تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حوار | عن الوطنية والأفندية والنيش.. مع محمد نعيم

حوار | عن الوطنية والأفندية والنيش.. مع محمد نعيم

كتابة: علي حسين العدوي 21 دقيقة قراءة

تبدو لي كتابة محمد نعيم، ربما منذ 2015 على فيسبوك -وسيلة التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا في أوساط المتعلمين والقادرين على القراءة والكتابة في مصر- في خانة «التعليق العام». فهو لديه القدرة على كتابة عدة بوستات بشكل يومي تتراوح بين تحليل سياسي ثاقب لحدث آني محلي أو عالمي، وربما تحليل ثقافي اجتماعي معتبر، وتعليقات على مباريات قدم محلية ودولية، أو لمحات أو إفيهات ذكية ومكثفة وسريعة، عن الخليل كوميدي أو فساتين الجونة أو ميم أو وفاة ممثل أو مسيرة مخرج.

تتسم كتابة نعيم، صاحب كتاب «تاريخ العصامية والجربعة» الذي نحن بصدد التعليق والنقاش والحوار حوله، بكونها تنطلق من موقعه ككائن سياسي ومثقف شيوعي تقدمي معاصر، يؤمن بالمادية التاريخية، وابن بار لزمنه وتجربته. لا يخوض غمار الكتابة تماشيًا مع الرائج ولا على أثر الوسواس القهري الأعظم لليسار «ألا نكون متعالين على الجماهير»، أو في سبيل أندلسه وفردوسه المفقود؛ الاتصال الواسع والدائم مع الجماهير والحشود. بينما ما يمكن أن نلاحظه كثيرًا هو رغبته في كبح جماح هذا المستقر والسائد والرائج سياسيًا وتاريخيًا وناشطيًا واجتماعيًا، وتغيير مسار قراءته، إلى اتجاه أكثر تأملًا وتساؤلًا، وهو ما أزعم أنه المنطلق الأساسي للتراكم النظري وراء هذا الكتاب، الصادر عن دار المحروسة منذ شهور.

هنا لا أنشغل بنقد الكتاب بقدر ما أهتم بطرح تقديم موجز من وجهة نظري، وبعض النقاط والتساؤلات التي أسأل فيها نعيم، حول ما لفت انتباهي، من أسلوب الكتاب وما يقترحه من طرق للسرد والتفكير.

بصفتي باحث ومشتغل بالصور والتفكير عبر الصور، وفي قلب منها الأفلام والفنون البصرية، وتاريخيهما، يقدم «تاريخ العصامية والجربعة» منهجية للتفكير في تاريخ مصر والمصريين الاجتماعي الحديث، عبر الصور، حيث يطرح في حوالي 200 صفحة، من القطع الطويل تأملات نقدية في السردية الرسمية المتعارف عليها، المستقرة في المتن والهامش، لتاريخ الحداثة المتعثرة في مصر، على مدار أكثر من قرنين، منذ أعقاب الحملة الفرنسية وحتى أعقاب ثورة يناير، عبر قراءته من منظور صارم وناظم يتمسك به الكتاب، وهو جدلية العصامية والجربعة، التي يمكننا أن نفهمها كرحلة الصراع والجدل بين الصناعة الفعلية لصور التفاعل والترقي والتطور في حياة المصريين، من خلال الجد والاجتهاد والكدح والعمل والحظ والصدف دون غضاضة وبالاطلاع والمعرفة والتعلم، والذي نتابعه بشكل أساسي في الكتاب، منذ عصر محمد علي وحتى ستينيات القرن الماضي، وبين اصطناع وتصنع وادعاء صور وسلوكيات وأداءات وطرق حياة يومية لاستيفاء نماذج صور مهيمنة، ليست ذات أصل في بيئة الإنتاج المصرية، لخلق تصورات إنجازات وهمية جمعية وفردية، تعمل على تغذية أحاسيس نرجسية مؤقتة، بالرضا عن الذات، وتعمية  المساءلة عن سبب أي مشكلة وأصل أي داء. 

وهو ما نجد تجليه الأكبر والأوضح في الكتاب تحت مسمى «الأمركة» وتبعاتها منذ عصر السادات والانفتاح والاستهلاك المفرط. على سبيل المثال لا الحصر، تطور مقولة نعيم في الكتاب «تقديس المصريين للتعليم واحتقارهم للعلم» لعلاقة التعليم الوثيقة في مصر، منذ عصر محمد علي، عبر جدلية العصامية والجربعة، بالوظيفة والسلطة وتحصيل الأموال والترقي ثم المظهر الطبقي. 

 مثلًا، يمكننا أن نرى تمثيلًا رئيسيًا بيّنًا للعصامية في فيلم «لعبة الست» (1946- ولي الدين سامح)، لنجد نجيب الريحاني يقوم بدور حسن أبوطبق الأفندي الفقير العاطل، الذي من خلال العمل والجد والاجتهاد والحظ والصدف في إطار الاقتصاد العالمي للحرب العالمية، التي أدت إلى ترقي سريع -وبالتالي صور مونتاج سريع- وصلًا إلى صورة حسن أبو طبق الثري صاحب المحلات. هذا في مقابل صورة هامشية للجربعة من عائلة حبيبة حسن «لعبة» (سنية جنح وإبراهيم نفخو) حيث تقترب «لعبة» لفترة ضمن أحداث الفيلم من ثري لبناني، يغدق على أهلها الأموال فيبدون يؤدون صورة الجربعة، كأنهم أغنياء منذ أن ولدوا. 

من فيلم لعبة الست

في مثال آخر، فيلم «عصر القوة» (1991- نادر جلال)، نجد تمثيلًا واضحًا للجربعة. حيث أن الفيلم من المفترض أنه من تأليف بشير الديك، لكنه في حقيقة الأمر مستوحى ومضروب ومنقول نقلًا رديئًا من ثلاثية «الأب الروحي» الأمريكية، للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، لنرى مصر كأنها أمريكا، كأنها القوة الاقتصادية والسياسية الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في العالم، والتي تحوي أكبر شبكات فساد مالي واقتصادي وسياسي في العالم، خلاف أن العقدة الرئيسية في الفيلم، هو الصراع بين رأسي جناحين داخل عائلة فساد كبيرة، حول صفقة تصفية أسلحة حلف وارسو. 

من فيلم عصر القوة

المفارقة أن طوال عقد الثمانينيات وبدايات تسعينيات القرن الماضي، كان بشير الديك يعمل بين أفلام نادية الجندي وأفلام عاطف الطيب، ربما بنفس القدر والجد والاجتهاد. بين أفلام صور الأمركة والجربعة والـcow woman مع نادية الجندي، امرأة قادرة على أن تمسك زمام أحداث الفيلم، من أوله لآخره، وهو ما يعد نادرًا ومميزًا في تاريخ السينما المصرية، أن يذهب النساء والرجال على السواء إلى السينما لمشاهدة أفلام تقوم ببطولتها ممثلة امرأة. بينما على الجانب الآخر في أفلامه مع عاطف الطيب نرى صور الذكورية الجريحة لأفول عصامية الطبقة الوسطى الناصرية. 

وصولًا أخيرًا إلى صور الأنفلونسرز على وسائل التواصل الاجتماعي، من أشباه هادية غالب و«علا عبدالصبور» في مسلسل «البحث عن علا» على نتفليكس، إلى بائع الفريسكا في الزمالك، إلى فيديوهات نموذج دبي والحالمين بدبي، والشكوى من التبضع في ZARA، والطبقية بين المناطق المختلفة في القطامية هايتس، حيث تلتقي صور «العصامية» التي أصبح اسمها «ريادة الأعمال» و«العصامي»، الذي هو ابن بنك مصر وستوديو مصر والرأسمالية الوطنية ومحاولات التحول نحو التصنيع في ثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم، ومشروع طلعت حرب والنقاش بين الزراعيين والصناعيين داخل البرجوازية الوطنية، الذي يفرد له الكتاب مقاطع هامة. 

هذا «العصامي» أصبح «رائد أعمال»، الذي هو «ابن مصر وضد الكسر» مع دعايات العسيلي الرمضانية السنوية لبنك مصر. هكذا تتحد صور «العصامية» مع صور «الجربعة» داخل كيان نرجسية فردانية واحدة، لتسويق وهم عن الذات، كأنه الحقيقة الواقعة التي لا مناص منها. 

محمود العسيلي

هذه الأمثلة وغيرها هي ما طرأت على ذهني وأنا أقرأ كتاب نعيم، فهو لا يعرضها بالضرورة، وهو ما يميز قيمة كتاب مثل هذا، كونه ضمن الكتب التي لا تكتفي بتقديم نماذج تفسيرية معينة ومشروطة، لكنه يقترح منهجية وطريقة تفكير تساعدنا في محاولات فهم تمثلات المعاصر والحديث من منظورات مختلفة.

caption

علي العدوي: هل تعتقد أن زعمي فيما يخص كتاباتك في أول مقدمتي صحيح أم لا، وكيف؟

محمد نعيم: للدقة ليس منذ عام 2015، بل من أواخر عام 2013، زيادة حضوري الافتراضي على فيسبوك والإسهام بالكتابة المتواترة عليه، كان مرده الأساسي هو أن حضوري المادي في العمل السياسي تراجع تدريجيًا، حتى أصبح منعدمًا. هناك علاقة مباشرة بين المسألتين، وأنا منذ صيف 2013، أعتبر أن السياسة في مصر في حالة احتضار، نظرًا لأن القطاع الأكبر من الشارع  المصري نزل في مواجهتها هي بالأساس في 30 يونيو. وهذا جعلني أتصور أن حدود حضوري الممكن في المرحلة التالية لن تتعدى الكفاح من أجل الحفاظ على حق التعبير وممارسة التفكير بشكل جماعي داخل المساحات المتاحة فعليًا، ولم يكن هناك مساحة متبقية وقتها إلا وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن جرى تفخيخ المجال العام بالكامل.

من هنا نبدأ الكلام، من أن قدرتي على الفعل العام كممارس للعمل السياسي قَلت ثم انتهت، ولم يكن هناك بديل سوى أن أختط لنفسي موقع «المثقف»، وأدعي أن الكلمة نور وبعض الكلمات قبور. كان ذلك في ظني الطريقة الوحيدة للاشتباك، خاصة أنني شعرت أن الهزيمة السياسية المربّعة، التي تلقتها قوى ثورة يناير تحتاج التأمل، والتفكير الجماعي، والاعترافات الشجاعة. وهي عمليات لن تتم سوى بالاشتباك مع الجحافل الينايرية الكبيرة الموجودة، والتي أصبحت هي الأخرى حبيسة لشبكات التواصل الاجتماعي.

لذا أتفق مع كلامك، وأجل زعمك صحيح، لقد رأيت أن دوري بعد 2013، هو الإسهام  في بلورة ميول تجمع بين التقدمية والرسوخ، لأن تجربة ما بعد 2011 اتسمت بتسارع شديد جدًا لأحداث سياسية دراماتيكية وملحمية، كانت غالبية المشتبكين معها ناس لم تسمح لها الأيام والتجربة ببلورة انحيازاتهم وتصوراتهم، وتم استنزاف طاقاتهم بشكل مأساوي. 

من هذا الموقع أنا لا أشتبك مع الجدل العام بغرض المتعة أو الحضور أو البحث عن موقع، وأتفق معك أن جانبًا من حضوري يبعث على التشاؤم، لأن شعاري الذي صغته بنفسى للمرحلة الراهنة هو أن التاريخ ليس مهمته إسعاد المثقفين، خاصة وأن ثورة المثقفين هُزمت هزيمة ثقيلة، ونعيش الآن زمن القصاص والانتقام من كل فكرة مركبة، والسعي لاجتثاث الأنتلجنسيا، ربما لأول مرة، منذ بدء رحلة التحديث في مصر، بداية القرن التاسع عشر.

إزاء هذا الوضع، لا تمتلك الأنتلجنسيا الديمقراطية والتقدمية في مصر -بينما تتلقى ضربات «توكة حزام» سلطة تمقتها- إلا المراجعة والنقد الذاتي، وسبق أن نشرت مقال في «مدى مصر» في هذا الشأن في خريف 2016. صحيح أن التفكير والمراجعة أثناء تلقي الضربات قد يشعر به البعض وكأنه نوع من تفهم الضرب نفسه وقبوله، لكنه في الحقيقة ليس كذلك، فقد يكون السبيل الوحيد لتحمل قسوته والحفاظ على الحد الأدنى من الأمل في المستقبل. في هذه السنين الثقيلة يمكن لكثيرين تدشين مرحلة الإنتاج النظري ومساءلة ما تم اعتباره في بداهة بلهاء ثوابت ومقدسات، خبرات تجربة العقد الثاني من الألفية كثيرة وكبيرة ومكثفة، وتحتاج جهودًا كثيرة لاستيعابها، وإلا سيجد المعاصرون لها أنفسهم غرباء، في عالم لا يدركون الحد الأدنى من عناصره المادية الحقيقية، وسط حالة من التيه المخزي.

ما سبق هو أساس التراكم الذي أفضى بي إلى كتابة هذا الكتاب، ويخلق دوافع الاستمرار داخلي من أجل إنجاز مشاريع فكرية أخرى، سواء كانت فردية أو جماعية. 

ع.ع: يبدو لي الكتاب غير عابئ بالتعميد الأكاديمي، ولكن عملًا معرفيًا معاصرًا، نجد فيه مثلًا كتاب لخالد فهمي وفيديو لإعلان مدينتي، يشكلان جزئين بنفس القدر من الإطار المرجعي، الذي يبني من خلالها الكتاب أطروحته، كما ينشغل بأن يكون جزءًا من قطيعة معرفية مع التقليد المعرفي الكرونولوجي، من الأقدم إلى الأحدث، في كتب التاريخ المدرسية والجامعية، لا ليبني سردية قومية متخيلة، نجد فيها مثلًا قدماء المصريين الفراعنة آباءً مباشرين لنا، ولكن يطمح إلى بناء سردية غير خطية، حول الحداثة المصرية المتعثرة، منذ الحملة الفرنسية، وحتى الآن، لنجد أن التصورات والمظاهر المختلفة المحددة لجدلية «العصامية والجربعة» ما زالت قائمة ومسيطرة. كيف عملت عبر الفصول المختلفة لتطوير ذلك المفهوم لزمن وسردية الكتاب؟ 

م.ن: لست أكاديميًا كي أعبأ، وأنا استعنت بكتاب خالد فهمى لأنه كتاب مهم وليس لأنه كتاب أكاديمي، واستعنت بكتاب عادل العمري لأنه كتاب مهم وغير أكاديمي. سبق وأشرت لك أن موقعي الحالي، كمثقف نشط مرجعه أنني سياسي خامل، ولذا فأنا لا أكتب إلى لجنة محكمين بغية الحصول على إجازة لما أكتب. 

 للأسف أعرف أكاديميين لامعي الذهن وقطعوا أشواطًا معتبرة في رحلة تبلورهم الفكري، ولكن روح الإنتاج الشغوف المشتبك داخلهم مقموعة بسبب ارتهان نوع  من «البيروقراطية المعرفية» لإمكانياتهم، بشكل يحرمهم من حقهم الأصيل في أخذ مواقعهم الطبيعية كمثقفين عموم Public Intellectuals. 

علاقتنا النقدية بأي تاريخ سابق يجب أن تنضبط بتراكم أثر المستوى المادي لهذا التاريخ على حياتنا المعاصرة، هنا والآن. لذا أنا لا يمكنني أن أقاضي تاريخ ما قبل لحظة بدء التحديث والرسملة في مصر، وعلاقة هذه اللحظة بالتطورات العالمية المعاصرة لها وسياقاتها آنذاك. ما دون ذلك حرث في البحر، من قِبل أناس عيّنوا لأنفسهم هويات متخيلة، ربما إلى حد الذهان، تمامًا مثلما تجد إنسان مصري معاصر يكره الإيرانيين، لأن قمبيز وقورش في الزمانات البعيدة غزوا وادي النيل. سأضرب لك مثلًا آخر، أنا لا أملك نظرة حُكمية متحيزة في صراع سليم الأول مع قنصوة الغوري، عام 1516، ولا أعتبر نفسي ابنًا لدولة سلاطين المماليك البرجية، التي كانت تحكم أغلب بلاد العرب من القاهرة، لكنني يقينًا أملك نظرة نقدية منحازة ناحية السلاطين العثمانيين مصطفى الرابع وسليم الثالث، الذين حكموا بدءًا من منتصف القرن الثامن عشر، فهؤلاء كانوا حكامنا الذين تراخوا، وتباطؤوا في التحديث والتقدم، الذي كان يجول في أوروبا وقتها. يمكن لي أن أقول في هؤلاء كلامًا «سياسيًا»، عن مسار التخلف والتقدم، الذي انتهى بخضوعنا جميعًا للهيمنة الإمبريالية في القرن التاسع عشر.

في الكتاب لدي سردية لها بداية ونهاية، ولكن كوحدة واحدة، تبدأ من الحملة الفرنسية على مصر، وحتى لحظتنا المعاصرة. لكن من داخل الحدود الزمنية لهذه السردية لا يوجد سبب يجعل السرد خطيًا، بينما تاريخ الحداثة هو تاريخ قصير العمر في مصر، وتاريخ دائري جدًا، ربما لدرجة العبثية، ويتسم بالانقطاع ثم إعادة طرح الأسئلة مرة أخرى كما هي. ما الداعي إلى الخطية لو كنا نطرح عام 2020 نفس الأسئلة التي كانت الحركة الوطنية تطرحها عام 1900، نفس سؤال الأصالة والمعاصرة، وسؤال حقوق المرأة في المجتمع، وسؤال علاقة المسلمين والأقليات الدينية الأخرى، في ضوء قواعد المساواة والمواطنة.

ما يبدو عدم خطية في سردي هو اشتباك مع المسار المتعرج، صعودًا وهبوطًا، لرحلة التحديث في مصر، حيث تسطع حركات تقدمية وتجديدية، تطرح أسئلة التقدم والاجتماع المشترك الحديث لعدد قليل من السنوات، وسرعان ما تُقمع أو تنطفئ،  ليسود بعدها سنوات من الموات، ربما تستمر لعقود، لتعود حركات جديدة تطرح نفس الأسئلة من جديد، كما لو كانت تبدأ من الصفر. لا تراكم ولا نقل خبرة ولا مراجعات للتجارب المتعثرة، ليأتي جيل جديد يعيد اكتشاف العجلة والماء، وهكذا.

 لقد قصدت أن يبدو الزمن تائهًا إلى حد ما لهذا السبب، بتسليط إضاءة خلفية غير مباشرة على سؤال صعود الحركات وهزيمتها وانقطاع دابرها ثم ضياع سيرتها وتراثها، ليعيد التاريخ نفسه مرة أخرى. حدث في علاقة ثورة 1919 بالثورة العرابية، ثم في علاقة دولة 23 يوليو بثورة 1919، ثم في علاقة الحراك الذي بدأ منذ 2005 بالحركة الطلابية في سبعينيات القرن العشرين. ويحدث هذا بشكل عام وبشكل قطاعي،  أقصد على مستوى المشهد السياسي الكلي أو على مستوى الحركات العمالية والنقابية والنسوية والدينية.

ع.ع: تطوَّر الكتاب من بوستات مطولة على فيسبوك حول ظواهر ثقافية واجتماعية يومية وأسرية مثل عنصرية المصريين تجاه لون البشرة السمراء والسوداء، وكيفية نُطق المصريين للغة الإنجليزية بلكنات مختلفة، وظاهرة «النيش» متحف الأسرة المصرية، لذلك يعتمد الكتاب مستويات متعددة للغة، من لغتك في البوستات، والتي هي اللغة المصرية الدارجة السلسة الساخرة، في كثير من الأحيان، إلى مستوى اللغة التجريدية في أحيان أخرى. لماذا هذه المستويات المتعددة للغة، في كتاب ينشغل أساسًا بظواهر يومية وسيّارة وأسرية، في كل بيت مصري تقريبًا، ويعتمد على مواد منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وكيف تطورت هذه المستويات؟

م.ن: صحيح، بدأ الأمر بكتابة بوستات على منصة فيسبوك، لكن دعني فى البداية أحدثك عن لغة كتابتي على منصة فيسبوك، فأنا عادة ما أكتب بسرعة شديدة، ولا أراجع  اللغة أو النحو، كما لو أن في رأسي شيئًا أريد التخلص منه. هناك بوستات فيسبوك تزيد عدد كلماتها عن 600 كلمة، بمعنى أنها أقرب إلى المقال القصير أو عامود الرأي، ولكن في الوقت نفسه لا تستغرق كتابتها أكثر من خمس دقائق.

حالة هذا الكتاب مختلفة، لأن ما دونته على فيسبوك كان قليلًا جدًا، وكان أقرب إلى نقاط منها إلى كتابة مكتملة. قراري بأن أكتب كتاب جاء لأسباب أخرى، أهمها أنني أريد كتابة ما يشبه المقدمة العامة لما سأكتبه  في أعمال لاحقة، بشكل أكثر تفصيلًا وتجريدًا.

 أما بالنسبة إلى مسألة اللغة ومستوياتها، فلو كان في استطاعتي لكتبت الكتاب كله بالفصحى السلسة المتمصّرة، لأن هذا يعني سرعة وبداهة في تحويل الأفكار إلى نص مكتوب. الفصحى السلسة المتمصّرة بالنسبة لي هي الأصدق بحكم عفويتها، وهى الأكثر يقينًا وشجاعة، لأنني لا أعبر بها إلا لو كنت متمكنًا تمامًا من الفكرة التي كتبتها. بالتالي ما طرحته أنت كميزة أعترف به أنا كمشكلة. ببساطة وصراحة، أنا خشيت من أن أعبر بالفصحى السلسة عن أفكار تجريدية. أنا في النهاية ابن تجربة الثقافة الوطنية ومستويات لغاتها وشفرات تلك اللغة ودلالات استخدام تلك الشفرات وأغراضها في بناء ديناميكيات العلاقة مع القارئ. والقارئ حاله كحالي، هو ابن  للثقافة الوطنية وعلاقتها باللغة، ابن العلاقة الشرطية المتخيلة بين تعقيد اللغة وعمق المغزى، أو الربط البديهي بين السلاسة والابتذال، وهو مثلنا جميعًا ابن لعالم ثقافي متكامل بحدود اليمين واليسار، يتعامل باستسلام مع اللغة العربية، كلغتين، ولعالمين، ولعدد من الشعوب داخل الشعب الواحد. أنا والقارئ من نفس الثقافة، وكلانا له نصيبه من الارتباك.

ع.ع: على عكس الشائع في كتاباتك التي دائمًا ما ترى الناصرية كأصل لكل الشرور في تاريخ مصر المعاصر وسبب مباشر لقيام ثورة يناير.. ماذا حدث؟ هل راجعت أفكارك وتعيد الآن الاعتبار لقراءة اليسار المصري التقليدية، الذي تحالف مع عبدالناصر، ويحنّ دائمًا إلى ناصر وعصره، في مواجهة السادات ومبارك؟ وهل يمكن أن تشرح لنا تفصيلًا كيف يمكن تصور الناصرية كحصن أخير للعصامية في مصر المعاصرة؟

م.ن: الناصرية ليست أصل كل الشرور، الناصرية هي كل عالمنا بجميع تفاصيله، لذا جمال عبد الناصر ما زال حيًا بيننا حتى وسط ميمات المراهقين. نحن لا نعي العالم إلا من داخل الحدود المبتسرة لنصف الجمهورية التي ولدت في يوليو 1952. والناصرية داخل نصف الجمهورية تلك هي ذروة المشروع الوطني المصري، في أكثر صيغه اشتمالًا على المستوى السياسي والاجتماعي، وبالتالي نقد الناصرية هو أصل كل نقد للاجتماع السياسي المصري الحديث. ومن نقد الناصرية يمكننا نقد مسار المشروع الوطني المصري نفسه، في تاريخيته، وصولًا لفهم آفاق مرافئه المحتملة. لم تكن حقبة السادات في هذا المسار إلا ناصرية حاولت التنكر لناصريتها، وقد تم ذلك بأشد الأشكال عصبية على المستوى الخطابي بالذات. وما حقبة مبارك إلا نفس ناصرية السادات، ولكن في طور السكون والهزيمة المتبلدة، التي لا يرتجى من وجودها إلا الحفاظ على وجودها.

من هنا يأتي الالتباس الذي شعرت أنت به، لأن ناصرية جمال عبد الناصر عندي هي الأساس، وهي محل النقد واللوم والشعور بالمرارة، وهي المجال التاريخي، الذي يمكن من داخله عمل تمارين ذهنية تستطيع تفكيك عناصر المشهد من أجل فهمه، بل وربما تخيل مسارات بديلة لمساره الذي تحقق. أما ناصرية السادات ومبارك فهي موضوع لتأمل هزيمة الناصرية نفسها، ورصد تراكم مفاعيل السقوط الذي أعقب يونيو 1967، والتي سميتها في الفصل الثاني من الكتاب «مرحلة التطبيع مع الهزيمة والتآخي مع الخطيئة»، وهو رصد يشبه تمامًا من يضع كلتا يديه فوق رأسه حسرة، بينما يشاهد عددًا من ضربات الجزاء الضائعة، بشكل متتالٍ، في مباراة كرة قدم مصيرية.

لذا أنا في حاجة لأن أوضح أنني بمعنى من المعاني أعيد الكثير من الاعتبار لطروحات اليسار الراديكالي المصري، ولا سيما ذلك اليسار الذي بزغ في نهاية الستينيات، مع تجربة تأسيس حزب العمال الشيوعي المصري، وقد استندت بالفعل إلى كتابات الراحل إبراهيم فتحي، في نقده لطبيعة السلطة الناصرية نفسها، خلال الخمسينيات والستينيات. لكن ما لا أعيد له الاعتبار يقينًا من داخل قراءات اليسار المصري هو طبيعة اشتباكه اللاحق مع الواقع  السياسي والاجتماعي الجديد، الذي فرضه أنور السادات، ومن بعده حسني مبارك، لأنه اشتباك استند إلى رفض ذلك الواقع الجديد دون القدرة على إيجاد تموضع سياسي داخله، يسمح له بالنضال الجاد في مواجهته، وهي عملية كانت تتطلب مرونة سياسية ومراجعات أيديولوجية عميقة لهذا اليسار وقتها. وما زاد الطين بلة هو تزامن هذه المرحلة مع عدم قدرة اليسار المصري على مستوى الإبداع الفكري والإنتاج المعرفي -شأنه شأن غالبية يسار دول العالم التالت- على ملاحقة التطورات السياسية المتسارعة، التي جرت داخل الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية في الثمانينيات، والتي انتهت بخروج الاتحاد السوفيتي نفسه، وفي معيته غالبية تلك التيارات اليسارية، من مسرح التاريخ.

المقصد أننا أبناء المشروع الوطني المصري، وحتى محاولات قتل الأب التي قد  تنتهي بالنجاح، لن تنزع عنه حقيقة الأبوة تلك. الناصرية تشبه شخصية عبد البديع العربى في فيلم «العار»، الأب الذي تكتشف في منتصف التصاعد الدرامي للمشاهد أنه تاجر مخدرات، ليس فقط تاجر مخدرات، بل قامر قبل وفاته بكل ثروة الأسرة، ووضعها في صفقة، ستفشل. فالحقيقة أن الإمكانية العصامية صاحبت الناصرية بالفعل، ليس لأن الناصرية في ذاتها مكافئة للمعاني العصامية، بل لأن التاريخ لم يجد للعصامية -على المستوى الخطابي على الأقل- موطئ قدم آخر في فصوله المصرية.

ع.ع: شكّل التطور التكنولوجي للتواصل منذ أواخر الستينيات وحتى الآن من الكاميرا الـ16 مم إلى الأيفون، ومن الكاسيت الى سبوتيفاي، عاملًا حاسمًا في العصامية المعرفية والفكرية والفنية والذاتية والارتقاء الطبقي لشرائح واسعة من الطبقة المتوسطة والشرائح الأقل دخلًا في مصر المعاصرة، وبالقطع لعب دورًا محوريًا في التشكل المعرفي لحركة اليسار الراديكالي الديمقراطي النقدي، والتي تعد صوتًا بارزًا فيها، بعيدًا عن الكمكمة الستالينية والناصرية ليسار الستينيات والسبعينيات. لماذا لم تفرد للتكنولوجيا مساحة أوسع وأكثر اعتبارًا في كتابك حول جدلية العصامية والجربعة، وأثر التكنولوجيا عليها؟

أعترف أن تركيزي على دور التكنولوجيا في دفع عجلة الإمكانية العصامية لم يتجاوز عدة صفحات، ربما لأنها تستحق تركيزًا منفصلًا، مثلها مثل معظم عناصر ومفردات عالم التسعينيات والعقد الأول من الألفية، لأن القفزة الكبرى حدثت مع دخول خدمات الإنترنت، وتحديدًا على مستوى إتاحة الإمكانية للملايين.

 لكن، لكي أكون منصفًا يمكن القول إن توفر الأداة التكنولوجية سمح لبضعة مئات من الآلاف في تحسين شروط حيواتهم، أو اكتساب معارف جديدة، لم يكن ليتسنى لهم ذلك دونها، لكنه لم يكن عامل تحول اجتماعي كلي على النطاق القومي. لقد سمحت شبكات الإنترنت فى تجميع جماعات مبعثرة ظلت لعقود تشعر بالعزلة والوحدة، والإنترنت مكنها من الشعور بالقوة، وعوض لها غياب حق التجمع والتنظيم. وأقصد بذلك الجماعات الثقافية الأقلوية، وأصحاب الميول الجذرية، أو المحجوب عنها الشرعية، وما أكثرها.

غير أن ذلك لا يمكن مقارنته مثلًا بما أفردت له فصلًا كاملًا أسميته «مؤثرات استثنائية على مسار العصامية والجربعة»، والذي تحدثت فيه عن مثلث الأمركة والهجرة إلى الخليج والصحوة الإسلامية، ودوره في سبعينيات القرن العشرين، وتمكنه من تأسيس ورعاية حراك اجتماعي جارف وواسع، أعاد تشكيل المجتمع المصري، من أول وجديد وبشكل عنيف. ما أعنيه أن التكنولوجيا لعبت دورًا في إعادة صف قوى موجودة، وتقوية قوى كانت ضعيفة ومعزولة، والإسهام في بلورة بعضها بشكل أنضج، لكنها لم تُسهم في خلق وابتداع مكون أو معنى لم يكن موجودًا من قبل.

ع.ع: في ضوء كتابك، كيف يمكننا تصور علاقة وطيدة ما تجمع بين الاستعمار والاحتلال الفرنسي للجزائر، والحنين إلى الإسكندرية الكوزموبوليتانية، في الفترة بين حربين عالميتين، قبل 52، والكومباوندات المسورة في صحراء القاهرة الجديدة؟ 

م.ن: وطيدة ومؤلمة وتبعث على الكآبة. دعني أولًا أضيف الاستيطان الصهيوني في فلسطين على الأمثلة التي أشرت إليها في سؤالك، ثم نقسمها جميعًا بشكل زمني، بين ماضٍ وحاضر، وما يهمنا هو الحاضر بالطبع. لكن دعني أقول بشكل عام، إن هناك تشابهات واضحة في عمق الذهنية الجامعة بين تلك الأمثلة. صحيح أن المسافة الزمنية تخلق فروقها المميزة، خاصة وأن طبيعة الدولة القومية اختلفت بين الزمنين، لكنها في الأخير تظل فروقًا غير جوهرية، إذا كان معيارنا هو الاجتماع الإنساني المشترك. ما يجمع الماضي والحاضر معًا على المستوى النظري هو أن  التحقق المنشود للنموذج المثالي في حال اكتماله هو خلق حالة استيطانية انعزالية بالمعنى الجغرافي والثقافي والخدماتي للكلمة، تسيطر على القرار السياسي وطريقة إدارة الموارد العامة، وتعرف نفسها بالضد عما عداها وخارجها، وتتوجس منه وتراه خطرًا محتملًا طوال الوقت.

بالعودة للماضي سنجد في الحالة الفرنسية في الجزائر نموذجًا متكاملًا ومتحققًا، حيث حواضر مدينية في الجزائر العاصمة ووهران ومدن أخرى، ظلت لمدة تتجاوز 120 عامًا مسكونة من مجموعات أوروبية، أغلبها فرنسية، كان عددهم يتجاوز المليوني نسمة، في بعض التقديرات، وكانوا يتمتعون بحقوق وامتيازات لا يتمتع بها الجزائريون من العرب والأمازيغ قانونًا، فالوضعية القانونية للسكان المحليين وقتها  لم تكن المواطنة الفرنسية بل كان يتم تصنيفهم كـ«سكان أصليين»، وذلك وفقًا للمنهج الاستعماري القديم. ساد هذا الوضع قرنًا ونصف، وأنتج شعبين على أرض واحدة، الأول هو شعب جزائري فرنسي محاط بالثاني، وهو شعب جزائري عربي أمازيغي. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، انفجر في الجزائر سؤال المساواة في المواطنة، وقتها لم يحتمل الشعب الجزائري الفرنسي استحقاقات هذا السؤال المشروع، وتصوَّر أنه قادر على إخضاع الأغلبية العربية الأمازيغية بالقمع والسلاح والإذابة الدونية. كانت نتيجة هذا الخيار المتغطرس أنه حينما انتصرت الأغلبية بعد تضحيات بطولية وملحمية، قامت بطرد هذا المكون الجزائري الفرنسي من البلاد، ورمته حرفيًا فى البحر عقابًا له على جرائمه الاستئصالية البشعة ورفضه التام للتعايش المشترك في وطن يتساوى فيه الجميع.

الحالة السالبة الموازية للحالة الفرنسية في الجزائر، هي علاقة إمارات الخليج العربي بالعمالة المهاجرة المقيمة عندها، والتي هي قوام الشعب المنتج العامل الحقيقي من بنغال وهنود وباكستانيين وعرب الدول الفقيرة. هؤلاء الذين لا يتمتعون بميزات المواطنة ويمكن نظريًا طردهم جميعًا ليلة ليلاء، واستبدالهم بآخرين بنفس الشروط. الفارق أن المستوطنات هنا هي مستوطنات «أصحاب الأرض» التاريخيين، لا يمكن منازعتهم الحق وفقًا للمنطق الوطني التقليدي. نفس المنطق الوطني الذي يجعل من اشتهاء الاستيطان الانعزالي في بلد مثل مصر ضربًا من الجنون، حتى ولو تم السعي خلفه بشراسة.

الاستيطان الانعزالي ليس شرط تحققه الوحيد هو الأغراب الأغيار أصحاب الملامح واللغة المختلفين، فهو من الممكن الشروع في تأسيسه من أهل نفس الجماعة السكانية الواحدة التي تبدو متجانسة ثقافيًا، ولكن في رحلة السعي تلك يمكنك أن ترى بوضوح كيف يسعى مستوطنونا المعاصرون إلى خلق شفرات للتمايز الثقافي الحصري فيما بينهم، فضلًا عن التمايز الاجتماعي الحاصل بالفعل. يتم ذلك بفجاجة تصل إلى حد محاولة خلق لكنة لغوية خاصة بهم. حاولت إيضاح ذلك في الفصل الثالث من الكتاب، والذي سميته شفرات التمايز الاجتماعي في مصر، وذلك تحت جزء بعنوان «التواءات حادة فى عضلة اللسان». الأمر وصل ببعض الأوساط البرجوازية محاولة اشتقاق لغة هجينة تجمع بين الإنجليزية والعربية، سعيًا وراء تجسيد الحالة الاستيطانية تلك، بالصوت فضلًا عن الصورة. حالة تفخر جهارًا أن أبناءهم لا يتحدثون العربية، إن لم يكن هذا استيطانًا فمن هم المستوطنون.

الاستيطان الانعزالي يخلق حالة بورجوازية بالبداهة، تصبو لأن تكون أرستقراطية، وغالبًا ما تشعر بالإحباط فى حالتنا المصرية، وترى أنها تستحق أفضل مستوى من الخدمات ومن الثروة العامة، وإن لم يتحقق لها ذلك بالكامل تشعر بالظلم وتفيض منها دموع الشكوى. وهي لا ترحب بالعوام إلا كخدم أو زوار عابرين. لكنها في حالتنا المصرية المكتملة لا تسعى فقط للانعزال، بل تحاول مع الوقت، وبمنتهى الجشع، سرقة اسم الشعب وصفاته، لتتحول صورتهم الاستيطانية تلك إلى صورة مصر كلها، بحيث نصل إلى لحظة لا يتم فيها تعريف الوجود المصري إلا من خلالهم هم، وتصبح صورة أي وجود آخر عدا صورتهم هم عن أنفسهم هي محاولة لتشويه مصر وصورتها. لدينا مثال قريب وفج يفسر كلامي، وهو حالة الهياج المعادي المأفون الذي صاحب عرض فيلم «ريش» للمخرج عمر الزهيري، لمجرد أنه صوّر دراما من داخل حياة الطبقة العاملة المصرية في لحظة زمنية سابقة!

 ينسى البعض أن في لحظة وصول الثورة الجزائرية ذروتها وارتكاب الاستيطان الفرنسي لسياسات إبادة جماعية في حق الشعب الجزائري، كان الشعار المضاد لهم وقتها هو الباخرة أو التابوت. في التحليل الأخير هناك فرنسا على الضفة الأخرى من البحر المتوسط يمكنها استقبال هؤلاء، بالرغم من الفارق الضخم في القياس، إلا أن ما ينشده المستوطنون الانعزاليون في مصر يجعل المستقبل أكثر انسدادًا وعبثية حيث لا موانئ ولا مرافئ ولا بواخر لهم جميعًا أو لغيرهم. كلنا مصريون، كلنا نحمل أرقامًا قومية، دولتنا تعرّف نفسها كجمهورية، بينما الفانتازيا الاستيطانية حاضرة بقوة، في بلد تستحيل فيه هذه الإمكانية تمامًا، إلا بأثمانٍ لا يقوى أحد، أيًا كان، على دفعها. ومع ذلك تسعى هذه الفانتازيا خطابيًا وثقافيًا وماديًا لتحقيق نفسها، ربما في هذا بعض الربط مع ما ذكرته عن الحنين غير المبرر لإسكندرية الأربعينيات الاستيطانية، التي كان أجداد من يحنون لها، فى أغلبهم، غير مسموح لهم السير في الأحياء اللاتينية وشارع فؤاد، إلا بعد دفع رسوم للدخول.

ع.ع: ما هو مشروع كتابك القادم الذي تعمل عليه حاليًا؟

لديّ مشروعان، الأول هو بالتأكيد عن الوطنية المصرية، وعن أسئلتها التأسيسية، وحدود تصوراتها عن الفرد والجماعة، وكذلك باعتبارها الأيديولوجية المهيمنة في مصر، بشكل رسم معالم وحدود وتخوم باقي الأيديولوجيات الأخرى، وجعلتها مشتقة منها، حتى لو كانت غير ذلك. أعتقد أن فهم الوطنية المصرية أصبح أمرًا ملحًا، على المستوى النظري والحركي على حد سواء. أما المشروع الثاني فهو عن ثورة يناير بدون تفاصيل كثيرة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن