تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دفتر أحوال ملاحيس الشوارع

دفتر أحوال ملاحيس الشوارع

كتابة: بلال حسني 12 دقيقة قراءة

#جو عام  

يسرد بلال حسني أحوال شخصيات رصدها بمحبة وشغف، اقترب من بعضها، وهرب من البعض الآخر. هم أبطال مدينة سفلية لا ينتبه لها الكثيرون، رسمها في دفتر، ثم ضاع منه الدفتر، وصورها في فيلم، لكن هذا الفيلم ظل أسير تعديلات لا نهائية من صانعه. يقدم لنا رؤيته للمدينة، رؤية الدفتر الضائع والفيلم السري، مُسلسلة زمنيًا هنا.

 قراءة #دليل

الإسكندرية عام 1990، بينما كان صدام حسين يسكب النفط في مياه الخليج العربي، حدثت خناقة كبيرة بين نساء منزلنا على طقس تسخين الكسرولا الخاوية قبل تفريغ كيس اللبن فيها لتسخينه، ذلك من أجل ألا تختلط بقايا الماء باللبن. أي نعم كنتُ في العاشرة من عمري، ومؤكد أن الطقس كان موجودًا قبل ذلك التاريخ، وربما هي واحدة من حروب الهرمونات أو تصفية حساب قديم اتخذت شكل حرب الكسرولا، لكنني كنتُ على يقين أنه طقس حماية من الانفلات والذعر من غرق العالم في شبر نفط، وأثناء فوران اللبن المصفى في العشر سنوات الأولى من حياتي، كنت على موعد مع أول كائن حي تعلقت به في صغري، لقد  كان على هيئة امرأة في الخمسين، مبتورة الساقين والذراعين، واسمها فاطمة. 

فاطمة كانت تسكن وحيدة في الكوخ الذي يقع أمام منزلنا في منطقة القصعي بالإسكندرية، حيث مخدرات الجو، هُنا تستقر عربة كارو خشبية يجرها حصان عند كل باب منزل. وفي كل ناصية، يقرفص مجموعة من الرجال والنساء أمام كوم من البصل، من أجل تهذيبه ووضعه في رزم، ثم تحميله ورصه فوق عربات الكارو، استعدادًا لبيعه في الأسواق، كنّا جميعًا أهل المكان نستيقظ في حالة من السطل والدمع القريب، سطل أشد من يود البحر، مع رائحة كتلك، وصهيل الأحصنة في كل ليل، ولا عجب أن السيد كتلة، أصغر وأشهر تاجر مخدرات في التسعينيات، كان هروبه الكبير من سجن الحضرة بالإسكندرية، لتناول إفطاره وحصوله على فنجان شاي من يد أمه، بينما قوات الشرطة تطوق من أجله كل الشوارع، يعود هو إلى محبسه، ونعلق نحن في جو القصعي.

تنهي جارتنا عملها في مشغل القصعي، وهو مركز لفنون الخياطة مخصص لمساعدة الصم والبكم، ثم تعود لمنزلها، لقد اعتادت أن تكون قليلة الكلام، تنظف وتغسل وتطبخ بين الساعة الواحدة والثالثة عصرًا، وفي الوقت الأخير الذي تخفض فيه من شعلات البوتاجاز حتى يكمل الطبخ تسويته، ومع نهاية فيلم الظهيرة على القناة المصرية الأولى، تذهب الجارة لكوخ فاطمة، تحممها وتطعمها وتنظف كوخها وتستبدل أكياس البلاستيك المتسخة التي توضع كبديل للجوارب في أماكن بتر الساقين والذراعين بأخرى مُحكمة ملونة وجديدة. ثم تنطلق فاطمة ملاك القصعي/ لص بغداد على لوحها الخشبي ذي الأربع عجلات، في رحلتها للتسول عند مدرسة الأمريكان، ومع كل أضحية تقدمها عائلة كتلة في عيد الأضحى من أجل ابنها السجين، يخصص لفاطمة -دونًا عن أهل الحي- فص الكبدة الضاني كاملًا، أشهى طعام الأرض، ومن أجل بقاء نصفي ذراعيها قويين في دفع العربة تأكل الفص نيئًا. 

 

في عام 1995، كانت فاطمة أول لوحة مُكتملة لي، بعد فوزي بالمركز الثالث على مستوى محافظة الإسكندرية في الخط العربي، وهبوطي للمركز الثالث سببه عدم إتقان حرف الهاء في «قطعت جهيزةُ قول كلّ خطيب». 

تقدمتُ بلوحة فاطمة للأستاذ محمد يحيى، مدرس الألعاب الجديد في مدرسة محمد فؤاد حلمي الإعدادية بمنطقة شدس، حيث أقصى رياضة مارستها هي التأمل، وهو يقضي حصته منهمكًا في تلميع حذائه، كان مغرمًا بأحذيته ومشهورًا بالاسكتشات التي يقدمها ضمن برنامج «موجه وشمسية» والذي كان يُذاع على القناة الخامسة. فكرتُ أننا فنانان مثل بعض، ولا بد أنني سأحصل منه على بعض النصائح حول اللوحة التي رسمتُ فيها كوخ فاطمة من أعلى، متسلقًا حجرة فوق السطح، خُصصت في الماضي لعزلة السيد كتلة للتغلب على الأحزان بحقن المكس المخدرة. لم أكن أجرؤ على دخول الكوخ، كان محرمًا على أطفال المنطقة. 

منظر فاطمة في اللوحة كان أقرب لتشريح سلحفاة بأجنحة، كسرولا معقوفة، تركب عربتها وتطير. ولكن الشيء الذي خشيتُ أن يتضح في اللوحة، هو استخدام كوخ فاطمة كمكان لاصطياد الأطفال والتحرش بهم، الكل كان يعرف أن نوم فاطمة  ثقيل في الليل، وكانت الحيلة التي يُستدرج الأطفال بها، هي البحث ليلًا عن كنز المتسولة. 

الآن وأنا أكتب إليك، هناك خدل في كتفي، من أثر أحدث تقنيات شحاذي عصرنا، يأتي الواحد منهم من خلفك ويُربت على كتفك بخفة ووهن، وفي اللحظات قبل التفاتك إليه، يبلغ بك الشوق لمحبيك وأمواتك ربما تكون تلك لمسة من الماضي، أنها مساومة كبيرة ومقصودة من أجل الفكة والعملات، وهي صفقة مربحة للطرفين. 

والإسكندرية كأي مدينة ساحلية، يمكن معرفتها من البحر، حين كانت ترى البحر، أو تبرمها في سندوتش من ثلاث طبقات؛ البيوت خلف المقابر، ورش الترزجية، ومن ملاعين الشوارع. وحين كانت جارتنا وأم صاحبي تُسْأل عن رعايتها لفاطمة تقول: «فاطمة.. فاطمة دي بركة، دي على اسم بنت النبي». 

حدث ذلك في أواخر عام 2010، عام رعشة الأبدان في محيط كنيسة القديسين، بينما كنت أنتقل من شقة مُستأجرة إلى أخرى في المدينة، اكتشفتُ أنني أضعتُ دفترًا صغيرًا. دفتر صغير جدًا (مقاس 4 سم * 9 سم)، تذكار من فندق كريون، كنت أدون فيه أحوال المتسولين والملاحيس في الشوارع، لم أفصح لأحد عن الدفتر، حتى شككتُ مرة في وجوده من الأساس، كان لصيقًا بجسدي، مدينة سفلية ومصغرة في جيب البنطلون اللي ورا، ربما لهذا الحرص كان مصيره الضياع من البداية. 

كنتُ الوحدة وجليس السوء معًا، وتحت خدر الملل، فكرتُ ماذا لو أنهم يخبئون تحت هذا العبث، نظامًا يمكنهم من الضبط اليومي لحياة الناس، عايدة وبوسي وفاطمة، الفرقة السرية كلها، طقس، لعبة أكروباتية تبدأ قبل أن تدب الحركة في الشوارع، ماذا لو أن وراء واجهة المجتمع وشبكة العلاقات اليومية فوضى وجودية هزلية وعنيفة ومرعبة تستدعي فهم رياضياتها، الخوف من أن تكون قابلًا للاستبدال، حيث يستطيع أي شخص غريب أن يقوم بدورك، بنفس السهولة التي تقيم بها حياتك الخاصة، كأن الصاغ الأعظم مدّ إصبعه وسحب لحسة من قصعة أمخاخهم، لحسة مسحت الرغبة المميتة التي تصيب كل واحد منّا وتجعله عبدًا لإعادة إنتاج روتينه اليومي. 

رسمتُ على غلاف المانيفستو حفرة عميقة تخرج منها يد تستغيث ترفع عكازًا، يبدو أني كنتُ متأثرًا بالكتب الدينية في مكتبة المسجد مثل أغلفة عذاب القبر وحجاب المتبرجة، ويا عذاب النفس للكينج محمد منير، أو شعارات الشيوعيين التي كانت على حوائط منزل جارنا مدرس اللغة العربية، كلها تشبه لبعض. وكطفل يعد نفسه كاتبًا، رسمتُ على الغلافين، الأمامي والخلفي، بصمة كف بنفس وضع ممسك الكتاب،  تركت في بداية الكتاب صفحة بيضاء، من أجل تنقية ذهن القارئ، بعدها صفحة لعناوين الفصول وأرقام الصفحات، لقد اخترعت أسماء شهرة لكل شخصية، والعناوين كانت: فاطمة العرجة، بوسي العيوقة، عايدة بائعة الورد، الأميرة ثريا، خميس بائع مياه البحر، الجالس العاري أمام الكورنيش، موزع السلامات على الطريق، شبح الترام العاري. بعد إنهاء دراستي في الصف الثالث الثانوي، اخترت عنوانًا للكتاب اقتبسته من دفتر ملاحظات أبي ثم اكتشفت أنه اقتبس الجملة من ملصق زجاجة ويسكي مستوردة أيام عمله في الجمرك، كان العنوان: الديك المجنون ينقر بهدوء، بقلم وريشة: بلال حسني السيد، اسم ثلاثي مثل أسامة أنور عكاشة وجبران خليل جبران، وعزة المقدم أحمد عبد السلام، ثم عدّلته إلى بلال حسني السيد فتيحة على كُريم، بعدما ذكرت لي أمي كذبًا أنني من نسل محمد كُريم، حاكم الإسكندرية في عهد الحكم العثماني لمصر. 

 

في العصر الذهبي للمتسولين، أو قل الباعة الجائلين بلا بضاعة، كانت بوسي وعايدة وغيرهما نجمات البلد، كل واحدة معبودة الجماهير ونجمة مصر الأولى بتوعنا، العجوزة بوسي بمساحيق التجميل وحول عنقها الإيشارب. كان يُقال لنا، ونحن أطفال، إن بوسي كانت واحدة من الراقصات الشهيرات في الإسكندرية، ثم أكل عليها الزمن وشخ، لكنها متسولة عزيزة النفس، قوية الحضور، مع شارع يمارس أقصى درجات الإذلال، تتسول الدخان فقط. صادف مرة، ولم يكن معي سوى تلك السيجارة التي تختبئ في الركن الركين بعلبة سجائر كليوباترا قبل أن تهم بفعص العلبة ورميها، عوضًا عن ذلك، غنيتُ لها، مطرقعًا بأصبعي للإمساك بالإيقاع: 

تجيب سيجارة وأغني لك.. تجيب سيجارة وأنا أحكي لك.. وأمشي وياك انجاچي.. ألف بيك البلد.

وذلك من باب لا تعطيني سيجارة بل علمني الصيد، بالطبع لم تستخدم بوسي أغنيتي مع المارة، لكنها جاملتني وقالت: «لقد عينتك شاعر فرقة مسرح الهمبكة»، لقد تجرأتُ بإهدائي الأغنية لها، بعد أن سمعتها ذات مرة تلوم شابًا من رواد قهوة التجارية جعلها تنحني قليلًا لكي تسمح له بإشعال سيجارتها، وأنه كان عليه أن يرفع قداحته لمستوى رأسها أو أدنى قليلًا، إنه المبدأ الثاني في التدخين بعد مساواة الزهر قبل المناولة. 

أما معبودة الجماهير فكانت عايدة، السيدة التي تجوب الشوارع وهي تدفع أمامها كرسيًا متحركًا خاويًا، لا يجلس عليه أحد، تبيع الورود للمارة. كانت مثل حفل متجول ومواز لكوكب الشرق أم كلثوم والمقعد هنا أو هناك على المسرح تحية للموسيقار محمد القصبجي، التي كانت تتركه أم كلثوم تحية لروحه، هكذا كانت صورتها عندي، وذلك قبل بدء تصوير فيلمي التسجيلي الأول عن عايدة (2014)، كنتُ أريد من الفيلم أن يُخلص طفولتي من شبح فاطمة، ومخططه تتبع مسارات المدينة من منظور رحلة عايدة مع بيع الورود، لكن تصادف وقتها أنني كنت مفلسًا تمامًا، واقتسام سندوتشات الفول والسير معها في رحلتها اليومية لبيع الورد، وجمع الإيراد من العملات المعدنية، كان مساحة مشتركة من العيش كمتسول، بل مساعد متسولة. ثم أصبح الفيلم في نسخته النهائية عن أحلام وكوابيس عايدة، يبدأ الفيلم بتحرك الكاميرا على فستانها البيتي لمدة تتجاوز الست دقائق، أغيب في نقوش الفستان، حتى نصل إلى ذراع عايدة وهي تناولني وردة، لكنها تلاوعني وتحرك الوردة كمروحة في يدها.  

لم أستطع عرض الفيلم، أو تنظيم عرض خاص له، وحدث ما لم أكن أتمناه أبدًا، لقد وقعت في غرام الفيلم، استحوذ عليّ وسُحلت في متاهة عايدة، أعدتُ مونتاجه على مدار السنين. 

 

في أواخر التسعينيات، عملتُ أثناء دراستي عامل توصيل طلبات في محل مخبوزات «كوكي مان»، المحل الوحيد الذي يخدم حي رشدي، ستانلي والمعسكر الروماني وشارع سوريا، موطن الأسر الهادئة، وشوارعها التي تمتلئ بالقصور والفلل المهجورة، سكة المعاتيه والعازفين وسجائر الحشيش والحب الخاطف، كانت معظم الطلبات في الساعات المبكرة من اليوم أو أواخر الليل، هذه الساعات التي تجعل الساكن أكثر ألفة، بين الحلم واليقظة، لحظات الجوع الأولى أو الخاطفة في الليل، منيو الوحدة المُختارة، أعمل في الشِفت المسائي والذي ينتهي في منتصف الظهيرة، في استراحتي المعتادة عند الخامسة فجرًا على سور شاطئ ستانلي وبينما الشوارع على اللحم، رأيتها لأول مرة، طيف سمين لسيدة تقف على الرمال أمام البحر، في فستان بيتي مزهر، وجوارب طويلة من القطن حتى في عز فصل الصيف، وببياض وجه سُحب منه الدم، كأنها تدخر تعابيره ولا تستهلكه، تتحرك منحنية على الموج، تجمع القواقع، وحين تنتهي تبدأ في تشكيل القواقع في مجموعات هرمية على طول الشاطئ. ثم تقوم بالدوران حول كل مجموعة، حاولت في البداية الاقتراب منها أكثر، أنا عند سور كبائن شاطئ ستانلي وهي عند البحر، لكن حارس الشاطئ كان حازمًا جدًا في رفضه مروري من البوابة. أحيانًا كانت تقف أمام البحر، يُقال إن البحر حين يكون هادئًا يبدو شديد الاتساخ، تبكي بحرقة وكأنها ترجوه بعطايا لا يجود بها، وأحيانًا تلتقط شيئًا يلفظه الموج لا يعجبها، فتلقي به غاضبة، تسب البحر وتلومه، ثم تلين في حديثها معه، في لحظات انسجامها كانت تجمع بعض القواقع وتلفها في شاش، ثم تدق عليها بحذائها، وتضع القواقع المهشمة في يد طفلتها الصغيرة، تتقبلها الطفلة كنوع من الإلزام، ثم تجري في الممر أمام كبائن ستانلي تنثرها بطول الشاطئ، تمر ساعة أو أكثر، وهما تمارسان هذا الطقس. وينتهي الأمر بجلوس الطفلة القرفصاء وتبرزها على الرمال، كأنها حيوانها الأليف. قررت يومًا أن أتبعها لأعرف أين تذهب بعد كل ذلك، المحاولات الأولى باءت بالفشل، لأنها كانت تختفي لفترة بين الكبائن، ثم أن هناك أكثر من بوابة للشاطئ وهناك النفق الموصل من الشاطئ إلى الناحية الأخرى، حتى وجدتها مرة تعبر الكورنيش، وفي يدها طفلتها، تغني لها:

دودة وخنفسة/ دودة وخنفسة ركبم سلحفاة/ وراحوا الغابة/ وآدي الدودة رجعت ولسه الخنفسة

رعب طبعًا أن تتخيل أن للخنفسة شبح طليق، عرفت من حارس الشاطئ أن اسمها الأميرة ثريا، هكذا تدعي، وتأتي كل ليلة أمام البحر تنتظر أن يلفظ الموج جثة زوجها، وكانت تهرتل بالحديث مع الحارس، وتخبره أنها تسكن أحد القصور المهجورة التي تقع قرب الشاطئ. 

كانت هناك لعبة في الترام، يمارسها الراكب قبل وصوله وجهته، لعبة تصبح فيها تذكرة الترام الورقية بمثابة تذكرة الحظ. وقانون اللعبة أن تحوّل الرقم الكودي المكتوب على التذكرة، والمكون تقريبًا من عشرة أرقام، بعد حذف الأرقام المتماثلة، ثم تحويل الباقي إلى مثيله في ترتيب الحروف الأبجدية، ثم تكوّن من الحروف بترتيبها اسم حبيبك/وليفك، أو الشر الذي يجب أن تتجنبه خلال اليوم، خمن ما الاسم الذي كان يظهر لي مرات عديدة؟ فاطمة، وأحيانًا شبح فاطمة.

تطورت اللعبة، ووُضعت لها قواعد جديدة، لكن يبقى هذا هو قانونها الأساسي. 

من صغري وأنا دائم الاستيقاظ مبكرًا، ثم أصبح السطل الطبيعي الذي يخرج من كيمياء الجسد هو وصل الليل بالساعات الأولى من النهار. وذات يوم، وقفتُ أنتظر على محطة بولكلي الترام المتجه إلى المخازن، حيث أن الوقت الضائع أشهى من الوقت الميت، أما الوقت المناسب بلاش منه. جولة نهارية مجانية تستطيع فيها شُرب بيرة قبل دخول الترام الخدمة، لكن هذه المرة كان هناك راكب شبه عارٍ، في البداية ظننته ميتًا، ثم ما أن دبت الحركة في عربات الترام استيقظ، أمسك قضيبه ونظر في وجوه الركاب، وبزاوية العين الميتة أدركت أن اللعبة هي مَن سيضعف ويسترق النظر إليه، وحتى يحافظ على الحماس، كان يصدر ضحكات كلما شعر أن أحدهم يحاول النظر إليه عبر انعكاسه في الصفائح المعدنية وأعمدة العربة، لكني كنت أجرأ من ذلك قليلًا وتقدمت إليه لأعطيه سيجارة، ظل ينظر إلى يدي بشكل مباشر، وبدأت أتساءل إذا كان لديه هوس ما بالأيدي، أخيرًا التقطت أصابعه السيجارة، ثم قال: 

«أنا زعيم القبيلة.. تعرف آخر واحد ولّع ليّ سيجارة كان أمير» 

صادف هذا الوقت أنني كنت مُغرمًا بالكتابة على الجدران، أخرجتُ قلمًا وكتبتُ على زجاج الشباك: «غدًا تتقيأ الأرض أمواتًا»، كنّا في عام 2001، أعرف التاريخ لأنه عام النهاية المأساوية للسندريلا، نزلت في محطة كامب شيزار، واسترحتُ عند رسام المحطة، كان يكتب نعي سعاد حسني تحت صورتها: 

الشوكولاته ساحت. 

يُقال إن الإنسان يسير بشكل أسرع عندما لا يعلم أين يسير، هكذا صادفتُ باقي أعضاء الملاحيس في الأرض، عند أحد الأبواب الفرعية لمقابر عامود السواري، حيث يجتمع بائعو الخرفان، وكل الورش ومحلات البقالة لا تبدأ يومها إلا بحضور خميس بحرية، الرجل الثمانيني الذي يحمل دورقين من البحر معلقين بعصا فوق رقبته، من أجل أن يسكب ماء البحر أمام كل محل ومنزل خشية من لعنة المقابر. وحين حاولت تتبعه، زنقني وكاد يخنقني، وقال بصوت أشبه بالصوت الذي نصدره مع شوربة الفراخ: «ربنا نأى بحاله في الملكوت العالي عننا، إحنا الملاعين في الشوارع.» لم يتركني لولا أنني قلتُ في وجهه بصوت جهوري إن خرافي تصغي إلي صوتي وأنا أعرفها وهي تتبعني. 

علمتني أمي تكنيكًا للتعامل مع الأشباح الصغيرة سريعة الحركة في الليل، وهو إما أن أغلق كل النوافذ، أو أترك نافذتين مفتوحتين، حتى تكون واحدة لدخوله والأخرى لخروجه، لا تترك نافذة واحدة مفتوحة، لذا، أحيانًا أستيقظ في الليل على أقل حركة، وأتذكر استيقاظي من نومي، وأنا ابن تسع أو عشر سنوات، على صوت حركة في الشارع، كنّا نسكن الدور الأرضي، نظرت عبر الشيش، ورأيتُ فاطمة تركب عربتها الخشبية وتلف في دوائر، لا بد أن منامًا أفزعها، أو كانت تكمله بتحقيقه؛ تحاول رفع غطاء البلاعة في الشارع عبر الاصطدام به بعجلات العربة، وبدا أن ذلك استغرق الليل بأكمله، حتى أزاحت الغطاء قليلًا وخرجت فراشة زاهية ملونة.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن