دور ويجز الجاي
من مغني راب لنجم بوب
مراهق مواليد 1998، يعمل «كول سنتر»، كأغلب أبناء جيله، يهوى القراءة وكتابة الشعر على استحياء، يقرر في لحظة أن يجرب حظه ويغني راب، ربما ينجح الأمر، فلا شيء يخسره. لكن في وقت قليل يأسره ذلك العالم، بكل ما فيه من تجارب وحياة جديدة، وبشعور أكبر من كونه مغامرة طائشة، ربما يصبح يومًا أشهر من عمرو دياب، كما يردد.
في الصباح موظف ملتزم بكل شيء روتيني، وليلًا يخطو خطواته الأولى في الراب، يجلس للكتابة أو يؤجر استديو ليسجل أغانيه، وينشرها على الإنترنت، ليتعرف على موسيقيي المشهد في الإسكندرية.
تبدأ رحلته بأغنيته الأولى «بطلوا فيك»، عام 2017، ثم يتبعها بست أغاني متنوعة ومختلفة في تسعة أشهر، مدة كانت كافية ليحقق ابن منطقة «الورديان» بالإسكندرية الخطوة الأولى في عالم الراب، المنطقة التي يكن لها الكثير من الفضل والخصوصية، «أنا 19 سنة، إن شاء الله 22 سنة تكون الورديان دي عاصمة جمهورية مصر العربية».

وبالفعل عند 22 سنة، كان قد حقق نجاحات ملفتة، وقدّم عدة أعمال نجحت في الخروج به من مشهد الراب إلى البوب، على رأسها «دورك جاي»، ليتحوّل في أقل من خمس سنوات لمشروع نجم بوب وليس نجم مشهد موسيقي بعينه. يبدأ التريند ويتبعه الباقون، سابقًا معظم أبناء جيله بخطوة. كيف فعل ذلك في أقل من خمس سنوات، هي عمر مشواره. لإيجاد إجابة، وقفنا على عدة نقاط أساسية في شخصيته الفنية، التي باتت تتضح أكثر وأكثر، لنحاول رسم بورتريه، للشخص الذي أثارت صورة حفلته الأخيرة، يوم 29 أكتوبر، في مسرح المنارة، ضجة كبيرة، والكثير من الفضول، لمعرفة من هو، بسبب الحضور الجماهيري الكثيف، أو كما قال «نمنا صحينا بقينا نجوم».

تغيير الجلد والهروب من البصمة
ربما أبرز ما يتصف به ويجز أنه لا يحب حصر نفسه في مساحة محددة، ولا يتوقف عن تغيير جلده، بما يجعل شخصيته مثيرة للمفاجآت، وتجعل الجميع ينتظر ماذا ستكون خطوته القادمة، رغم أن تغيير الجلد ليس سهلًا على الرابرز. فالراب كفن يحمل الكثير من الخصوصية الشخصية للرابر، الذي يحرص على صك بصمة تعبيرية خاصة، ويكتب كلمات من وحي حياته الشخصية، في أغلب الأوقات، وربما صنع الموسيقى بنفسه أيضًا، لكن هذه البصمة تصعّب على الرابر الخروج من عباءته. على خلاف ذلك، يهوى ويجز تغيير جلده، بل ويجيده.
يمكننا تتبع تلك السمة من بداياته حتى الآن، سواء في الموسيقى والأداء الغنائي والكلمات، أو في كيفية التخطيط وحساب خطواته القادمة. فعلى مستوى الأداء، كل مرة يقف أمام الميكروفون، يحاول التحكم في طريقته، ليقدم اختلافًا. يصنع ذلك حتى أحيانًا داخل الأغنية الواحدة، بداية من «دموعنا مالحة» في 2017، والتي كانت رثاء لشقيقه الأصغر بعد رحيله في حادث، وغناها على خلفية مقطوعة بيانو لموسيقي هولندي، لتكون الأغنية الوحيدة في تلك الفترة التي جاءت دون أي إيقاع، ويعلن أنه قادر على تقديم شكل «R&B» بثقة.
بعدها، وفي غضون أشهر جاء الانفجار الحقيقي، «TNT»، بكليب كان الأفضل في تلك الفترة، ودخلة مختلفة وتغير في الصوت مع بداية المقطع الأول وحضور قوي، أعلن عن نفسه بمصاحبة الفايف L5VAV بالإنتاج الموسيقي. تلك النقلة جعلت الأمر يختلف كثيرًا، اكتسب ثقة كبيرة انعكست على أدائه. يعتبر ويجز الأغنية نقطة هامة: «TNT كانت فاصلة، كانت تغير حياة».
بعد ذلك، أخذ ويجز يحاول تجربة جلود جديدة، وتشرُّب تجاربًا مختلفة بتعاونات لا تتوقف، يريد اكتساب خبرة والانتشار أفقيَا في مشهد الراب في مصر وبلاد الشام. فخلال أول سنة، بعد قدومه إلى القاهرة، قدم ما يقرب من 20 أغنية، كان أكثر من نصفهم بمشاركة مغنيين آخرين من داخل مصر مثل دينو والفاعوري وعمرو جي أكس والفايف ومينو زين وأحمد الفيشاوي وعفروتو ومروان بابلو وأبيوسف، ومع أشخاص خارج عالم الراب مثل المطربة سهر الزغبي أو نجم المهرجانات السادات، أو حتى من خارج مصر مثل الرابر الفلسطيني بدر عازم والرابر الأردني السينابتيك والرابر السوري بوكلثوم.
جرت هذه التجارب وهو مستمر في التنويع في طريقة الأداء، كما في «ده وده» وتقطيعه الكلمات مع الإيقاع، والذي كان جديدًا على الراب. الأغنية تعاون بين ويجز وأكبر الرابر سنًا وأشهرهم في ذلك الوقت «أبيوسف»، المهتم والمعجب بأجواء الرابرز الأصغر وعلى رأسهم ويجز، والذي يبادله الاحترام، «مفيش حد ما بيحبش أبيوسف». اختلاف القاعدة الجماهيرية العمرية لكل منهما جعل التعاون بينهما مفيدًا ومهمًا.
نلاحظ تقديم طريقة أداء جديدة ومختلفة أيضًا في أغاني مثل «متواليش» و«بالسلامة» و«باظت» والتي قيل إن أداءه فيها يشبه أداء smokepurpp في «nephew»، ثم يتضح أن الاثنين اقتبساها من أداء «Womp Womp». ورغم الاقتباس الواضح في حالة ويجز إلا أنه استطاع تقديم شكل خاص به، بكلمات تدخل تحت نوع المونولوج الفكاهي، مستكشفًا أماكن جديدة داخل الموجة الجديدة للراب.

الاشتباك مع موسيقى المهرجانات والإرث الشعبي
كي يصل ويجز لأكبر قاعدة جماهيرية، ولأنه يرى أن الفئة العمرية التي يستهدفها، تقع ما بين «16-35» سنة، وبما أن نسبة كبيرة من تلك الفئة تعد جمهورًا قديمًا لعالم المهرجانات، قرر التعاون معهم، مقتحمًا ذلك العالم، غير مكترث بكل المشاحنات بين العالمين، مقدمًا مهرجان «خربان»، مع نجم المهرجانات في ذلك الوقت سادات العالمي، وعمرو حاحا أهم وأقدم مُنتِج موسيقي في المهرجانات. هو يعي أهمية فكرة المقايضة في عالم الانتشار، يحتاج إلى القاعدة الجماهيرية التي يمتلكها السادات وعمرو حاحا، والسادات يحتاج إلى روح جديدة في الكلمات والأداء، ليثبت تربعه على قمة المهرجانات، في ذلك الوقت، مناصفة مع رفيقه علاء فيفتي. نجح المهرجان ووصل الطرفان إلى أهدافهم.

استمر ويجز في الاشتباك مع موسيقى المهرجانات، وبدأ في التعاون مع بروديوسر قادم من عالم المهرجانات هو وزة منتصر، في أغنية «لقطة»، جمع فيها بين موسيقى المهرجانات والراب، وأجواء جلسات الذكر. واضح إن ويجز قرر إدماج الأجواء الصوفية والذكر في الموسيقى التي يقدمها، والأمر يتتابع من التجارب وأشكال من الدمج، حتى يصل إلى شكل جديد تنصهر فيه كل تلك التشابكات.
مع «لقطة» أصدر ويجز «اليمامة»، التي بها عبارات مثل «إحنا الدراويش» و«وسع الدايرة»، أي حلقة الذكر أو جلسة الحشيش، وفيها تتكرر كلمات مثل «ليلى» المرتبطة بالصوفية. وبشكل عام، ترتبط كلمات الأغنية بالإرث الشعبي والصوفي لرحلة تربية «الطير»، والحفاظ عليه خوفًا أن يهجرك، ثم البحث عنه بعد فقدانه، وهو الإرث القديم الذي يتصل بدوره مع إرث حاضر، من خصوصية «الورديان» وشهرتها بتربية الحمام واليمام فوق الأسطح. أما الموسيقى فتأتي بالتعاون مع توتي، وعلى إيقاع الدفوف يغني كأنه راقص تنورة يلف حول نفسه، في حالة من التوحد الصوفي، مع ترديد العبارات وكأننا في حضرة ذكر. إذن حالة كاملة خلقها ويجز لأغنية ذِكر بشكل جديد.
يتبع ويجز «اليمامة» بـ«الزار»، تأكيدًا على استمراره في استلهام الحالة الشعورية للأجواء الصوفية، والتي تصل إلى قمتها مع «دورك جاي»، والتي جاءت كذروة بعد تجاربه تلك بعدة شهور. أغنية تغلفها روح حلقات الذكر، ويجمع متنها بين الراب والمهرجانات، وبصمة مولوتوف. بهذه الأغنية قدم ويجز نفسه كفنان أكثر منه مجرد رابر.
محاولات الاقتراب من عالم البوب وصناعة بوب جديد
يقول ويجز في أحد حوارته، حينما تكلم عن فكرة الكتابة: «هي مش حاجة بحضر لها، هي وقت ما بتحضر، ووقت ما بتحضر بتحضر على الفايب/Vibe والمود اللي أنا فيه، أنا لسه متخانق مع صاحبتي هعمل تراك حزايني».ربما كان ذلك هو مزاج تلك المرحلة الأولى من الأغاني، مثل «ساليني» و«تايه» و«نجم»، بالتعاون مع توتي وسير راشد، اثنان في مثل عمره ويتحسسان خطواتهما الأولى في المجال مثله.
لكن بعيدًا عن الأسباب المباشرة، يعي ويجز جيدًا أهمية الخروج من حيز مشهد الراب الضيق، والاشتباك مع الشكل الغنائي الأهم والأقدم والمرضي عنه من معظم فئات المجمتع، عالم أغاني البوب، ليس هناك أفضل من سكة الأغاني العاطفية لاقتحام هذا العالم، وتدشين موجة من البوب المعتمد على موسيقى الراب والـ R&B. تعتبر «ساليني» عمله الأكثر اكتمالًا عن بداية ذلك الشكل الجديد، الذي يقدمه بثقة وثبات، طريقة مختلفة في الغناء والموسيقى مع توتي في أول تعاون بينهما، وعدم الاعتماد على الإيقاعات القوية، وفرد مساحات لصوت ويجز للتعبير بشكل درامي.

كان أكثر ما ميز «ساليني» تمثيلها لكيفية تعبير ذلك الجيل عن مشاكله العاطفية. بدأها ويجز باقتباس من كلماته في أغنية «دايرة على المصلحة» والتي غناها مع بابلو، قبل أن يفصح عن إخفاقاته وأمنياته، البسيطة والملموسة والصريحة، «آسف يا أمّا ما سلكتش في التعليم/ بس راجل عمري ما جليت/ زميلي أعمل بكرة نجمة أجيب منها فلوس كتير/ آخر السنة دي هجيب لي كوتشي من جوتشي».
وفي «مش هقولك بيبي» تستمر محاولاته مع ابن منطقة السيوف في الإسكندرية، عفروتو، موظفًا مساحات من صوته بشكل جيد، ورغم أنها عاطفية بالأساس، إلا أنها لا تقف عند الحدود الضيقة للبوب، ولكنه يعبر أيضًا عن نفسه وأحلامه في مقاطع مثل: «ونسوق على عالم الأحلام/ بالمرسيدس هربان من الأحزان». وهي الأغنية أيضًا التي أعلن فيها عن قدومه إلى القاهرة وبداية تحقيقه نجاحًا ملحوظًا ومحسوسًا للجميع، رغم إنه ما زال في البدايات، «عندى أحلام أكبر مني، وعدينا الكارتة».
كل ما سبق قدّمه وعمره لا يتعدى العشرين عامًا. ومع بداية 2020 وعيد ميلاده الحادي والعشرين، يعود إلى البروديوسر«الفايف» ليقدما أغنية الاحتفال، «واحد وعشرين»، الأغنية التي عبر فيها عن كل شيء، نفسه وحياته السابقة وأحلامه وحياته العاطفية، عن جيله والمخدرات وأحلام الهجرة غير المنظمة. لخّص كل ما يمر على جيل كامل، ووضع الفايف موسيقى R&B، وترك مساحة لويجز ليغني خارج شكل الراب مع استخدام جيد للأوتوتيون، وإضافة صولو جيتار في الأغنية كشيء جديد على المشهد. أغنية تستحق أن تكون إعلان عن نهاية مرحلة العشرينات، وبداية مرحلة عمرية وفنية جديدة، في أغنية تعلن عن نفسها كأغنية بوب، يمكنها المنافسة أمام أغاني أبرز مطربيه، بوب معاصر للزمان والمكان، له خصوصيته ومفرداته، ويمكن للجمهور من خارج الراب تقبله واستيعابه.

بعدها كانت «دورك جاي»، التي قدّم بها نفسه كفنان أكثر من مجرد رابر. الأغنية لم تحقق شهرة فقط لويجز ومولوتوف، ولكن لمشهد الراب بالكامل، وخارج حدود المهتمين بالنوع، فكانت النقلة الأهم بعد «جميزة» بابلو، من حيث القاعدة الجماهيرية، خاصة مع كليب يتضمن كوريجرافي راقص مميز.
لا يستثمر ويجز نجاح أغنية أو طريقة أداء، بل يخرج من تجربة إلى أخرى مختلفة. فبعد نجاح «واحد وعشرين» وبعد أقل من شهر من نجاح «دورك جاي»، يأتي أول تعاون بينه وبين رابر من شمال إفريقيا، الجزائري «Savage Plug»، والجميع يعرف أن الراب في شمال إفريقيا هو الأقوى في المنطقة العربية، بفارق كبير. في «أسياد البلد» يصرّح بإنه «مش أقوى رابر في مصر/ أقوى رابر في القارة».

هكذا، مع كل أغنية يقدم شيئًا جديدًا، في طريقة الأداء والمفردات المستخدمة. وبدأ يشعر أنه يحلق في فضاء المشهد، بكل حرية واستمتاع وسرعة «نمنا صحينا بقينا نجوم»، تلك الطاقة التي اكتسبها من كل تلك النجاحات لم تغير ثباته وانطلاقاته على المشهد. لم يغب عن الساحة أو يختف لفترة. يستمر في الإنتاج دون خوف من الفشل، إلا أنه قدم عدة أغاني كانت سيئة وتعاونات كانت قائمة على مبدأ المكسب المادي والتجربة، وأغلبها لا توجد على قنواته الرسمية، إلا أنه يرى أن الأمر طبيعي، وماذا سيحدث إذا قدمت أغنية سيئة أكثر من أنها لن يستمع لها أحد؟ ويقول أيضًا: «مش شرط جابت أد إيه أو راحت مني لغاية فين، بس فنيًا أنا عارف أنا عملت إيه».
في العديد من أعماله، يؤكد أن المال أهم شيء، «عايزين المال، عايزين المال، خلي لك راحة البال، سيب لي الكاش». حتى إنه في حوار له يتحدث أنه حتى لو كان بيبع أكياس ملح كان سيظل حلمه تجميع أكبر قدر من المال، ويختتم كلامه بأن الإنسان هدفه في الحياة الترقي فقط.
وهو ما تحدث عنه بشكل واضح في «يمكن»، عندما قرر العدْو وراء حلمه السراب في تلك المرحلة، تاركًا عمله الرسمي في «فودافون»، وهو ما قال عنه: «تراك يمكن كان بيتكلم عن الفلوس، ملخص التراك من أوله لأخره الفلوس والحياة بالفلوس ماشية إزاي، كتبت التراك دا لما سبت فودافون، ما أفتكرش أن أنا في فودافون كنت محتاج حاجة غير الفلوس، مع الوقت لما ابتدى يبقى معايا فلوس بقيت باصص للموضوع أن هو كل ما يبقى معاك فلوس بتبقى عايز فلوس أكتر، أنت طبقة متوسطة عايز تبقى طبقة غنية، أنت طبقة غنية عايز تبقى طبقة غنية فشخ، أنت طبقة غنية فشخ عايز تبقى حسني مبارك».
اعتزال مروان بابلو وخلو الساحة
أحد أهم الأسباب التي جعلت ويجز ينفرد بالقمة تدريجيًا، كان اعتزال مروان بابلو، رفيق البدايات وصاحب أعمال كثيرة من قبل ويجز، عندما كان اسمه الفني «داما». البداية من دويتو «دايرة على المصلحة»، كأنه إعلان إننا على قمة مشهد الراب في الإسكندرية. حقق التراك نجاحًا كبيرًا، ولفت انتباه أشخاص كثيرين من خارج ذلك العالم. أغنية عبّرا فيها عن جيل بأكمله، عن انهزامه وتجاربه، دون تزويق أو مرور على أي من أشكال الرقابة، كل ذلك وهما لم يتخطيا العشرين عامًا، «تحت العشرين وأديلك دروس حياة/ صاحبنا الجناة وزاملنا الأشقيا».
https://www.youtube.com/watch?v=eGM67maciAM
بعد نجاح «الجميزة» لمروان بابلو ومولوتوف، ودخولها عالم الميمز والكوميكس، مثلما حدث مع «باظت» لويجز، لكن هذه المرة بشكل أكبر وأكثر تأثيرًا، اتجه ويجز لصاحب موسيقى «الجميزة»، مستخدمًا موسيقى له باسم «لوري»، لينتجا «بالسلامة». خلقت إيقاعات مولوتوف القوية حالة من الطاقة استغلها ويجز في تقديم كلماته وأدائه بشكل جيد، وكأنه يسبح في بحر موسيقى مولوتوف.
هكذا كان بابلو بطريقة ما يدفع ويجز للتطور، لذلك كان طبيعيًا أن يصرح بعد اعتزاله: «أقسم بالله أنا حاسس بالوحدة، أنا بنزل تراكات مفيش أي نوع من الأكشن، خسارة للسين المصري».
خصوصية الكلمات
في كلماته يبحث ويجز عن الجديد، لدرجة اتهامه بأن لغته غير مفهومة. يتحرك بين لغة الشارع بكل مفرداتها وتعبيراتها، مع تطعيمات من الإنجليزية والفصحى العربية، التي يميل كثيرًا لاستخدام مفردات منها، مثل «بلم أشلائي»، وينطق أحيانًا حرف القاف في كلمات معينة تحولها العامية ألفًا، كما في «رافع كابي للقدامى» في أغنية «الزار».
في فيديو قديم يتحدث عن كرهه للهجة العامية، رغم كونها اللهجة التي يتحدث بها. ويقول إنه لو تحدث بالفصحى سيتم التنمر عليه. لذلك يمكنا تفهُّم لماذا تكون كلماته ملغزة أحيانًا، فهو يحاول مزج بين العامية ولغة الشارع والفصحى والإنجليزية، لينتج تركيبات جديدة.
هذا الإلغاز هو ما نجده في أشهر أعماله، «دورك جاي»، ما أثار رغبة الجمهور في تفسيرها: «بفتنا تعاشر المظابيط/ ياسمك شعرة يا مصابيح/ ضباع بسعر المقاطيع/ لو أنت بابا طب أنا مين»، وموجة لتأويل مقصده، منها أنه تراك دِس/Diss أو هجاء لمحمد رمضان.
يحب ويجز أيضًا اللعب بالكلمات وتوظيف الجناس، باستخدام الكلمة نفسها بمعاني مختلفة، ففي «ساليني» مثلًا يلعب على الجناس بين كلمة «بتسليني» من التسلية، و«بتسأليني». بخلاف ذلك، الأغنية محملة بالكثير من المجازات أو الكنايات، مثل جملة «تكدبي تقولي بموت فيك وأنتِ حية»، وجملة «العلاقة ديه كانت ضرب نار.. ليه أنا الوحيد اللي بتصاب».
ويميل ويجز أيضًا لاستخدام إحالات ثقافية وسياسية في أغانيه، فشخصية الكاتب فرانز كافكا تظهر في أكثر من أغنية، كما في «TNT»، «أكني بترجم لكافكا الكلام/ بنغني للحرب في يوم السلام»، في إحالة لرواية «الحرب والسلام» للروسي ليو تولستوي. وبما أن الأغنية تحمل عنوان مادة متفجرة، فتجد بها عبارات مثل «مش هتبقي مُسلم أكتر مني بحزام»، أو «حروبنا دموية،/ عقيدة داعشية/ أحكامنا فاشية/ دماغكِ هوائية»، حتى إنه يصور صراعه الداخلي مثل ما يحدث في دارفور، «وأنا قلبي ومخي في صراع يا بيبي زي دارفور». أو في أغنية «كدا كدا»، يستدعي هتلر والهولوكوست بشكل كوميديا سوداء، ودون تحري للصوابية السياسية: «حارق الحقودين في الهولوكوست.. ويجز..هتلر مش فاضي معوش تليفون»، بجانب ذكائه في اختيار المقاطع الرئيسية في أغانيه، أو تقديم مقاطع يعلم أنها ستعلق في أذن الجميع.
السوق والإعلانات
كل ما سبق من نجاحات وتجارب متباينة حملت الكثير من المغامرة والتخطيط أيضًا، جعلت ويجز يتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة، لذلك عليه حصد ما زرعه، وإعلان أنه النجم الأول بالأدلة والأرقام.
فبعد حوالي ستة أشهر من صدور «باظت»، تظهر مرة أخرى في إعلان لشركة مولتو، يقدمه ماجد الكدواني وأحمد مالك وروبي، ليكون أول من يقتحم عالم الإعلانات من هذا المشهد. ويجز أيضًا هو أول مغنيي هذا الوسط، في تقديم أغنية لفيلم سينمائي «الغسالة»، والتي حققت نجاحًا أكبر من الفيلم، واختار فيها كلمات سهلة مفهومة أقرب إلى البوب، لأنها تقدم إلى قاعدة أوسع.
هذا النجاح في الدخول للسوق الرسمي لبورصة الفن، أتبعه بأغنية إعلان «سالكة» مع مطرب المهرجانات حسن شاكوش، ثم كان ختام العام بالظهور في حلقة رأس السنة لبرنامج صاحبة السعادة، مع إسعاد يونس وضيفتها روبي. وأخيرًا تقديمه لـ«حتتك بتتك» للعبة الموبايل الشهيرة «ببجي». بهذا نفذ ويجز إلى معظم فئات الجمهور المستهدفة. الكل الآن سمع عنه، إما في الإعلام الرسمي أو في السينما أو في برنامج تليفزيوني، أو في دعاية لمنتج معين.
https://www.youtube.com/watch?v=fiLzYXvO9f0
التعامل مع الخلافات والمشاكل والرابر
شيئًا فشيئًا يعي ويجز موقعه في مشهد الراب وفي المجال الموسيقي عامة، لذلك توقف عن دس/Diss أو مهاجمة أشخاص بعينهم. أقصى ما يفعله هو نكش شخص بشكل غير مباشر، وعلى المهمتين فهم ذلك. ويعرف كيف يعوض ذلك، باستخدام وسائل التواصل، وعلى رأسها «استوري إنستجرام» الخاص به، والذي لعبت فيه إحدى «الاستوريز» دور الشرارة في اندلاع حرب دسات أو بيف/beef بين كثير من الرابرز، دون أن يشارك هو نفسه بأي تراك، رغم توجيه الكثير من الدسات والشتائم له بشكل مباشر وغير مباشر. اكتفى بالرد بشكل ساخر وكوميدي في الاستوري فقط، وكأنه يقول هنا مكان للعب أما الأغاني فلا.
هوجم كثيرًا لأن جمهور الراب يحب تلك الأجواء، وكان منتظرًا منه الرد بأغنية، لكنه لم يبالي. حقق ما يريده دون أن يوجه السباب أو الدس/Diss إلى شخص أو رابر. رأى البعض تلك الطريقة طفولية وبها الكثير من التهرب، هو غير مكترث بخسارة تلك الحرب التي صنعها، حتى إنه في استوري له يسخر من أنه قادر على اشعال فتيل الدسات بين الرابرز باستوري منه وكأنه يضغط على زر «OFF/ON».
يتصرف ويجز كأنه لا يبالي بشكله أمام الجمهور، وهو ما يبدو خطوة ذكية، حتى الآن. حتى عندما حدث تقليل منه ومن ما يقدم بشكل عام من مطرب وموزع التسعينيات حسام حسني في حلقة برنامج جمعتهما، لم يحاول الرد بشكل مباشر في الحلقة أو حتى بعدها.
في النهاية، يحمل ويجز الكثير من صفات النجم الأول، من التركيز في العمل والبحث عن ما هو جديد، ومحاولات الاشتباك مع الأنواع الغنائية الأخرى، حتى إنه يحلم بأن يقدم عمل مع الفرقة الموسيقية «تيناريوين/Tinariwen». يمشي على خطى ثابتة، لكنه كثير الخلافات بينه وبين أغلب من عمل معهم منذ بدايته وحتى الآن، وبالطبع يجعله النجاح غير مكترث لخسارة أي أحد، مثل خلافه الأخير مع مولوتوف، بسبب رفضه وضع اسم الأخير على تراك «دورك جاي» و«أسياد البلد» والذي وصل إلى رفع مولوتوف شكوى لليوتيوب، وعلى إثرها حُذف الكليبان من الموقع، قبل أن يعودا بإضافة اسم مولوتوف.
مسيرة ويجز مبشرة وثرية رغم صغر مدتها، لكن الأمر غير مستقر، في السنوات الأخيرة، بشكل مقلق، لأغلب الفنانين. في العقد الأخير، ظهر نجوم كثيرون، وحققوا نجاحات وأرقام مشاهدات ضخمة، ثم اختفوا تدريجيًا لدرجة النسيان، فهل يستطيع ويجز الاستمرار على الساحة ومراكمة تاريخ فني مؤثر؟ تلك الأمور متروكة له وللأيام، لترينا هل سيصبح فعلًا نجم بوب أم سيخفت نجمه. فلنتابع ونرى.
تقارير ذات صلة
أطياف التمرد والدروشة والتطهر في «سر» مريم صالح
ينتظر مريم صالح وفريقها تحدٍ موسيقي كبير في تحويل هذا الألبوم بكل طبقاته إلى لايف
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن