تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
خلطة يسرا السرية

خلطة يسرا السرية

مراجعة لألبوم يسرا الهواري الأخير «تردد»

كتابة: فادي سامي 8 دقيقة قراءة

في ديسمبر 2024، قابلت يسرا الهواري لأول مرة، في فعالية بمركز الفيلم البديل (سيماتك). وجدتها مثل أغانيها، فراشة دائمة التنقل والحركة، لا تتوقف عن توزيع الابتسامات هنا وهناك، والتحدث مع الجميع في الوقت نفسه. لحقت بها قبل أن تغادر، على سلالم العمارة ذات الطراز القديم، لأعرفها  بنفسي، وأخبرها أن في الفترة الأخيرة كان لها أكبر الأثر في حياتي. سألتني: «آخر فترة بس؟» ضحكَت وضحِكت. هذا المقال هو محاولتي للإجابة على هذا السؤال.

في 2014، أول مرة سمعت بها صوت يسرا الهواري وهي تغني «ببتسم» في تريلر فيلم فتاة المصنع، الذي عرض في مقدمة لقاء مع المخرج محمد خان ضمن برنامج «البرنامج» لباسم يوسف. وكطفل لم يكمل العاشرة بعد، ظننتها طفلة هي الأخرى، بصوتها الدافئ الرقيق. في ذلك اللقاء وبعد حصول خان أخيرًا على الجنسية المصرية كان متفائلًا رغم الظروف، وكذلك صوت يسرا.

وفي 2020، صارت الأوقات أظلم قليلًا، والتفاؤل أقل، والأهم جميعنا محبوسون في بيوتنا بسبب كورونا. اصطدم بشكل عشوائي تمامًا بفيديو ليسرا تغني «يا شمس ياللي هالة» للشيخ إمام، الأغنية التي غابت عن متابعتي الوثيقة لأغلب أغانيه، وسمعتها لأول مرة منها. لم أشعر بالحاجة لسماعها منه بعدها. حولت يسرا أغنية عن السجون لأغنية عن الحياة، وعن الأمل. أدركتُ أخيرًا أنها ليست الطفلة التي كنت أتخيلها. مثلت يسرا في تلك اللحظة كل السحر.

منذ تلك اللحظة أصبحت يسرا «الرفيقة» بألف لام التعريف. أكبر وأجرب، وأحب، وأفقد حتى أتعود على رائحة الفراق وتتشوه نفسي بآثار الغياب، وأعود لسماع يسرا لتعطيني حكمتها المختزلة بصحبة أوكورديونها. تمنحني طاقة لتحمّل العالم. في الغرفة التي أخرج منها قليلًا، وفي الأوتوبيس الذي يهيل علينا من خرا المدينة، وفي المترو وسط البنات المتزوقة، في الاغتراب الذي يزداد يومًا عن يوم، تصبح منقذة من انهمار الأفكار والأحزان في أغلب الأيام.

وفي 2024، بعدما أصبحت مدمنًا على ألبومها الوحيد «نقوم ناسيين»، وفي أوقات مظلمة، فيما أقبع في تلك الصفيحة العطنة منتهية الصلاحية التي تدعى أوتوبيس نقل عام، محبوسًا في زحمة رمسيس، وإذا بصوت يسرا يأتي بعشوائية من الساوند كلاود، صوت يأتي من بعيد من زمن آخر، تمامًا كالتطبيق الذي أسمعه منه: «مش كفاية حياتي السنة دي عمالة ترجع لورا وكلها خرا في خرا.. يا أوتوبيس». ظللت أعيدها وأضحك. خطر لي أن أغنيها بصوت عالٍ وسط الأوتوبيس، كما غنتها يسرا في تلك الحفلات البعيدة المسجلة بجودة رديئة، حفلات تأتي من زمن ضبابي وبعيد لعله كان أكثر حرية وربما أقل هزائمية، زمن لا أستطيع منع نفسي من النوستالجيا له أحيانًا رغم كرهي للنوستالجيا. 

ألبوم نقوم ناسيين

كثيرًا ما تمنيت حضور حفل ليسرا، حلم لم يتحقق لغياب الصحبة. وأفكر في نفس الوقت، كيف يمكن لها أن تحافظ هي نفسها على كونها تلك الصحبة، كيف لصوت بعيد كل هذا البعد أن يعبر عنا بهذا الشكل، أو يترك مثل هذا الأثر. كيف يمكن لها أن تصبح ساوند تراك جميع مشاعرنا. 

2025؛ عتمت الدنيا تمامًا. شببت أخيرًا ولكن فقط لأجد بقايا مدينة. أمر على أنقاضها كل يوم، وأعيش يوميًا في عالم شبه منتهٍ، يزداد جنونًا ما بين حروب وإبادة جماعية، تحدث على بعد أميال. تتأرجح المشاعر بين العام والخاص بين العجز والعار، والفقد والخسارة، والفشل والغربة. وبالقلب من كل ذلك؛ الهزيمة. ومن قلب تلك الهزيمة تظهر يسرا مرة أخرى، ربما لأن الحاجة إليها أصبحت أقوى من أي وقت مضى.

                                                            ــــــــــــــ

تطلق يسرا ألبومها المصغر «تردد»، يحتوي فقط على ثلاث أغاني: «دوري» و«مترونوم» و«نداهة». كعادتها تتنقل بين الشخصي والعام، بين الهزائم الصغرى والكبرى، على خلفية ضبابية للمدينة وضوضائها. 

وعلى خلاف «نقوم ناسيين» تأتي موسيقى «تردد» هادئة، متأملة، تبحث. ويكاد يغيب الأكورديون علامة يسرا المميزة، ليطغى عليه مزيج من الأصوات والآلات، ما بين البيانو والكمان والترومبيت والكورال حتى صوت يسرا نفسه يكاد يتحول إلى آلة. تعطي المساحة لتركيب مزيج الأصوات هذا أكثر من الأداء الفردي على الآلة. ويندمج كل ذلك على خلفية ضوضاء القاهرة، رفيقتها الدائمة، المدينة التي على حافة الهلاك ومع ذلك ما زالت تثقل كاهل قاطنيها.

يا قلبي لا تحزن

بوستر الألبوم

تلتقط يسرا هذا الثقل بداية من بوستر الألبوم الذي تظهر فيه وظهرها للكاميرا (الصورة لأحمد الساعاتي، والتصميم الفني لعمرو حسني)، ناظرة أمامها إلى القاهرة ببيوتها الخرسانية، والتيه الذي أصبح ملازمًا لها ولسكانها. تبدو البيوت صغيرة حتى تكاد تبدو كأنقاض. واللون الأزرق ضبابي، يغطي الصورة كأنها فيلم قديم باهت. 

وببداية التراك الأول «دوري» يتأكد لنا كل هذا. يختفي الأوكورديون الذي صاحبها دائمًا، ويتقدم خليط  ما بين الترومبيت وصوتها مصاحب بالكورال، وسامبلز مسجلة من زحام القاهرة، ليصير أكثر درامية، ويؤسس أجواء المدينة في 2025 «كلنا خايفين، كلنا خايبين، كلنا ساكتين».

لم تعد يسرا الطفلة التي تخيلتها عند أول مرة سمعتها، وكذلك لم أعد أنا ذلك الطفل ذو العشر سنوات. تغير العالم وأصبح مكان أقسى في تلك السنوات. وتغيرت يسرا وعادت بشجاعة أكبر ومواجهة أقسى للهزائم والجراح. عندما تسوء الأمور، عندما يصعب علينا تحمل البشر ويصعب عليهم تحملنا كذلك، في تلك الأوقات قد تكون الأشياء هي ملاذنا الأخير، تفعل يسرا ذلك. تبني علاقاتها المميزة مع الأشياء. تكلمها، تتوعدها. في «كشكولي» من ألبوم «نقوم ناسيين» تصبح تلك الأشياء كشكولًا ضائعًا به كلام مهم، وفي «ولا تسمع كلامي» من الألبوم نفسه، يصبح الحل الوحيد أن تناجي قلبها، فقط ألا يحزن، فلا بد أن كل الوجع يفيد. وفي «دوري» من الألبوم الجديد تصل إلى ذروة التراك بنداء واستجداء آخر، للمزيكا تلك المرة، بغضب وطاقة، ليس بحنية نداءها السابق لقلبها: «غني يا مزيكا غني، قبل ما يغنوا حكايتي» تقولها بتلك النبرة، نبرة محمد منير في أغنيته «أحلى بكرة لينا»، التي وصفتها صديقتي بـ«كنا كأننا بنغصب بكرة يجي حلو». كذلك يسرا، تريد للمزيكا أن تغني، حتى يكون بكرا حلو، حتى نجد تلك المساحات للتأسي والتفاهم سويًا، حتى يصل صوتنا لمن غابوا، حتى نجد موطأ لأنفسنا وسط ذلك العالم، لنلجأ لمن هم أقل قسوة من عالمنا.. للمزيكا.. وليسرا.

غنّيلي ما تبقيش قاسية، زي الصحبة اللي غايبة

زي حبالي اللي دايبة، والأحلام اللي تايهة 

مترونوم

أغنيتها التالية «مترونوم»، تشبه اسمها. المترونوم آلة يضبط عليها الإيقاع، بنغمة إيقاعية ثابتة، تروح وتجيء مترددة كعنوان الألبوم، الذي تفسره يسرا في ديباجتها للألبوم على منصة الموسيقى باندي كامب، بأنه كما يعبّر عن ترددها في إيجاد طريقة للتعبير عن نفسها، هو أيضًا عن تلك الترددات العشوائية التي تغزو سمعها ومنزلها قادمة من الشارع ومن قلب المدينة، والتي يمتلئ الألبوم بأجزاء منها.

يستمر التردد على مدار التراك من لحظة الإحباط «لو يومي زي إمبارح ما تصحونيش من النوم» حتى الاستسلام للواقع «ولو إني في الآخر راح أقوم رغم الأخبار الشوم»، ثم مواجهته «شوف أنا أهو أنا أهو أنا هو». تحاول يسرا التشبث، بكل ما يذكر بالحياة في مدينة ميتة، تحولنا جميعًا إلى زومبيز، بقلوب نائمة، فقدت القدرة على الشعور منذ زمن بعيد، عند ذلك يأتي الإنقاذ من شجرة شاهدة على الحكايا والقصص، من الشمس، ومن لمسة هواء تطيّر الهموم، ومن حبايب راحوا بالكوم، وحتى من الحزن نفسه، وإدراك أنه لم يبق غيرنا لنحكي حكاياتهم. 

في «مترونوم»، يرقص الكمان رقصة سكير على جثة هذه المدينة، التي اختفت ولم يبق منها غير حكاوي. تشبه «مترونوم» تلك الأماكن التي ذهبنا إليها مع أحبائنا، وتخيلنا بسذاجة أنها ستبقى، لنواجه بحقيقة أنها أيضًا تختفي معهم. ليست «مترونوم» أغنية عن الغياب ولكن عن أثره. تغني يسرا لتحفظ ما تبقى من كل ما فقدناه. تحضر أصوات المدينة وضوضائها فقط في نهاية الأغنية، وكأنها تذكير لنا، بأن قلب تلك الجثة، قد ينبض ببعض حياة.

بس أنا شايلة الحدّوتة معايا

هاحكيها تعيش وتدوم 

caption

« القاهرة نداهة، بس عندك في حبها كده أسى، حزن، زي ما تكون غدرت بيك ولا خانتك!»- (فيلم آخر أيام المدينة- تامر السعيد)

قالت يسرا مرة «لازم المنتج بتاعك حيطلع تقدري تشمي فيه ريحة القاهرة عشان هي أقوى مننا كلنا. مدينة القاهرة عندها شخصية حتطبع عليك». وفي الأغنية الأخيرة في الألبوم «نداهة» يتحقق ذلك، تصبح البطولة للقاهرة نفسها. للقاهرة قوة وثقل، قد لا ندركه تمامًا، ولكن ندرك أنه يتخطانا، ونظل ندور في فلكها، تلقي هذه القوة وهذا الثقل بظلالها على الموسيقى، فمنذ أول لحظة يسبق صوت القاهرة صوت يسرا، محادثات جانبية، كلاكسات، أصوات الباعة الجائلين، الدق على الأنابيب، والروبابيكيا. وهكذا حتى تختفي الخطوط بين ما هو موسيقى وما هو قاهرة، ويصعب التمييز بين أصواتها الكمان الحزين أو البيانو الذي يسيطر على الأغنية. لا تختفي القاهرة ثانية، تتوحد يسرا مع القاهرة حتى تختفي الحواجز بينهم. وتسرد يسرا الحدوتة.

محاوطاك الوشوش، والدنيا خاطفاك

محاوطاك الوشوش، والقصّة عاجباك

بـ«نداهة»، هناك شيء غامض، مثل القاهرة، تلك القوة الخفية التي تجذبنا ثم تلفظنا، ذلك الشيء الحزين، والوحش القابع على أنفاسنا، ذلك الجري، والبحث، ورغبتنا بالانفكاك. رغبتنا بالعودة، قد تكون «نداهة» هي نحن، بتجاربنا غير المكتملة، بهزائمنا المتكررة، وبكل تلك المرات التي يختفي بها الحاجز بيننا وبين ما حولنا، حتى يصبح أثقل وأصعب. وينجرف المرء الى تلك الدوامة اللانهائية من خيبات القلب والأخطاء المتكررة، وكل محاولات خروجنا من ذلك، نداهة هي ذلك السعي اللانهائي، الذي تفرضه علينا القاهرة، سعي على قسوته، محبب إلى القلب بشكل ما، تعجبنا القصة فندور ونفشل فنعود، هذا معنى أن تندهك القاهرة. 

بالهشاشة نحيا

في آخر كوبليهات «نداهة» تكاد تلخص اتجاهها ومفهومها للغناء والموسيقى: 

اسمع حكاوي الناس، احيا وعيش بيها

وأحب وأتأمّل، في ناسي وأراضيّا

هذا الحب والتأمل، هو ما يجعل موسيقى يسرا مميزة. تعبر بالحكاوي والحزن والسعادة والهشاشة، وتحكي ما نخجل أن نحكيه أو لا نستطيع. ربما لأن العالم أصبح أثقل مما يجب. ولكن ربما تكون الطريقة الأمثل للتأقلم مع هذا العالم باستحضار تلك الهشاشة.

في «تردد» تقدم يسرا شيئًا جديدًا، ليس فقط بالثورة على صورة الفتاة «الكيوت» بالأوكورديون، ولا فقط بالتجريب على مستوى الموسيقى والكلمات بشكل لم تعتد عليه من قبل. لكن قبل كل شيء فإن ما تقدمه تلك القدرة الساحرة على التواصل من خلال الموسيقى وصوتها. أن تذكرك أن هناك آخرين مثلك ربما في مكان آخر أو زمن آخر حتى، ولكنهم هنا ومثلك تمامًا.

في النهاية أفكر، في نفسي، في زمني، في من فقدوا في الطريق، ومن غابوا، في جيلي، وفي عالمي الذي شارف على الانتهاء.. وأطمئن.. لأنه، وربما، بعد يوم متعب طويل، قد يأتي صوت يسرا ليطمئنك ويخبرك أنت لست وحدك. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن