تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حوار| شهاب الخشاب عن كتابه «أن تصنع فيلمًا في مصر».. البشر في ماكينة السينما

حوار| شهاب الخشاب عن كتابه «أن تصنع فيلمًا في مصر».. البشر في ماكينة السينما

كتابة: ناهد نصر 15 دقيقة قراءة
من كواليس فيلم «ديكور»

«أن تصنع فيلمًا في مصر» تبدو لي هذه الصياغة بلغة المخاطب أقرب للعنوان الإنجليزي لكتاب شهاب الخشاب Making Film in Egypt، من الصياغة العامة المبهمة التقريرية العلمية لـ«صناعة فيلم في مصر» فأهمية الكتاب، المبني على بحث دكتوراه من جامعة أكسفورد، تكمن في كونه تجربة مباشرة، وذاتية وحميمية وتفصيلية، لباحث متخصص في الأنثروبولوجيا، قرر تطويع أدواته البحثية، ليعيد اكتشاف كيف تولد الأفلام في مصر، ومن هم الفاعلون في الصناعة، وأي نظام يحكم العلاقات بينهم. 

يأخذك الكتاب في رحلة صناعة فيلم من الألف إلى الياء، خاضها الخشاب لعدة أشهر، زارعًا  أنفه وعينيه وعقله ومفكرته الصغيرة في المصنع الخلفي لما يعرف بالسينما التجارية، متابعًا بدقة كيف تتحول الكلمات والتصورات المكتوبة على الورق؛ لا إلى مشاهد ولقطات يظهر فيها النجوم داخل عالم جديد يولد من الصفر، بل إلى ساعات طويلة ومتواصلة من العمل، وخطوات لا نهائية تترتب الواحدة على الأخرى، لعشرات من الأيادي والعقول والخبرات في الجانب الخلفي من الكاميرا؛ في مكاتب شركة الإنتاج، وفي البنايات والشوارع بحثًا عن مواقع التصوير، وفي عربات الإنتاج، في زحام القاهرة، وصولًا إلى مواقع التصوير، قبل غروب الشمس أو قبل شروقها، حسبما يقتضيه المشهد، ثم إلى غرفة المونتاج، وليس انتهاءً بوصول الفيلم إلى شاشة كبيرة في مهرجان. 

لا يمنحك الكتاب نظرية، وإنما يحكي لك حكاية مضنية، ربما لم تفكر فيها من قبل. حكاية تواجه بوعي وتعمد السردية التقليدية التي تصدرها أحاديث النجوم والمخرجين، وفي أحيان أقل المؤلفين، على الشاشة وفي الصحف والمجلات، على مر السنين، عن المبدع القدير الأوحد. 

غلاف الكتاب

يخبرني الخشاب أنه لم يجد صعوبة في إقناع المشرفين على مشروعه للدكتوراه بجامعة أكسفورد بموضوعه، فبالإضافة إلى كون موضوع الدراسة جديد، فإنهم «مدركون أهمية السينما المصرية» يقول الخشاب، الذي يبدأ كتابه بتوضيحات علمية، حول العلاقة بين الأنثروبولوجيا وموضوع بحثه والدراسات الشبيهة التي تمت في بلدان أخرى.

الخشاب، الذي نشأ في مونتريال بكندا، يربط بين اهتمامه بالسينما المصرية، وبيت الأسرة الصغيرة. والدته الدكتوره مي التلمساني، الروائية والمترجمة والأكاديمية والناقدة السينمائية، ووالده الدكتور وليد الخشاب، الشاعر والأكاديمي والناقد السينمائي. لكن عائلته الممتدة عامرة  بأسماء مؤسِسة في السينما المصرية من بينها كامل وعبد القادر وحسن التلمساني، ثم طارق وخالد التلمساني. «اتربيت في مونتريال في بيت فيه أبويا وأمي مهتمين بالسينما، واتفرجت على أفلام مصرية كتير» يقول الخشاب «لكن طول عمري عندي تساؤل عن كيف تُصنع الأفلام في مصر. حصلت على الليسانس في الأنثروبولوجيا، مجال اهتمامي، بعيدًا عن الأسرة، لكن شغلني دائمًا تطبيق أدوات الأنثروبولوجيا على دراسة السينما المصرية» لهذا السبب بالتحديد يبدو كتابه مختلفًا في زاوية النظر، وفي أسلوب البحث ونتائجه. 

«السينما شغالة إزاي؟» كان هذا هدفه الأول، قبل 2013، بداية إجراء البحث الميداني في مصر. كان يرغب في توصيف دقيق لآليات عمل صناعة السينما في مصر. والهدف الثاني هو دراسة دور التكنولوجيا في حقل السينما المصرية. لكن مع مرحلة  كتابة الرسالة، بعد عامين قضاهما داخل كواليس الصناعة، تطورت بعض الأفكار. مثلًا، صارت من بين الأمور الملحة، كيف يتفاعل العاملون في الصناعة مع المستقبل المجهول الذي يواجهونه في أبسط تفاصيل عملية الإنتاج؟ وكيف يتعاملون مع علاقات العمل المعقدة والمبنية على نظام تراتبي صارم وغير عادل؟ كما صارت هناك ضرورة لإعطاء لمحة تاريخية مبسطة عن صناعة السينما في مصر. 

مع صدور الكتاب بالإنجليزية عن دار نشر الجامعة الأمريكية، يقول الخشاب إن تجربة البحث أثارت شهيته للمزيد من الأبحاث، في تاريخ صناعة السينما المصرية. حسب تعبيره فإن جزءًا كبيرًا من محتوى كتابه يدور حول ما شهده في الفترة من 2013 إلى 2016، من خلال معايشته المباشرة لتجارب إنتاج مجموعة من الأفلام المصرية، أبرزها «ديكور» لأحمد عبدالله السيد، ومن بينها «ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح. 

من موقع تصوير «ورد مسموم»

يعتقد الخشاب أن هناك مادة ثرية تسمح بكتابة تاريخ مغاير لصناعة السينما في مصر، بسردية مختلفة عن السائد في غالبية الأدبيات المكتوبة عنها، وهو ما لا يعني فقط التركيز على عناوين مختلفة عن تلك التي تناولها الكُتّاب ونقاد السينما الأبرز، مثل الأساتذة سمير فريد، وكمال رمزي، وعلي أبو شادي، وإنما مغاير في سردية علاقة السينما بالمجتمع، وهو جانب أهمله الباحثون والباحثات. «أشتغل حاليًا على كتاب عن تاريخ وزارة الثقافة في مصر، ومشروعي اللاحق عن تاريخ وأنثروبولوجيا التليفزيون في مصر. فالسينما جزء من حقل الإنتاج الثقافي بشكل عام، وأنا مهتم بتحليله من منظور أنثروبولوجي» يقول الخشاب.

لا تقوم الدراسة على إجراء حوارات مطولة، بمعزل عن سياق وجودها، وإنما تعتمد على وصف دقيق وتفصيلي لما يجري داخل رحلة إنتاج فيلم، وانطباعات وردود أفعال المشاركين في إنتاجه، ورؤيتهم حول ما يقومون به، وحول أوضاعهم، والطريقة التي ينفذون بها أدوارهم، بطريقة المعايشة المباشرة واليومية لرحلة الإنتاج، بكل تفاصيلها. يقول الخشاب «ده سر الحرفة» فدارسو الأنثروبولوجيا الاجتماعية يتدربون على المعايشة وتوثيق الملاحظات. 

وكانت خطة التوثيق تتغير حسب مقتضيات واقع عملية الإنتاج. وتضمنت الذهاب إلى شركة الإنتاج يوميًا، من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً، لمقابلة العاملين، والمشاركة أحيانًا في دورة العمل اليومية، وطرح التساؤلات، وتسجيل الملاحظات، يقول الخشاب «كنت أسجل ملاحظات في نوتة صغيرة طوال اليوم، ثم في آخر الليل أقضي ساعات في توثيق ملاحظات مطولة، كانت المصدر الرئيسي لكتابة الكتاب» 

تجربة الخشاب العملية التي نالت الحيز الأكبر من الوقت ميدانيًا ومن فصول الكتاب أيضًا، تمثلت في معايشته لإنتاج فيلم «ديكور» تأليف شيرين ومحمد دياب،  إنتاج شركة «نيو سينشري» وبطولة حورية فرغلي وماجد الكدواني وخالد أبو النجا. فهل كان اختيار الخشاب للفيلم الأساسي في بحثه مثاليًا للتطبيق على صناعة السينما بشكل عام، خاصة مع انتماء مخرج الفيلم للسينما المستقلة؟ 

يحكي لي الخشاب أنه تابع من خلال الشركة مجموعة أفلام كانت تنتجها في العام 2013 من بينها «النبطشي» و«القشاش» و«عنتر وبيسة» و«كابتن مصر» و«قط وفار» و«ديكور» الذي وقع الاختيار عليه بشكل أساسي، لأن الشركة اعتبرته فيلمًا ذا طابع خاص، كونها استهدفت مشاركته في مهرجانات دولية. أيضًا لأن اختيار فيلم واحد أساسي، كنموذج لدراسة حالة، أقل إرباكًا لقارئ أجنبي ليس مدركًا بالضرورة للفارق بين هذا الفيلم أو ذاك، بناءً على اسم أو تاريخ المخرج أو أسماء الممثلين. لكن المحتوى النهائي للكتاب مبني على الخبرة، التي اكتسبها من خلال متابعة أعمال مختلفة لـ«نيو سينشري» خلال تلك الفترة، ومن بينها «ديكور» 

يقول الخشاب إن «نيو سينشري» بنيويًا شركة تجارية، أنتجت الفيلم بميزانية كبيرة وبنجوم معروفين، حتى وإن كانت أجورهم أقل من غيرهم في السوق، كما أن فريق الإنتاج والتصوير يعمل في عشرات الأفلام التجارية. فمن حيث طريقة الصناعة وغالبية فريق العمل، ينتمي الفيلم إلى السينما التجارية، وبالتالي فإن محتوى الدراسة ينسحب على وضع السينما المصرية التجارية بشكل عام «عمري ما حسيت إني خارج الصناعة خلال متابعة إنتاج الفيلم» يقول الخشاب.

من كواليس فيلم «ديكور»

من الصعب أن تجد في ثنايا الكتاب تفاصيل مملة، مع ذلك ستدهشك الجرأة في طرح الأسئلة عن أدق الأمور التي ربما لا تلفت النظر من شدة اعتيادها، ورغبة الأشخاص الذين تجرى معهم الدردشات اليومية في التعبير عن أدق تفاصيل عملهم، والتحديات التي يواجهونها، والتي ربما لم نعد نظنها كذلك، كونها تحولت إلى آليات ثابتة في حقل الإنتاج السينمائي. 

لكن رحلة تحويل المادة الموثقة إلى رسالة دكتوراه، ثم كتاب، لم تكن أقل تعقيدًا. يقول إنه تقدم لجامعة أكسفورد بمشروع مكون من صفحتين عام 2011، لكن البحث الفعلي بدأ في العام 2012، ثم انتقل إلى مرحلة البحث الميداني لحوالي عام ونصف، قبل أن يبدأ في كتابة الرسالة التي استغرقت بدورها عامًا ونصف. 

جذريًا، لا يختلف بحث الدكتوراه عن الكتاب، لكن الوصول إلى فصول الدراسة الستة، استغرق وقتًا والكثير من التجارب لتصل إلى ما وصلت إليه.  صار السؤال المنهجي الكبير الذي قامت عليه الدراسة، هو كيف يتعامل العاملون في صناعة السينما مع مستقبل الصناعة؟ وهكذا جرى تقسيم الكتاب إلى مقدمة وثلاثة فصول عن الآليات التي يعتمدها العاملون في الصناعة للتفاعل مع المستقبل. وثلاث فصول تتضمن دراسات حالة عن كيف يتعاملون مع المستقبل المجهول لوجستيًا في الفصل الرابع، وفنيًا في الفصل الخامس، وفيما يتعلق بتوقعات الجمهور في الفصل السادس. 

يقول الخشاب إن نيته لإصدار الدراسة في كتاب سبقت إجراء البحث نفسه «بحث الدكتوراه يقرأه ثلاثة أو خمسة أشخاص على الأكثر ويبقى في المكتبة. من البداية كان عندي يقين أن الدراسة لو مبذول فيها مجهود حقيقي ممكن أن يكون ليها دور أوسع، بعيدًا عن أي حكم نقدي عن جودة المنتج نفسه. فقراء الكتاب ليس كلهم أكاديميين، وبعضهم مهتم فقط بالصناعة، وبيفكروا فيها بشكل مختلف، وهو ما كنت حريص على وجوده، لأن موضوع الدراسة أهم من أن يكون مجرد موضوع أكاديمي» ويخطط الخشاب لترجمة كتابه إلى العربية، حالما يتوفر الناشر المناسب. 

يقول شهاب إنه كان لديه بعض التصورات المسبقة عن صناعة السينما في مصر من الداخل، لكن هناك الكثير من الأمور التي فاجأته خلال البحث الميداني. «كنت أظن أنها منظمة بطريقة أشبه بالموجودة في أوروبا. وإن الناس تشتغل من السيناريو بشكل رئيسي، وأنهم يشتغلون عدد ساعات معقول، وأنهم يتعاملون  مع صناعة الفيلم على أنها عملية فنية بالأساس»

 لكن أبرز ما لمسه على أرض الواقع هو أن آليات صناعة السينما في مصر، في الكثير من جوانبها، تشبه آليات الكثير من مجالات الحياة في المجتمع المصري، ولا علاقة لها بشكل محدد بكون الصناعة هي السينما.

فآليات عمل عمال الإنتاج في السينما لا تختلف عن آليات العمل في القطاع الخاص بشكل عام. وبالمثل، طريقة عمل عمال الإضاءة والديكور لا تختلف جذريًا عن آليات عمل الحرفيين في مجالات أخرى. وهي أمور لم تكن متوقعة بالنسبة لباحث بَنى تصوراته على قراءات تصور العالم وكأن السينما منفصلة عما يجري فيه وعن آلياته. لكنه يقول إن هذه التشابهات هي في واقع الأمر منطقية تمامًا اجتماعيًا «من ملاحظاتي اكتشفت أنه لا يصح فصل السينما وصناعتها عن المجتمع. وبالتالي فإن السؤال الدائم عن هل السينما تؤثر في المجتمع أم المجتمع يؤثر في السينما، مالوش معنى، لأن السينما وصناعها جزء من المجتمع، ولهم صلات كبيرة به، لو لم ندركها مش هانفهم  ايه اللي بيحصل» يقول الخشاب. 

توقع الباحث أيضًا أن دور دخول التكنولوجيا الرقمية غيّر الكثير من الأمور داخل الصناعة في مصر، بيد أن هذه التغيرات لم تكن بنفس القدر الجذري الذي يتحدث عنه الناس عادة، فالتكنولوجيا الرقمية التي يستخدمها العاملون في الصناعة يوميًا، ومن بينها الموبايل، على سبيل المثال، كان لها تأثير أكبر من التغييرات الحادثة في الكاميرات ومعدات الصوت والمونتاج. 

من بين ملامح التراتبية التي تميز صناعة الأفلام في مصر، حسب الخشاب، تربُّع المخرج على قمة الهرم، بينما يجري تجاهل دور العشرات من العاملين، في مختلف مراحل الإنتاج، بداية من رؤوس الإنتاج الرئيسية، مثل المنتج الفني أو مدير الإنتاج ومدير التصوير ومهندس الصوت والمناظر، وصولًا إلى عشرات العاملين في أسفل السلم الإنتاجي. 

يقول الخشاب إن جزءًا كبيرًا من غرض بحث ميداني في السينما هو الذهاب أبعد من التصورات السائدة في الصحافة والنقد السينمائي، حول الفاعلين في إنتاج السرد السينمائي؛ والتي تدور في مجملها حول ثلاثة أشخاص، يجري تصويرهم على أنهم نجوم العمل السينمائي، في كل الأوقات: الممثل «النجم» والمخرج وكاتب السيناريو. بينما يتم تجاهل باقي الفريق الذين يلعب أدوارًا جوهرية في عملية إنتاج الصورة والصوت. 

منطق التركيز على هذه الفكرة في بحث عن آليات الصناعة، حسب الخشاب، هو أنه إذا أردنا إعطاء صورة دقيقة عن الأعداد الكبيرة للكوادر الموجودة في الصناعة ينبغى النظر خارج حدود سلطة الشخصيات الثلاثة، وعلى رأسهم المخرج. فكرة «المخرج الإله اللي بيقرر كل حاجة» سلطوية أكثر من كونها فكرة فنية. 

 فالمخرج يمتلك كل القرارات الفنية في الفيلم ليس لأنه «أشطر واحد في الفيلم، ولا أكتر واحد مبدع، وإنما لأننا منحناه هذه السلطة والصلاحية» يقول الخشاب إن ما أراد توصيله من خلال مناقشة هذه الفكرة هو أن جزءًا كبيرًا من صناعة السينما، ومن صناعات أخرى في مصر، غير قائم على فروق فنية أو إبداعية، وإنما على تراتبية وعلاقات قوى بين البشر. لهذا فالحديث عن دور المخرج في الدراسة نابع ليس من كونه شخصًا مبدعًا، كما يحب معظم المخرجين إشاعته عن أنفسهم، وإنما بوصفه شخص يتمتع بحيثية داخل الصناعة، يستخدمها بأشكال مختلفة، سواء في علاقته بفريق العمل، أو من خلال قراراته بخصوص الفيلم بوصفه صاحب القرار الأوحد. «المخرجين مش بس ناس فنانين وإنما مديرين لموقع التصوير، وعندهم سلطة كبيرة جدًا على مجموعة كبيرة من البشر بشكل مش شرط يكون كوني، لأنه مش في كل مكان في العالم المخرج عنده نفس السلطة اللي عند المخرجين في مصر»

مع ذلك يقول الخشاب «هدفي مش كتابة رسالة دكتوراه لمناصرة حقوق العمال. وإنما معرفة الصناعة دي شغالة إزاي» فهناك تقاليد موروثة في آليات صناعة السينما تتضمن عدم العدالة في توزيع الأجور والأرباح، وبالتالي فإن وضع الفاعلين في عملية الإنتاج السينمائي في سياق أدوارهم الفعلية يُبرز تلقائيًا إلى أي مدى السرديات التقليدية عن صناعة السينما منحازة بشكل تام لعدد قليل من العمال داخل الصناعة. «عشان نعيد التوازن في سردية مغايرة عن الصناعة لازم نتكلم عن كل الناس، وطبعًا ده هينتهي إلى نزع الهالة عن المخرج، لأنه مهم لكنه ليس كل شيء»

واحدة من السمات الرئيسية في صناعة السينما في مصر، حسب الخشاب، هي القدر الكبير من عدم التوقع في كثير من جوانب عملية الإنتاج. ورغم محاولات كل العاملين في الصناعة توقع ما سيحدث على أرض الواقع خلال العملية، فإنهم لا يستطيعون ذلك بشكل كامل. لهذا فإن الطريقة التي يواجهون بها حالة المستقبل المجهول في أصغر تفاصيل الإنتاج «إن الواحد يسلم أمره لله ويشوف إيه اللي ممكن يحصل» على حد قول الخشاب، وهو ما يترجم فعليًا في القدر الكبير من المرونة، الذي يضطرون لاكتسابه مع الوقت، في مواجهة الأمور غير المتوقعة. 

لكن، هذه المرونة والقدرة على التفاعل مع المتغيرات والنواقص محكوم بالنظام الذي تُبنى عليه الصناعة في مصر، وهو نظام تراتبي يتسم بضرورة أن يكون العامل متاحًا في أي وقت، وأن يكتسب مهارة عدم الخطأ، ما يخلق ضغطًا على كل العاملين في المجال. لا يمكن الفكاك من الظروف الضاغطة التي يقع تحتها العاملون في صناعة السينما، على مستويات مختلفة بناءً على موقعهم في هرم الإنتاج، حسب الخشاب، إلا بإحداث تغييرات جوهرية في النمط الرأسمالي لصناعة السينما. ففي صناعات أخرى، هناك نقابات قوية تمنع العمال من العمل لساعات طويلة، وتمنع أصحاب الأعمال من استغلال العمال بالطريقة التي تتم في صناعة السينما، وهناك ضرورة، حسب الخشاب، لتوافر أشكال لحماية العمال في الصناعة، بما فيهم المخرج أو المصور «اللي هما واقعين تحت ضغط صناعة زي صناعة السينما رغم إنهم بيعملوا فلوس أكتر بكتير من ناس تانية في اللوكيشن»

من كواليس «ديكور»

مع ذلك يجد الخشاب من الصعب توقع مستقبل صناعة السينما في مصر. فبعد فترة بحثه، أي بعد 2016، شهدت الصناعة الكثير من التغيرات، غير المتوقعة، حيث ضاق مثلًا الإطار الأمني والمالي الذي يحكم المؤسسات المعنية بصناعة السينما والتليفزيون والفيديو. «لم يكن بالإمكان التنبؤ بحدوث هذه التغيرات، لكن وارد جدًا في بلد مثل مصر أن تحدث أمور شبيهة»، يقول الخشاب. بنفس المنطق يقول إنه لا يمكن التنبؤ بالاتجاه الذي ستسير إليه الصناعة في السنوات المقبلة. مع ذلك يشير إلى أنه لو نظرنا بأثر رجعي على صناعة السينما في مصر منذ منتصف الثلاثينيات، مع ظهور الاستوديوهات الكبيرة وحتى الآن، سنلاحظ مجموعة من الأمور الثابتة في طريقة عمل الصناعة، من بينها مثلًا دور من يمتلك رؤوس الأموال المسؤولة عن الإنتاج، ومن المسؤول عن تسيير أي جزء من عملية الإنتاج، ونظام النجم «ستار سيستم»  

كل هذه الأمور التي ظلت ثابتة عبر هذا التاريخ الطويل، تدفعنا للقول إن مستقبل الصناعة لن يشهد بالضرورة تغييرات رهيبة من حيث علاقات العمل أو التصور النمطي عن فريق العمل «الكرو» وطريقة عمله. صحيح أن هناك أجزاءً محددة في الصناعة تتعرض للتغير من وقت لآخر، مثل التغييرات التي أحدثتها التكنولوجيا خلال العقد الماضي، ومثل دخول مصادر بديلة للتدريب على صناعة السينما، كالمدارس البديلة أو دخول مجال السينما عن طريق الإعلانات أو التليفزيون، وهو أمر لم يكن يحدث خلال حقبة النيجاتيف. إلا أنه أيًا كانت التغيرات من المهم دائمًا، وبالنظر إلى المئة سنة من عمر صناعة السينما في مصر، التنبؤ بأن المستقبل لن يشهد تغيرات جذرية، خاصة في بعض الأمور، التي تمثل ثوابت الصناعة. وهذه نقطة، بحسب الخشاب، مثيرة للاهتمام «يعني الواحد مش لازم بس يفكر في تصورات عن إيه ممكن يختلف في المستقبل، وإنما ليه المستقبل يبدو وكأنه يعيد إنتاج الوضع القائم. ده سؤال مهم الواحد يسأله»

ويقول الخشاب إن عناصر بحثه ليست قاصرة على صناعة السينما في مصر، ففي مقدمة الكتاب هناك إشارة إلى أن «أنثربولوجيا السينما» التي هي مجال بحثه في مصر، استخدمت في نحو 15 إصدارًا على الأقل عن صناعة السينما، في دول مختلفة، وتتناول عناصر شبيهة لبحثه. وهو يشير إلى أن بحثه المبني على  المعايشة المباشرة دون الاعتماد على تصورات مسبقة، في النهاية أقرب إلى أرض الواقع من التصورات النظرية العامة، بل هو يحاول مخاطبة تلك التصورات. لكن عناصر البحث يمكن الحديث عنها بوصفها أعم من الخبرة المباشرة. «الفكرة في كيف نصل من المستوى العملي على أرض الواقع اليومي لمستوى أعم.  وده السؤال الكبير اللي ناس كتير في الانثربولوجيا بيسألوه. ازاي الواحد يوصل من خبرة وملاحظات ومعايشة إثنوجرافية إلى تصورات عامة عن البشرية» 

أسأله عما منحته تجربة البحث في صناعة السينما في مصر، فيجيب مباشرة «ده سؤال مهم جدًا بالنسبة لي» فعلى المستوى الشخصي منحته التجربة صداقات مع عدد كبير من الناس، كما منحه البحث معرفة استثنائية بمدينة القاهرة، يقول «كوني تربيت في مونتريال فإن معرفتي الحقيقية بالقاهرة جاءت من خلال بحثي عن صناعة السينما، لأنه منحني انطباعًا عن المدينة أوسع من التفاعلات اليومية المعتادة، لشخص بحكم طبقته الاجتماعية موزع بين الدقي والزمالك والجامعة» يقول الخشاب «تعاملت مع أماكن وطبقات واهتمامات وأطياف مختلفة داخل الصناعة. ماكنش ممكن أحقق هذا القدر من التفاعل مع المدينة لولاه» 

ويضيف أن تجربة البحث منحته خبرة حياتية غير مسبوقة، فالكثير من الأكاديميين، خاصة الذين لا يتعاملون مع المناهج الميدانية، شديدي المهارة والمعرفة في مجالهم في إطار المكتبة، بينما الباحث الميداني بسبب احتكاكه بالناس من خلال المعايشة يكتسب الخبرة بنفس الطريقة التي يكتسبها المتدرب في صناعة السينما، وهذا يغير من طبيعة الشخص «أنا شخصيتي تغيرت تمامًا من قبل وبعد البحث، اللي أجريته بين 2013 و2015، وخبرتي بالمدينة والحياة والناس اختلفت تمامًا. فالبحث بالنسبة لي أنا شخصيًا وبالنسبة لنمط حياتي جعل الدكتوراه والكتاب منتجات ثانوية بالنسبة لكل الحاجات اللي اتغيرت في شخصيتي وصداقاتي بناء على البحث» 

ويتحدث الخشاب عن أمتع ذكرياته خلال تجربة البحث «أفضل الذكريات والواحد  قاعد مع الناس في المكتب أو اللوكيشن والناس قاعدة تهزر وتحكي حكايات» أيضًا مشاهدة الأفلام على الشاشة هي لحظات سعيدة، بعد متابعة المجهود والوقت المبذول فيها «إحساس بالسعادة والإنجاز أظنه يشبه احساس السينمائيين  بأفلامهم وإن كان شعورهم أكبر مني بالتأكيد»

أما أسوأ ذكرياته فهي لحظات التوتر والمشاحنات بين الفريق تحت الضغط اليومي، وهي اللحظات التي لم ترد في كتابه، فضلًا عن تلك الأوقات التي كان يضطر فيها للبقاء في موقع التصوير 20 ساعة، ثم يظل مستيقظًا انتظارًا لموعد مهم في الصباح الباكر «أيام التطبيق كانت أسوأ الذكريات»، لكن بشكل عام يقول الخشاب «استمتعت برحلة البحث وكانت الذكريات الطيبة أكبر بكثير وأظن أن هذه الروح ظهرت في الكتاب»

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن