حوار| يوسف رخا: الشعر حي ويؤثر فيك ولو بعد ألف عام
في كتابه «ولكن قلبي.. متنبي الألفية الثالثة»، الصادر مؤخرًا عن دار التنوير، يقدم الشاعر والكاتب يوسف رخا تجربة جديدة في الكتابة والقراءة على حدٍ سواء. ثمة توقع دائم للمغايرة والفرادة مع كل عمل جديد ليوسف رخا. تمثلت مغايرة رخا هذه المرة في الرجوع إلى العصر العباسي واللقاء مع المتنبي، شاعر العربية الأعظم.
يُقسِّم رخا الكتاب إلى جزأين، «الديوان» و«الشرح». يتكون الديوان من عشرين نصًا شعريًا قصيرًا، كل من النصوص بمثابة تناص أو معارضة مع بيت منتقى من ديوان المتنبي، أو ترجمة شعرية لذلك البيت. «الشرح» نص سردي طويل يلي القصائد. يحكي رخا فيه عن «رحلة التداوي»، كما يسميها، من أزمته النفسية والحياتية، وعلاقته مع ديوان المتنبي.
ورغم سمة المغامرة والتجديد الثاوية في الكتاب، فإن القارئ ربما يظن أنه مجرد عمل ثانوي وسط منجز رخا الكتابي حتى الآن. أي أنه تجربة طارئة أملتها الظروف الحياتية، أو مشروع تدريبي من أجل العودة للكتابة الشعرية. لكن الكتاب يطرح معظم الأسئلة المؤرقة التي رافقت الكاتب عبر أعماله الروائية والشعرية. رخا نفسه يقول، في هذا الحوار، إنه يعتبر هذا الكتاب ومعه «كتاب الطغرى» (الرواية الصادرة عام 2011 عن دار الشروق) العملين الأكثر أهمية ومركزية ضمن أعماله كافة.
تَقَابلنا في الدقي، «حيث ولد الشعر المصري السري»، كما يقول يوسف الفتيس، أحد أبطال رواية رخا «التماسيح». تطرق الحوار إلى ما هو أبعد من الكتاب الجديد، وحاولنا عبر حديثنا طرح أسئلة الشعر والثورة والأسلوب، وإعادة النظر في العلاقة بالتراث، وأيضًا نقد الشرط/الخطاب الثقافي المعاصر.
عن الشعر والحقيقة وتغيير العالم
يؤكد رخا في البداية أن المقصود بـ«الشعر» هو الخطاب الأدبي بمجمله، وأنه لم يقصد، بحديثه في الكتاب، «الشعر» كنوع أو جنس أدبي، أو مجرد الشكل الشعري ممثلًا في القصيدة. لهذا يقول في «الشرح»: الحقيقة أني أرى الأدب كله شعرًا، ولولا الشعر ما كنتُ كتبتُ أي شيء. يطرح «الشرح»، كنص سردي، رؤية جدلية عن مكان الشعر في العالم ومعنى الحقيقة. «الشعر يغير العالم وهو يقول الحقيقة، «لكن لا مكان للحقائق الحرفية في الشعر»، كما يقول رخا في الكتاب.
سألت رخا عن الحقيقة والمجاز في الشعر، وعن كيفية تغيير العالم من خلال الأدب.
رخا: الشعر الذي أقصده هو الكلام في استخدامه الأدبي. صار الكلام مبتذلًا وممتهنًا. ومع مرور الزمن وتسارع المعلومات، أتصور أن الكلام قد صار أقل قيمة إذا قارناه بالخبرة العاطفية مثلًا أو بأي فعل أو تجربة إنسانية.
لكن، في الشعر أو الخطاب الأدبي يصبح للكلام جدوى. ويمكنه أن يقوم بدور في تحديد علاقتك بالحقيقة وليس بالضرورة في «نقل» الحقيقة أو تعيينها في ذاتها. في الأدب يقوم الكلام بالوساطة بين الوعي الذاتي والواقع، بشكل أكثر شفافية وصدقًا، من أشكال وأنماط الكلام الأخرى أيًا كانت.
في الخطابات الأخرى، يكون الكلام في خدمة/صالح غرض آخر. في تلك الحالات السياسية أو الإيديولوجية أو المعرفية، الكلام «يستعبد» اللوجوس/اللغة من أجل تلك الغايات، بينما يتبدل الأمر في الخطاب الشعري الحقيقي، حيث الكلمة هي التي تستخدم العالم، اللغة تستخدم الظواهر بدلًا من خضوعها لسيادة غايات تلك الظواهر، وبالتالي يسترد الكلام قيمته من جديد».
- كأن الكلمة عند رخا هي ضمان الحضور الكلي/الكامل للعالم. وتصير مهمة الشاعر الرجوع باللغة إلى حالة براءة ما قبل السقوط، إلى لسان آدم الذي كانت كلماته تبعث الحياة في الأشياء.
أتخيل أنها فكرة رومانسية، أو مرتبطة بالشاعر الرومانتيكي. هل تقصد فكرة «مركزية اللوجوس» أو أن العالم متمركز حول الكلمة Logocentric، أو ربما في تماثلها مع رؤية الناقد والفيلسوف فالتر بنيامين حول اللغة والحداثة؟
رخا: تتضمن رواية الطغرى الآية القرآنية «وعلم آدم الأسماء كلها»، وهي دلالة على طريقة نشوء وعي الإنسان من خلال كلامه. لا أستبعد تأثيرات رؤى بنيامين، لكن لا علاقة بينها وبين الرومانتيكية.
الرومانسية كانت تتخذ من ذات الشاعر نفسه، لا كلماته، مركزًا للعالم. عند الرومانتيكيين رؤية للشعر بوصفه فوق الكلام، في نظرة قريبة من مفهوم «اللوح المحفوظ». أرى خلاف ذلك. في الشعر أو الأدب الحقيقي، الواقع هو الكلام، ومن ثم يصبح للكلام معنى، ويصبح من الممكن أن نتواصل. إلا أن هذا لا يعني وجود حقيقة نهائية متفق عليها ويتمثل دور الشعر في نقلها. يمكننا أن نتواصل الآن أثناء حديثنا، لكن التواصل في الأدب على مستوى أعمق بكثير، وأيضًا أقل فردية. الشعر سعي أصدق من أجل التواصل.
عن التكلف والخفة
تؤكد رؤية فالتر بنيامين إلى الفن الحداثي على إمكانية توظيف الغموض بوصفه استراتيجية واعية.« إنه إحدى وسائل تجنيب العمل الفني أن يُستهلك بمنتهى السهولة. فالأشعار تحتاج إلى تغليظ قوامها وتخليط مبناها إذا لم تشأ لمكانتها الانحدار سريعًا، شأن مصير السلعة. إذ لم تَعُد اللغة اليومية وسيطةَ الحقيقة. لقد انتهت صلاحيتها وصارت مبتذلة»، كما يرى بنيامين.
مع قراءة القصائد، رأيت استراتيجية قريبة الشبه عند رخا.
تعمّد رخا الصعوبة والإبهام والإغراب، في نوع من «التكلف»، مع اختيار بعض الألفاظ «المهجورة» أو «غير المطروقة» مثل «زهمة» و تعبير «أي زلفى» أو مثلما يقول في إحدى القصائد: «وكنت وساحات الوغى تنتزعني كلما ودعت خصمًا حررت صفحة بالنجيع». في الوقت نفسه، تتجاور بجانب مثل هذه السطور تعابير تتميز بـ«الخفة» وتضفر كلمات أجنبية وعصرية: «وعكرتني الخطوب فلم لا أسوق بي إم دبليو؟»، «ونحن لسنا سوى المادة الخام لإعلانات السوشيال ميديا». وكما يُعرّفنا رخا أن المتنبي «يتكلف»، وأن «في تكلفه خفة»، رأيت أنه حاول موازاة أو محاكاة هذه الثنائية «التكلف والخفة».
سألته: هل كانت ثنائية التكلف والخفة مجرد توظيف لإحدى سمات المتنبي الشعرية أم وسيلة للهرب من «زمنه الشعري» و«شروطه المضحكة»، على حد تعبيره، وهل لم يتخوف من صعوبة قراءة القصائد خارج سياق كونها معارضة لبعض أبيات المتنبي؟
رخا: لا أراه تعمدًا. الأمر يشبه أن تترك نفسك لحالة معينة، وتتماهى مع هذه الحالة وتلك اللغة. ومع هذه المعايشة يحدث نوع من الاكتشاف والتعلم. بعض الألفاظ التي استعملتها كانت غريبة بالنسبة لي أيضًا. وجزء من فكرتي عن الشعر كذلك هي قول العادي بكيفية غريبة.
كانت الفكرة أثناء عملية الكتابة الإبداعية أن تترك نفسك، سواء أمام احتمالية دخول الألفاظ والمفردات القديمة الغريبة أو دخول التعبيرات المعاصرة والألفاظ الأجنبية.
لذلك، كنتُ واعيًا بالطبع لأهمية جزء «الشرح» نظرًا لصعوبة النصوص، وعدم إمكانية وجودها بمفردها. تحتاج النصوص في علاقتها بأبيات المتنبي إلى سياق أدبي مرتبط بها، وهذا ما يوفره «الشرح». على مستوى آخر، يتيح الشرح حدوث التوازن في قراءة الكتاب، عن طريق المزج بين الصعوبة والسلاسة.
- بالإضافة إلى اللعب على تجاور التعبيرات القديمة مع العصرية، كانت أجمل الجمل الشعرية في النصوص هي تلك الأبسط تكوينًا، والأبعد عن الثراء بالمعنى المعجمي. مثل قولك: «أنا لست ما ظننتني أعرف أنه أنا أو أريد أن أكونه. أنا هذا البكاء»، وأيضًا «ولكن قلبي سمكة والحب كالتاريخ»، وغيرها.
لكن تلك الجمل لم يكن من الممكن أن تخلق تأثيرها لولا وجود جمل غيرها تتميز بالصعوبة. كأنها تخلقها». حين سألني الصحفي والشاعر، محمود عاطف، في إحدى الندوات إذا كانت لغة «ولكن قلبي..» ستستمر معي، أو سأستعملها في أعمال قادمة، أجبت: لا. لكن هناك شيئًا غريبًا يحدث حين تقرأ التراث أو تتماهى معه لفترة طويلة -وليس في حالة المتنبي فقط- ثم تود أن تكتب. حتى لو تعمدت الكتابة بشكل يخلو من الإغراب أو التكلف، فإن ثمة شيئًا قد اختلف. ربما في الصياغة أو -ولا أريد أن أدعي ذلك عن نفسي- في براعة الصياغة نفسها. براعة لم تكن متاحة من قبل. يظهر ذلك بشكل مباشر، في الجمل البسيطة التي تأتي صياغتها محملة بمعانٍ قوية بسبب وجودها في نص على علاقة ببلاغة عالية.
- أظن أني وضعت يدي على مستوى أعمق من الموازاة البلاغية التي تُقيمها مع أبيات المتنبي. فكما قلت في الكتاب إن قارئ المتنبي يحتاج أن يصبر على «أشياء ليست باهرة» وكلمات تحتاج إيضاحًا، وتدخل في إيقاع رتيب حتى تصل إلى بيت يضربك في وجهك». لولا الإبهام الذي يسبق تلك الجمل أو السطور لم أكن لأتذوق حلاوة الكشف هذه، أليس كذلك؟
رخا: طبعًا. وتلك هي تجربة قراءة. تمثل النصوص العشرون تجربة في قراءة المتنبي. تجربة من خلال كتابتي الإبداع وليس النقد أو الحديث عن خبرة القراءة. هناك سؤال مطروح دومًا، سؤال في غاية الصعوبة، يتعلق بكيفية الحديث عن خبرة القراءة نفسها في متابعات ومراجعات الكتب والأعمال الإبداعية. من النادر أن تجد حديثًا عن خبرة قراءة الأعمال التي أثرت فينا. السؤال الذي أطرحه دائمًا في الفن عمومًا هو كيف نكتب عن خبرة «التلقي»؟ من الممكن أن تكتب من الخارج، عن الشكل والمضمون وعناصر العمل، ولكن كل ذلك لا علاقة له بالحالة نفسها. لذلك أرى من ضمن الحلول الممكنة لهذا السؤال: أن تُبدع.. أن تصنع إبداعًا موازيًا أو على علاقة بالعمل الذي أثّر فيك، يظهر من خلال ما تلقيته من العمل.
الإحباط من الشعر المعاصر
قررتُ إرجاء السؤال عن خبرة التلقي و التقاطع الذي رأيته مع كتاب مثل «كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك». إذ أن الأهم هو الحديث عن أسباب الرجوع إلى المتنبي.
- تتحدث عن إحباطك من الشعر المعاصر، وتصفه بأنه ليس إحباطًا شخصيًا، وإنما «سأم من حدود الممكن».. ما أسباب الإحباط من الشعر المعاصر تحديدًا أو ما هي سمات هذا الممكن وحدوده الجمالية؟
رخا: للإحباط مستويات متعددة. وأتصور أن ما أتكلم عنه في الكتاب بشكل واعٍ ومباشر يتعلق بالحالة الشعرية أو الوسط/الفضاء الأدبي، وما اكتشفته في العالم/الفضاء الأدبي الموازي بإنجلترا وأمريكا لمّا انتقلت للكتابة بالإنجليزية بجدية أكبر، أي عندما حاولت أن أحفر لنفسي مكانًا هناك. اكتشفت أن الوضع لا يختلف كثيرًا عن الحالة العربية، بل على العكس، ربما يكون الوضع أسوأ بكثير، خاصة بالنسبة إلى من لا ينتمي إلى البيئة هناك، سواء بالمولد أو الهجرة.
يرتبط الإحباط بما قلناه سابقًا عن اللغة، فالأدب في أمريكا يتحول إلى مادة دعائية، وهذا ما نستورده الآن. ويمكننا القول إن أي خطاب في المجتمع الرأسمالي هو مادة دعائية.
ومن شبه المستحيل وجود مساحة لخطابات تتجاوز مسألة كسب الربح. وأتصور أنه في أيامنا هذه تُقنن خطابات الأدب بشكل مفزع بالنسبة لي، كما يحدث في أمريكا مثلًا.
لا تُجزى الأعمال الآن على جودتها الأدبية، أو حتى على تأثيرها الإنساني، وإنما تُقيّم على أساس الدور الذي تلعبه في قضايا بعينها. وليست بالضرورة قضايا هوياتية في مجملها. فالأدب النسوي حين لا يكون خطابه مباشرًا فإنه لا يلعب دوره في «القضية». في الوقت نفسه، يُحتفى بالعديد من الأعمال الأدبية لأن النساء هن من يكتبنها.
اكتشفت مثلًا أن إحدى المترجمات، التي تترجم من العربية للإنجليزية وموهوبة للغاية، لديها قاعدة مفادها أنها لا تترجم إلا لكاتبات نساء. ويتركز خطابها على فكرة «الشاعرات النساء». وفق حساسيتي ونظرتي للعالم، أرى أن مثل تلك الأفكار ليست إشكالية أدبيًا فقط، وإنما «مُهينة» للنساء أيضًا. التفكير وفق منطق الكوتة لا يُعد نصرة للمرأة وإنما احتقارًا لها. على هذا الأساس يتشكل «الإحباط».
- وعلى مستوى النص الأدبي نفسه؟
تلك قصة أخرى. معظم النصوص المعاصرة المكتوبة بالإنجليزية المُحتفى بها، والتي يصلك صداها، تنطوي على ما سبق. وبالتالي فإنها تحمل عيوب منطلقاتها رغم جودة بعضها على مستوى الكتابة. كما تشعر أنه قد فُرض عليك نسقًا محددًا، أو أن ثيمات بعينها هي وحدها المقبولة.
أما المكتوب بالعربية، وهو الأهم بالطبع، فإن بشاير الاختلاف التي أوجدتها التسعينيات، وامتدت من العقد الأول في الألفينيات حتى ثورة يناير، قد اختفت الآن.
يمكن تسمية ما يحدث الآن بـ«طغيان البساطة».. أن يكون النص سهلًا ومستساغًا. والسهولة فكرة مخادعة لأنها تتحول من أمر يصعب تحقيقه تقنيًا وأسلوبيًا إلى السهولة بوصفها ما يطلبه الناس. بسبب فيسبوك مثلًا، هناك أناس شغلهم الشاغل أن لا يكتبوا ذواتهم ورؤاهم، بقدر استشعارهم ما المطلوب ثم يقدمونه للناس.
في السياق الغربي، يرتبط الاعتراض على درجة معينة من الصعوبة أو الجهد المبذول في النص بالرغبة في بيع المزيد من النسخ، أما هنا، الاعتراض لا علاقة له بشيء. تنازل مسبق من قبل أن يطلبه أحد منك. والنموذج السائد لقصيدة النثر يمجد البساطة والسهولة إلى حد التفاهة. في رأيي، علاقة الأدب بالتفاهة مركبة للغاية. يمكنك أن تقيم حوارًا أدبيًا مع التفاهة، لكن التفاهة ليست وظيفة الأدب. أرى أن الكتابة لا يفترض أن تكون تافهة في ذاتها، وإن كان من الوارد أن تكون الكتابة على اتصال بخطاب تافه، أي الكتابة تتحاور مع التفاهة وفق هذا المعنى.
في التسعينيات، كانت هناك لغة طازجة جديدة، ميزت قصيدة النثر عما كُتب منذ بدايات ظهورها. تلاحظ مثلًا أن الشاعر أحمد يماني في ديوانه الأخير يعاكس التصورات المفترضة عن قصائده السابقة وعن كتابة جيل التسعينيات. من الصعب الآن أن تجد نصًا شعريًا عربيًا يؤثر فيك، والأصعب أن تجد السياق أو المساحة لقرائته. يكتب شعراء مثل أحمد يماني ومهاب نصر نصوصًا عظيمة بحق، لكن لا توجد مساحة لقراءتها. عندما تقرأ نصوصهم لا تستغرب أنه لا يوجد احتفاء بها، هذا هو الطبيعي كونها بعيدة عن ما يُكتب الآن. تشعرك تلك النصوص أن ثمة شيئًا خطأ. النص يُقرأ في سياق، وسياق الشعر يتلاشى. لماذا صار من ضمن تعريف العمل الجيد ألا يُرى؟ ولماذا صار لزامًا على النص الذي يحظى بقراءة واسعة أن ينطوي على نوع من الرداءة.
كل ما سبق أن قلته، بدايةً من المعطيات الفكرية العامة لإنتاج واستغلال الأدب، هنا وفي الخارج، مرورًا بالنصوص نفسها، وانتهاءً بكيفية تداولها وتقييمها، هو أمر محبط للغاية. خاصة لمن يمثل الأدب حياته ورغبته وطموحه.
الحساسية الأدبية
تحدثت مع يوسف في أول لقاء للتعارف بيننا عن بعض ممارسات الصوابية السياسية، تحديدًا تلك المُتمثلة في استعانة خبراء صناعة النشر في أمريكا بما يعرف الآن بـ«قراء الحساسية Sensitivity Readers»، إذ استدعتهم الحاجة إلى «تدقيق أشكال التمثيل الثقافية بالأعمال الأدبية خلال العقود الأخيرة». يُعنى هؤلاء بمراجعة المخطوطات التي قد تتعرض مثلًا لفئة مهمشة لا ينتمي إليها الكاتب، ما يستلزم أن تكون لديهم خبرة معينة أو هوية جنسية مغايرة أو خلفية إثنية، أو أي هوية أخرى لا تعيها الثقافة السائدة. يقول صاحب «الطغرى» إن كثيرًا من الأعمال الجادة القيمة الآن هي إعادة إنتاج لحساسية فات زمنها. لكنه يتتبع كذلك سمات أسلوبية من فترات سابقة ذات تأثير ممتد حتى لحظتنا. يحددها قائلًا: «أرى في فكرة الاختزال والبساطة وسلاسة اللغة عند إبراهيم أصلان ومحمد البساطي نوعًا من التقييد للإبداع الأدبي، والذي لم يعد مقبولًا الآن».
لذلك دفعني حديثه عن الحساسية القديمة إلى طرح سؤال افتراضي إلى حدٍ ما..
- أشرتُ من قبل إلى فشل وكيلك الأدبي في نشر روايتك المكتوبة بالإنجليزية، وأن هناك دائمًا أفقًا محددًا للانتظار أو التوقع عند التعامل مع كاتب عربي مسلم. أتخيل أحد قراء الحساسية قارئًا رواية «باولو» مثلًا، كيف سيرى شخصية باولو أو «عامر أبو الليل بغاغو»؟
لو قام قارئ حساسية بقراءة «باولو» فإنها لن تُنشر. وللعلم، «باولو» مترجمة إلى الإنجليزية بالفعل. روايتي الإنجليزية لا تحتوي على كم الإشكاليات الموجودة في «باولو». الفكرة ببساطة إني لست اسمًا معروفًا في الإنجليزية، ولأن موضوعها بأكمله عن مصر وبها الكثير من التناول السياسي، فإنها تحتاج إلى عمل ترويجي غاية في الصعوبة.
- ألن يرى مثل هذا القارئ باولو شخصًا «كارهًا لقومه»، و«تمثيلًا خاطئًا» للعربي المسلم؟
بالطبع.. لكني أرى الآن أن جزءًا من رحلتي نحو التحرر يقوم على عدم الاهتمام بذلك. ورغم إدراكي للسياق الغربي الحالي من خلال العامين الماضيين، فإن ما أراحني نفسيًا، وجعلني أحافظ على رؤيتي الخاصة، هو القرار الواعي بأنني لست على علاقة بهذا السياق. أنا لست مواطنًا أمريكيًا. أنا أعيش في مجتمعي وأتعامل بمعطياته، حتى لو كنت أقلية في هذا المجتمع. أنا أتعامل مع «هنا» حتى لو كتبت بالإنجليزية. توجد إنجليزية في مصر أيضًا وفي العالم كله. لذلك رأيت أنه ينبغي التحرر من الانشغال بما هو مقبول أو مسموح به وفق أي سياق خارجي.
- وما علاقتك بوكيلك الآن؟
تركت وكيلي بعد انتهاء مُهلة العام التي منحتها له. وربما يكون انحسار معظم عمله في سياق «التنوع» وأجواء «الأقليات» سببًا لفشله في نشر العمل. إنتاجي الأدبي بعيد عن إمكانية وضعه ضمن تلك التصنيفات.
المتنبي كوسيلة للمقاومة
- رأيتُ في الرجوع إلى المتنبي نوعًا من المقاومة. يمكننا وفق بعض الرؤى المعاصرة أن نحصر المتنبي في الفحولة أو الذكورية السامة مثلًا. وكأنك اخترت المتنبي ليكون وسيلة المقاومة لرؤى الصوابية التي تهتم بما «يقوله» الأدب أو الشعر، فشعر المتنبي، كما تصفه، لديه القدرة «حتى في عز ما يكون تعبيرًا عن الحرب والأبوية والعنصرية، أن يقول شيئًا آخر». هل تلك القدرة على تجاوز اللحظة هي ما سعيت إليه؟ هل أردت تذكيرنا بواحدة من أهم السمات الجمالية للأدب العظيم؟
رخا: هذا صحيح بالتأكيد لو قرأت المتنبي باعتباره أدبًا عظيمًا، لكني رجعت بدايةً إلى المتنبي لأنني أحبه ولم أقرأه بشكل واعٍ من قبل. ولما قرأته بشكل ممنهج رأيت ما لم أره من قبل. لم يكن هناك تعمدًا للتحدي أو المقاومة. لكن الفكرة عمومًا في صميم رؤيتي للفن والحياة. أن الأدب خطاب متجاوز بالفعل حتى وإن تقاطع مع أفكار مؤسفة. وإلا يتحول المتنبي إلى فحل أبوي ذكوري متخلف لا غير. وأعتقد أنه من السهل لأي شخص يعلم اللغة العربية أن يرى المتنبي أعلى من كل ما سبق.
لكنك لو نظرت إلى المتنبي بعين الصوابية المعاصرة، لن ترى إلا تلك الصفات المذمومة. كانت هناك دعوات حديثة لمقاطعة أعمال الرسام الفرنسي بول جوجان لأنه كان يضاجع فتيات في سن المراهقة في «تاهيتي». وهل ما حدث معناه أن منجز جوجان على المستوى البصري، وتجديده في التصوير بالزيت بلا أي قيمة؟! هذا جنون.. إنه انتحار فعلي للثقافة، وربما انتحار للمعرفة كذلك.
المذهل أن من يفرض هذه الأفكار الآن لا يراها رقابة، على اعتبار أن عنده أسبابًا وجيهة لمنع أو «إلغاء» فنانين بعينهم. لكن كيف يختلف ذلك عن القمع الرقابي في روسيا ستالين أو ألمانيا هتلر؟ على مدار التاريخ الإنساني، كانت لدى الرقيب أسباب لمنع الأعمال الفنية، بدت وجيهة في حينها.
المثير في المتنبي أن مثل تلك «القيم» (الفحولة، الأبوية،…) منفرة بحق بالنسبة لي. أتضايق مثلًا عندما يتحدث المتنبي عن كافور بطريقة ما. لكن موقفي يتمثل في إنني سأرى أبعد من ذلك الضيق، ولن أريد أن أمحو تلك السطور أيضًا، كما هو معتمد الآن في ثقافة الإلغاء بأمريكا مثلًا.
وكونك تتخيل أنه بإمكانك أن تحكم على زمن المتنبي أخلاقيًا، يعتبر بمثابة الخيال العلمي. ولا أعلم كيف يتماهى محمود شاكر وطه حسين والعقاد مع زمن المتنبي ويرون أنه يمكنهم تصور عصره بكل تفاصيله.
أمس، رأيتُ فيلم «نوح» للمخرج دارين أرونوفسكي لأول مرة. وانزعجت انزعاجًا خرافيًا من آثار الصوابية والرقابة الذاتية على طريقته في سرد قصة فلك نوح، بالذات وأنني أحب أعمال أرنوفسكي الأخرى. أسقط المخرج وعيه الأخلاقي المعاصر المتخلف على قصة من العهد القديم، هي أقوى بمراحل مما قام به المخرج. هل يُعقل أن نوحًا لم يكن يأكل اللحم؟ هل تستوجب الصورة الجميلة للنبي نوح أن يكون نباتيًا؟ كان يمكن أن يظهره المخرج جميلًا وهو يأكل اللحم بدلًا من أن يتجنب ذلك.
أتذكر الآن البيت الغريب الذي قاله المتنبي في صباه، وأرى فيه مثالًا أن الأدب يتجاوز حتى شخصية فاعله، إذ يقول:
وكم من جبالٍ جُبتُ تشهد أنني الـ جبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
يتفاخر المتنبي في هذا البيت. هذا غرض البيت وغايته. لكن هل كل ما يحتوي عليه ذلك البيت مجرد «شخص تافه يتمنظر»؟ بالتأكيد لا. هذه هي المساحة التي أعيش من أجلها في الدنيا. ما الذي يجعل من الأدب أدبًا؟ أن تقول جملة، وإذا قمت بتفريغها من كيفية قولها ومن صياغتها، ربما تكون تافهة أو فارغة جدًا، ومن الممكن أن تكون سلبية للغاية، لكن قولك لها وفق تلك الطريقة يجعل لها استعمالًا ومساحة تفاعل أوسع بكثير من لحظة قولها وحتى نية قائلها.
الشعر بين التخصص والنشر
يكرر رخا النقطة المذكورة في الكتاب حول عدم الاعتراف به كشاعر، لأنه يكتب روايات ومقالات. ويُرجع ذلك الإنكار إلى طغيان فكرة التخصص. لدى يوسف رخا قناعة راسخة بأن هذا الكتاب لم يكن سيُنشر لولا منحة «آفاق». لكن المفارقة تكمن في نقطة أخرى.
يقول:
«لا يوجد من يود أن ينشر مثل هذا الكتاب. أكتب منذ عام 1999، وأنا لا علم لديّ بأرقام البيع والتوزيع، لكني أستطيع القول إن «ولكن قلبي» هو الكتاب الذي أَحبه القراء بشكل يفوق بقية كتبي، وفق ردود الفعل التي تصلني. ورغم ذلك، فإنه أقل كتاب كان ليُقبل عليه أي ناشر. من المستحيل أن تجد ناشرًا يمكنه أن يتنبأ بما حدث، أو يراه. لكنك إن أعطيت نفس الناشر رواية لا أحد يريد قراءتها، سينشرها على الفور. ذلك ما يحدث في النشر طول الوقت. يوجد غباء حقيقي يتعلق بعدم قدرة الناشرين على التخيل. هناك بحث دائم حول الشيء المضمون. عمل الناشرين الآن يشبه عمل أصحاب البقالة: لا تقدم لي نوعًا مختلفًا أو كمية أكبر من «الجبن الرومي» الذي بعته الأسبوع الماضي. حتى البقالين يمكن أن تجد لديهم حسًا للمغامرة لا يتوافر لدى الناشرين.
أقاطعه: ألا يشكل اسم مثل يوسف رخا تسهيلًا لعملية النشر أو دفعًا للناشر إلى المغامرة؟
رخا: لا اعتبار الآن لذلك. كان يمكن أن يشكل الاسم فارقًا منذ سبع أو ثماني سنوات. لكن الوضع تغير الآن للأسف، معي ومع غيري. في الأغلب الأعم لا اعتبارات سوى حجم البيع خلال فترة زمنية قصيرة.
السباحة ضد التيار
- كان تعلم السباحة وسيلة فعالة في «رحلة التداوي» من الأزمة النفسية، لكني أبحث عن مجاز أرحب للسباحة.. أشعر أن هذا الكتاب هو في ذاته سباحة ضد التيار، أو بالأدق «تيارات»: ضد قصيدة النثر المكتوبة حاليًا، وضد تيار الانشغال الأدبي والبحثي/الأكاديمي بالمتنبي، والذي عادة ما تسيطر عليه الرؤى المحافظة والتقليدية والرسمية، وضد تيار كتابتك كما اعتدناها كقراء.
رخا: أتصور أن ذلك بدأ مع «الطغرى». أرى أن لديّ حق في التراث. ولا أرى كوني غير متدين أو ملتزم وفق العقيدة مانعًا ضد استخدام حقي في التعامل مع التراث. ما أقصده، إنه رغم قدومي من ثقافة غربية معاصرة فيما يخص تكويني الأدبي، فإنني أرى اللقاء بين التراث والثقافة الغربية ثريًا وضروريًا. من الممكن أن يُنتج لقائي مع التراث قادمًا من رؤية علمانية معاصرة عملًا تكمن قيمته في قدرته على جذب التراث إلى لحظتنا هذه. عمل لا يتعامل مع التراث بوصفه مقدسًا أو يراه كـ«نوستالجيا» أو أمجادًا سابقة، وفي الوقت نفسه لا يرفض التراث لمثل هذه الأسباب.
معظم من لديهم تجربة مماثلة لتجربتي في التكوين الأدبي أو توجه مشابه في الكتابة يرفضون التراث، ولديهم قطيعة تامة معه.
- كأن في القطيعة نوعًا من «التجاوز»؟
نعم. كأنه مثلما تقول: لو اقتربنا من التراث يجب أن نكون بأنفسنا تراثًا. أن تكون محققًا مثلًا أو جزءًا من الحفريات. لكن قيمة التراث في أن يظل حيًا.
الالتقاء مع التراث حدث مع الجبرتي في «الطغرى»، ومع الكتابة التاريخية عن القاهرة بشكل عام. وحدث مع المتنبي في «ولكن قلبي..». ميزة اللغة العربية وعيبها كذلك أنها ضخمة ومتنوعة جدًا. لما تقرأ لغة الجبرتي وتقارنها بلغة المتنبي فإنك أمام لغتين. كلا اللغتين عربية فصحى، وأنت إلى حد ما تفهم الاثنتين، لكنهما لغتان بالفعل.
أنا كاتب معاصر، لكن المعاصرة لا تعني أنك موجود الآن، «داعش» مثلًا موجودة «الآن» ولم تكن موجودة من قبل، ولا تعني «المعاصرة» الانتماء إلى اللحظة الحالية. المعنى الحقيقي للمعاصرة أن تكون بين الأزمنة، ولديك علاقة استشرافية بالمستقبل، وملتبسة بالماضي. وفق هذا المعنى، فاللقاء مثمر للغاية. وقد أفادني اللقاء شخصيًا على مستويات غير أدبية كذلك. ولو أني أرتاب من ذلك، لأنه يجر الأدب إلى منطقة التنمية البشرية، وفكرة الاستشفاء. رغم ارتيابي، فإن حالتي كانت إيجابية تمامًا في إعادة العلاقة مع الشعر، في التأكيد على أن الشعر شيء حي، وأنه يساعدنا في حياتنا، حتى لو مر عليه ألف عام. تلك النصوص مرت عليها ألف سنة بالفعل، لا مائة سنة، وكونها تستطيع الآن أن تخاطبك وأن تساعدك دون زيف أو افتعال، يُعتبر أمرًا في غاية الجمال.
- سؤال افتراضي آخر: من ضمن اهتماماتك الفكرية إيجاد منظور «ما بعد الإسلام»، هل تعتبر المتنبي نموذجًا لما بعد المسلم مقارنة بالمسلم في عالمنا العربي المعاصر الذي يرزح تحت مستويات عديدة من الكبت والقمع؟
نعم بالطبع. الحقيقة غير المعترف بها هي أنك كلما رجعت بالزمن إلى الوراء وجدت التحرر يزيد. ربما عصر الخلفاء الراشدين الأكثر تحررًا. أخذ التزمت أشكالًا أخرى بعد الثورة الصناعية. تحكمت السلطة في الواقع بشكل مطلق بواسطة العلم والصناعة. قبل ذلك كانت السلطة هي الدين. ويختلف تعاملك مع الدين الإسلامي باختلاف بيئتك وثقافتك، سواء كنتَ بدويًا أو على اتصال مع اليونان وهكذا.
صار الدين مرعوبًا بعد الثورة الصناعية لأنه أصبح مهددًا. لذلك انغلق أكثر.
إضافة إلى استعارة التراث الإسلامي وفق منطق علماني معاصر، أفكر كذلك ضمن منظور ما بعد الإسلام في أن نسترد المساهمات غير المسلمة داخل الحضارة الإسلامية، ونعيد الاهتمام بها.
- أعلم اهتمامك بشرح أبي العلاء المعري لديوان المتنبي. وصف أدونيس عنوان الشرح «معجز أحمد» بأنه نوع من التحدي، يقدم فكرة الشاعر نبي عصره، والشعر نظير النبوة أو الوحي. كيف ترى فكرة الشاعر كـ«نبي العصر الحديث»، أو صاحب رسالة أرضية، خاصة أن ثيمة النبي المضاد موجودة في رواية «باولو»، حيث الشخصية التي تحمل رسالة غريبة؟
أثرت نقطة هامة، لم أفكر فيها من قبل. كان اهتمامي في الكتاب منصبًا على الشعر كظاهرة إنسانية، وعلى التقرب من المتنبي. ولم أره تحديدًا في دور النبوة. لكن بالتأكيد المتنبي نفسه يحكي حياته بصيغة البطل، ملحمة البطولة سردية حياته. قصة ادعائه النبوة عليها خلاف تاريخي. لكن المتنبي يرتبط بمفهوم النبوة ومجازها في الإسلام، حيث نبي الإسلام الذي يخلب كلامه العقول، ويظل كلامه معنا ونعيد تأويله دومًا. للمتنبي بيت شهير يقترب من هذا المعنى:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا
لكن طموح المتنبي طوال حياته لم يتعلق بقيادة قبيلة أو جماعة، وإنما تلخص في رغبته أن يكون أميرًا، وأن تكون له ضيعة. وذلك رغم إدراكه لقيمته كشاعر.
عن المياه واللاوعي الجمعي
- نعود إلى العوم والمياه. تتحدث عن المياه قائلًا: «اكتشفت المياه كمن يرجع إلى وطن لا يعرف أنه ينتمي إليه»، ثم تصف المياه بـ«الرحم» أو «القبر». وتقول «لو كان النوم بروفة للموت فالعوم بروفة للفناء». وجدت كلامك مثيرًا للغاية، لأنه يقارب رؤى من مروا بتجربة مغايرة من الحياة مثل حالة الشاعر علاء خالد كما ذكرها في «مسار الأزرق الحزين»، والكاتب الفرنسي جون دومينيك بوبي في «بدلة الغوص والفراشة»، فكلا الكتابين نتيجة مواجهة مفاجئة مع المرض. يسرد علاء خالد رؤاه وهو بين الحياة والموت في العناية المركزة عقب تعرضه لخطأ طبي جسيم أثناء خضوعه لعملية جراحية بسيطة. أما رواية جون دومينيك بوبي فكتبها بعد تعرضه لجلطة دماغية أصابته بشلل تام. وبعد غيبوبة دامت ثلاثة أسابيع يصحو في حالة نادرة الحدوث تسمى «متلازمة المنحبس». والمشترك بينهما هيمنة المياه على أحلامهما ورؤيتهما. كأن هناك لاوعي جمعي مطمور لا يمكننا الوصول إليه إلا عن طريق تجربة مفارقة. الغريب أنك وصلت إلى رؤية مماثلة دون اختبار تلك الحالة التي تقف على تخوم الحياة. هل «أزمة منتصف العمر» كانت كفيلة بخلق رؤية كاشفة عن المياه ومعناها؟
رخا: جاءت علاقتي الجسدية مع المياه من بحثي عن رياضة ملائمة لممارستها، بعد أن توقفت تمامًا عن ممارسة أي رياضة وأنا في السابعة عشر. جربت الركض، لكن ركبتيَّ لم تتحملا. المياه هي التي استوعبتني. كانت بها المساحة أشغل فيها عضلاتي دون عطب.
- وفق بعض المقولات، نحن كائنات مائية في الأصل، حتى في الرحم نوجد وحولنا الماء، كأن في عودتك إلى المياه عودة إلى الأصل.
أتفق تمامًا.. في المياه فكرة الراحة والعودة إلى مكانك الأصلي، لكن فيها كذلك فكرة المجهود والحركة وإلا ستغرق. هذا التفاوض بين المجهود الذي يريحك ولا يغرقك. مجاز المياه والغوص قديم في كتاباتي. وثيمة «السمكة» أيضًا. هناك أبعاد كثيرة في العلاقة بالمياه ومساحة كبيرة للتأويل المجازي.
- في رواية التماسيح مشهد سيارة تدهس قطة فتلتصق بالأسفلت، ويسميها باولو «سمكة الأسفلت». أشعر أن الكتابة في «ولكن قلبي..» تنزع تلك السمكة من الأسفلت وتعيدها إلى المياه. عودة الروح مرة أخرى ومعها أطياف من المشاعر تقف على النقيض من برودة الشعراء التسعينيين في «التماسيح»، أو تبلد يوسف الفتيس حين يصرح «أدون بخلو بالٍ بينما مصر تحترق»، وكذلك تتناقض مع العنف والسادية في رواية «باولو». لذلك، ضمن ما يناله هذا الكتاب من تقريظ وصفه بأن كاتبه يوسف رخا قد كتبه من «دم قلبه» لما به من رهافة وإحساس، وذلك ما لم يُردد عن الأعمال السابقة.. هل الاختلاف هذه المرة سببه أن يوسف رخا الكاتب الفعلي لا يراه القارئ متخفيًا وراء شخصيات روائية، لأنه من ضمن إساءة القراءة في الأعمال السابقة اعتبارك أنت وشخصياتك الروائية واحدًا؟
ذلك الأمر شديد الغرابة بالفعل. من الوارد أن أكون يوسف الفتيس، لكن كيف أكون باولو مثلًا؟! كذلك فإن هذا الكتاب والأعمال السابقة كلها مكتوبة من القلب أيضًا. لا أرى الفرق في التخفي وراء الشخصيات من عدمه. وأتصور أن للأمر علاقة بفكرة «الأزمة»، والمشاركة الإنسانية الحميمية من خلال الكتابة. وأنا سعيد لحدوث هذا، ولاستطاعة القراء رؤية هذا الجانب مني. أتصور أنه في لحظات سابقة قد تكونت سمعة أنني شخص حاد وعنيف جدًا، وذلك غير حقيقي. الأزمة وراء الاختلاف لأن الكتابة بها تعامل مباشر وصريح مع الأزمة.
- لن تؤدي الكتابة غرضها إلا لو توفرت على قدر من المكاشفة والتعرية كما فعلت.
نعم، وبالأكثر في ذلك المشروع دون غيره.. لأن ما حدث أني كنت أقرأ المتنبي في لحظة التعافي ثم وجدت نفسي أكتب. لـ«التماسيح» و«باولو» مسار آخر. لكن مجاز السمكة في «ولكن قلبي..» مرتبط بالمياه والقلب أيضًا. القلب الذي يرتعش. ويمكن أن تتخيله بمنطق سوريالي: القلب الذي يتحول إلى سمكة ثم يتحرك أو يرجع بالزمن، وهكذا.
ما سبق موجود في البيت الشعري المستوحى منه الكتاب كله:
وبي ما يذود الشعر عني أقله ولكن قلبي يا ابنة القوم قُلَب
أي القلب غير مستقر على حال. والجميل للغاية في تعريف المتنبي للشعر وللسبب وراء عدم قدرته على هجره أن قلبه متقلب. لا لأنه حساس أو عاشق أو عظيم أو فحل. كل العوامل التي يمكن أن تثنيه عن الشعر فشلت في ذلك لأن «قلبه قُلب». كانت هذه الفكرة أساسية للغاية بالنسبة لي. المتنبي ذاته، بكل عظمته، يقول إن السبب وراء استمراره في الشعر هو عدم استقرار مشاعره. تأثرت بشدة، لأن الأزمة عندي كانت عدم الاستقرار أيضًا.
موت الأب و«قلق التأثير»
موت الأب من الموضوعات الرئيسية في الكتاب، ويتضافر معه الشعور الطاغي بالذنب. ومن يقرأ النصوص يلاحظ استخدام رخا لكلمات مثل الوغى والمكاره، كأنه في حرب أو معركة متخيلة. جعلني الكتاب أفكر في نظرية بعينها في الشعر وأتساءل عن مدى انسجامها مع ما فعله رخا في الكتاب، غير أني قلت له أولًا: لا أريد أن أكون فرويديًا معك، لكنه رد ممازحًا:
«كن كذلك، خذ راحتك»…
للناقد الأمريكي هارولد بلوم نظرية في الشعر تُعرف بـ«قلق التأثير Anxiety of Influence» ومفادها أن الشعراء يعيشون في قلق في ظل شاعر «قوي/فحل» جاء قبلهم، وأي قصيدة معينة يمكن أن تُقرأ بوصفها محاولة للإفلات من قلق «النفوذ» هذا، فالشاعر أسير الخصومة الأوديبية لسلفه، والشاعر يعيد صياغة قصيدة سلفه، ويشرع في تدمير سلطته الأبوية.
سألت يوسف:
- تقول إنك لم تتوقع أن يُذكّرك المتنبي بفجيعتك في أبيك. هل كان المتنبي تعويضًا أبويًا عن غياب الأب والشعر معًا؟ وكيف ترى كشاعر «متأخر في الزمن» ضرورة دخولك في معركة نفسية (أو في الوغى والمكاره بالتعبير القديم) من أجل خلق مساحة تخيلية تتمكن معها من الكتابة اللاحقة، حسب تعبير بلوم؟
رخا: هناك مقال جميل نُشر في مجلة هاربرز Harper's للروائي الأمريكي -الذي أحبه- جوناثان ليثيم. يتحدث فيه عن فكرة الـPlagiarism أو «السرقة الأدبية»، وأن الأدب كله عبارة عن ذلك. وأتصور أنه على علاقة بنظرية بلوم.
من الوارد أن تركيزي مع المتنبي تحقق بعد وفاة أبي. وفكرة الدخول في المعركة النفسية كي أخلق مساحة للكتابة حقيقية للغاية.
- تصف الأب الفعلي بأنه كان يتعامل بـ«خفة» مع «الأبوة»، يمكن لهذا نلحظ عدم اهتمام بقتل المتنبي كـ«أب شعري» أو الرغبة في الندية، كأن هناك تسليمًا بأبويته الشعرية.
فعلًا.. وهذا ما جعلني أنا أيضًا أتعامل مع آبائي الأدبيين بخفة. لم أفكر في تلك النقطة من قبل. لكني أجد نفسي أتفاعل بلا تقديس أو رهبة مع الجبرتي أو المتنبي. ومن زاوية التحليل النفسي، ربما يكون للأمر علاقة بالنموذج الذي كرسه أبي. كنت دائمًا أقول بالإنجليزية إنه كان أبًا لا بطريرك Father not Patriarch. لم يكن أبًا مثاليًا، أو متوفرًا طوال الوقت، لكنه بالفعل لم يمارس عليَّ أي «أبوية». واكتشفت مع مرور الزمن ندرة نموذج أبي. وأنا ممتن لذلك كثيرًا، لتقدمية فكره وتجاوزه القيم التقليدية للطبقة المتوسطة، مما أتاح لي العثور على ذاتي بسهولة أكبر. كنت أيضًا سأتمكن من العثور على نفسي لو كان متزمتًا، لكن المسألة كانت لتصبح صادمة وعنيفة أكثر.
الأخوية الشعرية
يرى رخا أن نقطة التقاطع مع كتابه الآخر «بره وزمان» عن المخرج شادي عبد السلام، والصادر بالإنجليزية بالتزامن مع «ولكن قلبي..» تتمثل أيضًا في «التعامل مع الآباء بخفة». «فإذا كان المتنبي أبًا في منطقة بعينها، فشادي عبد السلام هو أب كذلك في منطقته الخاصة. وربما يحتاج الموضوع إلى حديث آخر وتفكير طويل من أجل إقامة صلة بين العملين».
يقول رخا إن ما أربكه كان تصور بعض الناس أنه يتكلم عن نفسه حين كتب في العنوان «متنبي الألفية الثالثة»، ويبين أنه قصد «استحضار المتنبي في الألفية الثالثة، وليس أنني أنا المتنبي». وهذا ما جعل العنف غائبًا في التعامل مع آبائك الشعريين، لا توجد رغبة في تحطيمهم، وفي الوقت نفسه تتعامل بخفة، أليس كذلك؟
رخا: بالضبط. التقديس هو الذي يخلق العنف. لكنك عندما ترى الأشياء في بساطتها وإنسانيتها لن تحتاج إلى العنف.
- لم يحدث التناص مع المتنبي وحده. في النصوص الشعرية نرى استحضارًا لشعراء معاصرين مثل صلاح عبد الصبور، سركون بولص، وديع سعادة، أمل دنقل. وتقول أيضًا إن «أخوتي كلهم شعراء»، ما الأسماء التي ستختارها لتنضم إلى تلك الأخوية الشعرية؟
من الصعب تحديد الأسماء التي ارتبطت معها. علاقتي قوية مع سركون بولص يليه وديع سعادة. وجيل التسعينيات في مصر. لكني أتمنى أن تكون الأخوية الشعرية أوسع من ذلك بكثير، أن تتسع لتضم ناس مثل المتنبي وشكسبير. هناك مثلًا أعمال مبكرة للشاعر إزرا باوند تعتبر أساسية بالنسبة لي، تحديدًا ديوان «ترجمات حرة لنصوص قروسطية صينية». لم يعرف باوند الصينية، لكنه استعمل ترجمة إرنست فينولوسا وخرجت في كتاب اسمه «كاثي Cathay». من الكتب المهمة لي بشكل أساسي.
في «ولكن قلبي..» كان اللعب على فكرة الحب وعلاقته بالشعر، وأن الشعراء كلهم في حالة عشق، وبالتالي تربطني بهم أخوة.
أتصور أن الأخوية تضم أسماءً لغير الشعراء. توماس بيرنهارد، محمد شكري، وخاصة روايته «الخبز الحافي»، بعض أعمال جيل الستينيات مثل «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم التي أقدرها جدًا، وبعض نصوص جمال الغيطاني. أيضًا توفيق الحكيم.
- وروبرتو بولانيو؟
طبعًا.. لكن بولانيو يعتبر نفسه شاعرًا بالأساس.
- أعتقد أن هذه المرة الأولى التي تحدد فيها أسماءً لها تأثير عليك؟
لا أظن أني ذكرت هذه الأسماء من قبل. عادة ما أتجنب ذكر أسماء لأنها مسألة معقدة ومتغيرة. أحاول الآن أن أذكر الأسماء المستقرة نسبيًا بداخلي.
يفكر رخا في أسماء من الشعر الإنجليزي. أشير عليه بشعراء «جيل البيت». يقول إنه أحب أعمالًا معينة، وليس كل إنتاج ذلك الجيل. ويضيف أنه أحس بصلة باطنية عميقة بين جيل البيت الذي ظهر في أمريكا الخمسينيات وجيل التسعينيات المصري. «أرى تماثلًا بين اللحظة التي بزغ فيها البيت مع لحظة التسعينيات».
يستكمل رخا الأسماء الأساسية، يقول: «سعد مكاوي، أحب «السائرون نيامًا» جدًا ومعها معظم أعماله. هناك بعض أعمال يوسف إدريس. تأثرت في بداياتي بالكتب الثلاثة الأولى لمحمد المخزنجي. أحب «الحرافيش» و«زقاق المدق»، لكن لم أتأثر بنجيب محفوظ، ولا أدري لماذا. هناك أيضًا رواية وجيه غالي «بيرة في نادي البلياردو».
«قِرش يزدرد أخطبوطًا»: عن السريالية والسمة الجروتسكية
- تبدو السوريالية سمة في كتابتك. تستحضر النصوص الشعرية الصور السوريالية، ونجد توظيفًا للرؤى السوريالية والهلاوس في رواية «باولو» كذلك. هل بإمكانك تحديد روافد السوريالية في أعمالك؟ أقصد هل هي أقرب إلى مفهوم أندريه بريتون عنها بوصفها «القوة المطلقة للحلم» أم أشبه بسوريالية «جيل البيت» على سبيل المثال؟
رخا: كان كورس السوريالية من أهم ما درست خلال سنوات الجامعة بإنجلترا. والورقة البحثية التي كتبتها كانت عن جورج باتاي. واهتممت أيضًا في نفس الفترة بالشاعر والمسرحي الفرنسي «أنطونان آرتو». السورياليون «المرتدون» هم من أثروا في خلال تلك الفترة. وكانت لدى باتاي رؤية مثيرة أسماها «ما فوق الفاشية Surfascism» على وزن Surrealism. كان يرى أن التصدي في الكتابة للفاشية يكون من خلال فاشية مضادة. كانت تلك الرؤية في ذهني أثناء كتابة «باولو». لكن نص باتاي الأكثر تأثيرًا عليّ «حكاية العين». وهو عبارة عن رواية بورنوجرافية قصيرة. النص فلسفي في حقيقته، لكنه ينتهج أعراف كتابة البورن في زمنه. محتوى الرواية وموضوعها سوريالي للغاية، وبالنص غنائية وكآبة شديدتان.
أرى نتيجة مثيرة حين تتراكب مثل هذه المعطيات مع المتنبي والأدب العباسي، ولا أرى تعارضًا بينها، أو عائقًا يمنع تزاوجها.
عن الثورة
- تمثل الثورة الثيمة الأساسية في عدد من نصوص الكتاب. تقول عن العلاقة مع «رفاق» الثورة: «هكذا يجري المقاتل هربًا من رفاق سلاحه، ليس العدو». وتقول في «الشرح» إن الخذلان بلغ ذروته، وإنه كان في أصحابك من الكُتاب والفنانين من «الطليعة والنخبة». «لم يكن عندهم غير الكليشيه والنكتة والشعار». ما الذي كان في إمكان «المثقف المشتبك» مع الثورة أن يفعله؟ ألم تكن اللحظة/المسألة أكبر بكثير منا كأفراد؟
رخا: لم يسمح الظرف الموضوعي بإمكانية تغيير حقيقي. ولم نر دليلًا بعد الثورة على أي طرح جذري مغاير، نظرًا لعدم وجود مساحة تاريخية لذلك.
لكن هناك لحظة، امتدت بضعة أشهر بعد الثورة، كان من الممكن أن يصير الناس فيها أحرارًا. أحرار من الخطابات المتوارثة، من الرقابة على بعضهم البعض، من التباهي بالتقوى السياسية والدينية. فهل فشلنا في أن نكون أحرارًا نتيجة عدم سماح الظرف أم إخفاق شخصي من معتنقي الثورة؟ هذا سؤال لا يزال قائمًا.
كم الأبوية السلطوية الذي مورس في ضبط العملية الثورية كان مذهلًا، في السوشيال ميديا.. على تويتر وفيسبوك. غصبًا عنك تسأل ما الفرق بين المجتمع الثوري وأي نظام قمعي؟ كانت المسألة مجرد اختلاف بين المواقع والأدوار. النضال في مصر مثل السلطة، كلاهما بالتوريث. ما كان يعنيني بشكل أكبر هو تحول موضوع الثورة إلى مقولات دوجمائية، لو خرجت عليها صرتَ كافرًا، والناس مستعدة لتكفيرك أو على الأقل لن تعترض على تكفيرك. كان هذا مؤلمًا.
في الحقيقة، فإن الأهمية الأساسية للثورة كما أراها كحدث تاريخي يكمن في تجربة التعلم. ما حدث لي بالفعل كانت الثورة في رؤيتي للأشياء. مثلًا، قبل 2011 كنتُ مؤمنًا بالليبرالية الرأسمالية ومفهومها عن حقوق الإنسان. وأننا يمكن أن نحيا في مجتمع أفضل لو تم تطبيقها. وكل هذا انتهى تمامًا مع تجربة سنوات الثورة. وجعلني أرجع إلى حالة نقد للرأسمالية، ربما كنتُ عليها في مراهقتي. أسقطت الثورة أوهامي وتفاؤلي حيال قيم الليبرالية.
- تذكر أيضًا في الكتاب اتهامك بالإسلاموفوبيا والبرجوازية.
لك أن تتخيل ذلك. ولا أعلم من أين أتت تلك الاتهامات التي وجهها لي البعض. كانت هناك حالة من العمى تجعل البعض يحكمون عليك دون رؤيتك أو معرفتك. وما يجعل ذلك أسخف وأقبح هو أن الدوائر التي أنتمي إليها وأتحرك من خلالها ذات تأثير شبه معدوم من الزاوية السياسية والتاريخية. لم يكن عندنا إلا ما نقوله لبعضنا فلمَ لم نعتن بطبيعة ودقة الخطاب فيما بيننا؟ كانت تلك هي المسألة الممكنة، أما تغيير المسار التاريخي مثلًا فلا يوجد تأثير يذكر من تلك الدوائر عليه.
حصار الشعر
يقول يوسف رخا «نحن المادة الخام لإعلانات السوشيال ميديا»، وبعد تأكيده على اضمحلال السياق الشعري، يضيف أن السياق يشترط كذلك أن تكون ميديوكر. يرى رخا أن الأدب مهدد ومحاصر، ولا توجد روافد تجعله يعيش عدا تلك التي تشترط أن يكون الأدب شيئًا آخر. كأن يكون بروباجندا، دعايا، خطاب تنمية ذاتية.
- ألم تتخوف من تقاطع الكتاب مع خطاب التنمية الذاتية أو البشرية؟
رخا: لم أتخوف من ذلك التقاطع لأنه لم يأتِ في بالي أثناء الكتابة. من طرق تقويض الأدب تحويله إلى خطاب التنمية البشرية. مثلًا، جلال الدين الرومي، أهم شعراء الفارسية، يعامل الآن في ترجماته بشكل مختلف تمامًا عن الأدب.
قلقت إلى حد ما عندما انتبهت إلى إمكانية تقاطع الكتاب مع مثل تلك خطابات. لكن ما طمأنني أن عملية التعافي المذكورة تحدث من خلال الإبداع الأدبي.
- ألا ترى أن الحكمة ربما تكون صفة قارة داخل الشعر؟
لا أرى ذلك، بل على العكس، أرى أنها سمة منفرة في قصيدة النثر الحالية. وليس فقط قصيدة النثر، وإنما نجد في كثير من الأدب العربي والمصري المعاصر نزوعه إلى اتخاذ نبرة معينة تقارب الحكمة، لكنها لا تقول شيئًا في النهاية. سلافوي جيجيك له تصريح جميل في أحد حواراته: «أعارض الحكمة». والحقيقة أن المتنبي ضد الحكمة تمامًا، وما يزال يُساء فهمه حتى الآن. ومعظم ما ينظر إليه الآن مما قاله بوصفه «حِكم» كانت أقوال ضد حكمة العصر.
بين ظلام وليام ستايرون ودليل دو بوتون
الأهم، في رأيي، أن «ولكن قلبي..» يتقاطع مع كتابين فريدين من نوعهما، «ظلام مرئي» للكاتب الأمريكي المعاصر وليام ستايرون، و«كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك» للكاتب الإنجليزي آلان دو بوتون. تتحدد طبيعة التقاطع مع الكتاب الأول في تماثل نقطة البداية. في حالة ستايرون كان الإقلاع عن تناول الكحول نقطة تحول اجتاحه بعدها ظلام الاكتئاب والألم النفسي. أما في حالة رخا، فإن الإقلاع عن التدخين كان إيذانًا ببدء الأزمة النفسية. وفي كتابه عن الكاتب الفرنسي مارسيل بروست، يقدم دو بوتون تجربة قراءة عميقة للعملاق الفرنسي من أجل إمكانية العيش.
يروي ستايرون في كتابه رحلته إلى عالم الجنون وسقوطه في الكآبة، ويورد أمثلة عن كُتاب عظام مروا بمحنة «الاكتئاب». لكنه لا يتجاوز البوح الشجاع والمؤثر إلى الرغبة في التناص الإبداعي، كما فعل رخا. بينما يقدم دو بوتون قراءته التي تتباعد عن النقد الأدبي التقليدي، وتوحي ماكرة بأنها دليل إلى تنمية الذات، إلا أنه يفعل ذلك من خلال النثر فقط، وإن كان نثرًا ذكيًا مؤثرًا. كأن مغايرة كتاب رخا في مزجه الجدلي بين الكتابين، فيه من الشعر ما فيه من السرد، وبه تجربة قراءة من أجل العيش، تتخذ من الإبداع نفسه أحد أشكالها.
مستلهمًا دو بوتون، كان سؤالي إلى رخا: كيف يمكن للمتنبي أن يغير حياتك؟
رخا: لهذا السؤال إجابتان. الأولى أن المتنبي يغير حياتي أنا ككاتب بقدرته على إرجاعي إلى القراءة، وأنه جعلني أكتب من جديد بعد النفور الشديد الذي كاد أن يوصلني إلى منطقة مظلمة بلا إبداع. كما رجعت إلى التواصل مع بعض الناس من الوسط الأدبي.
الإجابة الثانية متعلقة بإمكانية المتنبي أن يغير حياة أي «بني آدم». لا أدري إن كان هذا ممكنًا. لكن الشعر يمكنه بالتأكيد أن يغير حياتك. لأنه يُرجع إلى الكلام «قيمته» كما قلت. ويجعلك تصدق ذاتك. يتيح الشعر فرصًا حقيقية لأن يكون الكلام/الخطاب بعيدًا عن الكذب.
.. رغم القول الشائع: أَصدق الشعر أكذبه؟
لا أعلم سياق ذلك القول، لكن أظن أن الكذب المقصود هنا هو الخيال fiction، أنه ربما في الخيال الأدبي يكون الشيء الذي لم يحدث أصدق مما حدث بالفعل، وليس «أكذبه» بمعنى البُعد عن الحقيقة.
- تمثل رسومات وليد طاهر عنصرًا هامًا داخل الكتاب، كيف تراها؟ وهل فكرت في أن الرسومات ربما تُحِد من عملية التخييل أو من قدرة النصوص على تخليق الصور الخاصة بها؟
حين قدمت على المنحة، كان هناك شق يتعلق بعمل فيديوهات أقرأ فيها بعض القصائد. لكن المبلغ النهائي للمنحة جاء أقل مما هو متوقع. أصبح معي مبلغ زائد من المال نظرًا لأنني لن أصور الفيديوهات. فكرت أن يضم الكتاب رسومات فنان. فكرت في وليد طاهر لأنني أحب عمله، وقد صنع من قبل غلاف الطبعة الأولى من «الطغرى». وكان غلافًا رائعًا. حادثته وتعمدت ألا يقرأ كل الكتاب، بل أعطيته فكرة عامة عن الموضوع. لم أرد للرسومات أن تكون تمثيلًا للمكتوب. ولما تقابلنا شجعته على ثيمة الحصان المنتشرة في الرسومات. وأعتقد أنه انطلق من رؤية للمتنبي في لحظتنا الراهنة. وأشعر أن الرسومات أضافت إلى الكتاب ولم تؤثر سلبًا عليه. كما أن الكتاب دون الرسومات سيكون قليل الصفحات. كان ذلك أفضل لعملية النشر.
يتحدث رخا في نهاية الكتاب عن مبادراته في إعادة العلاقة مع الأصدقاء والتعرف على أشخاص جدد. ملأني الامتنان حين وجدت نفسي جزءًا من هذه العملية، وأنني من أولئك الجدد الذين رغب في التعرف إليهم. كان لقائي الأول مع رخا في منتصف يونيو عقب صدور الكتاب. أعرب عن رغبته في لقائي والتعرف عليّ. أهداني كتابه وتحدثنا. بعد أن قرأت الكتاب، وقبل بداية الحوار، كانت سعادتي كبيرة لأنه مستمر في التواصل مع الناس، ولأنني سأقابله. ربما قلبي لم يكن سمكة كقلب يوسف في صدره، لكنه ارتعش.
وسألته في نهاية الحوار لأتأكد إن كان مستمرًا في نظام حياته الجديد من حيث المواظبة على الرياضة والتوقف عن التدخين، واستمرار العلاقة مع الآخرين:
لا زلت متوقفًا عن التدخين ومواظبًا على العوم بالطبع، وهذا من أهم ما حدث، ولا زلت جاهزًا لمقابلة الناس ورؤيتهم، ربما ليس بنفس كثافة نشاطي الاجتماعي السابق. لم تعد بداخلي حالة ما قبل قراءة المتنبي، بأنه لا علاقة لي بالآخرين. كانت حالة تجاوزتُ فيها حتى العداء أو الغضب، لأن العداء أو الكره أو الغضب يشكلون في ذاتهم علاقة مع الآخر. إحساس التصالح مع الآخرين موجود الآن. أتواصل مع الناس وأتعاطف معهم.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن