ما الذي تخبرنا به أزمة استرداد أموال «بيت الوطن»؟
عزمي* مدرس لغة عربية ومواطن مصري، شدّ الرحال قبل 25 عامًا إلى إحدى دول الخليج للعمل مدرسًا، وبعد أن كوّن «خميرة» جيدة، وجد نفسه أمام خيارات عدة، وسط أصدقاء يرجحون استثمارها في القطاع العقاري بدبي أو تركيا، لتحقيق عوائد جيدة.
لكن عزمي اختار أن يبيع ممتلكاته ويضع تحويشة عمره إلى جانب تحويشة عمر أصدقائه المصريين، ليستثمرها في مشروع «بيت الوطن»، الذي صُمم خصيصًا للمصريين بالخارج، ويمنحهم حق الحصول على قطع أراضٍ مقابل سداد قيمتها بالدولار.
تبتكر الحكومة وسائل غير تقليدية للاستعانة بقرابة 12 مليون مصري في الخارج، لتوفير موارد دولارية إضافية إلى جانب تحويلاتهم المعتادة، سواء عبر مشروع «بيت الوطن»، أو مبادرة استيراد السيارات، دون وجود إطار واضح ومستدام لتنظيم هذه الموارد واستغلالها.
خلال العقد الماضي، شكّلت الأراضي المصدر الأبرز للريع لدى الدولة، خصوصًا في أوقات أزمات النقد الأجنبي، بدءًا من صفقة بيع منطقة رأس الحكمة، التي تجاوزت مساحتها 170 كيلومترًا مربعًا مقابل 35 مليار دولار، لدفع الاقتصاد بالكاد خارج عنق زجاجة الأزمة الدولارية الطاحنة، وصولًا إلى بيع قطع أراضٍ صغيرة تتراوح مساحتها بين 400 و800 متر مخصصة للمصريين بالخارج مقابل «فكة من الدولارات».
دفع عزمي وشريكاه، منذ عشرة أشهر، 80 ألف دولار للحكومة المصرية للحصول على قطعة أرض ضمن الطرح العاشر للمشروع، دون أن يستلموا القطعة أو يستردوا أموالهم حتى الآن، علمًا بأن المبالغ ستُعاد إليهم دون أي فوائد، الأمر الذي أثار استياء وغضب بعض المصريين المُغتربين، الذين اعتبروا ما يحدث «إهمالًا وتطفيشًا».
أُثيرت أزمة استرداد أموال مُقدمات الأراضي المدفوعة بالدولار، مطلع أكتوبر الماضي، حين خصص الإعلامي عمرو أديب فقرة للحديث عن حالة استياء واسعة، خلال مداخلة مع المتحدث باسم وزارة الإسكان، عمرو خطاب، الذي اكتفى بالإشارة إلى وجود آلية رسمية لاستراد الأموال عبر إرسال بريد إلكتروني، دون أي توضيحات أخرى.
تحدث «مدى مصر» إلى عدد من المصريين في دول خليجية، ومُسوقيّن بشركات تطوير عقاري ومقاولات صغيرة نشطة بمناطق طروحات «بيت الوطن»، خصوصًا شرق القاهرة، إضافة إلى مصادر من جمعية مطوري العقار، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، في محاولة لفهم أزمة استرداد أموال الحوالات التي تكررت في الطروحات السابقة، لكنها تسببت هذه المرة في ضجة أكبر.
بحسب تصريحات وزير الإسكان العام الماضي، استطاع «بيت الوطن» أن يدر نحو 7.3 مليار دولار، وفي الوقت نفسه وفر طريقًا للتربح السريع أمام السماسرة الذين أتقنوا لعبة الطروحات. وتشير المصادر إلى أن حصة هؤلاء السماسرة المحسوبين على «المصريين بالخارج» تتراوح بين 50-90% من إجمالي المُتقدمين، وقد تحول بعضهم إلى مقاولين لا بأس بحجم أعمالهم في مصر، بفضل طروحات هذا المشروع.
إلى جانب هؤلاء، هناك مصريون بالخارج «بيروحوا في الرجلين»، وسط هذا الهرج والمرج في الطروحات، بحسب أحد المصادر.
الطرح يشبه «ماراثونًا» يبدأه من تنطبق عليه الشروط: مصري بالخارج يملك دولارات. يختار المتقدم قطعة الأرض (أو أكثر، حيث تسمح المبادرة بحجز أكثر من قطعة)، بعد أن تطرحها الحكومة عبر منصة إلكترونية تتضمن خرائط المناطق، وتقسيم القطع وأرقامها وقيمتها وقيمة المُقدم المطلوب، ليحصل على كود حجز مبدأي يعد بمثابة رقمه التعريفي طوال الماراثون.
تُعلن هيئة المجتمعات العمرانية لاحقًا عن فتح باب استقبال الحوالات خلال فترة مُحددة، ليستخدم المُغترب أو السمسار الكود لدفع مقدم القطع التي يرغب في حجزها.
بعد فترة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، يُصدر البنك المركزي تقريرًا يُرتب فيه جميع المتقدمين، ثم تتولى الهيئة لاحقًا، وبشكل يومي، التخصيص النهائي لأعداد تتراوح ما بين 100 إلى 500 مُتقدم يوميًا، وفقًا للترتيب.
يُحسم التخصيص النهائي بناءً على أسبقية وصول الحِوَالة إلى الحساب البنكي التابع للهيئة والمُخصص للمشروع، فإذا تنافس أكثر من شخص على نفس القطعة، تُخصص لصاحب أول حِوالة، وفي حال لم يتمكن المتقدِم من الحصول على القطعة التي رغب فيها أول مرة، يمكنه الاطلاع مُجددًا على الخرائط التي تُعرض فيها القطع المتبقية، في نظام يُشبه حجز المقاعد بالسينما. وإذا توافرت قطعة لم يتقدم إليها أحد، تُخصص له بشرط أن يكون المُقدم المطلوب لها مساويًا للحوالة الأولى أو أقل، ولا يزيد عليها.
إذا لم يجد المتقدِم قطعة مناسبة، يمكنه رفض التخصيص وانتظار ما يُعرف بالطرح التكميلي، الذي يتضمن أراضي سبق تخصيصها، لكنها سُحبت لعدم التزام أصحابها بالسداد أو باشتراطات الحصول على تراخيص أو البدء في البناء، إلى جانب قطع لم يرغب بها أحد من طروحات سابقة أو قطع جديدة.
بعد انتهاء عملية التخصيص، ينتظر المُغترب مرحلة الاستلام، التي ترتبط بانتهاء عمليات ترفيق الأراضي، أي توفير الخدمات من إمداد الطرق وتوصيل الكهرباء والمياه وغيرها من المرافق الأساسية.
خلال هذه المرحلة، تتباين اختيارات المصريين بالخارج، بين قلة تنتظر الاستلام لبناء منزل عائلي، وآخرين يتلقون عروضًا من مقاولين صغار يشترون منهم الأرض مقابل تعويضهم عن المُقدم المدفوع، إضافة إلى ما يُعرف بـ«الأوفر»، ثم يستكمل المقاول سداد الأقساط، ويستلم الأرض، ويبدأ البناء واستخراج التراخيص، ومن ثم بيع الوحدات.
أما السماسرة، الذين يشكلون الحصة الأكبر من المنتفعين بالمبادرة، فيبيع بعضهم الأراضي التي حصلوا عليها إلى مقاولين، أو يتحول آخرون منهم إلى مقاولين، إما بشكل غير رسمي أو عبر تأسيس شركات صغيرة في مصر. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مجموعات على «فيسبوك» لإعلانات شركات «تطوير عقاري» تبيع وحدات بمشروع «بيت الوطن».
هؤلاء السماسرة، ومن تحول منهم إلى مقاولين ينفذون عبر المشروع إلى فتات «فورة العقارات» التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة، أما الأفراد فيحصلون على عوائد سريعة، باعتبار أن المُقدم الذي دفعوه يعد استثمارًا. ويختلف العائد أو «الأوفر» بحسب موقع قطعة الأرض، ويبدأ بمليون جنيه ويصل إلى ثمانية ملايين جنيه على القطعة الواحدة بالمناطق المُتميزة، التي تقع عادة في شرق القاهرة والشيخ زايد ودمياط الجديدة.
الضجيج حول استرداد الأموال لا يرتبط غالبًا بالرغبة الفعلية في استردادها، «لا أحد يريد أن يسترد أمواله»، هذه جملة كرّرها عدد من المصادر سواء مغتربين أو مسوقيين عقاريين، لأن ذلك يعني حبس أموالهم لفترة ثم استعادتها دون أي عوائد، إذ لا تدفع الحكومة فوائد على استمرار وجود الأموال بحوزتها حتى لو لم يحصل المُتقدم على أرض.
ومع مرور الوقت تتزايد الرغبة في الحصول على الأرض كتعويض عن حبس هذه الأموال طوال تلك الفترة، بحسب مصريين بالخارج بعضهم حصل على قروض من بنوك بالدولة التي يعيش فيها أو دخل في شراكة مع مستثمر خليجي.
لكن هناك من يرغبون بالفعل في استرداد أموالهم، سواء بالكامل، أو جزئيًا إذا كانت قيمة الحوالة أكبر من مقدم الأرض، هؤلاء غالبًا يدخلون في متاهات. يروي أحدهم أنه سافر مصر إجازة لمدة أسبوع، قضى يومين في التوجه إلى العاصمة الإدارية ذهابًا وإيابًا لمقابلة مسؤولين بالهيئة لمعرفة الحساب الذي ستُردّ إليه حوالته، دون جدوى. ويشير إلى أن جميع الموظفين أوصوه بإرسال بريد إلكتروني بخصوص أي استفسارات، لكن المصادر أكدت أن هذه الرسائل لا تتلقى ردًا.
يقول مصدر من جمعية التطوير العقاري، اشترط عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر»، إن الجدل حول الاسترداد يثيره عادة سماسرة ومقاولون، لديهم علاقات جيّدة بشخصيات نافذة، للضغط على الحكومة من أجل طرح أراضٍ في مناطق بعينها مثل القاهرة الجديدة أو الشيخ زايد أو دمياط الجديدة، لتحقيق أكبر عائد ممكن.
وقد طُرحت أراضي «بيت الوطن» في 24 مدينة، تُشكل المدن الواقعة ضمن نطاق القاهرة الكبرى نحو 55% منها، كما استحوذت هذه المدن على العدد الأكبر من قطع الأراضي المطروحة بفارق كبير عن باقي المحافظات.
وفي أكتوبر الماضي، طرحت وزارة الإسكان، طرحًا تكميليًا إضافيًا بنحو 6800 قطعة أرض، معظمها تركز في مناطق خارج القاهرة، مثل أسوان ومحافظات أخرى بالصعيد.
يرى عدد من المسوقين والمغتربين أن الحكومة توفر القطع للطروحات القادمة باعتبارها «الطُعم» الذي يجذب حوالات المصريين بالخارج، الذين يعلقون آمالهم بأن تُخصص لهم قطعة أرض بهذه المناطق لتحقيق عائد كبير وسريع.
في المقابل، يوضح مصدر من هيئة المجتمعات العمرانية، لم يرد ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» أن الأراضي المُتبقية في القاهرة الجديدة باتت محدودة، وأن الهيئة تمتلك خططًا طويلة الأجل تتعلق بترفيق الأراضي، تُراعي التوازن الجغرافي، «فلا يمكن أن تتركز كل مخططات الترفيق في القاهرة الكبرى وتحديدًا شرقها»، يقول المصدر، ويضيف أن الحكومة في بعض الأحيان كانت تستجيب للضغوطات وتطرح أراضٍ دون ترفيق، ويتم الاستلام وتُشيّد البنايات، فيما لا يستطيع أصحابها بيعها بسبب غياب المرافق.
الباحث العمراني، يحيى شوكت، يرى أن هذا النمط يحول الهدف من الشراء إلى الاستثمار والمُضاربة، في ظل غياب البُعد الاجتماعي الأساسي الذي يقود إعادة توجيه السكان، وهو ما يؤكده أيضًا المسوقون العقاريون بشركات التطوير العقاري الصغيرة العاملة بمناطق مشروع «بيت الوطن»، خاصة القاهرة الجديدة، «الغالبية بتشتري عشان تبيع وتاخد الأوفر»، حسبما يقول أحدهم.
اتجاه الهيئة إلى «الدولرة» يُفاقم أسعار الأراضي ومن ثم الوحدات العقارية، ما يخلق منافسة شرسة بين القدرة الشرائية للمصريين بالخارج أو المشترين الأجانب، والمصريين بالداخل الذين يتقاضون دخولهم بالجنيه المصري، ما يُنتج أثرًا غير عادل، كما يرى شوكت، وينعكس على الحق في السكن.
يرى كل من شوكت والباحث الاقتصادي بالجامعة الأمريكية، عمرو عدلي، أن من الضروري التفكير في خطط لاستغلال مدخرات المصريين بالخارج الباحثين عن استثمار يُتيح لهم دخلًا عند تقاعدهم، عبر إنشاء صناديق للاستثمار لا تركز على القطاع العقاري مرة أخرى.
* اسم مستعار
تقارير ذات صلة
«حوكمة التليفونات».. المنظومة التي لا يفهمها سوى «تنظيم الاتصالات»
جاء قرار أمس بعد عام من التخبط في تطبيق المنظومة الشفهية
المصريون في السودان والبحث عن مَهرب
بخلاف خيارات الفرار المختلفة، هناك من لا يزالون عالقين
لغز قضية المصريين النوبيين في السعودية
لا أحد من عائلات المحكومين يفهم المنطق وراء كل ما حدث
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن