تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
خروج دُرية من قمقم الإقامة الجبرية

خروج دُرية من قمقم الإقامة الجبرية

هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #17 «مُنتهى الأدب» 

كتابة: أحمد وائل 5 دقيقة قراءة

هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #17 «مُنتهى الأدب» 

أنت لا تفكر فيها، بل تتخيل حياتها أمامك بعد 50 عامًا من الرحيل، نشاهد صور درية شفيق وفساتينها مع حقيبة يدها ذهبية اللون. نتلصص على المجوهرات، جميل عقد اللؤلؤ، بل يُلائمه القرطان، أما البدلة بألوانها مع الوشاح فقمة الأناقة.

caption
caption

نرى حياة الرائدة النسوية الأنيقة، بعدما انتقت القيّمة نادين نور الدين ما يصلح للعرض من شقة شفيق بالزمالك، مقر الإقامة الجبرية من 1957 إلى 1973، وقدمته لزوار المركز الثقافي الفرنسي، مع مستنسخات الأخبار القديمة عنها، والمنشور من مقالاتها، منها افتتاحيات مجلة بنت النيل (أسستها في 1945)، ومجمل أغلفتها. نرى بورتريه مرسومًا بألوان شانت أفيديسيان، مع صورها، نتتبع حياتها منذ طفولتها في طنطا، حيث وُلدت في 14 ديسمبر 1908، وكبرت متنقلة بينها ومدينتي المنصورة والإسكندرية. نقرأ خبرًا كتبه مراسل «الأهرام» في باريس 1932 حول نجاح «الآنسة درية» في ليسانس الآداب في السوربون، فهي «الفتاة المصرية النجيبة» لأنها حصلت على شهادة «لم يحرزها من قبل طالب ولا طالبة من المصريين». من كرنفال حياة شفيق المعروض، توقفتُ أمام جدار عُلقت عليه براويز، في كل واحد منها عنوان مقال مع كاريكاتير.

caption

«اقتحمنا البرلمان ولم نعبأ بالرصاص»، مع رسمة لسيدات يحاصرن البرلمان وفي المواجهة الشرطة المسلحة، وفي البرواز الآخر «وكيل النيابة يشيد بالمتهمة»، وأعلاه رُسمت في الخلفية «العدالة العمياء» وأمامها رجل يرتدي الوشاح والطربوش مجاورًا سيدة (يُقصد بها المحامية مفيدة عبد الرحمن التي دافعت عن شفيق؟)

بعد زيارة المعرض، قلّبت كتابها «المرأة المصرية» حتى وجدت المقالين. في الأول كتبت عن خطة اقتحام البرلمان 1951 لتمكين المرأة من حقوقها السياسية، فهي عاينت موقع المجلس النيابي الملكي بأن حامت بالسيارة حوله قبل التنفيذ. وحتى تتوفر للنساء نقطة ينطلقن منها لاقتحام المجلس النيابي الرجالي، حُجزت قاعة «إيوارت» المجاورة، وحين توافدت النساء في اليوم الموعود، ألقت شفيق خطبة فحمّست 1500 امرأة لتنفيذ المهمة التي خُصص جدارًا في المعرض لها، وأعدّت نور الدين لوحة تحاكي هذه الروح كُتب عليها: اشركوا المرأة لترقى الأمة. ستُحاكم شفيق على هذه الخطة، ويؤجل نظر القضية إلى أجل غير مُسمى حسبما ورد في «وكيل النيابة يشيد بالمتهمة». ورغم براعة الخطة، ظلت النساء مُستبعدات من الحياة السياسية، فاستمر نضال شفيق، واتحادها «بنت النيل» في الجمهورية الجديدة، نظمت إضرابًا في نقابة الصحفيين احتجاجًا على استبعاد المرأة من كتابة الدستور 12 مارس 1954. 

caption
caption

في أحد أركان المعرض، وُضع مكتب شفيق وعليه راديو، وخلفه الكتب المجلوبة من مكتبتها في دولاب خشبي أنيق، عليه مزهرية -بلا ورود- وزجاجتا عطر، يُقال إن إحداهما هدية من الزعيم الهندي نهرو. تخبرنا القيمة أن شفيق أحبت أغاني إديث بياف وتحديدًا non, je ne regrette rien. 

وبدلًا من تخيل موسيقى بياف تتصاعد من الراديو التحفة، رأيتُ شفيق بعين الخيال جالسة في ركنها المجلوب من الماضي، تسمع خطاب جمال عبد الناصر عن إعلان الدستور، تنزعج وتغلق الراديو غاضبة، فيقع على الأرض، كما ورد في مذكراتها التي حررتها سينثيا نلسون. اشترط الدستور إلمام المرأة بالقراءة والكتابة لممارسة حقوقها السياسية، وهو ما اعتبرته شفيق تمييزًا عن الرجال. أما ذروة دراما حياة شفيق فجاءت في فبراير 1957، حين أعلنت إضرابًا عن الطعام منفردة، دون أن تخبر زوجها أو رفيقاتها، بل أبلغت رئاسة الجمهورية والأمم المتحدة، واختارت سفارة الهند مقرًا له لصداقتها بالسفير وأسرته، وصداقة نهرو لعبد الناصر، فلا تبدو كلاجئة في حماية دولة معادية مثلًا.

هزّ الإضراب المجتمع، طارت أخباره في الصحف الأجنبية، فقد طالبت شفيق بـ«إعادة الحرية الكاملة للمصريين رجالًا ونساءً، بوضع حد للحكم الدكتاتوري الذي يدفع ببلادنا إلى الإفلاس والفوضى». كيف تنجو بعد ذلك؟ ما هو رد الفعل؟ 

يقدم «امرأة مختلفة» عريضة وقعتها «نساء مصريات» ضد شفيق، باعتبارها معزولة عن باقي الحركة الشعبية الفرحة بتحرير المرأة على يد ناصر، بل تنتمي إلى «الاتجاهات الفردية القائمة على الدعاية الشخصية التي اتسمت بها الحركة النسائية قبل الثورة»، ما علينا من غدرهن بها، كيف تصرف عبد الناصر؟

نهرو أقنعه بعدم القبض على شفيق في حال عودتها إلى بيتها، ففرض حصاره عليها، كأنها حُبست في قمقم أو فرض عليها وضعًا بطريركيًا يلزمها كامرأة ألا تغادر البيت، كأنه يعيدها إلى الحرملك، لتكون شفيق «خارج الزمن»، مثلما كتبت في شعرها، وعنونت قصائدها الفرنسية التي تقول عنها أنها «وُلدت وكُتبت في جو أفلت من زمننا المحسوس، ذلك الزمان الخارجي الخاضع لمقياس ضيق». 

caption

وعلى سيرة الشعر المكتوب خارج الزمن، يحتفي المعرض به، رغم أنه لم يعجبني، هل المشكلة في الترجمة؟ أفكر أنه نتاج الحَبسة، فيفضل ألا أقيّمه كشعر بقدر كونه حفرية دالة على سنين مخفية، تتكامل مع مذكرات شفيق وحكايات عزيزة وجيهان عن أمهما، اللتين اعتادتا وجود رجل شرطة على باب يمنعها من الخروج. تحكي جيهان مثلًا أنها مُنعت من السفر مع الفريق الأولمبي للسباحة في 1960 لأن «المرأة المصرية المسلمة لا يجب أن يُسمح لها بالكشف عن جسدها في مثل هذه المناسبات» كما برر وزير الشؤون الاجتماعية، حسين الشافعي، قراره. هكذا ظلت هذه العقلية الذكورية تتحكم في حياة شفيق حتى 1973 قبل عامين من سقوطها من بلكونة البيت في 1975. 

رغم تنوع ما قدمه المعرض، المستمر حتى منتصف يناير المقبل، لا يزال هناك الكثير الذي لا نعرفه عن حياة شفيق التي أخرجها تصميم نور الدين من القمقم المجازي بكل أناقتها وسيرتها ورائحتها ونضالها الذي أفسد الفرحة الجماعية الكاذبة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن