تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أحمد دومة: السلطة أو أحد أجهزتها مصرة على إجهاض عودة أي معتقل سابق لحياته الطبيعية

أحمد دومة: السلطة أو أحد أجهزتها مصرة على إجهاض عودة أي معتقل سابق لحياته الطبيعية

كتابة: رنا ممدوح 8 دقيقة قراءة

أعلنت دار المرايا للإنتاج الثقافي، الجمعة الماضي، تأجيل ندوة كان من المقرر عقدها السبت الماضي، لإطلاق ومناقشة ديوان «كيرلي» للشاعر والناشط والسجين السابق أحمد دومة. ولم تحدد الدار أسباب التأجيل، مكتفية بتوضيح أنها «ظروف خارجة عن إرادة الجميع».

قرار «المرايا» جاء بعد ساعات من نشر أحد المواقع الإلكترونية، تصريحات متزامنة لخمسة شيوخ دائمي الظهور في وسائل الإعلام المملوكة للسلطة، اتهموا فيها دومة بالجنون والكفر والخروج من الملة، وطالبوا مجمع البحوث الإسلامية بمصادرة ديوانه ومنع طبعه وتداوله.

برر الشيوخ فتواهم بأن مقدمة «كيرلي» وإحدى قصائده، تتضمن ما وصفوه بـ«ندية في الحديث مع الله»، وهو ما يعتبره دومة أحدث حلقة في سلسلة المضايقات التي يتعرض لها منذ اليوم الأول لخروجه من السجن قبل عام، لافتًا إلى أن تلك الفتاوى بمثابة «تحريض مباشر» على القتل أو الإيذاء في أهون الأحوال، متهمًا «الأمن» بالوقوف خلفها، ومشددًا على أن السلطة أو أحد أجهزتها تعرقل عودة أي معتقل سابق لحياته الطبيعيّة، استمرارًا في عقابه وحصاره، حتى لا يمتلك الوقت أو الجهد لممارسة أي نشاط يهدد صورتها من ناحية، وتدفعه للصدام لإثبات أن الإفراج عن السياسيين خطأ من ناحية أخرى. 

عن شكل حياته خارج السجن والحياة بعد العفو الرئاسي، تحدثنا إلى دومة، وهذا نص حوارنا معه.

مدى مصر: أفرجت وزارة الداخلية عنك في 19 أغسطس الماضي بعد أن صدر لصالحك عفوًا رئاسيًا، حدثنا عن مظاهر عودتك للحياة بعد 10 سنوات في السجن؟

أحمد دومة: منذ اليوم الأول لخروجي وحتى اليوم، وأنا ممنوع من استخراج أوراقي الرسمية (الباسبور، الموقف من التجنيد، الفيش والتشبيه، إلخ)، وكمان التجنيد بيتعامل معايا كهارب من الخدمة، ومش معترف بوجودي كمعتقل طيلة السنوات العشر الماضية رغم محاولتي تقديم القرار الجمهوري (العفو الرئاسي رقم 348 لسنة 2023)، ودائمًا ما يطلب مني شهادة من واقع الجدول [شهادة لإثبات مدة سجني]، وطبعًا هيّ من ضمن الأوراق الممنوع من استخراجها.

إضافة إلى ذلك، تم تجميد حسابي البنكي لصالح الضرائب بقيمة الغرامة الأولى في حكم أوّل درجة بقضية فض اعتصام مجلس الوزراء (نحو 18 مليون جنيه تم تقليصها إلى ستة ملايين جنيه بعد حكم النقض)، وبالتالي عدم قدرتي على إجراء كثير من المعاملات اليومية والحياتية الطبيعية لأي مواطن، ولا القدرة على السفر، ولا التقدم للوظائف أو الجامعات (كلّها تطلب موقفًا من التجنيد على الأقل)، والنتيجة تعطّل كامل في حياتي.

ما يزيد الطين بلة هي التهديدات التي تصل للنوافذ التي أكتب فيها مقالات، أو استخدام التخلص مني كورقة للمساومة مع المنصات التي تنشر لي، مقابل تسيير مصلحة هنا أو فك تعطيل هناك.

فلا فرصة تقريبًا للتحرك أي خطوة، لا في مجال الرأي أو الوظيفة أو المعاملات المالية أو السفر قبل ذلك كله، وهو ما يعطل خطة التعافي التي كان يجب أن تبدأ فور خروجي، وكان مخططًا لها ذلك، لكنها ما زالت معطلة، وهو ما يعني تدهورًا صحيًا ونفسيًا، خاصة مع استمرار الحصار والتهديد المتواصل، تزامنًا مع كل مقال أو تظاهرة أو حتى قصيدة.

وقد طلبت من شخصيات عامة وسياسية عديدة، التدخل لإنهاء هذه الأزمة، دون جدوى، رغم مرور قرابة عام على خروجي. وما زالت الأزمة مستمرة حتى اليوم.

م. م: لكنك شاركت بعد خروجك من السجن في عدد من الوقفات الاحتجاجية على سلالم نقابة الصحفيين ولم يتم استهدافك

أ. د: استهدافي سابق على موجة الوقفات المناصرة لفلسطين والمقاومة، لكن بلا شك الاستهداف بعد المشاركة في الوقفات اتخذ أشكالًا أكثر تهديدًا وعنفًا، وأعرف أن ما أتعرض له يتعرض له أيضًا جميع أبناء ورموز ثورة 25 يناير، وغيرهم من المعارضين وأصحاب الرأي.

السلطة مصرة على التخلص من أي صوت خارج سياق ببغاوات أجهزتها، وهذا شديد الخطورة على هذا البلد حاضرًا ومستقبلًا. ألم يدركوا بعد أن الانهيار الذي أوصلونا له بفشلهم وقمعهم كان من الممكن تجنب شيء منه إذا استمعوا لآراء وطنية متخصصة؟ ألم يروا بعد إلى أين أوصلونا بصوتهم الواحد المكرر والجاهل؟! ألم يتخلّصوا مني والآلاف غيري في معتقلاتهم؟! ما الذي قدموه لهذا البلد طيلة هذه السنين غير الفشل والانهيار؟

تصور أننا مصدر الأزمة، خبل وعمى أتمنى أن ينتهي قبل أن يسقط هذا البلد المسكين في قاع أبعد مما نحن فيه الآن، وإصرار جهاز أمني (أو أجهزة، لا أعلم) على لانهائية التضييق والحصار والإيذاء لنا لن يؤدي إلى أي شيء مفيد لهم، باستثناء إرضاء غرور وإشباع غل على لحظة لن تُمحى من أذهاننا ولا من تاريخ هذا البلد، رغم كل الجهود المبذولة لشيطنتنا وطمس هذه اللحظة المجيدة.

م. م: وما تعليقك على فتاوى الشيوخ؟ هل تقف السلطة خلفها أم أنها تعبر عن رأي أصحابها؟

أ. د: هؤلاء مشايخ سلطة، بوضوح وحسم، يتباهون بالمحاضرات التي يلقونها في أكاديمية الشرطة، ومشاركتهم في الندوات السياسية والعسكرية للسلطة وأجهزتها، وينتشرون بالأمر المباشر في نوافذ الدولة الرسمية أو «المترسمنة» بلا توقف، وبالتالي لا أتعامل معهم باعتبارهم رجال دين أو علماء لديهم موقف فقهي أو شرعي، إنما إحدى الأدوات الرخيصة للسلطة لتصفية معارضيها.

هجمتهم الأخيرة، بهذا التتابع والتزامن وبذات الصياغة تقريبًا، أكبر دليل على ذلك. وكما سبق وقلت، أتحدى أن يكون أحدهم قرأ سطرًا واحدًا من الديوان، غير ما تم إرساله لهم من «جهاز السامسونج» غالبًا، وأتحدى أن يكون أحدهم عارفًا بمحتواه أو قصائده.

هذا تكليف أمني، يمثّل تحريضًا مباشرًا على القتل أو الإيذاء في أهون الأحوال. كلّنا يعرف، كما تعرف الدولة أيضًا، أثر مثل هذه الفتاوى التكفيرية ونهايتها، وأن نتائجها السابقة لم تكن إلا قتل أو محاولة قتل، والنماذج كثيرة بعيدًا عن فوارق الحجم والأثر الإبداعي: نجيب محفوظ، وسلمان رشدي، وفرج فودة، ونصر حامد أبو زيد، وغيرهم.

الفاضح في الأمر أن هؤلاء أنفسهم يستخدمون ذات الخطاب الداعشي الذي ظلوا يقنعون الجماهير أنهم يحاربونه، ثم عند أول تكليف استخدموه لمهاجمتي وديواني. أليس هذا إرهابًا؟ وما الفارق بينهم وبين داعش؟ لهذا اتفقت مع المحامي، خالد علي، على اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم فورًا.

م. م: هل تدفعك تلك الملاحقات للسفر إلى الخارج مثلًا؟

أ. د: كنت أخطط للبدء في رحلة تعافي -صحية ونفسية- خارج البلاد فور خروجي من المعتقل، لكنهم عطلوها وما زالوا حتى الآن. كما سبق ومنعوني من استكمال دراستي العليا في القانون الدولي، لنحو خمس سنوات، رغم الدعاوى القضائية التي أقمتها ضدهم للتمكن من إنهاء الماجستير، والآن لدي فرص للالتحاق ببرامج ماجستير في بعض الجامعات الأوروبية الشهيرة، لكنهم يعطلون ذلك أيضًا.

أما إن قصدتي السفر هروبًا من البلد، نفيًا إراديًا أو بحثًا عن وطن بديل، فهذا لن يحدث. معركتي في هذا البلد من أجل الحرية والاستقلال والعدالة، كانت فيه وله، وستظل كذلك، وخسارة معركة يناير لا تعني أكثر من خسارة معركة (مهما كان هذا فادحًا ومزلزلًا)، لكنها لم تغير شيئًا في انحيازاتي وقناعاتي. ولولا تلك الخسارة، لما وصل البلد إلى ما وصل إليه، وهو ما يؤكد صحة تمسكنا بالحكم المدني وعودة الجيش إلى ثكناته، واختيار الشعب -الحر، والواعي- للسلطة التي تحكمه على أسس دستورية تحترم إرادته ووجوده ومصالحه.

أقدر ما تعرض له الرفاق والرفيقات، واضطرهم للسفر، وأُشاركهم كثيرًا منه، لكنني حريص على تجنب هذا المسار ما استطعت، وتمسكي بحقي في السفر هو تمسك بحق مجرد كأي مواطن، إضافة إلى ما سبق وقلته عن التعافي والدراسة، وهو ما أتمنى أن أكون قادرًا على فعله قريبًا.

م. م: ما هي فرص عودة السياسيين إلى حياتهم الطبيعية بعد خروجهم من السجن؟

أ. د: السلطة أو أحد أجهزتها مصرة على إجهاض عودة أي معتقل سابق لحياته الطبيعية، وذلك لسببين رئيسيين في ظني: الأول استمرارًا للعقاب على جريمته في الوجود والثورة، وحصارًا مستمرًا له حتى لا يمتلك الوقت أو الجهد لممارسة أي نشاط يهدد صورتها أو مصالحها، ويمكن تطوره إلى تهديد وجودها تراكمًا واتساعًا.

والثاني دفعًا للصدام لإثبات أن الإفراج عنه كان خطأ، وأن «ديل الكلب عمره ما يتعدل» -كما يقول «الأمن الوطني» لأصحاب القرار-، وبالتالي تضيّق وتهدد وتحاصر، ومع أول شكوى أو اعتراض ترفع التقارير، سعيًا لغلق ملف خروج أي معتقل وإعادة من خرجوا بالفعل. العشرات ممن أعرف شخصيًا أعيد اعتقالهم فقط لأنهم احتجوا على جرائم ارتكبت بحقهم بعد الإفراج عنهم. شريف الروبي مثلًا، وحتى علاء عبد الفتاح -بعيدًا عن بقية الأسباب- هناك أجهزة تقول بوقاحة إن إعادة اعتقاله حصلت فقط بسبب حملة «سجن نص اليوم»، احتجاجًا على ما حدث معه وغيره في فترة المراقبة الشرطية لـ12 ساعة يوميًا، وهو ما تكرر مع عبد الرحمن طارق «موكّا» وغيرهما.

ويبدو أن هذا يفلح كثيرًا، حتى الآن على الأقل، وهو شيء مؤسف وبائس، بقدر ما هو شاحن للمزيد من الغضب والثارات.

هذه كلها ملفات يجب أن تنتهي ويتم تصفيتها بالكامل، ولا أصدق أن عاقلًا واحدًا يشارك في شيء كالحوار الوطني مثلًا أو غيره من التفاهمات مع السلطة قبل أن تنتهي هذه المهزلة. إذا كنتم غير قادرين على استخراج رخصة قيادة للدكتور حسن نافعة -كما قال بنفسه- فما الذي تتوقّعون الحصول عليه منهم إلا المزيد من تبرير القمع والانتهاكات؟

ديوان «كيرلي» كتبت كل قصائده في المعتقل، وخرجت تهريبًا منه على مدار سنوات، ونشر في 2021، ثم صودر من جناح الدار في معرض القاهرة للكتاب، ومنع نشره وتوزيعه حتى اليوم، وها هي ذات الجريمة ترتكب بحق الديوان وحقي للمرة الثانية رغم مرور ثلاث سنوات.

لا أصدق أن سلطة تحشد أدواتها الأمنية والإعلامية والدينية ولجانها الإلكترونية لمحاربة قصائد في ديوان شعر، ما هذا الجنون؟! ما هذا الرعب؟!

لكن كما كتبت الشعر في المعتقل، وغالب القصائد كتبت في الزنزانة الانفرادية، ونُشرت وقتها، وهذا ما سأفعله على كل حال: سأكتب وأقول الشعر أيًا كانت النافذة والطريقة وأيًا كانت الحواجز. 

وكما سبق وقلت: حين منعوا الأوراق والأقلام في السجن -كعادتهم عام 2010 في معتقل طرة- كتبت قصيدةً على جدار الزنزانة خربشةً بأظافري، وبعدها بعامين، نُشرت في ديواني الأول «صوتك طالع».

أظن أن هذا يوضح ما الذي أفعله في المواجهة، أمام كل المنع المحيط بنا، وأمام هذا الجنون التكفيري الجاهل.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن