تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دنيا أبي نواس

دنيا أبي نواس

#131 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: يوسف رخا 7 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

في هذا الديتوكس يتأمل يوسف رخا شِعر أبي نواس، عبر قراءة تكشف رقته في الكلام عن الحب، وتعبيره الخرافي عن البهجة، وتتجاوز ذلك للبحث عما في هذا الشعر من نور يمكنه أن ينوّر حياتنا الآن. ولنرى دنيا أبي نواس كما يراها رخا.

#قراءة #دليل

«ظَبيٌ بِمَبكاهُ وَمَضحَكِهِ · فينا تُنيرُ وَتُظلِمُ الدُنيا»

لم يكن طريقي إلى أبي نواس عبر الخمرة والجنس، ولا مناوأة العبادات والثوابت الأخلاقية. أقصد أنه لم يكن عبر مواضيعه التي اشتهر بها. ولا كان عبر أبيات حديثة لعبد الحميد الديب وآخرين، تُنسب إلى أبي نواس على اعتبار أن كل ما هو بذيء أو «سافل» في الشعر العمودي لا بد أن يجيء من عنده. طريقي إلى أبي نواس مر على البلاغة الاستثنائية التي تَدخل دائمًا في تقييماته الكلاسيكية. العقاد مثلًا يقول إنه «أسبق المحدَثين بعد الجاهليين والمخضرمين في مقام الاستشهاد باللفظ المحرر، والأسلوب الجزل والنسج القويم». في أعقاب تفرّغ طويل للمتنبي -أعاد إلي إيماني بالشعر كطاقة حياة عابرة للزمن وجدّد علاقتي باللغة العربية- لاحظتُ هذه القدرة اللغوية في أبي نواس على الفور، بالذات في الأبيات السهلة، المفهومة بلا جهد في أيامنا. لكن طريقي إلى أبي نواس لم يكن إلا من خلال رِقّته في الكلام عن الحب. رقة لم أكن وجدتُ مثلها في أي شيء قرأته، بما في ذلك شعر النثر المعاصر، وما سبقه من شِعر حر، وبما فيه أيضًا ما قدرت عليه من الشعر العباسي والأندلسي ومن شعر النهضة الحديث. وجدتُ أشياء تهزني طبعًا ووجدتُ أشياء قوية عن الحب. لكنها لم تكن بمثل هذه التلقائية التي يسهل تصديقها في مساحة حياة معيشة اليوم، أو ليس بهذه التلقائية مع هذه العبقرية الأدبية، أو ليس بهذه التلقائية العبقرية مع القدرة الاستثنائية على فضح الذات كلها في نَفَس واحد. فعلًا لم يمر عليّ بيت أو سطر شعر في أي لغة أذاب قلبي هكذا. أحمد يماني مثلًا يُبكيني عندما يكتب: «وأمام بائعة الذُرة الصفراءِ قلوبٌ مشويّة لكنّها لا تريد أن تراها». وسيدي عمر بن الفارض يجعلني أخبط رأسي في الحائط ببيته المشهور: «أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي · يضرّكم لو كان عندكم الكل». حتى أحمد باشا شوقي يطلق الفراشات تحت حجابي الحاجز، بمعاونة محمد أفندي عبد الوهاب وهو (لا مؤاخذة) يصدح: «جُمِعَ الزمان فكان يوم لقاكِ». لكن كل هذا وما عداه في كفة وبيت أبي نواس في كفة أخرى تمامًا. أنت عندما تحب تصبح الدنيا في داخلك، أو يصبح في داخلك دنيا – هذا ما يقوله الشاعر، بفصاحة مهيار الديلمي وخِفّة وديع سعادة وذكاء صلاح جاهين معًا – لكنها دنيا متوقفة على ذلك الذي تحبه. لو ضحك تمتلئ الدنيا نورًا. لو بكى لا يكون فيها إلا سواد.

«مِن كَفِّ ذاتِ حِرٍ في زِيِّ ذي ذَكَرٍ · لَها مُحِبّانِ لوطِيٌّ وَزَنّاءُ»

كان طريقي إلى أبي نواس عبر هذه الرقة المُعجِزة في كلام الحب. لكنْ وأنا أقترب من شعره مررت بأشياءَ أخرى لفتتني من أعماقي. أشياء متعلقة بما تسمّيه أمي قلة الحياء. هذه الأشياء دائمًا في بالي. لكنها لفتتني في هذا الشعر بعيدًا عن أي توقعات إباحية مرتبطة باسم كاتبه، ومن زاوية غير الشبق والشهوة أو الفرح بالتجاوز كما يحدث عادة مع مثل هذه العناوين. كان ما فعله بي التماهي مع المتنبي على مدى شهور أنْ جعلني أُدرك كيف يمكن للشعر العباسي أن يضيء الحياة كما تُعاش اليوم، يغير عالمي فعلًا أو يثريه. والأشياء التي مررت بها وأنا أقترب من أبي نواس كشفت لي جانبًا أعمق وأخطر من تلك الإضاءة. لفتتني الحسية السافرة في كلامه في سياق أسئلة الجنس والهوية الجنسية. وكانت قوة طرحها في أنها -رغم البذاءة والفجاجة التي تُجاورها، أحيانًا في نفس القصيدة- آتية من نفس المكان الرقيق الذي يُمارِس فيه العشق والسُكر والاستسلام لنشوة هي كل غاية الوجود. تتسم بنفس القدرة على فضح الذات. كان شيئًا جميلًا أن أكتشف احتمالات أخرى للنظر إلى أسئلة الجنس والجندر، أيضًا من داخل الشعر. فكما منحني المتنبي أدوات للتعامل مع جوانب ضاغطة من الواقع، كان أبو نواس يمنحني أدوات لاستيعاب الجندرية المعاصرة بصيغة عربية وعفوية بعيدة عما يزعجني في الخطاب الجندري. صحيح أن محيطه الثقافي أبوي وتراتبي. وصحيح وجود تصورات مسبّقة لشكل المثلية، أن تكون العلاقة، كما عرّفها الإغريق القدامى، بين رجل ناضج وشاب صغير (أمرد) وليس بين ندين. لكن الاستعداد لرؤية الذكر في الأنثى، والأنثى في الذكر أذهلني. وفرّحني الاحترام الضمني لتباين الشهوات. أسئلة الجنس طبعًا تدور في رأسي منذ المراهقة، ولا أعرف إن كان شيئًا فريدًا في حياتي أني تقبّلت فكرة التنوع في سن مبكرة جدًا. رأيت في اضطهاد المثلية غباءً وعنفًا دفعني التصدي لهما إلى مناقشات حادة مع أبي. كان ذلك قبل ظهور الإنترنت عمليًا، وقبل صعود دراسات الجندر كحركة أكاديمية واسعة التأثير بداية من سنة ١٩٩٠. واليوم يزعجني الخطاب الجندري ليس لأنني معترض على الظواهر والممارسات التي يصفها -ولا حتى بالضرورة على تسييسها- ولكن لأنه مقنن وضيق ومحكوم بثقافة استهلاكية لا ترى أبعد من البراند الذي يُحاسَب عليه حامله بالقيمة المحددة مسبّقًا. ولا تعترف بالتاريخ وما يتركه من اختلافات. وجود هذا الخطاب عند أبي نواس لا يؤكد تاريخية التنوع الجنسي فقط، ولكن أيضًا تجاوز ذلك التنوع لبروتوكولات الصوابية الليبرالية بما فيها من «براندنغ» وحسابات. دعك من كل القصائد التي يغازل فيها ذكورًا: «غَزالٌ بِهِ فَترٌ وَفيهِ تَأَنُّثٌ · وَأَحسَنُ مَخلوقٍ وَأَجمَلُ مَن مَشى» (الفتر هو الضعف المنسوب إلى النساء). أي عبقرية في هذا البيت من «الخمرية» الشهيرة «دع عنك لومي»، حيث يظهر الساقي -مانح النشوة- على هيئة فتاة ترتدي ثياب صبي فتثير شهوتين متوحدتين في جسد. أي كويرية!  

«وَما شَرَّفَتني كُنيَةٌ عَرَبِيَّةٌ · وَلا أَكسَبَتني لا سَناءً وَلا فَخرا»

غطستُ أكثر قليلًا -عبر الرِقة والجندرة- في قلة الحياء. لم يكن أبو نواس مجرد مخمور شهواني، ولم يكن فقط العاشق الذي سحبني صوته الفاتن. كان أيضًا -بمعانٍ تبدو لي معاصرة جدًا وحقيقية جدًا- ناشطًا راديكاليًا في مناهضة القيم السلطوية لعصره، حتى لو تماهى معها أحيانًا أو أنتج بعد أبيات الكفر أبيات توبة. أبو نواس أول مَن كسر تابو الشعر الجاهلي، هو المولود بعد الهجرة النبوية بأقل من قرن ونصف. في أحد أشهر أبياته يتهكم على بكاء الأطلال، ذلك الطقس المقدّس في تاريخ الأدب: «قُل لِمَن يَبكي عَلى رَسمٍ دَرَس · واقِفًا ما ضَرَّ لَو كانَ جَلَس» (رسم الديار: بقاياها المفترض أن يبكيها الشاعر حين يترجّل عن فرسه واقفًا. ودرس: انمحى وزال أثره، الأمر الذي يجعل الحزن مضاعفًا). ومثل أساطين مجلة «الجراد» التسعينية -وهم يظنّون أنهم يقولون ما لم يقله أحد قبلهم- يقارن الحرب بالجنس منحازًا للأخير: «ورِدفُ ظَبيٍ إِذا اِمتَطَيتَ بِهِ · أَعطاكَ بَينَ التَقريبِ وَالخَبَب» (التقريب والخبب من طرق عدو الخيل التي يمتطيها المحارب إلى ساحة القتال). يظن العقاد أن الصادم في أبي نواس هو «شذوذه الجنسي»، ويقارنه بأوسكار وايلد الذي سُجن بـ«تهمة المثلية» وأصبح «شخصية نموذجية» في هذا السياق. لكن الحقيقة كما تظهر في رسالة «مفاخرة الجواري والغلمان» للجاحظ -وهو معاصر لأبي نواس لم يُعرف عنه الإفراط في الحسية- أن مضاجعة الذكور كانت أمرًا عاديًا ومقبولًا تمامًا. لا يَلفت في أبي نواس من هذه الجهة إلا تركيزه عليها بلا استحياء. الذي يصدم فعلًا -في سياقه- تجاسره ليس على السلف الأدبي ولكن على الهوية العربية نفسها. الصراع على السيادة مع الفُرس (وغيرهم من «شعوب» المناطق التي فتحها العرب) يجعل في خطاب أبي نواس في سياقه شجاعة مرعبة. شخص أصله من الأهواز ويرجّح أن يكون فارسيًا بالكامل من الناحية العرقية يتبرأ من كنيته العربية ويعلن تعاليه على القبائل. كذلك مواجهته مع التقوى والفضيلة، مثلًا: «ومالي والصلاةَ وصومَ شهرٍ · وقصدَ الحجّ أو قصدَ الجهادِ». لكن الأهم أنه يرفض الاختباء وسواه من أشكال النفاق ومنطق «إن بُليتم فاستتروا»: «اِشرَب فُديتَ عَلانِيَه · أُمُّ التَسَتُّرِ زانِيَه ... وَدَعِ التَسَتُّرَ وَالرِيا · ءَ فَما هُما مِن شانِيَه». هذا أيضًا صادم. لكن ما أوقعني في غرام أبي نواس أكثر منذ قرأت بيتًا خرافيًا عن دنيا تنير وتظلم هو عبور أشعاره إلى مكان لا يتجاوز عصره فقط ولكن أيضًا، بمعانٍ حقيقية جدًا، يتجاوز صوابيات عصرنا نحن. يكشف حدودها ويذكرنا بغربتنا عنها. ويصدمنا ليس بتهتكه ومجونه كما يسمون تلك النوازع، ولكن بتفانيه في البحث عن النشوة وإدراكه للعشق الجسدي السكران كسبيل أوحد إليها. الصادم في أبي نواس ليس «شذوذه» ولا تمرده، ولكن خفته الآسرة، تلك البهجة الخرافية التي تصاحب الوجود في جسد قادر على الاتصال بأجساد سواه.

و#سلام.

عن الكاتب

يوسف رخا

يوسف رخا مصري يكتب بالعربية والإنجليزية، ويعمل في الصحافة الثقافية منذ 1999. صدرت أولى رواياته «كتاب الطغرى» عام 2011. آخر أعماله كتاب «ولكن قلبي: متنبي الألفية الثالثة (شعر/سرد)».

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن