّ في انتظاره رحلةٌ أخرى قد أجَّلها طويلًا مختلقًا الأعذار، وقد حان موعدها الآن أخيرًا، في تلك الفترة الحائرة بين كتابين، أحدهما انتهى والآخَر لم يبدأ بعد. يقول في السطور الأولى مِن كتاب سيينَّا: «وبعد ثلاثة أعوام أنجزتُ الكتاب وخرجتُ مِن بُرهة الانكباب على العمل الطويلة تلك وعيناي تَطرِفان لمرأى الضوء. حينذاك عقدتُ العزم على الذهاب إلى سِيينا».
ظلَّ مفتونًا بالفن السيينيّ لنحو رُبع قرن، يقول في حواره مع سيّد محمود في جريدة «الشروق» حول بداية شغفه بهذه الأعمال: «قبل سنوات طويلة خُطف والدى، الذى كان يعيش فى القاهرة، من بيته وأُخفى، كنت فى التاسعة عشرة من عمرى آنذاك، أعيش في لندن وكنت في السنة الثانية في الجامعة. عشتُ قريبًا جدًّا من المتحف الوطنى ولم يكن لدي سوى القليل من المال. كان المتحف الوطني دافئًا في الشتاء، والدخول إليه دائمًا مجّاني».
كانت أعمال مدرسة سيينَّا من بين أعمال فنية أخرى جذبته ومنحته فرصة السلوى والتلهي عن قسوة الحاضر، لكنَّ تلك المدرسة تحديدًا مثَّلت له تحديًا ما، التحدي الذي ربما لم يفهم طبيعته إلَّا مع رحلته هذه، بعد مرور 25 سنة، لتكتمل بهذا دائرة ما، وقد أنهى لتوه كتابه عن أبيه الذي فقده مع بداية اكتشافه لهذه اللوحات.
تبدو الرحلة في ظاهرها كأنها فترة نقاهة وتعافِ من إنجاز كتاب أرهقه، أو مِن رحلة أخرى أطول وأقسى، يحدوها الأملُ المُلحّ والماكِر في العثور على أثرٍ أو خيط يقوده إلى أبيه أو إلى خبرٍ نهائي عنه يحسم البحث ويضعُ النقطة في آخِر السَطر.
يوحي مَطر بطابعٍ روحي لرحلته التي تأجَّلت طويلًا. فَهو يستدعي مفردة الحج صراحةً: «بدأت سيينَّا تحتلُّ أكثر ذلك النوع من التبجيل المُرتبك الذي قد يشعرُ به المؤمن نحو مكة أو روما أو القدس، ومِن ثمَّ، بسبب ارتياب في حِجٍّ كهذا، غدوتُ أشكُّ في رغبتي في زيارة المدينة.»
كَما أنَّه مستعد لدخول المدينة سائرًا، بعد عِلمه أنه ما مِن مطارٍ قريب من المدينة، فَلا يجدُ غضاضة في الطيران إلى فلورنسا، ثم السير مسافة ثمانين كيلومترًا حتَّى سِيينا، يقول: «أقنعتُ نفسي بهذا بناءً على حُبّي لفِكرة الخطوات الصغيرة التي تغطّي مسافة طويلة». لكنَّ قدمه تُصابُ في حادث أخرق عبثي، ثم تتعطّل الطائرة وتعود من حيث أتت ويغيران الرحلة، وفي الأتوبيس الذي يحمله هو زوجته للمدينة يفاجئهما انهمار المطر ثم يصادفان في الطريق حافلة أخرى معطّلة يستضيفون معظم ركّابها معهم، فيصل إلى المدينة واقفًا بأتوبيس ينضح برائحة الثياب المُبللة.
اقترنت هذه المصاعِب العَملية بحواجز نفسية سابقة يختلط فيها التهيُّب بخشية الإحباط بعدم وجود وقت كافٍ لهذا الحج المتأخِّر، لكنّه حِجٌ دُنيوي عِلماني، لا تربطه إلَّا أوهى الصِلات بأسرار الغيب والعالَم الآخر، شأنه في هذا شأن الأفكار والمفاهيم التي يستمدها عبر كتابه من لوحات سيينا ذات الطبيعة الدينية المسيحية الواضحة.
لا تنعكس على وعي مَطر مِن تلك اللوحات سوى أسئلة وجود الإنسان في هذا العالَم، ومشكلاته وأسئلته وتناقضاته. يُعيد ربطَ رموزها الدينية بالأرض والإنسان مُبدعها ومُتلقّيها، لافتًا النظر إلى احترام هذه الأعمال الفنية للشَخص الناظِر إليها وحرصها على توريطه وإدخاله معها في اللعبة؛ لعبة النَظر والقراءة والتأويل واتخاذ موقفٍ ما. يقول: «المَدرسة السيينية مُفعَمة بالأمل، لكنها إطرائيةٌ أيضًا إذ تنتجُ لوحاتٍ على ثِقة بحضورك وذكائك واستعدادك للانخراط فيها.»
إنَّه فنٌ لا يخاطب الناظِر إليه مِن أعلى منبرٍ ما، أو يُملي عليه ما يتوجَّب عليه أن يشعرَ به وبأي كيفية، بل هو أقرب إلى دعوة للنُزهة، للتأمُّل، وهو ما يصدق بالقدر نفسه على هذا الكتاب نفسه، فهو لا يُملي ولا يحسم (إلَّا نادرًا). حتَّى مِن حيث نوعه الأدبي هو نَص مُتردد مُتلفت وفي هذا نقطة قوة ومرونة داعمة، فَلا هو أدب رحلات ولا تأمُّل في لوحات فنية وإن كان يُباعُ الآن في بعض المتاحف الكبرى، ولا هو كتاب سِيَري بالمعنى المألوف، وإن احتوى على عناصر وخطوط مِن هذه الأنواع الثلاثة وربما غيرها، لينتج توليفته الخاصة.
هذه الرحلة ليست باتجاه الخارج فَحسب، هي أيضًا رِحلة إلى داخل النفس. قربَ نهاية الكتاب يعرِّج مَطر إلى سنة 1348 حينَ غزاالطاعون الأسود العالَم وفتكَ بملايين الأرواح وبنصف سكَّان أوروبا على الأقل، ملتمسًا آثاره على الروح الأوروبية في الفَن والفِكر وردود أفعال العامة المتأرجحة بين الإغراق في اللذة أو اللَوْذ بالدِّين أو الإيغال في الخرافة والشعوذات. ثم يستأنسَ من العالَم العربي بابن خلدون، في تأريخه، وقد قضى الطاعون على أهله وهو صبي يافع. يعبّر ابن خلدون عن ذلك العام بقوله: «تحوَّل العالَم بأسره كأنه خَلقٌ جديد». يفسّر مَطر هذا القول بأنه يعني ذلك على الصعيدين العام والخاص كذلك، يكتب: «إنه بيانٌ يضيء اتجاهين متعاكسين، خروج نحو العالَم وعودة إلى داخل النفس.» كَم يصدُق هذا الوَصف على رحلة مَطر في هذا الكتاب.
لا تعوزنا العلامات الموحية بأنَّ رحلة مطر إلى سيينا كانت محاولة للعودة إلى داخل النفس بقدر ما هي خروج للرحابة والنور والآخَر، بعد قدرٍ لا بأس به من العزلة والانكفاء على الذات في غرف الكتابة المغلقة.
في ساحة إل كامبو، ينتبه مطر بالأساس إلى تصميمها الذي يشبه مسرحًا مُضاء. «إنَّ عبورها يعني المشاركة في فنٍ مِن الرَقص يبلغُ عُمره قرونًا مِن الزمان، فنٍ يرمي إلى تذكير جميع الكائنين في عُزلة بأنه ليس محبذًا ولا ممكنًا أن يَخْبُروا الوجودَ في وِحدة مُطلقة.»
تحضُر سيينَّا كشخصية اعتبارية وليس مجرد حيّز جغرافي، عبرَ قراءة الكاتب لتاريخها المُنحاز إلى المَدَنية والديمقراطية، حيث اتخذ حكَّامها وسكَّانها مسافة من الكنيسة الكاثوليكية والأرستقراطية الإقطاعية على السواء وأنشأوا نظامًا خاصًا بهم مَبني بالأساس على القانون والعدالة والمواطَنة. لم تزل تحتفظ المدينة بآثارٍ من هذا التراث، ليس فقط في مبانيها ومتاحفها بل في حياتها اليومية، إذ تُمنَع جميع المَركبات من الدخول إلى شوارعها، فلا بدَّ من قطع مسافات طويلة بخطوات صغيرة، تمامًا كما انتوى الكاتب في بداية رحلته.
في جدارية «رمز الحكومة الصالحة» لأمبروجيو لورنزيتي في بالازو بَبْلِيكو، يلفت انتباهه رجلٌ داكن البشر، من بين المواطنين. ويستعيد ما قرأه عن عائلات سِيينية بارزة من أصول عربية، استخدمَت رأس رجلٍ موريسكي شعارًا لنبالتها. يكتب: «أتساءل: كيف كان شعوره حيال هذه المناسبة وعمَّا إذا كان قد بات أشد تجذُّرًا في بلده الذي تبنَّاه؟ لعل لونزيتي أضافه تأييدًا لنظام الحُكم هذا من حيث مَزِيَّتاه المتمثلتان في التسامح والإدماج.»
التسامح والإدْماج من بين قِيمٍ أخرى مُهدَّدة في عالمنا الراهن، لا سيما مع أزمات المهاجرين في الغرب أمام تغوّل تيار اليمين المتطرف. لا يفوّت الكاتب فرصة لاستعادة تلك القِيم والتذكير بها، بشكلٍ موارَب وعبرَ الفن بالأساس. فَهو في نهاية المطاف من أصولٍ ليبية ومولود في نيويورك التي يعمل فيها ومعه الجنسية البريطانية حيث يعيش مع زوجته الإنجليزية، فلا عجبَ أن ينشغل بهذا الأمر من موقعه الشخصي أولًا قبل استكشافاته الفنية.
عندما اعتادت حارسات متاحف سيينَّا على وجود مطر اليوميّ أمام اللوحات، ووقوفه طويلًا أمام بعضها، قدمنَّ له مقعدًا قابلًا للطيّ، تمنَّع عن قبوله في البداية ليحتفظ بحريته في الحركة أمام اللوحات، لكنه وافق تحت إصرارهنَّ ثم وجده عمليًا ونافعًا للغاية بأوضاع مختلفة للجلوس أو الوقوف والاستناد عليه. في موضع آخَر يلاحظ هشام أنهنَّ يقفن فرادى أمام النوافذ الزجاجية الكبيرة المطلة على أفق المدينة وقرميد أسطحها الملون، ويشرعن في حديث مسموع مع أنفسهن، مثل طقسٍ يخصهنّ، بلا تفسير.
ترصِّع الكتاب لحظات إنسانية رقيقة من هذا القبيل، وقد لعبت دور المخفف للثقل النِسبي للأفكار المجرَّدة حول الفن والتاريخ والقيم الإنسانية. لم يبخل مطر على قارئه بالإطلاع على حياته الخاصة، ولو بقدر محسوب، وبدا كأنه يواصِل معه حديثًا سابقًا لم يكد ينقطع، سواء في كتبه السيرية أو رواياته المتخيلة، فهو يعيد إنتاج حياته وأزماته وأسئلته الخاصة في صورة جديدة كل مرة.
من بين تلك اللحظات الإنسانية الحميمة حينما يستعيد استلقائه على العشب في روما، بعد زيارة لمتحف آخَر والوقوف أمامَ لوحة أخرى، وفي الوقت نفسه كان مَدعوًا لحضور أوَّل ملتقي شعري دولي في ليبيا، وربما ساوره شيءٌ من الذنب لعدم سَفره وحضوره. لكنه إذ أحسَّ بالاسترخاء والسَكينة والمحبة والجمال، أيقن أنَّ ها هنا مركز حياته، ليس المقصود أوروبا أو روما بطبيعة الحال، بل حيث يشعرُ المرء بأنه في بيته مع مَن يحب وعلى راحته.
من الممتع لقارئ يحترم الأفكار بقدر ما يحب الصور والحكايات، أن يراقبَ حركة نثر مطر في هذا الكتاب، وكيف تنتقل الأفكار عبر مستويات مختلفة، بتمهل ورشاقة معًا، ممسكة بخيط وإبرة من الصور والذكريات والأقوال والحقائق القديمة، لتضم إليها تأويلات الكاتب الخاصة ورؤاه الذاتية وأوجاعه الحميمة التي لا يُكشَف عنها بعاطفية مبتذلة بل بإباء واقتصاد شديدين، كما في جولاته في مقابر المدينة، حيث يعبّر عن نفسه بأنه «المحزون بلا قبر»، في إشارة هادئة ورصينة إلى عدم عثوره على أثر لأبيه المختفي مثل فص ملحٍ ذاب.
نقرأ في الصفحات القليلة الأولى من «شَهر في سيينَّا»: «فكَّرتُ، أليس هذا على الأقل تعريفًا واحدًا مِن تعريفات السعادة، أن يُنتَظر المرء؟»، ومع الصفحات الأخيرة من كتابه الرشيق الصغير، حيث يتأمَّل هو وشريكة حياته ديانا، المُهدى إليها هذا الكتاب والذي يبدو في بعض مواضعه تحية امتنان ومحبة إليها، وهما في متحف المتروبوليتان في نيويورك، لوحة الفردوس للرسَّام السيينيّ كذلك جيوفاني دي باولو، عائدَين إليها كل أسبوع تقريبًا، كأنهما في زيارة لصديق قديم، يتوصَّل إلى أنَّ التعبير عن الفردوس في هذه اللوحة انعكسَ في اللقاء بين الأحبَّة بعد غياب، في العثور على شريكٍ أو قريب لا يُنكْرنا مهما تبدَّلنا، حبيبًا يتعرَّف علينا لنعرفَ أنفسنا عبره. لا بديل إذن عن جسور الفن والأدب لنمدَّ أيادينا وأذرعنا نحو الآخر، لا بسيفٍ ولكن بكأس ماء ليشرب أو رغيف خبز ليأكل أو مِقعد ليجلس ويستريح. لا بديلَ عن مِرآة الآخَر والضوء والرَحابة مهما استغرقتنا رحلاتنا الخاصة، فطريقُ الحياة دائمًا ذو اتجاهين، للخارج في الساحة المُشتركة وللداخل حيث غُرَف الروح.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن