رامي شعث وأولويات النضال في المنفى
بعد ثلاثة أشهر من تحريره، حاورت الناشط السياسي رامي شعث في باريس. عامان ونصف العام قضاها في السجون المصرية، قبل أن يُجبر على التخلي عن جنسيته والمغادرة إلى فرنسا. عشرات اللقاءات الإعلامية تحدث فيها عن تجربة الاعتقال وظروف المعتقلين في السجون المصرية، نحاول في هذا اللقاء التعرّف إلى رامي شعث اليوم، الذهاب إلى ما هو أعمق من اختزاله لمجرد سجين، والتعرف أكثر على جوانب مختلفة من تجربته الإنسانية والنضالية.
يُعرّفنا رامي شعث على نفسه اليوم، ما الذي تركته تجربة السجن من أثر في نشاطه وأولويات نضاله؟ يُشارك معنا آليات التكيف مع التروما وما بعدها، وأدوات عمله الجديدة، ونستكشف مساحات حركته كمؤسس لحركة مقاطعة إسرائيل في ظل قوانين معاداة السامية. نتوقف كذلك عند ملامح علاقته المركبة مع الحكومة الفرنسية التي ضغطت لخروجه من السجن في الوقت الذي دعمت فيه النظام الذي اعتقله.
مدى مصر: كيف يُعرّف رامي شعث نفسه اليوم؟
رامي شعث: ناشط سياسي مصري فلسطيني. معروف عني أكثر نشاطي في ثورة يناير ولاحقًا تأسيس حزب الدستور، وتأسيس جمعية ثوار، وتأسيس BDS مصر*، ومعتقل سابق. يمكن آخر 12 سنة معروفين أكثر بنشاطي السياسي، بالتالي نبقي تعريفي على الـ12 سنة السابقين.
م.م: رغم إجبارك على التنازل عن جنسيتك المصرية ما زلت تعتبر نفسك مصريًا. مظبوط؟
ر.ش: أنا اتولدت مصري. والدي وجدي هاجروا من فلسطين إلى مصر سنة 1947، قبل الحرب، لم يأتوا إلى مصر لاجئين. جدي جاء في عمل إلى الإسكندرية وقرروا الاستقرار فيها. من الإسكندرية، راحوا على الشام، أخدوا الجواز والجنسية السورية. ثم أتوا إلى مصر وأقاموا فيها كسوريين. عندما حدثت الوحدة بين مصر وسوريا، أصبحوا مواطني الجمهورية العربية المتحدة. خلالها، أنهى الوالد دراسته الجامعية وغادر بمنحة إلى أمريكا لدراسة الماجستير والدكتوراه، وحصل الانفصال (بين مصر وسوريا) خلال وجوده في أمريكا، وتم استعادة جوازات الجمهورية المتحدة، وإعادة الجواز السوري للأسرة. الوالد كان رئيس اتحاد الطلاب العرب في أمريكا، وكان على اتصال مع جمال عبد الناصر الذي كان مهتمًا به جدًا، وكان مهتمًا بمساعدته في بناء علاقات مع الطلاب الأفارقة الموجودين في الجامعات الأمريكية باعتبارهم سيصبحون قيادات بلادهم في المستقبل. عندما أنهى دراسته وبدأ بالتعليم في أمريكا، طلب منه عبد الناصر العودة لمصر لتأسيس المعهد القومي للإدارة العليا، التابع لرئاسة الجمهورية المصرية، والذي منع غير المصريين من العمل فيه. قالوله ده سوري وفلسطيني، قلهم «لا لا مفيش الكلام ده، ده مصري». وأصبح رئيس المعهد وبالتالي أصبح مصريًا.
فعليًا أنا استخرجت الورق الفلسطيني سنة 1994 في عمر الثالثة والعشرين. قبل السلطة الفلسطينية، لم يكن لدي أي ورقة تحكي إني فلسطيني.
أنا لا أعترف بسحبهم للجنسية أو بإجباري على التنازل عنها، ولا أعتقد أن جنسيتي يحددها حاكم عسكري في مصر أو احتلال إسرائيلي في فلسطين. أنا كنت فلسطيني وأنا ممعيش ورق، وأنا مصري وأنا ممعيش ورق، مش هم بيحددوها هويتي.
م.م: ناشط سياسي مصري فلسطيني إذًا. ما هي أولويات نضالك اليوم كناشط خرج للتوّ من عامين ونصف من الاعتقال؟
ر.ش: الأولوية بالنسبة لي المعتقلين في مصر، هي المعركة الرئيسية، بشقيها: شقها المبدئي، حرية الناس وحقهم في التعبير عن نفسهم، وشق معالجة الوضع المصري، بدون الحرية لا يمكن الوصول لحياة -بين قوسين- ديمقراطية أو حوكمة أو حق للبشر في التعبير عن أنفسهم، وبالتالي تغيير شكل مصر.
معركة المعتقلين مدخل لمعركة أوسع لتغيير الوضع في مصر، والإطار الأوسع في الشرق الأوسط أو وطننا العربي، يلي صار مسيطر عليه الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين والديكتاتوريات العربية لسنين طويلة. حان وقت تغيير الـNarrative وتغيير طريقة حكم المنطقة، السردية لا تخدم مصلحتنا كشعوب في المنطقة، ولا مصلحة العالم الذي بقي رهينة الرؤية الـfatalistic (القدرية) لإسرائيل في أنه وجودها ضروري لتأمين الغرب، ووجودها يحتّم وجود ديكتاتوريات ضعيفة حولها تخدّم عليها. بتصور في أجيال سابقة قبلت بالديكتاتوريات العربية في سبيل مواجهة إسرائيل، وبتصور جيلنا تعلم الدرس أن الاثنين وجهان لعملة واحدة، مش حنخلص من واحد من غير ما نخلص من التاني، والمعركة هي نفس المعركة.
هناك جانب شخصي أيضًا. دخلت السجن وعندي عدد غير قليل من الأصدقاء في السجن، وخرجت بمئات الزملاء والرفاق والأصدقاء الذين تعرفت عليهم في السجون، والذين يصعب علي أن أنام كل يوم وأنا مدرك أنهم لا يزالون في نفس المعاناة ونفس الجحيم الذي كنت فيه. يا ترى اليوم أكلوا ولا ما أكلوش، قمعوا ولا ما قمعوش، مين فيهم انرمى في تأديب انفرادي ومين فيهم فقد حدا من أهله، ومين فيهم أهين أهله وهم بيزوروه، ومين تبهدل. صعب علي أنام ولسه مئات الأشخاص موجودين في السجون، هي معركة ذات طابع شخصي، جدًا.
م.م: قبل سنتين ونصف، أين كان موقع قضية المعتقلين في سلم أولويات رامي شعث؟
ر.ش: كان رقم اثنين. معركة BDS كانت المعركة الأولى. بالنسبة لي هي معركة مركبة، جزء منها أساسي هو معركة تحرير فلسطين. في طريقها السياسي والحقيقي، هي الطرف الثالث، باعتبار أن هناك دعوة دائمة للطرف الثالث في كل وطننا العربي، خارج إطار الطغمة العسكرية والمؤسسات الدينية. BDS في فلسطين مخرج من المفاوضات اللانهائية العبثية التي تجريها «فتح» والسلطة، وتؤدي لترسيخ الاحتلال وتقويته، وخارج إطار الكفاح المسلح الذي لا أدينه، بالعكس حق فلسطيني، لكن في اختلال موازين القوى هو غير مفيد، وليس في إطار استراتيجية متكاملة. الشعب الفلسطيني يحتاج لمشروع تحرر وطني جديد، مبني على أهليته ومبني على مجتمعه الحي والنابض والمقاوم، وعلى قدرة هذا المجتمع على الانتماء لمجتمع أوسع في العالم، حر وخارج إطار المصالح، ومستعد لمعركة من أجل حرية فلسطين. بالتالي BDS في رأيي جزء من النضال الشعبي الفلسطيني والعالمي للقضية الفلسطينية. لكنها كانت أيضًا مهمة في سياقها المصري لأن ما بعد الـ2013 بدأت مساحات الحركة تضيق جدًا في مصر.
بخلاف الأغلبية الساحقة من الناشطين والشباب في مصر الذين ولدوا في 2011، كان أصحاب التجربة الأقدم مدركين أن في وقت ضيق المسافات والمساحات، هناك ملفان نقدر «نتخانق فيهم» ونعيد تقسيم الناس عليهم: ملف المعتقلين، وملف القضية الفلسطينية، باعتبارهم ملفين يبنون consensus (توافق) تتجمع عليه الناس مرة ثانية إلى معركة أخرى مع الأنظمة القامعة. أسسنا مجموعة الحرية للجدعان، وأسست BDS، وانقسمنا مجموعة الثورة الرئيسية ما بين الملفين. طبعًا أنا كنت المؤهل أكثر لإدارة الملف الفلسطيني. ملف المعتقلين بقي مهم جدًا بالنسبة لي، لكن تركيزي الأكبر كان على BDS وهذا بناء على اتفاق أوسع في العمل الثوري المصري.
الآن، خاصة وأنني لست في مصر، سأبقى داعمًا لـBDS وسيبقى جانب من نشاطي فلسطيني بحت، لكن نشاطي المصري هو الغالب حاليًا، ومعركة ما بعد الاعتقال لتحرير ما تبقى من أسرى ومعتقلين في السجون هي معركتي الرئيسية.
م.م: لو سألتك إن عاد الوقت، عاد كثيرًا، تختار الطريق ذاته؟ تختار أن تكون مناضلًا وناشطًا، ولذات القضايا؟
ر.ش: بلا أدنى شك. بلا شك كنت سأقوم ببعض الأشياء التي تصعّب اعتقالي، وتخلّي ثمني أعلى. بالنهاية لدى السلطات القمعية المصرية الحسبة واضحة، في رأيي، ما بين ثمنك وتكلفتك. بمعنى ما مقدار الضرر الذي يسببه لهم كلامك، ويؤثر فيهم، وكم ثمن اعتقالك الذي سيدفعونه من سمعة ومن وضع في العالم. إن كان ثمن اعتقالك أقل من أثرك المضر عليهم، يعتقلونك، إن وجدوا ثمنك أعلى من الأثر بقدروش يعتقلوك.
هو توازن، وأتصور أنني في السنتين الأخيرتين أخلّيت بهذا التوازن. من جانب ارتخت قليلًا تحالفاتي السياسية بالتالي انخفض ثمني، والثاني دخلت في معركة كبيرة حول «صفقة القرن» ودور مصر فيها، وهذا زوّد جدًا من خطري بالنسبة لهم، فخطري زاد كتير على تمني، فكان قرار اعتقالي منطقيًا.
ربما لو عاد بي الزمن، مش هغير لا مبادئي ولا نشاطي، بس حظبّط حساباتي أحسن من هيك شوي.
م.م: ما سبب ارتخاء التحالفات السياسية؟
ر.ش: حالة السيولة السياسية في مصر منذ 2014، وحالة الجمود الكامل في الحياة السياسية. أبقيت على نشاطي لكن أقل حذرًا وأقل تحالفًا، بالدفع الذاتي بدون رؤية أكثر وضوحًا، وهذا خطأ بنفعش أوقع فيه مرة تانية. محتاجة حسبة أكتر من هيك، مش حسمحهلم يلعبوا هاللعبة مرة تانية.
م.م: هل يمكن أن نعود لأسباب اعتقالك؟ ما السبب المباشر لاعتقالك في ذلك التوقيت؟
ر.ش: واحد نشاطي العام. في تلك اللحظة، 2018 2019، قرر السيسي التوسع في اعتقال التيار المدني والناشطين المعروفين. حس أنه قدر يقضي على الإخوان المسلمين أو يدمر التيار الإسلامي، وبدأ يستشرس على التيار المدني. هذه الفترة حصلت اعتقالات العديد من رموز التيار المدني والناشطين السياسيين. بس في نفس الوقت أنا كمان في تلك الفترة كنت مؤسس في حركة BDS وهي أهم تجمع مصري داعم لفلسطين ومقاطع لإسرائيل، وكان مكون من 11 حزبًا ومجموعة ضخمة، فكان مؤثرًا، وكان بيوجع علاقتهم بإسرائيل بس كمان كان قالق النظام لفكرة أنه بمصر. بس أخيرًا هو معارضتي المستمرة لـ«صفقة القرن» وإحراجي النظام المصري وفضحي لدوره في الصفقة. أعتقد ده كمان كان النهاية اللي خلتهم ياخدوا القرار باعتقالي. وده من الواضح يتوافق مع مصالحهم مع الإسرائيليين والإماراتيين. وده اللي اتقال من الأجهزة الأمنية المصرية أول اعتقالي.
م.م: وما رأيك بالحديث مؤخرًا عن رغبة الجيش بمشاركتك اقتصاديًا؟ هل كان من أسباب الاعتقال أيضًا؟
ر.ش: لا أنا نفيت وصححت الخبر (الصادر عن الاكونوميست). اعتقالي كان طبعًا لأسباب سياسية. بس آه في السنوات السابقة حصلت أزمة بيني وبين الجيش لأننا شركة تعمل في السوفت وير والهارد وير، كانت شركة للمرافق المصرية. من 2016 أنشأ الجيش شركة للتحصيل وبدأ يعمل كونترول على شركات المرافق وبالتالي بدأ يصطدم بي، لأن الـsystem بتاعي هو اللي شغال، وحاول يجبرنا على اعطاؤه حاجاتنا مجانًا أو مشاركتنا، ورفضنا فأقصانا. وبالتالي الشركة بدأت تفلس، وابتدت يوقف لها عقودها في كل حتة عقابًا. يمكن جزء من ده بسبب نشاطي السياسي لكن الجزء الأكبر هو رغبة الجيش في الاستحواذ. بس في الآخر ده ما لوش علاقة باعتقالي، الأحاديث دي كانت قبل اعتقالي بسنتين، اعتقالي لأسباب سياسية واضحة.

م.م: كان لنبيل شعث دورًا هامًا على الساحة المصرية، وبالأخص في عصر عبد الناصر كما حدثتنا. ما شكل علاقة والدك مع السلطات المصرية اليوم؟
ر.ش: الوالد متقاعد، عمره 84 سنة، ليس شخصًا فاعلًا سياسيًا. طبعًا المؤسسة الحاكمة المصرية تكره كل ما هو فلسطيني. بعض الناس خطأً اعتقدت أن مشكلتها في حماس باعتبارها قريبة من الإخوان المسلمين. الحقيقة أنه كلام فارغ. الخطاب الرسمي المصري خلال السنين السبع الماضية كان يتحدث عن «حماس»، ثم تزال كلمة «حماس» وتحل محلها غزة، ثم تزال غزة وتحل محلها فلسطين. بالتالي هو العداء لكل ما هو فلسطيني، أولًا، لأن فلسطين عائق لهذا التحالف الدنيء والوقح مع الاحتلال الإسرائيلي. ثانيًا، لأن فلسطين رمز ومعنى للحرية والاستقلال والمقاومة، وهي رموز لا يريدونها في الداخل المصري.
الحقيقة أن جزءًا مهمًا من تركيبة ثورة 2011 في مصر بني على الناشطين الذين كانوا يعملون على القضية الفلسطينية، وبني على الناشطين الذين كانوا يتظاهرون لفلسطين وتحاصرهم قوى الأمن، والذين اكتشفوا أن لا طريقة لدعم فلسطين دون تغيير في مصر. حتى بداية الثورة المصرية، كان ميدان التحرير مليء بالأعلام المصرية، ومليء بشعر محمود درويش، ومليء برموز لأن المقاومة الفلسطينية للاحتلال هي رمز الحرية في تاريخنا العربي الحديث. بالتالي النظام المصري يعادي كل ما هو فلسطيني، حماس أو فتح أو سلطة، بما فيها الوالد.
طبعًا للأسف، في الشهرين الماضيين، حاولوا استغلال سن الوالد ومقامه في إرسال التهديدات عن طريقه لي في محاولة لتخويفه وللضغط عليه، وفعلًا للأسف نجحوا في توتيره وفي تأزيمه نفسيًا، لكن أتصور أنهم اكتشفوا أن هذا لن يؤثر فيّ.
خلال السنتين ونصف من الاعتقال كان وضعه النفسي والصحي سيء جدًا، لكن منذ خروجي هناك ضغط مستمر عليه لإسكاتي، واكتشفوا أنه محدش يستطيع إسكاتي. مفيش تهديدات حتسكتني. هددوني بحياتي وبابنتي وأختي الموجودات في القاهرة، ورديت ككل مرة أني بقبلش لغة التهديد، وإذا أردتم الحديث معي لديكم رقم هاتفي.
م.م: ما رأيك في مدى جدية التهديدات؟
ر.ش: إذا أردت أن تسأليني كم أرى هذا النظام فج وقميء ومجرم، معنديش شك وعندي تجربة حية شخصية وعامة حول مدى إجرامه. بالتالي استبعاد الإجرام ليس تقليلًا من كونهم مجرمين وقادرين على هذا الإجرام. فعليًا أعرف معارضين تمت تصفيتهم، وأعرف مئات العائلات التي رأيتها في السجن لأنها عائلات ناشطين وسياسيين خارج البلاد لم يستطيعوا اعتقالهم فاعتقلوا أهلهم، أو لأنهم في مواقع حساسة مثل النائب أحمد طنطاوي في البرلمان المصري، عليه حصانه فاعتقلوا ستة من أصدقائه وجيرانه وعائلته للضغط عليه. لكن هذا لن يمنعني من استمرار التحدي. طبعًا أضع التهديد في اعتباراتي الأمنية، في محاولة لرفع مستوى الحماية عليّ أو على أهلي في القاهرة. في الحالتين لن يكون عائقًا لاستكمال نشاطي ومعركتي لتحرير زملائي.
قبل السجن كنت آخر خمس سنين أسأل زوجتي «حتعملي إيه لو تمّ اعتقالي؟» إذا كان بالنسبة لي احتمالات اعتقالي قائمة وحية ولم أتوقف عن النشاط، ومش حتوقف اليوم.
م.م: هل تفكر ابنتك وأختك بالخروج من مصر؟
ر.ش: لأ.
م.م: أبدًا؟
ر.ش: أبدًا.
م.م: هل لديك رغبة في خروجهم من مصر؟
ر.ش: بلا شك مع بداية التهديدات قلقت عليهن. لكنهن مثلي لسن مستعدات لأن يتم تطفيشهن خارج البلاد هروبًا. بالتالي قررن البقاء، بغض النظر عن الأثمان المحتملة.
م.م: جزء من الاتهامات التي وجهت لك تعلقت بحساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي، الحسابات غير الموجودة أصلًا. الآن أصبح لديك حسابات. هل يمكن أن تخبرنا عن علاقتك بالسوشيال ميديا في البداية، وكيف ستصبح هذه العلاقة كونك أصبحت «معارض في الخارج»؟
ر.ش: باختصار شديد أنا حد عمري ما تعاملت مع السوشيال ميديا، نهائيًا، لا فيسبوك ولا تويتر، حتى بعرفش كيف بشتغلوا. جزء منها كان قرارًا: السوشيال ميديا، فيسبوك وغيره، تكشف شبكة علاقاتك وردود أفعالك وأصدقائك. بالتالي كان لدي إحساس بعدم الرغبة في كشف هذا الحجم من المعلومات للأجهزة الأمنية، خاصة وأنني دائمًا ما كنت على مرصد الأجهزة الأمنية المصرية والإسرائيلية.
ثانياً، مع حماسي وإدراكي لأهمية السوشيال ميديا في التأطير السياسي وفي مخاطبة الجماهير، لكنني كنت حركيًا أكثر، فأنا تبع شارع أكتر، أفضل اللقاء المباشر مع الناس وبناء العلاقة المباشرة، وأجري الكثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تسمح لي ببتلاتفورم علني، وأظهر في الإعلام التقليدي في التليفزيون والجرائد، لكن بقيت مبتعدًا عن السوشيال ميديا، جزء منها كان قرار، وجزء كان خلص صار too late.
قادت زوجتي حملة ضخمة للإفراج عني، والتي انضم لها الكثير من الوطن العربي وأوروبا والعالم، صانعو قوانين وبرلمانيين من أماكن مختلفة من العالم. فأصبح لدي منصة سوشيال ميديا مهمة. بقيت المنصة مستمرة مع خروجي من السجن ومتابعة نشاطي. حتى اليوم لا أتولى هذه المنصة، ما زالت تديرها مجموعة الناشطين التي كانت تديرها أثناء اعتقالي، لكن الآن يتحدثون أكثر عن نشاطي وخطتي السياسية وتوجهاتي. لسه متعلمتش سوشيال ميديا (ضحك) بس عالأقل أنا مدرك أنه في سوشيال ميديا تبعتي، حتى لو مش أنا اللي بديرها.
م.م: هناك الكثير من الأفراد والجماعات المنفية اليوم بسبب النظام المصري، هل تخططون لتكوين شبكة تناضل تقاطعيًا؟ كيف تخطط للاتحاد معهم أو مع بعض منهم؟
ر.ش: أكيد، أنا دائمًا توحيدي، هذه من الأشياء المعروفة عني. وأتصور أنني من النادرين جدًا الذين عبر السنوات العشر الماضية، والتغيرات العنيفة التي مرت بها مصر، والاستقطابات والانقسامات العنيفة، أبقيت علاقة جيدة بكل القوى السياسية، لأنني أرى دائمًا هدفًا أهم وأبعد من الخلاف الأيديولوجي. بعد خروجي، آلاف المصريين اتصلوا فيني من أوروبا وكل محل في العالم. وأنا في مصر أثناء الثورة كنت مؤسس لتحالف القوى الثورية، المجموعات الرئيسية كلها، ومؤسس لحزب الدستور الذي هدف ليكون حزب الثورة الرئيسي، ولاحقًا أسست جبهة ثوار التي جمعت مرة ثانية كل المجموعات بعد الانقلاب العسكري. دائمًا أحد مراكز قوتي واحتياج الناس لي هو أنني قادر على تجميعهم معًا.
سيظل هذا مبدئي، أوطاننا تواجه معارك تحرير ومصير أهم من الخلافات الأيديولوجية.
م.م: ومن الواضح قرار الاشتباك الدائم مع ما يحدث داخل البلاد، كإصدار بيان لشروط المشاركة في «الحوار الوطني»، الذي دعا له السيسي. ما رأيك في هذا الموضوع؟ هل تعتبره تحريك لمياه السياسة الراكدة في مصر وبالتالي المشاركة حتمية أم أنك ضد المشاركة؟
ر.ش: المشاركة غير حتمية، المشاركة مشروطة وشرطناها بتركيبة للوفود والمشاركين تجعل هذه المجموعة تبني شكل الحوار وأجندته. هي شروط بناء ثقة. ملف المعتقلين هو prerequsite للحوار. يجب إنهاء ملف القبضة الأمنية والقمع عن طريق إجراءات حقيقية قبل بداية أي حوار. لا يجوز أن يكون الحوار مبني على كام افراج. الحوار بهذا الشكل مرفوض وسيكون حوار مهرجاني هدفه التسويق للخارج. مافيش حوار وطني ما بين سجين وسجان. الحوار يكون بين شركاء متساوين وعشان يكونوا متساويين، لا بد من إجراءات لبناء ثقة.

م.م: خلال تاريخ نضالك الطويل، تعرضت بالتأكيد لأزمات كثيرة، لكن تبقى تجربة السجن الأخيرة عنيفة جسديًا ونفسيًا. حدثتني عن صعوبة النوم ليلًا مع معرفة أن الزملاء في السجن. على صعيد شخصي، ما هي آليات التكيف النفسي التي تتبعها؟
ر.ش: صحيح أنه تأتيني visions من وقت لآخر وأرى الجدار الذي بقي في وجهي عامين ونصف، لكنني نجحت في الحفاظ على نفسي لعامين ونصف. جزء منها لسابق الخبرة مع الأسر والاعتقال الفلسطيني، بالتالي فاهم السجون والمعتقلات. خلال عامين ونصف، حاولت الحفاظ على جسمي وذهني، على القراءة المستمرة، على الحديث في السياسة. كنت أنظم محاضرات سياسية في السجن في تحدي للأمن. نحن معتقلين سياسيين فهذا نوع من المقاومة. والمعركة المستمرة مع الأمن، بمعنى إبقاء المقاومة داخل السجن وبناء أوسع شبكة علاقات مع المعتقلين داخل السجن. لقد بنيت شبكة واسعة. هذا حافظ علي داخل السجن، وحافظ على تماسك آخرين داخل السجن.
طريقة تعاملك مع سجنك يؤثر على حالتك النفسية والمعنوية والصحية عندما تخرجين من السجن.
أتصور أن ضباط الأمن والسجن سيتذكرونني بكراهية شديدة لأنني كنت أسبب مشكلة كل يوم. والتهديدات أثناء السجن كانت مستمرة بنقلي لسجون أقسى وقمعي ومنع كل شيء عني.
م.م: ما نوع المشاكل التي نتحدث عنها؟
ر.ش: أول تسعة أشهر من السجن كنا تابعين لضابط أمن دولة، بشكل غير رسمي، لأن وجوده في السجن غير رسمي، غير قانوني. زيارتي الشخصية لعائلتي كانت عشرين دقيقة، مرة كل شهر، وكانت في مكتب أمن الدولة بوجود الضابط، يسمع ويكتب تقرير عن الزيارة. في الأشهر التسعة كنت رافضًا للتحدث معه، غير معترف بوجوده. بالنسبة له كانت مشكلة ضخمة. أنا بقولوش صباح الخير وأنا داخل وبطلع بدون ما احكي معه ولا كلمة. عندما فشلوا في التهديد في محاولة الضغط، بدأوا بالإغراء. بدأوا بإرسال جواسيسهم من المعتقلين. للأسف هناك «مسيّرون» في السجن تابعون للأمن، ينصحونني بالحديث معه وطلب مقابلته، حيدلّعك وينقلك على الأوضة يلي بدك ياها وتدخل الأغراض يلي بدك ياها والتريض بيصير عندك مفتوح. بعد ثلاث أو أربع محاولات من هذا النوع، ذهبت إلى زيارة وفي نهايتها قلت له عايز أشوفك. انبسط كثير، جلست وسألته: «ماذا تريد مني؟ عدة أشخاص طلبوا مني مقابلتك، أنت مش محتاج تبعتلي حد، أنا معتقل عندك، تقدر تبعت تجبني في أي وقت ومش حقدر أقولك لأ». رد طبعًا. فسألته «يعني مش عايز تقابلني؟ طب السلام عليكم» قلي: «لا لا استنى».
تعاملت معهم بطريقة يمكنني الحديث عنها طويلًا، بمعنى إبقاء مقاومتي لهم، طبعًا في حدود إمكانياتي داخل السجن. يجب أن يعرفوا أنك رافضة لهم ولن تنكسري، لا نفسيًا ولا صحيًا، بكل أدوات قمعهم وتعذيبهم وتهديدهم. أتصور أن هذا أبقاني صحيح النفس بعد خروجي من السجن. أتصور أن جزء مهم من اكتئاب الناس أثناء وجودها في السجن هو إحساسها بالانكسار.
م.م: في فترة اعتقالك الأخيرة، ما مدى اتساع مساحات المقاومة التي توفرت لك؟
ر.ش: لآخر لحظة. في الأسبوعين الأخيرين، يوم 25 ديسمبر نقلوني لسجن المزرعة، هو سجن تأسس تاريخيًا للحرامية الكبار. المفروض أنه سجن مدلّع، نسمع أن به حمامات سباحة وغيره. اكتشفنا أنهم أزالوا منه كل شيء، التليفزيون الصغير والسخان والغسالة والثلاجة، لم يكن هناك سوى جدران. حتى التريض كان لمدة ساعة داخل تيوب معتم. طول فترة سجني في المزرعة لم أر الشمس. الناس ما زالوا موجودين في سجن المزرعة لأنهم هدوا السجن الذي كنا فيه.
أول يوم وصلنا اصطدمت بهم على هذه الظروف. ويوم وصولنا على السجن جمّعت الغرفة وقضيناها للفجر منغني من الشبابيك أغاني ثورية ويسقط حكم العسكر. انتهت بأنهم هجموا وقمعوا الغرفة، ومنعنا من الخروج ثلاثة أيام ومنع عنا الأكل ثلاثة أيام، بس طز، بالأخير حنقلكم في ظل القمع أنه رافضينكم ومش حتقدروا تكسرونا للحظة الأخيرة.

م.م: لم يحدث أي انقطاع في معركتك إذا. سُجنت على خلفية نضال، وفي السجن كنت تقود معركة نضالية في أصعب الأوقات، ومنذ وصولك لفرنسا وأنت مستمر في معركتك. لم يحدث أي وقفة أو استراحة. ليس لديك رغبة أو حاجة لأخذ استراحة؟
ر.ش: لم يكن هناك استراحة، خالص. بدأت المعركة من لحظة وصولي للمطار. لدي رغبة بتظبيط تفاصيل حياتي، أوراقي، وإقامتي، وعملي ودخلي. خرجت من السجن بلا شيء، أنا مش حدا معه مصاري، لكن حتى المصاري اللي معي حجزوها وصادروها.
لو انشغلت بالراحة وببناء حياتي يعني أنهم نجحوا في تأخيري أكثر عن المعركة، ويعني أنهم نجحوا في شغلي بتفاصيل الحياة والنجاة في الحياة. أنا أريد أن أقول لهم إن المعركة معكم أهم من الـsurviving في الحياة. هناك محاولة دائمة لإفقار المعارضين والناشطين، ليس فقط بحجز الأموال ومصادرتها رسميًا، إنما بسرقة بيتك أثناء اعتقالك، في سرقة سيارتك، في تسكير شغلك إن كنت صاحب عمل، وطردك من عملك إن كنت موظفًا، وحتى بمحاصرتك بعد خروجك بتهديد أصحاب العمل ومنعهم من توظيفك. يصبح همهم الوحيد أن يعيشوا ويأكلوا ويشربوا مع عائلاتهم، بدل التفكير والعمل السياسي.
م.م: لدي سؤال لا أعرف إن كان مقبولًا باعتباره عن طرف ثالث. أنت اخترت استمرار المعركة، في السجن وبعد السجن أيضًا، لم تأخذ استراحة ولم تحاول حتى. سيلين زوجتك كانت تخوض المعركة أثناء سجنك، ولا أعرف مدى رغبتها بالمتابعة اليوم؟
ر.ش: مع خروجي من السجن كان إصرارها ونيتها هو أن نعطّل شهر شهرين، نذهب في شهر العسل اللي عمري ما أخدتها إياه. أتصور أنها أيضًا مدركة لرغبتي وإصراري على المعركة، وأدركت أن هذا مهم لنفسيتي أن أكمل المعركة وأقولهم إني منكسرتش، وإني مكمل. لكنها أيضًا تحمست لهذا الزخم الذي ووجهنا به، وأدركت أنه بلاتفورم بنفعش ينساب في هذه اللحظة. هناك فعلًا معركة للمعتقلين ولبلادنا بشكل أوسع، هناك فرصة للإضافة فيها، حرام تنساب. عادت وتحمست سريعًا ومكملة معي بكل لحظة.
م.م: لا تلجؤون لأي دعم نفسي ولا تتابعون مع مختصين؟
ر.ش: لا، ولا إشي.
أنا نصحت كل بني آدم أعرفه كان في السجن، وكل بني آدم أعرفه خرج من السجن، أن يتوجه فوراً للدعم النفسي. حتى إن لم تشعر بذلك لكن بلا شك هناك تروما في داخلك، مش غلط تعبر عنها. لا أريد أن أكذب على نفسي وأقول لا، يمكن مهم. لكن أتصور أن جزءًا من علاجي النفسي هو المعركة، كل واحد بيلاقي علاجه النفسي، جزء من علاجي إني مكمل منكسرتش. أنا بعالج نفسي نفسيًا بطريق مختلف.
لا أتكبر على الطب النفسي، وليس لدي نظريات ذكورية أو عنصرية تجاه الموضوع، بالعكس بحب أروح، ويمكن لما أرجع أهدا، أرجع أتشك أب مع دكتور نفسي حتى لو حاسس إني منيح، مش غلط أنه دكتور كمان يقلي إني منيح.
م.م: رأينا احتفاءً كبيرًا من السلطات الفرنسية بخروج رامي شعث. بشكل فعلي وملموس، ماذا تقدم الحكومة الفرنسية؟ ما هي أشكال الدعم التي تقدمها لك الحكومة؟
ر.ش: ولا شي. صفر.
م.م: مقترحات لدعم نفسي؟ مساعدة إدارية؟
ر.ش: ولا أي إشي.
أنا لم أطلب اللجوء السياسي، أنا لست لاجئًا سياسيًا. أنا فلسطيني بفيزا عائلية باعتبار زوجتي فرنسية، نقطة. لم يُعرض، ولم أتقدم بطلب أي نوع من أنواع الدعم المالي أو النفسي أو الإداري.
م.م: ما شكل التواصل مع الحكومة الفرنسية إذًا؟
ر.ش: من أول يوم كنت واضحًا. حصل لقاءات عديدة مع وزارة الخارجية وبرلمانيين، وحصل لقاءات كثيرة جدًا مع أعضاء برلمانيين، كلها في إطار معركة سياسية، من ناحية الضغط عليهم لتغيير السياسات الفرنسية تجاه النظام القمعي، وللضغط عليه للإفراج عن المعتقلين، ولمحاولة بناء سردية جديدة لكل منطقتنا خارج سردية الاحتلال والديكتاتورية. بعد لقائي مع ممثلين لعدة دول أوروبية، أتصور أن هناك تعاطفًا معي كمعتقل، لكن هناك جانب آخر له علاقة بإدراكهم أن سياسة الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط فاشلة، وأدت لاستمرار الهجرة غير الشرعية واستمرار العنف والتعصب الذي يتحول إلى عنف، وإلى عدم الاستقرار ككل. ليس لديهم رؤي، بالنسبة لي هذه كارثة رهيبة في أوروبا، أن القارة العجوز بهذا الضعف السياسي والاستراتيجي، ليس لديهم رؤية عن كيفية التغيير. أتصور أنهم مهتمون بسماع أفكار جديدة. هل سيسمعون ويذهبون باتجاه هذه الأفكار الجديدة؟ الله أعلم، بدها شغل كتير، لكنهم في لحظة إعادة التفكير في استراتيجياتهم.
م.م: كيف تتعامل مع ثنائية دعم فرنسا للسيسي وبيع الأسلحة، ودعمها في الوقت ذاته لقضية رامي شعث؟
ر.ش: سهل جدًا. بنجاح من زوجتي، وبتاريخي الطويل من العمل السياسي، أتصور أنني كنت معركة أسهل ليقول الفرنسيون صحيح، نحن نبيع الأسلحة ونبيع الأمن ونعطيهم مساعدات أمنية، لكن أيضًا نحاورهم في حقوق الإنسان والدليل أنهم أفرجوا عن رامي شعث. طب في 60 ألف معتقل، رامي شعث واحد ضل 59.999. مثل معركة الطليان على باتريك زكي. رغم محبتي لباتريك ورغبتي فورًا بالسماح له بالسفر والعودة لجامعته، لكن مرة ثانية هو واحد من 60 ألف، ولن نقبل من الأوروبيين والغرب بشكل عام غسل اليدين بناشط أو ناشطين، متناسين الأزمة الأكبر بكثير والمأساة القائمة في مصر.
في النهاية شكرًا على دعمي الشخصي، لكن هذا ليس مقبولًا كسياسة مستمرة؛ العمل على ناشط ناشط من 60 ألف، يعني بدنا ست آلاف سنة لنطلعهم، وليس مقبولًا كذلك أن يكون خروجي أو خروج واحد أو اثنين أو ثلاثة مكافئًا للدور الانتهازي في بيع الأسلحة والأجهزة الأمنية وإعطاء الشرعية وتمويل بقاء القمع في مصر. مش مقبول.
م.م: في مصر كان هناك تضييق مباشر وغير مباشر في الوقت ذاته على كل نشاط يتعلق بالقضية الفلسطينية، لكن في فرنسا هناك قوانين، وهذه القوانين تضيّق مساحات التعبير باستمرار في ما يتعلق بإسرائيل. نشاط بحجم مقاطعة إسرائيل وغيره، كيف تخطط للتعامل معه في فرنسا وأوروبا عمومًا؟
ر.ش: منذ خروجي من السجن، أجريت ما يقارب أربعين أو خمسين لقاءً صحفيًا كبيرًا، من «تشانل 24»، ووكالة «فرانس برس»، و«مونتي كارلو»، و«تي في 5»، و«ميديابار»، و«لو موند»، و«ليبيراسيون»، و«سي إن إن»، و«واشنطن بوست»، و«بي بي سي»، وكلهم بلا استثناء سألوني عن BDS وأظهرت تمسكي بها. لم أواجه بمشاكل قانونية، الحقيقة لم أواجه حتى بتحدي فكري حقيقي، الناس تقبلت هذا الاعتبار. وهو جزء من دفاعي عن حقوق الإنسان، هي معركة حقوق إنسان، مثلما معركتي في مصر معركة حقوق إنسان لكن أيضًا معركة سياسية باتجاه تغيير هذه الأوضاع.
هذا النضال كان مقبولًا، أو على الأقل لم يقلل أو يغير من وجودي أو قدرتي على الاستمرار في الوجود الإعلامي. نعم جزء منه كان مفاجأة لي، لكن كان مفاجأة لمن يعرفون الأوضاع الأوروبية والأمريكية، أنك تتحدث على «واشنطن بوست» عن مقاطعة إسرائيل، والناس بتقبلها منك، وتتحدث عن تغيير الأوضاع في مصر والرؤية الاستراتيجية، والناس بتقبلها منك.
جزء منها أكيد هو شرعية المعتقل الذي أتي منه، وثانيًا ما أعتقده هو أن دول العالم وصلت لمرحلة فشل في كيفية بناء استراتيجية وعلاقة طويلة المدى في الشرق الأوسط. واحدة من الدلائل معركة أوكرانيا، في النهاية، كل الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية والأميرية والخلافية والملكية والصهيونية الإسرائيلية كلها اصطفت مع بوتين. بالنسبة لي، لم يكن مهمًا أن يصطفون مع الغرب، لأن الغرب واقع في نفس جريمة بوتين، الأمريكان كانوا فاعلًا أساسيًا في توليع الأزمة في أوكرانيا، والأمريكان هم الداعم الرئيسي لإسرائيل التي تحتل فلسطين كما تحتل روسيا أوكرانيا. لكن مع رفضي لمنطق الكيل بمكيالين في فلسطين، منطق أعوج ومتخلف وغبي وعنصري، باتجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، لكنني 100% متعاطف مع الشعب الأوكراني تحت القمع والاحتلال والقصف والقتل غير المبرر بالمصالح السياسية. نقدي لعنصرية بعض الأطراف في الغرب وتركيبات مصالحه لا تجعلني أفقد البوصلة الحقيقية باتجاه الناس وحقوقها، سواء في فلسطين أو في أوكرانيا.
م.م: هل أنت راضٍ عن نوعية الأسئلة التي تطرح عليك في الإعلام، وأشكال اللقاءات التي تُجرى معك؟
ر.ش: طبعًا بعضها مكرر، حول ظروف اعتقالي وحول مشاهداتي في السجن. الحقيقة أن هذه الأسئلة مرهقة نفسيًا أحيانًا، وتكرارها مرهق نفسيًا، ويعيدك إلى التروما. لكنني لن أتردد عن حكاية القصة كمان ألف مرة تانية، إن كان هذا يعطي صورة لمشاهدين آخرين عن حجم القمع في السجون المصرية، أو حول نوعية المعتقلين وعشوائية اعتقالهم. السلطات المصرية صدّرت أنهم إخوان وإسلاميون متشددون، وحقيقة الأمر أن السجون مليئة بالتيار المدني، وبآلاف المصريين العاديين اللي ملهمش علاقة بالسياسة معتقلين لأسباب اعتباطية بهدف تخويف المجتمع والسيطرة عليه. حتى الإخوان المسلمين والإسلاميين الذين شاهدتهم في السجن، وهم كُثُر، كلهم كانوا موجودين لأسباب لها علاقة بآرائهم وانتمائهم السياسي وليس لأي عنف اقترفوه. هؤلاء أيضًا بقبلش استمرار قمعهم واعتقالهم.
م.م: وما رأيك في تغطية قضيتك بشكل عام؟
ر.ش: عندما كنت في السجن كانت تغطية ضعيفة. الميديا البديلة تحدثت عني كثيرًا، ناشطون تحدثوا عني كثيراً. زوجتي كانت تخوض معارك في الشارع بأشكال مختلفة، وظهرت في إعلام من أكثر من مكان، وأكثر من إعلام تحدث عني، لكن الكلام بمعظمه مكانش منيح، بالعكس كان مشكك فيّ وفي نواياي وأفكاري، فكروا قد يكون المصريون على حق وهادا إرهابي أو إخوان. لأ مكنتش شايفه بالذات إيجابي، أو مشفتوش بعد ما خرجت من السجن، في السجن مشفتش طبعًا.
خروجي وطريقة خروجي أظهر أن المصريين مفش إشي! وبلا شك جلب لي تعاطف إعلامي. قصة خروجي وقصة العلاقة بيني وبين زوجتي كلها قصص أضافت للتويست الإعلامي. استقبالي الإعلامي كان أعلى جدًا جدًا من استقبالي أثناء تواجدي في المعتقل.
طبعًا بعد خروجي، الإعلام العربي والموجود في بلادنا العربية، والمسيطر عليه من المؤسسات الحاكمة، تجنبني تمامًا، عدا الإعلام المصري الّي شتمني. الإعلام الفلسطيني لديه منع نشر من أبو مازن عن أي شيء له علاقة بي، وأتصور أن هذا موجود في بقية الإعلام العربي بأشكال مختلفة، الذي مش بالذات بده يتخانق معي أو يشتمني، بس كمان بدّوش يحكي عني أي إشي.
في مصر هناك سماح بالنشر للشتايم (ضحك). مع خروجي بطّلوا يحكوا إرهابي وإخوان مسلمين، مع خروجي الشتائم أصبحت كذاب ومدعي وأنني أفعل ما أفعله لاستدرار تعاطف الغرب. مش عارف يعني إيش استدرار تعاطف الغرب، أو إدانة ذهاب رامي شعث للبرلمان الأوروبي وحديثه عن مصر وليس عن فلسطين، باعتبار اللي كان معتقلني كوالالمبور مش طالع من 915 يومًا في معتقل مصري، فالمفروض أحكي عن أزمة الإيغور في الصين. نوعية الشتائم مضحكة، تعبر أديش همّ فاضيين ومعندهمش إشي يحكوا فيه.
م.م: إذًا أنت متابع، تعرف ما يقوله الإعلام وكيف يرد الناس عليه؟ عمتتحسن العلاقة مع السوشيال ميديا.
ر.ش: طبعًا. بينبعتلي الأشياء، شوفها فبشوفها، بس لو تركوني لحالي مش حعرف (ضحك).
* حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. حركة فلسطينية المنشأ عالمية الامتداد تسعى لمقاومة الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي، من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة في فلسطين وصولًا إلى حق تقرير المصير لكل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
تقارير ذات صلة
أحمد دومة: السلطة أو أحد أجهزتها مصرة على إجهاض عودة أي معتقل سابق لحياته الطبيعية
أعلنت دار المرايا للإنتاج الثقافي، الجمعة الماضي، تأجيل ندوة كان من المقرر عقدها السبت الماضي، لإطلاق ومناقشة ديوان «كيرلي» للشاعر والناشط والسجين السابق أحمد دومة. ولم تحدد الدار أسباب التأجيل،…
عن نهاية سعيدة نادرة لسجين رأي.. حوار مع باتريك زكي
تحدث زكي مع «مدى مصر» عن النهاية السعيدة لقصته
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن