دشّنت مؤسسة قضايا المرأة المصرية بالتعاون مع مؤسسة المرأة والذاكرة وحملة «الولاية حقي» في 16 مارس الجاري حملة تحت عنوان «قانون أسرة عادل». الحملة التي تستمر حتى نهاية مارس، تركز بالأساس على إشكاليات قانون الأحوال الشخصية الحالي، وتهدف إلى تقديم مقترح بمشروع قانون جديد يعالج مشكلات القديم.
القانون المقترح من قبل مؤسسة قضايا المرأة يقترح تعديلات كثيرة أبرزها حق الأم التي تعرضت لاغتصاب في نسب الطفل لأبوه. ويقترح أيضًا أن يكون الطلاق بيد المحكمة بدلًا من الطلاق بإرادة منفردة، وتعويض الزوجة في حالة الطلاق. ويعطي مشروع القانون حق الطرف غير الحاضن في اصطحاب الطفل (استضافته) بشكل منتظم، كما ينص على ضرورة احتواء عقد الزواج على شروط مضافة يتفق عليها الطرفان، قد يكون من بينها تقسيم الثروة عند الطلاق. يضع مشروع القانون كذلك الأب في المرتبة الثانية بعد الأم في شأن حضانة الأطفال. كما يقترح إقرار حق الأم في حضانة أطفالها في حالة الزواج مرة أخرى، وحق الأم المسيحية المتزوجة من رجل مسلم في الاحتفاظ بحضانة أطفالها، أسوةً بالأم المسلمة. كما يقبل المشروع تعدد الزوجات ويقترح منع زواج القاصرات.
مشروع القانون يأتي كرد فعل ضد مشروع قانون مقدم من الحكومة للأحوال الشخصية، سُرّب للإعلام في فبراير 2021، لكنه سُحب لاحقًا. أثار القانون المقترح غضبًا كبيرًا، ووجه بتدشين حملة «الولاية حقي» من قبل مؤسسة المرأة والذاكرة. قانون الحكومة المثير للجدل أعطى الحق للولي في المطالبة بفسخ عقد الزواج خلال سنة من تاريخ العلم به أو تاريخ العقد، شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب، لعدة أسباب منها على سبيل المثال أن يكون الزوج غير كفء. فيما لم يعطِ القانون المقترح للأم حق الوصاية المالية على أطفالها القصر.
في هذا الحوار، تشرح المحامية ورئيسة مؤسسة قضايا المرأة، عزة سليمان، لـ«مدى مصر» إشكاليات قانون الأحوال الشخصية القائم، وفلسفة مقترح مؤسستها نحو قانون أسرة أكثر عدالة.
مدى مصر: ما هي أبرز مشكلات القانون الحالي، من الناحية التشريعية ومن جانب التطبيق؟
عزة سليمان: إشكالية هذا التشريع أن نظرة المشرع التي كانت خلفه عام 1920 هي التي تحكمنا حاليًا. وحتى مشاريع القوانين المتتالية التي تم اقتراحها من قبل الحكومة أو الأزهر أو حتى الأحزاب، تكرس لنفس النظرة، وهي أن النساء لا يتساوون مع الرجال، وأن على النساء طاعة الرجال، باعتبار أن لديهم المال ورجاحة العقل لإدارة الأحوال الشخصية.
من حيث النصوص، هناك إشكاليات في نصوص الطلاق. ففي الوقت الذي يستطيع الرجل تطليق زوجته بالإرادة المنفردة، شروط الطلاق للزوجة محددة ومعقدة ويجب إثباتها، ما يجعل النساء يقضين سنوات في المحاكم للحصول على الطلاق. وبعد الطلاق، من السهل على الرجل أن يعيش حياته ويتزوج مرة أخرى، فيما تتوقف حياة النساء في المحاكم للحصول على حقوقها وحقوق أطفالها. هناك مشكلة أيضًا في ترتيب الحضانة للأب، والتي تأتي في مرتبة متأخرة جدًا، رغم أن قرار الإنجاب هو قرار مشترك بين الأم والأب. هناك أيضًا مشكلة في نصوص الولاية/الوصاية والتي تذهب جميعها للرجال، وحتى في حال وفاة الأب، يجب على الجد التنازل عن ولايته على الأطفال للأم، وكأن النساء ليس لديهم وصاية على أطفالهم، فيكون هناك صعوبات في استخراج شهادات ميلاد، وجوازات سفر، أو التصرف في تعليم الأطفال، وتحاسب الأم في حالة الوصاية المالية من قبل النيابة الحسبية في مقابل أن الأب لا يحاسب لو في نفس الموقع باعتباره ولي طبيعي.
إسقاط الحضانة عن الأم المطلقة في حال تزوجها مرة أخرى مشكلة أيضًا لأن هذا يدفعها إما لعدم الزواج أو الزواج بشكل غير رسمي أو استخدام ذلك لابتزازها. رأيت أمهات يدفعن المال حتى لا يتم فضحهم بأنهن تزوجن مرة أخرى ويخسرن حضانة أطفالهن. أيضًا مشكلة نصوص المفقود، والتي تضع أربعة سنوات لاعتبار الزوج مفقودًا، ولو عاد المفقود يتم التعامل مع الزوجة أنها مثل الكرة، فتعود لزوجها الأول، دون إرادتها، حتى لو كانت تزوجت مرة ثانية، طالما لم تنجب من الثاني. يخلو القانون الحالي أيضًا من «الاصطحاب/الاستضافة»، فلا يعطي الحق لغير الحاضن/الحاضنة من المشاركة في مسؤولية الأطفال وتربيتهم، رغم أن هناك ضرورة لذلك مع وضع كل المعايير التي تحمي الأطفال.
في التطبيق، هناك إشكاليات في محاكم الأسرة، فلا يوجد دور قوي لمكاتب التسويات، ورأي الخبراء غير ملزم للقضاة، فالقضاة لهم السلطة التقديرية. هناك مشكلة أيضًا تتعلق بمدى تأهيل من يقومون بالتعامل مع هذه القضايا، هل يراعون الأبعاد الاجتماعية والنوعية؟ وهل يحصلون على تدريب منتظم للتعامل مع المشكلات التي يواجهونها؟ تأهيل مرفق العدالة مهم، بما في ذلك الشرطة والطب الشرعي. من الأمثلة على مشكلات التطبيق مثلًا موضوع الولاية التعليمية على الأطفال، وهو أمر منصوص عليه للأم الحاضنة، بشهادات ميلاد الأطفال، لكن بعض القضاة يطلبون رؤية الأطفال، والأمهات يرفضن تعريض الأطفال لهذه التجربة.
م.م: لماذا أثار مشروع قانون الحكومة المقدم في فبراير من العام الماضي غضبًا واسعًا؟
ع.س: رسّخ المقترح نفس فلسفة المشرع وراء القانون الحالي، من التعامل مع النساء ليس باعتبارهن مواطنات، ولكن باعتبارهن وعاء. أعطى هذا المقترح سلطة للولي لفسخ عقد زواج المرأة، التي زوجت نفسها، في حال اعتبر الزواج غير متكافئ، وكأن النساء ليس لهن الحق في أن تكون لديهن تجاربهن واختياراتهن، وأن يصبحن مسؤولات عن اختيارهن. فهل يفسخ الأب مثلًا عقد زواج ابنه لو رأى أن الزواج غير متكافئ؟ كم من أب استخدم سلطته في الولاية لتزويج بناته زواجات «خايبة» لأسباب مختلفة، ومنعهن من استكمال تعليمهن لأن لديه تلك السلطة؟
م.م: ما هو منطق وأهداف مشروع القانون الذي تقترحونه؟
ع.س: الفلسفة التي ننطلق منها هي المساواة بين الرجال والنساء، مثلما ينص الدستور المصري والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر. كما انطلقنا من قوانين أحوال شخصية في بلدان عربية وإسلامية، واستندنا لتفسيرات الشريعة الإسلامية. نحن نتصور قانونًا متكاملًا، نراعي فيه المنظومة التشريعية، ومعالجة النواقص في القوانين الأخرى المتعلقة بالأحوال الشخصية. ونسعى لتأهيل مرفق العدالة مع تطبيق القانون المقترح. قمنا بتعريف الزواج، ليس باعتباره إمتاع أو ملكية، بل باعتباره مسؤولية متساوية، ويجب أن تتوافر مبادئ في منظومة الزواج.
يمنع القانون المقترح «الطاعة» والطلاق الشفهي والفردي والرجعي (في شهور العدة). في حالة الخلاف سيكون الطلاق بيد المحكمة. طلبنا أيضًا أن يتضمن عقد الزواج شروطًا بين الزوجين، وهذا سيسهل على المحاكم أيضًا. سيكون ملف الأحوال الشخصية في محكمة واحدة، مش قضية نفقة هنا وقضية رؤية هناك. المحكمة ستنظر في القضية لو فشل الصلح وتقدر الضرر وتعويض الضرر. لن تسقط حضانة النساء على أطفالهن في حال الزواج مرة أخرى، إلا في حالة وجود خطورة على الأطفال. الأمومة ليس لها دين، ومن حق الأم المسيحية احتضان أطفالها أيضًا.
يضع القانون المقترح أيضًا عبء نفي النسب على الأب، وفي حال رفض الأب إجراء تحليل الأبوة، يُستخدم ذلك كحجة قانونية ضده في المحكمة. ويمنع تزويج القاصرات، وليس منع توثيقها مثلما في القانون الحالي، ويقترح القانون عقوبات على الشهود والولي ومن عقد الزواج. ستتساوى في القانون أيضًا الولاية المالية والتعليمية بين الأب والأم.
م.م: في مشروع القانون اقترحتم تقنين تعدد الزوجات وليس إلغاؤه. لماذا؟
ع.س: منذ عشر سنوات كنت مع المنع التام للتعدد، ولكن الواقع الذي رأيناه في عملنا في محافظات مصر مختلف. رأيت أزواج ارتضوا الحياة مع زوجات مرضى، بشلل مثلًا، وليس لديهن عائل آخر. كما أن المنع بشكل قاطع سيحتاج تدخلًا من الدولة، والدولة لن تتحمل تلك المسؤولية الآن. لذلك يقدم القانون تصورات تمنع تعدد الزوجات في التطبيق دون الضرر بالنساء. في تصورنا لو أراد رجل الزواج مرة أخرى، ستتحقق المحكمة من قدرته المالية، وسيكون الزواج الثاني بقرار من المحكمة، ولو تقرر الطلاق، لن يكون بقرار منفرد للزوج، وعليه أداء واجباته المالية تجاه زوجته الأولى.
م.م: لماذا لم تقدمون مقترحًا لمشروع قانون أحوال شخصية مدني؟
ع.س: كان لدينا أمل في 2020 بقانون مدني لكل المصريين والمصريات، يسمونه قانونًا مدنيًا أو قانونًا علمانيًا، لا يهم. المهم أن يشمل مبادئ العدالة والمواطنة والحرية والإنصاف واحترام الدستور والاتفاقيات الدولية. وأنا أدعي أن القانون الذي نقترحه يميل بدرجة كبيرة لأن يكون قانونًا مدنيًا. وأنا في مجموعات أخرى تعمل على قانون أحوال شخصية مدني، وأرى أننا كمجموعات علينا مناقشة وطرح كل ما نريده، لأن من المهم خلق حوار وكسر تابوهات.
م.م: ما هي خطة حملة «قانون أسرة عادل»؟
ع.س: نهدف لخلق حوار حول مشروع القانون. تبنت النائبة نشوى الديب، مشروع القانون، وحصلت على توقيع 60 نائبًا، وقدمته للجنة التشريعية في البرلمان، وهي خطوة إيجابية، لكن لا نعلم إن كان سيتم مناقشته أم لا. في السابق تبنت [النائبة] عبلة الهواري مشروع قانون سابق قدمناه، وحددوا لنا لجنة استماع، ثم وضع المشروع في الدرج. نناقش مشروع القانون أيضًا مع مجموعات نوعية من منظمات وأحزاب وإعلاميين ومحامين وغيرهم، في محافظات مصر المختلفة، وسننشر أيضًا شهادات من نساء يروون فيها مآسيهن مع قانون الأحوال الشخصية الحالي.
تقارير ذات صلة
بعد أول زيادة في وحدات «الإيجار القديم»، المستأجرون يتخوفون من الزيادة القادمة
من المتوقع أن تشعل الموجة المقبلة من الزيادات الإيجارية مزيدًا من التوتر
المالك والمستأجر والإيجار القديم.. عقود من التوتر من التنظيم إلى التحرير
عدالة غائبة حتى الفصل الأخير.
ليه مستعجلين على قانون جديد للإجراءات الجنائية؟ حوار مع حسام بهجت
تتحدث رنا ممدوح مع مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت حول «الإجراءات الجنائية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن