حوار مع طارق تمراز| هل يمكن التنبؤ بهجمات القروش.. ولماذا تهاجمنا؟
بعد وفاة سيدتين في البحر اﻷحمر، تأثرًا بهجوم سمكة قرش مطلع الشهر الجاري، قرر محافظ البحر الأحمر، اللواء عمرو حنفي إغلاق منطقة وقوع الحادثتين في شاطئ سهل حشيش، وشكّلت وزارة البيئة لجنة للتحقيق والبحث في اﻷسباب العلمية وملابسات الهجوم، والتي انتهت إلى توصيات يتعلق أغلبها باستمرار مراقبة عمليات الصيد وأنشطة الغوص، وكذلك بدعم أبحاث سلوك القروش.
هل يمكن التنبؤ بهجمات القروش، وتجنبها؟ وهل يكفي إغلاق الشواطئ عقب مثل تلك الحوادث أم أننا نحتاج لما هو أكثر من ذلك؟ كانت هذه أبرز اﻷسئلة التي حملناها إلى أستاذ البيئة البحرية في جامعة قناة السويس، طارق تمراز، لنجري معه دردشة سريعة عقب حادث سهل حشيش، بوصفه مُعِّد استراتيجية التنوع البيولوجي الصادرة عن وزارة البيئة.
مدى مصر: بدايةً، لماذا تهاجم القروش الإنسان، خاصة إن لم تكن تنوي افتراسه، مثلما حدث في الهجمات الأخيرة؟
طارق تمراز: السبب المعتاد هو أن يخطئ القرش في تحديد هوية الإنسان خاصة إن كان يعوم في منطقة تصادف مرور فرائس تقليدية للقرش فيها، كأسماك التونة مثلًا، في هذه الحالة يقدم القرش على الهجوم على الإنسان لأنه لا يعرف أصلًا أنه إنسان. ولهذا فغالبًا ما يقع الهجوم على ضحايا يمارسون السباحة السطحية لا الغطس، لأنها تجعل من الأصعب على القرش تمييزهم.
الطبيعي أن القروش لا تحب مذاق اللحم البشري ولا ترغب في التهامه، ومن المعتاد أن يبصق القرش لحم الإنسان بعد تذوقه. وفاة ضحايا الهجوم تحدث عادة بسبب النزيف الناجم عن قطع وريد رئيسي، وليس بسبب الافتراس. ولا يعني هذا أن الاستثناءات لا تحدث، فقبل عدة سنوات افترس قرش أحد الغطاسين وهو قريب بشدة من الشاطئ.
بخلاف الخطأ، ساهم السلوك البشري في تغير سلوك القروش وهجومها على الإنسان، بعدما أصبحت تقترب من محيطه بحثًا عن الطعام.
فمثلًا، بحثًا عن فرصة لالتقاط صورة مع القرش، يعلّق البعض في المراكب فرائس ميتة أو مذبوحة، كالدجاج، أملًا في أن تنجذب القروش لرائحة الدم، وتتعلق بالمركب أو تقفز للوصول للدجاجة، ما يسمح بالتقاط صورة قد يدفع السائح مقابلها خمسين دولار. هذا السلوك يعني أن القرش أصبح متعلقًا بالإنسان، ويربط ما بين وجوده وتوفر فرائس سهلة دون مجهود.
ونتذكر أنه منذ عدة سنوات تم رصد تحرك أفراد من القروش من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر متتبعة سفينة محملة بالأغنام كانت متجهة إلى الشواطئ السعودية، لأنها كانت تلقي بالأغنام النافقة في المحيط خلال سيرها.
كل هذا بالطبع بخلاف سلوك بشري آخر، وهو الصيد الجائر، الذي يحرم القروش من فرائسها ويجبرها على البحث اليائس عن فرائس أخرى، وبالتالي محاولة الاقتراب من الإنسان. لكن هذا السبب مستبعد حاليًا كسبب محتمل لهجمات القروش الأخيرة في البحر الأحمر، لأن الصيد الجائر تقلص بشدة بسبب تشديد تنفيذ قواعد حكومية تمنعه.
م.م: هل أدت التغيرات المناخية إلى إعادة تمركز للقروش، بشكل أثر على سلوكها؟، وهو ما يرى البعض أنه حدث في سواحل أمريكا، نتيجة تحرك القروش نحو مناطق أكثر برودة قرب السواحل، هربًا من الاحترار.
ط.ت: لا يوجد ما يدل على ذلك في ما يتعلق على الأقل بالقروش في البحر الأحمر، التي تعيش في المياه الدافئة عمومًا ولا يمكن أن تؤدي هجرتها إلى الشمال في البحر الأحمر للتمتع بفارق يذكر في درجات الحرارة.
في كل الأحوال، لم يرصد على الإطلاق حركة لافتة للنظر لقروش البحر الأحمر نحو الشمال بحيث تغادر السواحل المصرية من خلال العبور من خليج العقبة أو السويس مثلًا. وهنا ينبغي ألا نخلط بين السلوكيات غير الأصيلة لدى القروش بمغادرة منطقة برمتها نحو منطقة أخرى، وبين الحركة اليومية للقروش التي يمكن أن يتعدى نطاقها مئة كيلومتر وهو أمر طبيعي لا يتعلق بالتغيرات المناخية.
م.م: ما هو الإجراء الحكومي المتبع إزاء هجمات القروش؟
ط.ت: الإجراء المتبع على الدوام هو ما اتبعته الحكومة هذه المرة؛ إغلاق الشواطئ لعدة أيام بعد الحادثة. ومحاولة استخدام ما يمكن استنتاجه من جسم الضحية حول طبيعة القرش المهاجم. إذ عادة ما يكشف جسد الضحية حجم وقوة عضة القرش، وبالتالي يمكن استنتاج نوعه وحجمه، ما يساهم في البحث عنه لاحقًا وإجراء بعض البحوث حوله وما إن كان سلوكه ينم عن وضع غير طبيعي، كأن يكون مصابًا مثلًا، ما يعني أن سلوكه ينم عن عصبية وعدوانية أو ما إلى ذلك. ثم يتم فتح الشواطئ مجددًا.
م.م: لكن هذا لا يعني إمكانية تقليل الهجمات مستقبلًا، أليس كذلك؟
ط.ت: هذا صحيح للأسف. الأمر يحتاج إلى استراتيجية للتعامل مع هجمات القروش، وهو ما لا يمكن الوصول إليه إلا عبر اعتماد نظام لتتبع القروش عبر شرائح تحديد الموقع، واستخدام البيانات المتوفرة من تحديد الموقع والحركة وأماكن التمركز في استخلاص أي تغير في سلوكياتها من ناحية، والتنبؤ من ناحية أخرى، وهو أمر ممكن ولا يعد مكلفًا بشكل عام، ﻷن عدد القروش في البحر الأحمر لا يتجاوز بضع مئات.
وبالطبع ينبغي دمج نظام تتبع القروش المحلي في بيانات هجمات القروش العالمية. وكذلك دمج ملف الهجمات في المنطقة مع الملف العالمي لهجمات القروش، مثل ملف معهد أبحاث القروش في نيوجرسي في الولايات المتحدة، بحيث يجري تأصيل علمي للوقائع، مع الاستفادة من الخبرات الدولية لدراسة توجهات وأعداد القروش.
م. م: لكن بيانات الملف العالمي لهجمات القروش، التابع لمتحف فلوريدا، تشير إلى أن الولايات المتحدة هي اﻷعلى في هجمات القروش عالميًا (1563 هجومًا)، ألا يعني ذلك أن دراسات التتبع لم تكن مفيدة في تقليص الظاهرة؟
ط.ت: البعض يستند للتجربة اﻷمريكية ويعتبر أن هجمات القروش أمر لا مفر منه ما دمت قررت الغوص أو السباحة، وأنه ما من سبيل لوقفها أو التعامل معها. لكن في الحقيقة الولايات المتحدة تشهد ممارسات شديدة الخطورة من قبيل تغذية القروش أثناء الغوص وهي ممارسة معتادة بشكل شبه يومي. بالإضافة إلى أن الكثافة الشديدة في عمليات الغوص هناك، مع انتشار سلوكيات شديدة التهور، يجعل زيادة عدد هجمات القروش هناك أمرًا متوقعًا.
م.م: في ضوء هذا، كيف نفسر كون مصر الثالثة إفريقيًا في عدد هجمات القروش (22 هجومًا)؟
ط.ت: الأمر يتناسب مع حجم إقبال الناس على السباحة والغوص أصلًا. يجب أن نتذكر أن احتمالية أن يهاجمك قرش مرتبطة باحتمالية أن تقابله من اﻷصل، والتي ترتبط بدورها بوجودك في بيئته الطبيعية.
الأمر في حالتنا مرتبط بوضوح بكوننا بلدًا سياحيًا يقبل الناس فيه على النزول إلى الشواطئ والغوص، ولا يشير إلى أن القروش أكثر ميلًا للهجوم بالقرب من سواحلنا.
م.م: أخيرًا، هل يعد البحر اﻷحمر موطنًا ﻷصناف من القروش الخطرة على الإنسان؟
ط.ت: من ضمن الأصناف الأكثر خطورة على الإنسان قرش الماكو والقرش التايجر [النمر] وهما من الأصناف التي تستوطن البحر الأحمر، أما باقي اﻷصناف الموجودة فمن غير المتوقع أن تقدم على مهاجمة الإنسان لأسباب تتعلق بالحجم في المقام الأول.
[يصنف الملف العالمي هجمات القروش لنوعين؛ اﻷول: هجمات مبررة، تحدث من تفاعل أو استفزاز بشري لسمك القرش، كأن يتعرض غواص للعض بعد مضايقته للقرش أو محاولته إطعامه.
النوع الثاني هو الهجمات غير المبررة، والتي يتعرض فيها إنسان للعض من سمكة قرش، دون استفزازها، ولكن مع وجوده في بيئتها الطبيعية.
بحسب قاعدة البيانات، سجلت الولايات المتحدة 1563 هجومًا غير مبرر منذ 1580. فيما تأتي جنوب إفريقيا الثالثة عالميًا، واﻷولى في قارتنا بـ258 هجومًا غير مبرر. وبهجومي الشهر الجاري سجلت مصر 22 هجومًا وهي الثالثة إفريقيًا في عدد الهجمات غير المبررة]
تقارير ذات صلة
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟
تدهور جودة الأراضي وارتفاع نسبة ملوحتها أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو
حكاية بحيرة.. المنزلة التي ضاقت بالرزق والحياة
تطوير «المنزلة» بالمليارات وشكاوى الصيادين مستمرة
أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا
الحلول المستدامة التي تخص الموضة حاليًا ليست هي ما نحتاجه
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن