تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حول فاشيّة إسرائيل

حول فاشيّة إسرائيل

كتابة: ألبيرتو توسكانو 8 دقيقة قراءة

غالبًا ما يتهم منتقدو سياسات الفصل العنصري والحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل بمعاداة السامية، إلا أن الإسرائيليين الذين ينتمون إلى الجبهة اليسارية والتيار الليبرالي يعربون عن قلقهم من انحدار البلاد للفاشية منذ سنوات عديدة. في هذه المقالة -المنشورة في موقع «فيرسو»، 19 أكتوبر الماضي- يجادل ألبيرتو توسكانو بأن الفاشية جزء لا يتجزأ من منطق المشروع الاستعماري الإسرائيلي. 

توسكانو باحث أكاديمي ومترجم إيطالي، صدر آخر كتبه «الفاشية المتأخرة: العرق والرأسمالية وسياسات الأزمة» عن دار فيرسو مؤخرًا.

أثار رد إسرائيل الانتقامي على هجوم حماس المعروف بـ«طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر، بعدما حصل على تأييد من الحكومات الغربية لتنفيذه، حديثًا عن الفاشية في أوساط متعددة، ووصفه عدد كبير من الخبراء بقانون حقوق الإنسان على أنه «يُظهر نية واضحة للإبادة». في بيان مشترك، أشار اتحاد الأساتذة والموظفين في جامعة بيرزيت إلى ما وصفوه بـ«الفاشية الاستعمارية» و«النداءات الفاضحة لقتل العرب على لسان الساسة الصهاينة على امتداد طيفهم السياسي»؛ وفي تصريحهما، ألقى الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي) وائتلاف حداش اليساري المسؤولية الكاملة على الحكومة اليمينية الكاملة عن التصعيد الخطير والحاد؛ وفي تلك الأثناء، وصف الرئيس الكولومبي، جوستافو بيترو، الهجوم على غزة بأنه «أول تجربة تنظر إلينا جميعًا على أننا كائنات يُمكن التخلص منها»، في لحظة عالمية تماثل لحظة صعود النازية، لكنها تتسم بالكوارث المناخية، وترسّخ الرأسمالية. حتى اقتباس تلك السطور قد يكون مخالفًا لتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية، والذي كان بمثابة أداة مهمة في الجهود المبذولة لعرقلة أنشطة التضامن الدولي السلمية، ضد الفصل العنصري الإسرائيلي، ولا سيما تلك التي تتم تحت ستار المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات. 

ومع ذلك، يبدو أن الاعتراف ببداية ظهور الفاشية في حكومة نتنياهو الأخيرة والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام، إن لم يكن اتجاهًا سائدًا، فإنه بالتأكيد ملحوظ بوضوح في الخطاب العام في إسرائيل نفسها، خاصة بعد الاحتجاجات ضد الإصلاحات القضائية الأخيرة التي تستهدف كبح جماح الحكم الذاتي المبتجح للمحكمة الإسرائيلية العليا. قبل أربعة أيام من هجوم حماس، نشرت صحيفة «هآرتس» مقالة افتتاحية تحت عنوان «الفاشيّة الجديدة الإسرائيلية تهدد الإسرائيليين والفلسطينيين على حدٍ سواء». وقبل ذلك بشهر، أعلن ما يقرب من 200 طالب من طلاب المدارس الثانوية الإسرائيلية عزمهم على عدم التقدّم للتجنيد، قائلين: «مدفوعين بقناعاتنا الخاصة، قررنا أنه لا يمكننا خدمة مجموعة المستوطنين الفاشيين الذين يسيطرون على الحكومة في الوقت الحالي». وفي مايو، بدأت مقالة افتتاحية في صحيفة «هآرتس» بالقول إن «حكومة نتنياهو السادسة بدأت تبدو كحكومات كاريكاتيرات للأنظمة الشمولية. على الأغلب، ليس ثمة تحرك مرتبط بالشمولية إلا وطرحه أعضاء الحكومة المتطرفين، واعتمده بقيتهم من غير الأكفاء، وذلك في إطار التنافس بينهم على من سيكون فاشيًا أصيلًا»، في حين وصف أحد محرري الصحيفة الأمر بأنه «ثورة فاشية إسرائيلية»، تتسم بكل ما يتعلق بالفاشية بصلة بداية من العنصرية العدائية وازدراء الضعف، وصولًا إلى الشهوة للعنف ومناهضة الفكر. 

توقّع مثقفون بارزون هذه الجدالات والتكهنات الأخيرة، مثل مؤرخ اليمين المتطرف الشهير، زئيف ستيرنهيل، الذي كتب عن «الفاشيّة المتنامية والعنصرية الشبيهة بالنازية المبكرة» في إسرائيل المعاصرة، والصحفي وناشط السلام، أوري أفنيري، الذي هرب من ألمانيا النازية في سن العاشرة، وأعرب قبل وقت قصير من وفاته في عام 2018 عن رأيه، بأن: التمييز ضد الفلسطينيين في معظم جوانب الحياة يمكن مقارنته بالتمييز الذي عاناه اليهود في المرحلة الأولى من نظام ألمانيا النازية. (يُشبه اضطهاد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة معاملة التشيكيين في «حكومة الوصاية« بعد خيانة ميونخ.) تُشبه مشروعات القوانين العنصرية التي تُقدم بوفرة في الكنيست، سواء السارية منها أو التي قيد الدراسة، بشدة القوانين التي اعتمدها الرايخستاغ في الأيام الأولى للنظام النازي. فمثلما كان الحال آنذاك، ينادي بعض الحاخامات بمقاطعة المتاجر العربية، ويُسمع هتاف «الموت للعرب» (كما كان ينتشر هتاف «الموت لليهود سابقًا») في مباريات كرة القدم.

ليس ثمة جديد في الأمر بين السابق والحاضر بالطبع. في أعقاب مذبحة دير ياسين عام 1948، وقّعت شخصيات يهودية بارزة أمثال حنا أرندت وألبرت أينشتاين وثيقة بصحيفة «نيويورك تايمز» تشجب فيها حزب حيروت (سلف حزب الليكود بزعامة نتنياهو) ووصفوه بأنه أقرب إلى تنظيمه، وأساليبه، وفلسفته السياسية، وجاذبيته الاجتماعية، للأحزاب النازية والفاشية.

كما وصف أفنيري وزير المالية الحالي، بيزاليل سموتريتش، بأنه «فاشي يهودي أصيل». وضع سموتريتش، الذي أشار إلى نفسه بفخر على أنه «فاشي معادٍ للمثليين»، الأسس اللاهوتية لنيته للإبادة الجماعية «لإجهاض» أي آمال فلسطينية في السيادة القومية، وتكرار النكبة. وصرح في إحدى المقابلات قائلًا: 

عندما دخل يشوع بن نون [النبي التوراتي] الأرض، بعث ثلاث رسائل الى سكانها: من يُريد أن يقبل [حكمنا] فليقبله؛ ومن يريد المغادرة فليغادر؛ وأولئك الذين يريدون القتال، سنقاتلهم. كانت أسس استراتيجيته كالتالي: نحن هنا، لقد أتينا، وهذه الأرض ملكنا. ولن يفتح بعد الآن سوى ثلاثة أبواب، لا رابع لهم. أولئك الذين يرغبون في المغادرة -وسيكون هناك من يرغب في المغادرة- سأساعدهم في ذلك. عندما يفقدون الأمل والرؤية، سيذهبون، كما فعلوا في 1948. […] والذين لا يغادرون، إما سيقبلون حكم الدولة اليهودية، وفي هذه الحالة يمكنهم البقاء، أو لن يقبلوا بها، وعندها سنقاتلهم، وسنهزمهم. […] إما سأطلق النار عليهم، أو سأسجنهم، أو سأطردهم. 

إن ذكر سفر يشوع مهم في هذا السياق لأنه كان أيضًا مرجعًا أيديولوجيًا للعلماني ديفيد بن غوريون في السنوات الأولى لدولة إسرائيل. يتردد صدى أنشودة الدمار بالعهد القديم بشكل مثير للقلق اليوم: فَضَرَبَ يَشُوعُ كُلَّ أَرْضِ الْجَبَلِ وَالْجَنُوبِ وَالسَّهْلِ وَالسُّفُوحِ وَكُلَّ مُلُوكِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ. فَضَرَبَهُمْ يَشُوعْ مِنْ قَادِشْ بِرْنِيعْ إِلَى غَزَّةَ (يشوع 10:40-41). 

لكن الفاشية التي «تبناها» نتنياهو لا يمكن اختزالها فقط في المستوطنين الأصوليين وحيلهم لنزع الملكية (بما في ذلك جذورها العميقة الضاربة في منظمة سموتريش الاستيطانية غير الحكومية ريغافيم، وحربها القانونية ضد الحقوق الفلسطينية في الأرض والملكية)؛ ولكنها ترتكز أيضًا بقوة على المصالح التجارية والمناورات التشريعية لأصحاب المليارات في إسرائيل كما في الهند أو الولايات المتحدة، والذين يسرهم الجمع بين الحراك القومي المحافظ ضد «النخب» الحضرية المنحلة والدفاع بوحشية عن الربح والامتيازات. في مقابلة حديثة، قال مؤرخ الهولوكوست الإسرائيلي، دانيال بلاتمان

هل تعلمون ما هو أكبر تهديد لاستمرار وجود دولة إسرائيل؟ إنه ليس حزب الليكود؛ ولا حتى الخارجون على القانون الذي يعيثون في الأراضي فسادًا، بل منتدى كوهيليت للسياسات [إشارةً إلى مركز الأبحاث اليميني المحافظ الذي يدعمه متبرعون أمريكيون أثرياء]. […]  إنهم يعملون على مانيفستو اجتماعي وسياسي شامل، إذا تبنته إسرائيل في النهاية، سيحولها إلى بلد مختلف تمامًا. عندما تذكر «الفاشية» للناس يتصورون جنودًا يجوبون الشوارع، ولكن لن يكون الأمر كذلك؛ ستظل الرأسمالية موجودة؛ سيظل الناس قادرين على السفر إلى الخارج -إذا سُمح لهم بدخول بلدان أخرى- وستكون هناك مطاعم جيدة، أما عن قدرة الشخص على الشعور بأن ثمة شيئًا يحميه، بخلاف النظام -اعتمادًا على الثقة في سلامة إرادته- لأنه إما سيحميه أو لن يحميه وفقًا لما سيراه مناسبًا -لن تكون موجودة بعد الآن. كان المجتمع الإسرائيلي جاهزًا لاستقبال الحكومة الحالية. ليس بسبب انتصار الليكود، ولكن لأن اليمين المتطرف جذب الجميع خلفه؛ فيمين متطرف الماضي هو مركزيّ اليوم. أصبحت الأفكار التي كانت تُقال على استحياء، أفكارًا مشروعة الآن. بصفتي مؤرخًا مختصًا في تاريخ الهولوكوست والنازية، يصعب علي الإقرار بهذا الأمر، ولكن يوجد وزراء ينتمون إلى التيار النازي الجديد في الحكومة الحالية. فنحن لا نجد وزراء عنصريين صِرف، من الناحية الأيديولوجية، في أي مكان آخر، سواء في المجر أو في بولندا، مثل الذين في حكومة إسرائيل.

على الرغم من التبصرات التي تحتوي عليها هذه الفقرة، إلا أنها توضح أيضًا بشكل يثير القلق ما يغفله الجدل الليبرالي الإسرائيلي ضد صعود الفاشية، ألا وهو، الفلسطينيين. يتجول الجنود بحرية في الشوارع في إسرائيل وفلسطين المحتلة، ولا يمكن لملايين الأشخاص الذين تحكمهم إسرائيل السفر إلى الخارج، ولا حتى العودة إلى الوطن. إن العنصرية الصريحة التي عبر عنها أمثال سموتريتش ووزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، من دون ندم، ليست سوى نتاج العنصرية التي تبني الهيمنة الاستعمارية وتعيد إنتاجها، والحاضرة والمؤثرة ليس فقط بين الليبراليين المدلسين، بل والفاشيين الرعن أيضًا. 

علمتنا العادات السحيقة لمناهضة الفاشية الراديكالية ضد السود والعالم الثالث، بالإضافة إلى مقاومة السكان الأصليين، أنه كما أشار بيل مولين وكريستوفر فيالز: «بالنسبة لأولئك الذين يتم استبعادهم خارج إطار حقوق الديمقراطية الليبرالية لأسباب عنصرية، فإن كلمة "فاشية" لا تستدعي دائمًا تصورًا لنظام اجتماعي بعيد وغير مألوف». في الأنظمة الفاشيّة الاستيطانية والاستعمارية والعرقية، كما هو الحال في جنوب إفريقيا، التي وصفها جورج بادمور في ثلاثينيات القرن الماضي بأنها «أقدم دولة فاشيّة في العالم»، نجد أنفسنا أمام نسخة من تلك «الدولة المزدوجة» التي فككها المحامي الألماني اليهودي، إرنست فراينكل إلى «دولة القانون» للسكان المهيمنين، و«دولة الصلاحيات» على السكان المهيمن عليهم، حيث يمارس السكان المهيمنون «تعسفًا وعنفًا غير محدودين دون رادع بأي ضمانات قانونية على السكان المُهيمَن عليهم». كما نبهت أنجيلا واي ديفيس، في إشارتها إلى ممارسات الدولة التي تنذر بالإرهاب العنصري لبقية سكان الولايات المتحدة في بدايات السبعينيات، إلى أن حدود الفصل بين دولة القانون ودولة الصلاحيات هشة وقابلة للاختراق. 

يتجلى ذلك في إسرائيل اليوم، حيث يستخدم وزراء الحكومة ذريعة الحرب «لتعزيز اللوائح التي تسمح [لهم] بتوجيه الشرطة لاعتقال المدنيين أو إخراجهم من منازلهم أو الاستيلاء على ممتلكاتهم إذا كانوا يعتقدون [أنهم] نشروا معلومات يمكن أن تضر بالروح المعنوية الوطنية أو كانت بمثابة أساس لدعاية مغرِضة. في كتاباته في السجن حول التحرير الفلسطيني منذ عقود، تحدث المفكر الماركسي اليهودي المغربي، إبراهيم سرفاتي، عن وجود «منطق فاشي» في قلب المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني يتمثل في نزع الملكية، والهيمنة، والتهجير. وفي حين أنه من الممكن أن يتنصل الليبراليون من وجود مثل هذا المنطق، فإن لم تُفكك آلياته الأساسية إلى الأبد، فلا مفر من تكرار ظهوره بقوة في كل أزمة. يعبر اليمين الإسرائيلي المتطرف بوضوح وصوت عال عن آرائه في كثير من الجوانب المسكوت عنها في هذه القضية، ويتجلّى ذلك في انتقاداته اللاذعة ضد نفاق من يدعون التمسك بمبدأ حل الدولتين، والذي يتظاهرون بالالتزام به، فيما لا يسعون في الحقيقة لتحقيق ذلك أبدًا. في ظل تطبيع الاحتلال الفلسطيني وتصاعد وحشيته تجاه الشعب الفلسطيني، والنظر إليه بوصفه معضلة مستمرة لا حلول لها، يؤكد اليمين الاستيطاني والديني الفاشي على ضرورة استخدام العنف الهيكلي ضد الفلسطينيين ويحتفيان به، ويسعون إلى نزع الصفة الإنسانية عنهم، الأمر الذي يجعل من إسرائيل مشروعًا استعماريًا يتحدى جهود الليبراليين الذين فكروا في تخفيف وطأته أو تقليل آثاره دون جدوى. في إسرائيل، كما يحدث في كثير من الدول حاليًا، قد يبدو صعود الفاشية في البداية كتحول مفاجئ أو حدث استثنائي، ولكنه في الحقيقة ينبثق عميقًا من جذور الليبرالية الاستعمارية التي تعمل جاهدةً لتمكينه، ولكنها لن تدعم أبدًا أي مساع جادة نحو التحرير الحقيقي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن