تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأس السنة بصوت عدوية 

رأس السنة بصوت عدوية 

لماذا عدوية الأب الروحي للأغنية الشعبية 

كتابة: شريف حسن 6 دقيقة قراءة

يدعوكم «مدى مصر» للونس في ليلة رأس السنة مع بلاي ليست من أغاني عدوية من إعداد شريف حسن.

لو تخيلنا أن عدوية توقف عن الغناء فعليًا بعد الحادثة الشهيرة في أواخر الثمانينيات، فإن مسيرته الفنية التي امتدت لـ20 عامًا فقط كانت كافية لتغيير ملامح الأغنية الشعبية تمامًا. خلال تلك الفترة القصيرة نسبيًا، نجح عدوية في صياغة مفهوم جديد للأغنية الشعبية، خاصة تلك التي تعكس روح المدينة، وبالتحديد القاهرة، كعاصمة نابضة بالحياة، فكيف استطاع عدوية أن يعيد تشكيل الأغنية الشعبية ويمنحها هوية جديدة ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا؟

منح القاهرة صوتًا خاصًا بها، يعكس أحلامًا وتحديات الأجيال الجديدة التي نشأت في ظل ثقافة مكانية وزمنية متشابكة. ففي فترة شهدت بروز طبقات اجتماعية جديدة وتأثيرات الانفتاح الاقتصادي، بالإضافة إلى تداعيات الهزيمة وأحلام النصر، كان عدوية، دون تخطيط مسبق، يضع أسسًا جديدة للأغنية المصرية ويحدد معالمها المستقبلية.

كانت الأغنية الشعبية المصرية، في الثلاثينيات والأربعينيات، قبل ظهور عدوية مستمدة بشكل أساسي من الريف المصري، متأثرة بموسيقاه التقليدية وآلاته البسيطة. كما عكست كلماتها الطابع الريفي، واستلهمت من الفلكلور المصري في الأفراح وأغاني الزراعة والحصاد وأغاني السمر الريفية. لاحقًا، استُدعي الفلكلور الصعيدي مع ظهور شعراء مثل عبد الرحمن الأبنودي.

في تلك الفترة، غنى الجميع الأغنية الشعبية، حتى عبد الحليم حافظ الذي استخدمها لمنافسة نجاحات محمد رشدي، رغم أنه كان يُعتبر ضمن الأصوات الرسمية للدولة إلى جانب أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب. لكن ورغم هذا الانتشار، لم يكن للمدينة صوت خاص بها يُعبّر عن التغيرات الاجتماعية والثقافية الناتجة عن التمدن وسيطرة المدينة على المشهد العام في مصر.

وهنا ظهر عدوية في القاهرة، ساعيًا لتحقيق شغفه الوحيد: أن يغني. فقط أن يغني.

بدأ عدوية بوضع قواعد جديدة للأغنية الشعبية، مستلهمًا نبض المدينة وروحها المتغيرة. وسرعان ما تحولت هذه القواعد إلى أساس متين للأغنية الشعبية الحديثة، لتصبح النموذج الذي اتبعه جميع المطربين الشعبيين الذين ظهروا بعده، واليوم، وبعد أكثر من 50 عامًا، لم يظهر مطرب شعبي واحد في أي محافظة مصرية لم يتأثر بعدوية أو لم يسِر على خطاه، فقد أصبح النموذج الأمثل لتعريف المطرب الشعبي، ورمزًا خالدًا للأغنية الشعبية الحديثة.

بدأت رحلة عدوية من خلال قدراته الصوتية الفريدة، التي لم تكن تحمل طربًا كلاسيكيًا تقليديًا، لكنها جسدت روح وخبرات الشارع المصري. كان صوته مفعمًا بحزن نبيل وقدرة على مواجهة الأوجاع، مع إيقاع يجسد الرقص على الأحزان كطائر جريح. أضاف عدوية بصمته الخاصة إلى الغناء الشعبي، حيث أصبح صوته مميزًا ولا يُخطئه المستمع بين أي أصوات أخرى. 

لهذا السبب، أصبحت النصيحة الأهم لكل من جاء بعد عدوية هي أن يضع بصمته الخاصة في طريقة الغناء، مع اختيار الكلمات بعناية وخصوصية. لقد قدم عدوية كل أشكال الغناء الشعبي، وتنقل بحرية بين أنماطه المختلفة من حيث الكلمات والألحان. ومع ذلك، تعرضت كلماته للهجوم المستمر، وهي لعنة لاحقت جميع مطربي الأغنية الشعبية الذين جاؤوا بعده. كانت الكلمات انعكاسًا للزمان والمكان الذي كُتبت فيه، مما جعل الأغنية الشعبية تتجدد وتختلف أساليب كتابتها مع كل مرحلة زمنية. وفي كل مرة، كان يُتهم هذا التجديد بالإسفاف والانحدار بالذوق العام، رغم أنه في الواقع يعكس تحولات المجتمع وثقافته.

كان اختيار الكلمات المناسبة للزمن، مع نزعة التجديد والبحث عن طرق مختلفة للتعبير عن المشاعر والمواقف الحياتية اليومية مفتاح نجاح عدوية. فقد تماهى مع فكرة اليومي في حياة الإنسان العادي، وعبر عنها من خلال الأغنية، كما استطاع المزج بين الشكل العاطفي والاجتماعي بأسلوب يشبه المونولوج الفكاهي لكن بروح عصره. وإذا تأملنا الفرق بين أغنيتي «حلو الحلو» لمحمود شكوكو و«بنت السلطان» لعدوية، سنجد أن الفارق هو اختلاف الزمن الذي أفرز مفردات وطرق تعبير مغايرة. جمع عدوية كل أشكال الغناء الشعبي السابقة وهضمها جيدًا، ليخرج لنا بصيغة خاصة به، فرضت حضورها على الجميع.

كل تلك العوامل جعلت مطربي الأغنية الشعبية في منافسة مختلفة تمامًا مع بقية ما يُطرح في السوق الغنائي المصري. لكنها أيضًا دفعت بهم إلى تصنيف أدنى مقارنة بمطربي البوب، نتيجة نظرة طبقية تميزت بها شرائح من المجتمع. انعكس ذلك على تعامل وسائل الإعلام في الثمانينيات والتسعينيات، حيث كان المذيعون يتعمدون التقليل من المطربين الشعبيين، ويوجهون إليهم أسئلة سطحية مثل: «تقدر تغني لعبد الحليم أو أم كلثوم؟» 

ومع ذلك، كان عدوية قادرًا على أداء أغاني حليم التي تناسب صوته، مثل «خسارة خسارة» و«حلو وكداب»، لكنه أضاف إليها بصمته الخاصة لتتحول إلى أغنيات مختلفة تمامًا، تحمل طابع الأغنية الشعبية. وكأنه منحها ختم الأغنية الشعبية الذي سار عليه جميع المطربين الشعبيين بعده. فقد أرسى نهجًا واضحًا: غنِّ ما شئت من الأغاني القديمة، لكن اجعلها أغنيتك الخاصة. كن المعلم الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة، واجعل جمهورك حاضرًا في جلساتك وسمراتك. أضف كلمات، احذف أخرى، أو أدخل حروف عطف وضمائر ملكية. هكذا نشأت خصوصية الأغنية الشعبية وفرادتها، وكذلك تميز أصواتها.

رغم تعاون عدوية مع نخبة من الشعراء والملحنين ومجالسة علية القوم، إلا أنه واجه نظرة متعالية من الإعلام، اعتُبرت في ما قبل الألفية الأغنية الشعبية مرحلة انتقالية قبل أن يرتقي المطرب إلى مصاف مطربي البوب، كما حدث مع حكيم وحمادة هلال وخالد عجاج. لكن عدوية، رغم الهجوم الذي تعرض له، ظل متمسكًا بما يحب ويقدمه دون البحث عن منطقة دافئة يختبئ فيها للبقاء في السوق. كان يدرك أن موهبته تتجاوز حدود التصنيفات التقليدية، فانطلق خلال 20 عامًا يحفر اسمه في الخلود الفني.

وعى عدوية جيدًا لأهمية الموسيقى المصاحبة له، بجانب اختياره لألحان وتوزيعات متماسكة تعكس الصوت الشعبي للمدينة، مستخدمًا آلات إيقاع وأكورديون وآلات نفخ شرقية وغربية. ولتحقيق ذلك، استعان بعازفين مهرة قادرين على تقديم الألحان ومجاراته في لحظات التجلي والارتجال، مثل سامي البابلي على آلة الترومبيت، أحد أهم وأجمل عازفي الترومبيت الشرقي والربع تون، وحسن أبو السعود على الأكورديون، وعم سيد أبو شفة عازف الناي، والأستاذ عبده داغر، وحسن أنور وخميس حنكش على الإيقاع. كان عدوية يقدر قدراتهم الفنية ويدمج أدائهم مع صوته لخلق تجربة موسيقية حية ومتفردة.

ظل أحمد عدوية نموذجًا للأصالة والتجديد في آنٍ واحد. فبينما حافظ على الروح الشعبية، كان يطور أدواته ويقدم أشكالًا جديدة تعكس تطور الزمن. تأثيره لا يزال حاضرًا في الأغنية الشعبية الحديثة، حيث يستلهم مطربو اليوم من تجربته طرق الأداء والارتجال والبصمة الصوتية. وهكذا، بقي عدوية الأب الروحي للأغنية الشعبية. 

رغم المرض والتقدم في العمر، كان عدوية قادرًا على تقديم نفس النشوة والقدرة على التجلي مع أغانيه، فقدم عملين مهمين في بداية الألفينات، أحدهما مع رامي عياش، «الناس الرايقة» والأخرى «المولد» مع ابنه محمد. تلك الأعمال أكدت على قدرة عدوية وفهمه لفكرة الغناء الشعبي الذي قدمه وقدرته على الاتساق والتماشي مع الأشكال الغنائية الجديدة في بداية الألفية. هذه النقطة وعاها عبد الباسط حمودة وطارق الشيخ في السنوات الأخيرة، ومثلما سار عدوية، سار حسن الأسمر على نهجه وأضاف بصمته، وأيضا سار الليثي ورضا البحراوي وأحمد عامر، وكل منهم له بصمته المختلفة. لذلك، سيظل أثر عدوية على الأغنية الشعبية خالدًا ومستمرًا ومتشعبًا ومؤثرًا على أذهان مطربي الأغنية الشعبية.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن