تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«حوكمة التليفونات».. المنظومة التي لا يفهمها سوى «تنظيم الاتصالات»

«حوكمة التليفونات».. المنظومة التي لا يفهمها سوى «تنظيم الاتصالات»

كتابة: سارة محفوظ 8 دقيقة قراءة

بصورة مفاجئة، ودون إقرار فترة سماح، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ومصلحة الجمارك، أمس، إنهاء فترة الإعفاء «الاستثنائي» على الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، اعتبارًا من منتصف ظهر اليوم، مع استمرار إعفاء أجهزة المصريين المقيمين بالخارج والسائحين لمدة 90 يومًا فقط، عقب استيفاء الإجراءات المحددة في المنظومة «الجديدة»، التي تستهدف هذه المرة توطين صناعة الهواتف المحمولة بالسوق المحلي، بحسب البيان.

وفقًا للإجراءات المعلنة، يُعفى الهاتف المحمول الشخصي للمواطن المقيم بالخارج لمدة 90 يومًا مع كل زيارة لمصر، لكن يجب عليه أن يتواصل أولًا مع الخط الساخن أو أرقام «واتساب» المعلنة، وإرسال صور لجواز السفر وأختام الوصول إلى مصر، فضلًا عن ما يثبت إقامته في الدولة الأجنبية، قبل أن يتم إعفاء الهاتف للمدة المحددة بعد مراجعة المستندات.

أما بخصوص السائحين، فيُعفى الهاتف من سداد الرسوم تلقائيًا حال استخدام الشريحة الأجنبية بخط التجوال، أو إعفاء السائح من سداد الرسوم لمدة 90 يومًا تجدد مع كل زيارة لمصر عند شراء شريحة مصرية مخصصة للأجانب.

رئيس شعبة المحمول بالغرفة التجارية، محمد طلعت، وعضو مجلس إدارة شعبة المحمول بغرفة القاهرة، حمد النبراوي، استبعدا أن يؤثر القرار الأخير سلبًا على السوق، معتبرين أنه سيغلق الباب أمام حالة عدم الاستقرار التي شهدها سوق المحمول خلال العام الماضي، الذي تكرر فيه إلغاء «تنظيم الاتصالات» لإعفاءات أعلنها في مطلع العام، «الإعفاء وإلغائه ومشاكل التسجيل، كل ده كان بيعمل مشاكل للناس؛ التجار وأصحاب الموبايلات، بتوصل لمحاضر في الأقسام ومحلات بتقفل» يشرح النبراوي لـ«مدى مصر»، نافيًا حدوث أي ارتفاعات في أسعار الهواتف عقب صدور القرار، وهو ما أكده طلعت بدوره.

جاء قرار الأمس بعد عام من التخبط في تطبيق المنظومة الشفهية، في ظل عدم نشر نص رسمي لقرار الـ«حوكمة» عند إصداره، ما سمح بإجراء تعديلات دورية في المنظومة أسفرت عن موجتي إغلاق لأكثر من 110 آلاف هاتف محمول بأثر رجعي وبشكل مفاجئ، في يوليو وأكتوبر الماضيين، وإن أعيد فتح بعضها لاحقًا، مع استمرار إغلاق آخرين حتى سداد الضريبة.

بالتزامن مع موجتي الإغلاق، تحدث «مدى مصر» مع أعضاء في شعبة المحمول، ومحامين، وتقنيين، ومصريين بالخارج تضرروا من المنظومة، في محاولة لفهم القرار، حين فشلت كل محاولات التواصل مع «الجهاز» للحصول على توضيحات.

في يناير الماضي، أعلن «تنظيم الاتصالات» و«الجمارك» لأول مرة عن منظومة الحوكمة، مشيرين إلى استهداف تعزيز الحوكمة وتشجيع وتوطين صناعة المحمول في مصر، وإن اهتمت التصريحات الرسمية وقتها بشكل أوضح بالتصدي لظاهرة تهريب الهواتف، التي قدرها المسؤولون بنسبة تتراوح بين 80-95% من إجمالي الهواتف في مصر، مع التركيز على الانعكاسات السلبية لـ«التهريب» على العوائد الجمركية وصناعة الهواتف المحلية، دون مساءلة فعلية لكيفية تهريب هذا الكم من الهواتف ومن المسؤول عن ذلك.

وقتها أوضح الإعلان الرسمي أنه «لأول مرة» سيكون «لكل مواطن قادم من الخارج موبايل معفى للاستخدام الشخصي لفترة انتقالية لمدة 3 أشهر»، على أن يتم تسجيله «أون لاين» عبر تطبيق «تليفوني»، ودون الحاجة إلى موظفي الجمارك، فيما لم يتضمن أي إشارات لإعفاء كامل لأي هواتف.

في اليوم نفسه، أكد رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، على استثناء المصريين بالخارج من القرار الجديد «بالنسبة للمصريين بالخارج اللي بييجوا، هما مش هيدفعوا حاجة لأن ده راجل مقيم بره، وبيجي هنا بيقعد فترة وبيرجع، إحنا هنا بنتكلم على المواطن اللي ممكن كل شوية بيجيب جهاز، أي جهاز موجود النهارده قبل تطبيق القرار خلاص، ده ما بيحصلش فيه مشكلة، إنما اللي جاي كله ده اللي إحنا بنتكلم عليه، والنهارده هندي مهلة زمنية علشان توفيق الأوضاع بهذا الموضوع». 

بعد يومين من صدور القرار، وفي ظل جدل حول عدد الأجهزة التي سيتمتع المصريون بالخارج بإعفاء عليها، قال رئيس «تنظيم الاتصالات»، محمد شمروخ، إن القرار يتضمن إعفاء الهاتف الأول القادم من الخارج باعتباره استخدامًا شخصيًا، «مش هيدفع ولا مليم عليه إلى الأبد»، وأن الضريبة، وقدرها 38.5%، ستطبق بدءًا من الهاتف الثاني فقط.

استمر الأمر على ما هو عليه حتى يوليو الماضي، حين قرر «تنظيم الاتصالات» إيقاف 60 ألف هاتف بصورة مفاجئة وبأثر رجعي، ودون إعلان لمدة يومين، قبل أن يعلن إعادة فتح 47 ألفًا منها، بدعوى إيقافها للاشتباه في حدوث تلاعب، مع استمرار إيقاف 13 ألف هاتف ثبت حصولهم على إعفاء بالمخالفة للمنظومة، دون توضيح آلية إثبات وجود التلاعب، وإن أوضحت مقابلات أجراها «مدى مصر» مع أكثر من سبعة مصريين بالخارج، أن الإغلاق طال بشكل أساسي الهواتف التي جرى تشغيلها بشريحة مصرية بعد إعلان القرار، وقبل تسجيلها في المنظومة الجديدة.

رغم التشابه بين أوضاع من فُتحت أجهزتهم ومن استمرت مغلقة، لم يكن رد فعل «تنظيم الاتصالات» واحدًا مع للجميع، فبينما أعاد تشغيل هواتف البعض، اضطر مصطفى زين الدين، المقيم في الخارج، إلى دفع 13 ألف جنيه ضريبة على هاتف اشتراه من الخارج، ولم يستخدمه في مصر سوى أيام معدودة، «للأسف اضطريت أدفع علشان أعرف أوصل لحساباتي البنكية ومعاملاتي في مصر اللي كلها مربوطة برقم الموبايل المصري»، حسبما قال لـ«مدى مصر» وقتها.

مع بدء موجة الإغلاق الأولى، وخلال حديثه مع «مدى مصر» حذر مهندس مصري متخصص في تكنولوجيا الاتصالات، يعمل بالخارج، من التبعات السلبية لتطبيق المنظومة بصورتها الحالية على المصريين بالخارج ومعاملاتهم، موضحًا أن «كل مصري برة بيحتاج يستخدم خطه المصري بشكل دوري علشان ما يتوقفش. الشريحة مربوطة بالحسابات في البنك وإنستا باي والبوابات الإلكترونية بتاعت الحكومة». وتابع متسائلًا: «لو تليفوني باظ وجبت موبايل واضطريت أشغله برة، وحطيت فيه خط مصري، وما نزلتش مصر خلال 3 شهور، فمش هعرف أسجله، فهيتقفل عليا؟!».

بحسب تصريحات النبراوي لـ«مدى مصر» وقتها، شمل تطبيق القرار أجهزة سبق دفع ضريبتها أو حصلت بالفعل على إعفاء، ما دفع عددًا كبيرًا من أصحاب محلات بيع الهواتف المحمولة إلى إغلاق محالهم احتجاجًا على القرار، وهروبًا من المستهلكين الذين فوجئوا بفرض ضرائب على هواتفهم رغم إعفائها بالفعل، ليطالبوا أصحاب المحال بتحمل تلك التكاليف.

وبعدما هدأ الحديث نسبيًا مع إعادة «تنظيم الاتصالات» فتح أغلب الأجهزة التي تم إيقافها، أعاد الجهاز الكرة بعد نحو ثلاثة أشهر.

في أكتوبر الماضي، وبشكل مفاجئ، أنذر الجهاز أصحاب نحو 60 ألف جهاز آخر، بالإغلاق حال عدم سداد الضريبة، والتي شملت هواتف سبق التحقق عبر تطبيق «تليفوني» من عدم وجود ضريبة عليها، وتمحور التحرك الحكومي وقتها حول إلغاء الإعفاء للهواتف التي اشتراها مصريون من أجانب، داخل مصر، على مدار العشرة أشهر الأولى من 2025، حسبما أوضح رئيس شعبة المحمول لـ«مدى مصر». 

وفي تصريحات تلفزيونية وقتها، قلل المتحدث باسم «تنظيم الاتصالات»، محمد إبراهيم، من تأثير القرار، معتبرًا أن الأجهزة المغلقة في تلك المرة لا تمثل 1% من إجمالي الهواتف في مصر. في المقابل، اعتبر نائب رئيس شعبة المحمول، وليد رمضان، في البرنامج نفسه، أن تلك القرارات «مؤثرة بشدة على التجار والمستهلكين»، لافتًا إلى مخالفة الجهاز للتعليمات التي سبق وأقرها حين طالب المواطنين بتفقد حالة الجهاز على «تليفوني» لمعرفة إذا ما تم إعفاؤه أم لا.

وبينما تمسكت شعبة المحمول وقتها بتوثيق الإعفاء عبر «تليفوني»، كما أقر الجهاز منذ إصدار المنظومة، تنصل إبراهيم من موثوقية نتائج التطبيق الحكومي، مؤكدًا أنه لا يُعتد به ولا يُعترف بنتيجته، وأن «تنظيم الاتصالات» شدد منذ اليوم الأول على أن «تليفوني» إحدى الوسائل المتاحة فقط، لكن من المهم الحصول على فاتورة ضريبية لضمان حق المستهلك، قبل أن يتابع «دي أموال دولة لا يجوز التنازل عنها».

وفي كل مرة غير فيها «تنظيم الاتصالات» منظومته الشفهية غير المعلنة، لجأ لاستخدام عبارة محددة: «القواعد واضحة منذ بداية العام»، في حين تؤكد كل الأطراف الأخرى، وعلى رأسها شعبة المحمول، على عدم وجود قرار واضح، «مفيش قرار شفناه، وكلها تعليمات شفهية بنسمعها زينا زي أي حد» كما سبق وقال طلعت لـ«مدى مصر».

وسط تلك التغييرات الدورية، وردًا على سؤال من «مدى مصر» عن قانونية الإجراءات وتغيراتها الدورية، في ظل غياب قرار منشور، قال المحامي حسن الأزهري: «وارد يكون فيه قرار وغير منشور، وده بقى دارج جدًا مؤخرًا، لكن علشان نقول إنه قانوني أو غير قانوني لازم نطّلع عليه، ولحد دلوقتي مش واضح آلية المنظومة إيه».

وتابع: «فيه لغط كبير بخصوص المنظومة، والجهاز مش بيقول حاجة، قبل كده لما كان بيبقى فيه شخص متضرر من قرار ما، كنا بنلجأ لتقديم طلبات للحصول على صور من القرار لمطابقتها بالحالة، لكن دلوقتي ده ما بيحصلش، وحتى لو قدمنا الطلب الجهاز مش هيرد».

بين موجتي الإغلاق الأولى والثانية، وتحديدًا في أغسطس الماضي، شهدت رسوم التسجيل الجمركية لهواتف «أيفون» قفزة مفاجئة تجاوزت 50% لبعض الإصدارات، إذ ارتفعت الضريبة على «أيفون 11» من 3700 إلى 5600 جنيه، فيما ارتفعت من 4800 إلى 7159 جنيهًا لـ«أيفون 12»، كما زادت ضريبة «أيفون 16 برو ماكس» من 20 ألفًا إلى 26 ألف جنيه. 

هذه الزيادة أرجعها طلعت إلى رفع «الجمارك» الأسعار الاسترشادية للأجهزة، رغم انخفاض أسعارها عالميًا، وهي الأسعار التي تطبق على أساسها نسبة الرسوم، حسبما أوضح لـ«مدى مصر».

حمد من جهته حذر من ممارسات احتكارية محتملة في أسواق الهواتف المحمولة بمصر، خاصة مع توسع المصانع في إنشاء منافذ بيع خاصة بها لمنافسة تجار التجزئة، بما يمكنها من السيطرة على الأسواق، خاصة مع قصر استيراد الهواتف على الوكلاء فقط، وأغلبهم من أصحاب المصانع. 

من جهته، أوضح رئيس شعبة المحمول أنه «علشان تستورد لازم يبقى عندك على الأقل مركز صيانة أو مراكز صيانة وده بيبقى عند الوكيل بس»، مبديًا تخوفه بدوره من احتمالية ظهور ممارسات احتكارية في سوق المحمول بالبلاد، خاصة مع ارتفاع أسعار الهواتف المصنعة محليًا مقارنة بمثيلاتها في الدول الأخرى، «مثلًا، في أحد موديلات سامسونج المصنعة في مصر بيتباع هنا بحاجة وستين ألف جنيه، لو جبتيه من السعودية مثلًا هيبقى بـ40 ألف جنيه، فكده فيه فرق حوالي 20 ألف جنيه على الأقل في نوع موبايل مصنع محليًا وواخد تسهيلات، والمفروض ما عليهوش جمارك ورسوم».

ليطالب طلعت بإعادة النظر في عمليات تسعير الهواتف المصنعة محليًا، وهوامش أرباحها المرتفعة، قائلًا: «في الأول كنا ما بنتكلمش في هوامش الربح العالية، علشان بنقول صناعة جديدة ومحتاجة تقف على رجليها، إنما أنت دلوقتي بقيت مستقر، فمحتاج إعادة نظر في التسعير».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن