تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دبدوب من غيط العنب

دبدوب من غيط العنب

كتابة: مي المغربي 8 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام

على مدار شهور جربت مي المغربي سرد حكاية كانت جدتها ترويها لها، بطلها دبدوب كان طرفًا في مغامرة، وحُمل بالأسرار.  

لم تُكتب حكاية الدبدوب بالساهل، بل عانت المغربي كثيرًا لتقديمها كما هي الآن، بحثت، أعادت الكتابة كثيرًا، حاولت تلقيم الفجوات عبر إعمال الخيال، وغوطت فيه كثيرًا، حتى تصل إلى تفسير يمكن حكيه لنا.

#قراءة #دليل

تسري هذه الحكاية داخلي تاركة شعور دافئ في معدتي، ومنها عرفتُ أن الحكايات تُخزن في المعدة، وبسببها أصبحت امرأة حامل في حكاية. مما جعلني استشعر أمانًا حينما تنفد أفكار الكتابة، بتذكر أن داخل معدتي حكاية يُمكن حكيها، فأهْدأ. لكني هذه الأيام أريد النوم على معدة فاضية.

كانت جدتي تحكي عن العفاريت ككل الجدات. لكنها في طفولتي، كررت حكاية بعينها أمامي، وقت أن كانت ليبيا هي دبي اليوم. حكت أن امرأة سكنت منطقة غيط العنب، وعانت من سفرات زوجها المستمرة لليبيا. وفي مرة حاول مصالحتها فأتى بهدية معه عبارة عن علب سكر وشاي ومعها دبدوب ضخم لونه أبيض، بأذرع وأقدام طويلة وفروة ناعمة، ومطرز على كتفه الأيسر قلب أحمر. وبعدها سافر الزوج، ولُهيت المرأة بزيارات الجيران لمشاهدة التحفة الغريبة. منهن مَن خافت، ومَن رأت في فعلة زوج جارتها ملمحًا رومانسيًا تفتقده، ومَن قامت بصنع واحد بنفس حجمه ببواقي القماش. ذلك أن هذا الحجم لم يكن قد زار أهالي غيط العنب في خيالهم. وفي يوم من الأيام اشتهت المرأة السمك البلطي وقالت لجارتها من المنور: «أنا هروح أشتري بلطي من سوق الميدان». 

وبالفعل، نزلت السيدة وركبت الترام الأصفر للمنشية، واشترت ما اشتهته. وحين عادت لشقتها ما أن خلعت فردة حذاء واحدة هبت عليها رائحة قلي سمك، فظنت أن جارتها قلدتها. لكنها حينما نظرت اتجاه المطبخ وجدت الدبدوب واقفًا ممسكًا بشوكة في يد والأخرى تسند الطاسة على البابور. 

تنتهي قصة جدتي بصراخ المرأة وحرق الدبدوب لذاته. 

جدتي تحلف بـ«مقام أبو الدردار» أنها هي المرأة الجارة في القصة، وأنها رأت الدبدوب تفوح منه رائحة القلي والحريقة.

لا أتذكر مشاعري حينما كانت تحكي لي جدتي هذه القصة. إمساك يصيب ذاكرتي ويحُول بيني وبين استفراغ ما سكن فيها. رغم ذلك أعرف أن بذاكرتي مكان يحتفظ بالمشاعر القديمة، لكني كلما حزقت أرسلت ذاكرتي مشاهد تصويرية متفرقة على شكل فلاشات تختفي كلما اقتربت من إدراكها. تحكي جدتي القصة فلا أنتبه لما تقوله كما ينبغي بمتلقي الأسطورة. عوضًا عن ذلك، أحرك باطن قدمي الصغيرة على الموكيت البني الخشن. (كان مفهوم السحر عندي هو كيفية وضع الموكيت حول الكنب وترابيزة السفرة بهذه الدقة. مع بحلقة في أظافر قدمي وقدم جدتي، محاولة إيجاد أي تشابه بينهما). 

*

حصلت هذه الحكاية بين سنتي 69 و70. كان هذا هو تاريخ حمل جدتي جنين سيصبح أبي، وهو نفس التاريخ الذي ودعت فيه الغرفتين المستأجرين واستقرت مع عائلتها داخل شقة في عمارة مكونة من أربعة أدوار في كل دور شقة واحدة. سكنت جدتي مع ابنتيها وجدي في الدور الثاني وجارتها صاحبة الدبدوب في الدور الثالث مع زوجها. 

لم تكن الجيرة وحدها ما جعلتهما شاهدتين على تكوّن أسطورة شعبية، لكن الاثنتين جمعتهما تجربة الهجرة من الريف عبر ترعة المحمودية والسكنى في غيط العنب، وزوج كل منهما مُسافر إلى ليبيا ويأتي بالسكر والشاي كهدية، وكفعل مقاومة لجوع الأدمغة الريفية التي تختل دون الكيف في ظل الأزمة الاقتصادية. 

كان هذا كل ما أعرفه عن عالم جدتي، ولا يبدو داخله أي شيء يدل على سحر. 

جدتي ماتت من زمن، أبي أيضًا مات، ولا أعرف الكثير عن عمتيَي بعد هجرتهما لأمريكا أو مقابر العمود. وليكون المشهد مكتملًا رُدِمَتْ ترعة المحمودية ثم هُدِمَتْ غيط العنب وأُقيمت مكانها عمارات، لا أعرف أي واحدة منها ارتفعت فوق أنقاض بيت جدتي، وأين جيرانها القدامى الذين لا اسم لهم في حكايتها. أستلقي على السرير وأَعْمل تمارين التنفس لأخفف من وطأة قفلة النِفس، فأجد نفسي في مكان به إضاءة زرقاء ودواليب مثل دواليب أرشيف مدرستي القديمة. أفتح درجًا فأجد فيه دبدوبًا ينظر ليديه، ثم يحرك رأسه لأعلى وأسفل ويبتسم. أعرف هذه الذكرى، كان أول تخيل زارني حينما حكت جدتي قصة الدبدوب، لحظة أدرك فيها أنه عايش. لكني أغلقت الدرج سريعًا. فزعت أنني دخلتُ ذاكرتي وأعيد النظر في تخيلات قديمة، لكن توقف تفكيري حينما رأيت بجانب الدولاب لوحة الموناليزا. في بيت جدتي كانت هناك واحدة بالفعل، لعبتُ معها لأني اكتشفت أنها تنظر إليّ في أي اتجاه أقف فيه. أرى نفسي عدتُ لسن الخامسة، أحك باطن قدمي في الموكيت لأُغفِل الموناليزا ثم أنط وأتحرك من مكان لآخر فأجدها ناظرة لي مازالت، وجدتي -التي ماتت من خمس عشرة سنة- في المطبخ كأنها انتهت للتو من سرد حكاية الدبدوب وتركتني ألعب. أتمشى في الشقة وألاحظ أن جدتي علقت جميع صور عائلات عيالها عدا عائلتنا. هل كانت تحب أبي؟ وقبل أن أجد إجابة لسؤالي، تهزني أمي وترش على وجهي ماءً. عرفت منها أنني اختنقتُ فجأة وظللت أخبط على الكومود بوهن. 

*

تحسنت حالتي لكن ظلت لوحة الموناليزا المقلدة تظهر كلما أغمضتُ عيني، فأجد نفسي في عُمر الخامسة أحك باطن قدمي في الموكيت الخشن، بينما جدتي تعيد حكاية الدبدوب الطبّاخ. مع الوقت أصبحت الموناليزا هي الأداة التي أفرق بها بين يومي العادي والغرق في تخيلات داخل ذاكرتي بشكل قهري. هذه التخيلات جعلتني أحس بأنني أحمل تاريخًا لا يخصني، وهذا التاريخ يشكل عبئًا، ويتخذ شكل دبدوب يقلي سمكًا بلطيًا في غيط العنب. يطفح على ذاكرتي ويجعلني أدخل في أماكن بعيدة ومكمكمة داخل نفسي. هل أدخل داخل نفسي فعلًا؟ أجرب بوعي إغماض عيني والغرق في تأملات حول الدبدوب وبيت جدتي ولوحة الموناليزا المقلدة. مرة بعد الأخرى، أكتسب قدرة على التحكم بذاكرتي فيصبح الوصول لطفولتي سهلًا مثل عمل الشاي الكُشري. أصِل، مرتدية بيجامة بيضاء عليها ورود ملونة، وبشعر مهوش أحاول منع نفسي من حك باطن قدمي في الموكيت أو التأمل في دقة تقاطيعه. وأقاوم النظر للوحة الموناليزا. ألّف رقبتي وأفتح فمي لأسأل جدتي: 

بتحكيلي القصة دي ليه يا تيتة؟ 

لا تجيب جدتي، ببساطة لأن هذه الإجابة غير مخزنة في ذاكرتي، ولأني لم أسألها أبدًا. كنت أصغر من طرح الأسئلة، وربما لم تكن تريد أن يطرح عليها أحد أسئلة منطقية، لهذا لم تحك الحكاية لأبنائها أو أحفادها الكبار إنما لي فقط، الطفلة التي كانت في عام 2002 صاحبة السنوات الخمسة من الخبرة في النط أمام لوحة الموناليزا. 

نفدت حلول ذاكرتي، لم يعد فيها أبعد مما أعرفه وهذا يشعرني بالإحباط وقلة الحيلة. أغمضت عيني لأريحها من جفاف هاجمها فوجدت نفسي في بيت جدتي في يوم عادي، أرى جدي من بعيد يجلس على السفرة يشرب عسلًا أسود على الريق، وجدتي تكوي ملابس على الكنبة. وأبي يمر تحتي ويجلس على الكرسي ليربط حذائه. لم أر دماغ أبي من هذه الزاوية، لم أنظر له أبدًا من فوق. أنا فوق! كأني مصلوبة على الحائط! أم أنني داخل الحائط نفسه وأنظر من خلال فتحة؟ لكني أعرف هذا الكرسي جيدًا، كان أسفل لوحة الموناليزا التي في بيت جدتي. فزعت من قدرتي على تصور أنني داخل اللوحة بهذه البساطة. وحينما فتحت عيني تذكرت أن آخر شيء بحثت عنه على جوجل كان «الموناليزا» وأنني نظرت إليها كثيرًا. كل الموناليزات المقلدة متشابهة حتى في الأخطاء. لا أتذكر إن كانت هذه الفكرة جاءت في صحوي أو أحلامي، كنت أفكر وأنا أحلم، لكني جربت النظر للوحة موناليزا مرة أخرى وحاولت التركيز على سنة 69 فلم أجد شيئًا يخص الدبدوب، أعدت المحاولة وركزت على تصور جدتي فترة حملها في أبي، وأن عمتيَي صغيرتين. فظهرت جدتي وهي تحاول إجهاض أبي! تضرب بطنها وترزع ظهرها في الحائط المقابل للوحة. ولكنها تتوقف عن فعل ذلك وتبكي. أفتح عيني فجأة ولا أكمل، أحاول التماسك وعدم البكاء على أبي المسكين. أخبر نفسي أنني غوطتُ في حكاية التخيل. لكن ملل الليل والرغبة في الكتابة، جعلاني أفتح اللابتوب على صورة الموناليزا مرة أخرى، وأتصور أنني بداخلها معلقة على الحائط في بيت جدتي لإكمال المشهد. خرجتَ جدتي من البيت، مرت دقائق طويلة وأنا داخل الصمت لأن البيت خالٍ والموناليزا بلا أذن وفمها مغلق مما يعني أنني لا أستطيع سماع شيء أو التحدث، هكذا تأتيني الأشياء التي أود حكيها ناقصة. لكني رأيت الباب يُفتح وكانت عمتي، تبدو منهكة وعصبية وهي  جالسة على الكنبة. بعدها دخلت جدتي ممسكة ببطنها تتنفس بصعوبة وتوجه كلامًا لعمتي، تحرك يدها بإنفعال ومرح. أحاول فك طلاسم حركة شفتيها. وتذكر كل ما قرأته في الكتب الرخيصة عن لغة الجسد، أقرأ كلام الشفاه «سعاد».. يااه أخيرًا عرفتُ اسمها. «..حرقت الدبدوب». تبدو عمتي غير مهتمة بما تقوله تيتة، وهذا تصور مناسب تمامًا عن عمتي لأنها برج العذراء ولا تحب الرغي. تمنيتُ لو تخيلت عمتي الأخرى المنتمية لبرج العقرب التي تحب المهاودة لأعرف أكثر. تمسك جدتي ببطنها وتبتسم فجأة وتترك عمتي. عندما ابتسمتَ لاحظت أنني أشبهها تمامًا. التجاعيد كانت قد أخفت ملامحها حينما كنت طفلة. 

يا بت الكلب ياتيتة. لم أستطع ألا أشعر بالغضب مما كادتَ تفعله بأبي، أخبط دماغي في اللوحة لكني أرتطم بسطح المكتب، أنا في المنشية وأبي لم يمت جنينًا. لكني أتذكر الدبدوب وأحاول تصديره للمشهد، لحظة جهزتها سعاد لتكون أسطورة دون أن تدري، أن يفدي ابنك دبدوب ويموت بدلًا منه، ويفدي الدبدوب نفسه زوج الجارة. 

*

أتعاطف مع سعاد، وأجد في فعلتها رد فعل متأخر، كان عليها التخلص من الدبدوب أمامه أو التخلي عن الزوج أو الغوص في محادثة تعبّر فيها عن مشاعرها. لكن الكبت هو لغة الوحيدين. لم تكن جدتي وحيدة بالمعني الحرفي لتحشي مشاعرها وذكرياتها الحقيقية داخل دبدوب يقلَي سمكًا بلطيًا، لكن كيف يُمكن أن تحكي دون الوقوف على لحظة إجهاضها لأبي؟ ستكون الحكاية غير مهمة لأنها مبتورة. انتظرت جدتي كثيرًا لتحشيني، استحلبت الحكاية داخل دماغها لتصبح قابلة للبلع والقمتها لي كما تفعل مع الحمام، حكاية بداخلها اعتذار وتبرير على ما كادت تفعله بأبي.. ربما.

وسلام.

عن الكاتب

مي المغربي

كاتبة وصحافية من مصر. تخرّجت في كلية الآداب من جامعة الإسكندرية - قسم علم نفس عام 2019، وتفرّغت للكتابة بعد عملها لعامين كأخصائية نفسية. كتبت عددًا من المقالات والنصوص والحوارات…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن