حوار| شارل عقل: وهج اللارنج والقناديل كاشف للهراء
«قبل خمسين عامًا من ظهورها الرسمي في 'ذا برونكس' بنيويورك، ابتدع جانجو راينهارت موسيقى الهيب هوب، ولا وجود لتسجيلات كما تدعي تلك القصة. كان رجال 'الجاز' الفرنسيين أولئك يرتجلون الموسيقى على آلاتهم، الجيتار والكمان والكلارينيت، ثم يعلن عازف الإيقاع عن وجوده بسولو على الدرامز. وكما تروي الأسطورة، يتناوبون على ارتجال القوافي. أما عن سبب عدم تسجيلهم تلك الإبداعات أبدًا؛ فذلك لأنهم ظنوا أنهم يمزحون! فكّري في ذلك لحظة.. صناعة بحجم مليارات الدولارات، تمتد عقودًا، وذات شعبية عالمية، كان من الممكن أن تبدأ على الجانب الآخر من العالم، قبل خمسين عامًا، إذا خطر لأحدهم فقط أن يضغط زرًا، لكنهم سهوا عن أنها موسيقى»
هذه النادرة ترويها سائقة شاحنة لكاتبة شابة، تركب معها، للوصول لغايتها، في فيلم Don't Read This On A Plane للكاتب والمخرج الأسترالي ستيوارت ماكبراتني. تُعجب الكاتبة بالجملة الأخيرة «لكنهم سهوا عن أنها موسيقى» تكررها لنفسها، ثم تسجلها على هاتفها.
بعد خمسين عامًا من وفاة جانجو راينهارت، في أوائل الألفية الثالثة وفي مكان يبعد كل البعد عن عالمه وعالم سائقة الشاحنة الأوروبية، تتأسس موجة مصرية تعرف بموسيقى الجاز الانطباعية ما بعد بعد الحداثية، ومثلما لم يسجل راينهارت إبداعاته التجريبية تلك، ضاعت معظم إنتاجات هذه الموجة في أثناء انتقال صناعة الموسيقى من الأنالوج للديجيتال.
لحسن حظنا أرّخ شارل عقل لتلك الموجة في روايته «أحمر لارنج» (دار الكرمة-2020) وهي روايته الأولى وكتابه الثاني بعد «غذاء للقبطي» على ظهر غلاف الرواية، والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية في الرواية فرع شباب الأدباء. يُموه عقل الخط الفاصل بينه كمؤلف وراوي القصة، ويكتب بنبرة جادة تتلاعب بتوقعات القارئ عن موسيقيّ هذه الموجة، الذي يُدرِك فور قراءة الجملة الاستهلالية للقصة «بالكيلوتات يا قائل» أنها موجة لم تحدث إلا على صفحات الرواية، وفي خيال كاتبها. والقائل هنا هو القائل نعمًا، أحد مؤسسي موجة الجاز الانطباعي التي امتدت فترة نشاطها بين عامي 2005 و2009. يقف القائل نعمًا مع الراوي، وسط شقة، يتشاركانها بحي المنيل، بالكلوتات، لينتجا أول ألحانهما: مقطوعة «الحمام المحشي المتغطي بالبقسماط»
وراء هذا النهج الساخر لهذه الافتتاحية، والذي امتد بطول الرواية، يستعير عقل كثيرًا من المعطيات الظاهرة بالفعل في الواقع، مما يدفع لتبصر ديناميكية الإنتاج الفني وحيثياته. يعطينا مثلًا استخدامه لفظة «موجة» عوضًا عن «حركة» أو «نوع» في وصف الفرقة، سببًا -وسط عدة أسباب أخرى تكشفها حبكة الرواية- للتحقق من انعكاس واقع الإنتاج الموسيقي، على القصة. فبتأمل ظهور واندثار أشكال الموسيقى العربية البديلة المعاصرة في الخمسة عشر سنة الأخيرة، كالمهرجانات والراب والإلكتروشعبي، لا يمكن إلا أن نصفها بالموجات. تأتي وتذهب، تتتابع وقد تتقاطع أحيانًا، تتناثر أصولها ولا تستمد الكثير من الحركات الموسيقية السابقة لها ولا تترك أثرًا جوهريًا على ما يلحقها. تتبلور حالة الضياع تلك أكثر في زمن أحداث الرواية، قبل أن نعتاد حملات الصيد التي يشنها مجال الإعلانات على صغار الموسيقيين وتحويلهم لمنتجات تدر ربحًا، أو قبل أن تصير إنتاجات كل من هبَّ ودبّ مشاعًا للجميع على منصات البث الموسيقي على الإنترنت. يكشف الراوي عن هذا التشتت مثلًا في تحليله لأسماء الفرق في تلك الحقبة:
«أشعر أن كل موسيقيّ مرحلة ما بعد الأنالوج/ ما قبل الديجيتال هجروا -متفقين- فكرة الاستحواذ على السوق، أو التطلع إلى الجماهيرية الشاملة، أو إلى أي تقدير على الإطلاق، بدوا كأنهم استسلموا من اللحظة الأولى. كانت حيرتنا في اختيار الاسم تعكس تمامًا هذا الطموح العام المتواضع في تحقيق أي شيء. منذ سنوات، انتهى عهد أن تكون أسماء الفرق معرفة بالألف واللام، قبلنا كلنا أن نكون جزءًا من كيانات أكبر، أو مرحلة انتقالية، أو عابرين مجهولين بلا أثر، كأننا كنا على دراية بعدم استقرار هذه السنوات، نعرف مصيرنا خلالها بوضوح عجيب. كنا تفاصيل هامشية أو فرعية أو تائهة أو خارجة عن الصورة العامة، وبؤرًا معتمة وأطيافًا ضوئية لا تُرى بالعين المجردة. كلنا كنا 'تحت الأرض'.. 'تحت السلم' و'درابزين' و'مزلقان' و'سلالم' و'أول يمين' و'مغلق للتحسينات' و'دور أول علوي' و'صوت في الزحمة' و'محطة' و'ترانزيت' كنا 'أصفر صحراوي' و'أزرق سماوي' و'بني شوكولاتي'»
الكتابة بالنسبة لراوي «أحمر لارنج» كانت طريقته لفهم ما حدث في تلك الحفرة الزمنية، ومحاولة لكشف الهراء. يأخذنا عقل في رحلة تُنهك قارئها في فهم معطياتها أولًا، ثم تنهكه ضحكًا حين يعتاد ألفتها. في هذا الحوار معه نتحدث عن الموسيقى والكتابة وطموح الشباب، ونتعمق في عالمه الغرائبي والواقعي في آن، متطرقين بالحديث إلى روايته الجديدة المصورة «قنديل الجو» برسوم حازم كمال، التي صدرت مؤخرًا عن دار الكرمة.
إلى أي مدى كان احتكاكك بمشهد الموسيقى البديلة أوائل الألفية مباشرًا؟ هل اضطررت مثلًا لعمل استقصاء لفهم جوانب هذا المشهد أم أنك عايشته بالفعل بما كان كافيًا لكتابة رواية عنه؟
نستطيع أن نقول إن لديّ احتكاكًا مباشرًا بمشهد الموسيقى البديلة، وإن كان في فترة متأخرة عن التي أتحدث عنها في الرواية. عملت كمدير مسرح ومنسق البرنامج الموسيقي للمسرح لمدة خمس سنوات، ولكن يسبقها بالطبع اهتمام بهذا المشهد ومتابعة مستمرة له، مما جذبني للعمل في محيطه. حاولت عدة مرات الكتابة بطريقة البحث في موضوع معين، لكن أشعر دائمًا أنني متطفل، ويخرج المنتَج -مهما كان البحث جادًا- به شيء من الضحالة، لا أتقبله. لدى البعض القدرة على عمل الأبحاث عن موضوع معين لفترة قصيرة نسبيًا والخروج باستنتاجات وملاحظات عميقة وجديدة، ليس لديّ نفس القدرة فأختار تباعًا الكتابة فقط عما أعرفه.
لا يمكن التغاضي عن أصالة وطزاجة التجربة الأدبية لـ«أحمر لارنج» ولكن هل تأثرت بأعمال أخرى تشابه القصة التي أردت حكيها في موضوعاتها، أو بأعمال ساعدتك في تخيل وبناء الهيكل الأدبي الذي أردت تحقيقه عبر الرواية؟
قرأت الكثير من الأعمال المتعلقة بالموسيقى بالطبع، وأداوِم على قراءة المقالات المتخصصة في النقد الموسيقي. وكلها مواد تُعين على معرفة آليات الكتابة عن الموسيقى ومفرداتها، ولكن لا أستطيع أن أقول إنها ألهمتني في تخيل الهيكل والبناء الأدبي. أظن أن الهيكل الأدبي الذي استخدمته غير مأخوذ من الروايات أساسًا ولا أستطيع أن أقول عن نفسي أنني قارئ روايات جيد.
التنسيق أقرب لتنسيق كتب الـnon- fiction، حيث يتعامل كل فصل مع فكرة محددة منفردة، بينما تتصل الفصول بتيمة فقط أو تتابع تقني. التتابع في الرواية هنا وقصص الشخصيات الفرعية مرتبة على مراحل إنتاج الموسيقى. الانجذاب للموسيقى ثم اختيار الآلة ثم تكوين الفريق وهكذا، لكنني أظن أنه يمكن قراءة الفصول بأي ترتيب، أو حتى قراءتها منفردة.

في ظل سلاسة الرقمنة (digitalization) وسهولة التداول الذي وفرته مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات البث الموسيقي، كيف اختلف مشهد الموسيقى البديلة في مصر الآن عما كان عليه في زمن أحداث الرواية؟
في وقت أحداث القصة تحديدًا وُجد شيء اختلف عن كل ما سبقه وانتهى انتهاءً حاسمًا. فنستطيع أن نحدد بثقة اللحظة التي بدأت وانتهت عندها أصنافًا موسيقية تجريبية معينة. وذلك لأنها لم تكن امتدادًا لما سبقها، ولم يحدث أي تطور بعدها. فكان لرواج القرصنة أواخر التسعينيات وبداية الألفية دورًا محوريًا في تغيير شكل الموسيقى، وتحديد بداية هذه الاتجاهات التجريبية. بجانب الطفرة التي أحدثها ظهور اليوتيوب وفيسبوك وساونكلاود عام 2006، ثم رواج استخدامهم لكتابة نهاياتها، بالطبع من أول الاختلافات الظاهرة التي تطرأ في بالي الآن، هو زوال فكرة الفرقة، الباند، فريق له اسم وشخصية عامة، يختلقها الأعضاء أو يلتحقون بها، ورجوع إنتاج الموسيقى بشكل فردي. وفكرة الفرقة هي أساسًا فكرة غربية، وطوال تاريخ الموسيقى العربية هي فكرة مستوردة. لم تكن أبدًا صيغة شعبية لإنتاج الموسيقى. سوى بالشكل المحدود الذي حدث أول الألفية، وهو ما جعل هذه اللحظة نادرة.
الموسيقى في الوطن العربي هي أقرب إلى مشروع استثماري، أو فريق منتخب من جهة ويد عليا. هذه الجهة، فلنقل إنها المُنتج، يقوم باختيار مطرب وكاتب كلمات وملحن وآلاتية، ويختلف كل هؤلاء مع كل أغنية، ويبقى المطرب فقط كواجهة لوحدة المشروع الفني، بينما تتغير كل معطيات كل أغنية منفردة. حلو مش وحش. يمكن أن تكون نتائج التجربة جميلة ومذهلة. ففي ذلك المنتخب، يمكن بالمال شراء موهبة أفضل كاتب كلمات وأفضل مغني وأفضل ملحن وأفضل آلاتية. ولكنه ليس منتِج ديمقراطي، ولا يسمح بظهور وازدهار مواهب متنوعة. فتجد في سوق الموسيقى الشعبية الـpop فئة قليلة جدًا من المؤلفين والملحنين هي ما تقدم أغلب أغاني السوق. طيب، وماذا يحدث لأي شخص يريد أن يعبر عن أفكار مختلفة؟ وماذا لو لم يكن الفن بالنسبة له وسيلة للتربح، لكن مجالاً للتعبير والمشاركة فقط؟ الفرقة في المقابل ذات المشروع الفني التشاركي، أصبحت ملاذ هؤلاء. لن نتخلص منك بمجرد أن نجد عازف جيتار أفضل قليلًا. الوحدة في مشروع الفرقة لها أساس إنساني والمنتج ذو طبيعة فردية تمامًا.
وهنا حدث تحولان. تحول تقني: أن الموسيقى أصبح من الممكن إنتاجها فرديًا باستخدام كمبيوتر وبرنامج توزيع بسيط، فلم يعد الفنان يحتاج إلى الدعم الاجتماعي من الفرقة. وثانيًا، تحوُّل اجتماعي: مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، التي فككت ديكتاتورية رأس المال في انتخاب المواهب. وهنا ظهرت أشكال جديدة أخرى، أهمها موسيقى المهرجانات ومشهد الراب والهيب هوب. وكلاهما يحتفي بالمغني الفرد وليس الفرقة أو المجموعة أو الصحبة. وبالطبع اختلفت أيضًا فكرة احتراف الآلات الموسيقية كطرق للتعبير في حد ذاتها بجانب غناء وتأليف الكلمات. أصبح التعبير الآن بالكلمة المباشرة. وانحسر الاهتمام مرة أخرى بعلم الآلات الموسيقية التقليدية، وذلك لأنها تحتاج أولًا للكثير من الوقت والاستثمار لاحترافها، كما أنها لا تقدم بديلًا أو فارقًا تقنيًا واضحًا عما هو متوفر في دولاب المستخدم. فإن كان من الممكن أن نستمع لجيمي هيندركس على الإنترنت لمَ نحتاج لظهور «جيتاريست» معاصر جيّد؟ فأصبحت المنافسة العادلة الوحيدة هي بالكلمة. الكلمة التي لا يمكن فصلها عن اللحظة والمكان التي تخرج منهما .
يتحدث الراوي عن «رغبة حقيقية في الأذى والتخريب.. مثل التلذذ المريض بإلقاء قشرة موز على قارعة الطريق» لماذا أوجدت هذا الدافع للأذى المتعمد الذي يسكن بعض الشخصيات، والذي يظهر بالطبع في توجههم الموسيقي؟
الموزة تحديدًا هي أيقونة ارتبطت بفريق «فيلفت أندرجراوند» الذين ينسب لهم اختراع البانك روك، حيث تظهر على غلاف ألبومهم الأول بتصميم «آندي وارهول». وموسيقى البانك روك بها من العنف ما يشبه موسيقى أبطال الرواية. كما تتفق الفرقة معهم أيضًا في محدودية الموهبة، فالفرقة ومؤسسها «لو ريد» غاية في التواضع الموسيقي. والسبب وراء ذلك بالنسبة للو ريد هو تعرضه لصدمات بالكهرباء «للعلاج من المثلية الجنسية» أدت إلى مشاكل في المخ والأعصاب فأصبح عاجزًا عن تذكر الجمل اللحنية الطويلة، وتسبب ذلك في دمغ بصمته الخاصة في الموسيقى ذات الألحان المكررة القصيرة. أبطال الرواية أيضًا عاجزون عن إنتاج شكل موسيقي محترم، فيلعبون، يحدثون أكبر ضجيج بأكثر الآلات طفولية، يستخدمون أي شيء حولهم لإحداث تأثير، يقومون بأعمال تجريبية وتخريبية متعمدة، يردون الأذى لعملهم الصباحي المضجر وقلة وقتهم ومواردهم بكسر أول درس أخلاقي متفق عليه اجتماعيًا لبناء أي مجتمع متحضر ويأخذه أي طالب في السنة الابتدائية الأولى: لا تلقي بقشرة موزة في الشارع. طيب أهو. من باب التجريب، خلينا نشوف هيحصل ايه.
بكتابة مسترسلة قمت بوصف الصوت الموسيقي الذي تنتجه الشخصيات في عدة مقاطع. وعلى لسان الراوي نفسه تقر بصعوبة الكتابة عن الصوت وشرحه. هل واجهتك تلك الصعوبة؟ كيف قمت بتخطيها؟
بالطبع واجهتني تلك الصعوبة. المشروع بأكمله هو محاولة لمواجهة هذه الصعوبة. وأواجه ذلك أولًا بالاستمرار في تعلم اللغة العربية والمصطلحات المتخصصة، والقراءة في موضوع النص لمعرفة آليات وصف هذه المسائل الحسية. لست الشخص المخول بالطبع للقول إذا كنت قد تخطيت هذه الصعوبة أم لا. وجدت كثير من الآراء مستاءة جدًا من الفكرة باعتبار أن من المفترض أن نستمع للموسيقى فقط، بينما القراءة عنها مملة.
أتفهم بالطبع هذه الآراء، وإن كانت هناك أصناف من الكتابة الأدبية والنقد الموسيقي قائمة على شرح وتحليل الموسيقى وتحبيب أو تنفير القارئ منها تباعًا، فقط باستخدام الكلمات. فهو ليس تحديًا جديدًا إذًا أو أمرًا مستحيلًا بالكامل. وكنت في المسودات الأولى أسأل بعض القراء أن يعطوني انطباعهم، وإذا كانوا قد استطاعوا تخيل الموسيقى الموصوفة. وتباينت الآراء كذلك، وإن كانت أكثر الآراء مطمئنة من قال لي إنه ليس بالضرورة تخيل الموسيقى على الإطلاق، ولكننا استمتعنا بالنص فحسب. ولكن، أكثر ما طمأنني أن ما أكتبه قد أوفى بالمقصود، هو أنني في بعض المقاطع عندما أعيد قراءتها أشعر بصفير حاد في أذني كأنني بالفعل تعرضت لضجيج حاد مثل الذي وصفته. في حال حدث للقارئ أمر مشابه فهي أفضل نتيجة أتوقعها.
تتميز الرواية بأسلوبها الساخر التجريبي، فنختبر كقراء نوعًا خاصًا من الهزل المتسق مع خيال الرواية، لكن هناك أيضًا جدية تناقش حقيقة الإنتاج الفني في مصر. وكأن السخرية بمثابة موقف من المشهد في الواقع. فكيف ترى دور السخرية والهزل في طرح الواقع؟
هناك مساحة بالفعل ضيقة جدًا ما بين السخرية والتهكم، أي نقد الذات ونقد الآخر أو السخرية منه. والفارق بينهما ذو دلالة أخلاقية قبل أن يكون فارقًا فنيًا أو أدبيًا. أسمح لنفسي بالسخرية فقط إذا كانت نوع من النقد الذاتي، سخرية من حالي، أو حينما أكون متورطًا بشكل شخصي في الموضوع الذي أتحدث عنه. الحال في معظم الأحيان يكون متشابكًا، فأنا أسخر من نفسي ومن تعليمي وتربيتي وتاريخي الشخصي، لكن ذلك لا يمكن فصله عن آخرين لديهم تجارب وتاريخ مشابه. المشكلة هنا أن الكاتب يصبح محبوسًا طوال الوقت لا يستطيع الكتابة عن تجربته الخاصة أو مراجعة نفسه ومعتقداته بدون إيذاء من حوله.
كانت المعضلة أكبر مع كتاب «غذاء للقبطي» تتضخم المشكلة حينما يصادف أن يكون شخصك وانتمائك لفئة أساسًا مستضعفة، أو أقلية، أو لمجموعة تجري السخرية منها على أي حال. وهو ما أظن يعرقل كثيرين عن الكتابة عن موضوع الأقباط بأريحية، أو عن نقد الفنون وصناعتها ومؤسساتها.

أما عن «أحمر لارنج» فيوجد مشاكل كثيرة، سواء في المشهد الموسيقي بشكل خاص أو في سوق الفنون وإنتاجات الفنون بشكل عام، ولكنها دائمًا تحت مساءلة من قبل الدولة، لأسباب سياسية، والتيار المحافظ، لأسباب أخلاقية، لذا تصبح السخرية منها، لأسباب فنية بحتة أو إدارية، منطقة مقلقة جدًا ومتشابكة. لا أريد أن تكون كتابتي ونقدي لذاتي مادة مناسبة تتبناها سياسات قمعية أو تيارات محافظة بمنطق «شهد شاهد من أهلها» ولكن لا يمكن ضمان ذلك في أي وقت. فهل هناك سبيل آخر لنفحص مرجعياتنا بدون التوغل في هذه المناطق المحظورة سوى بالدقة والحساسية الشديدة والالتزام بالموضوعية؟ أم نترك الأمر برمته ونكتب ونتحدث فقط في الأمور اللذيذة والطرائف وأدب الرحلات؟
طرحت، عبر شخصياتك، سؤال يتعلق بإحساس الفنان بجدارته وتذبذب علاقته بنفسه. فتتأرجح الشخصيات بين شعورين: الإيمان المطلق والثقة في أنفسهم في أحيان، والقلق والاستخفاف بأنفسهم والتشكيك في موهبتهم أحيانًا أخرى. هل ترى هذا التذبذب مرتبط بالحقبة الزمنية الانتقالية بين صناعة الموسيقي الأنالوج والديجيتال أو بنوع الموسيقي التجريبية نفسها، أم أن ذلك طرحًا لحالة يختبرها كل من ينتج فنًا؟
أظن أنه مرتبط بكل ذلك، بالمرحلة الزمنية وإنتاج الفنون عمومًا، كما أنه مرتبط بالمرحلة العمرية لأبطال الرواية. ولكن السؤال الأهم والذي أحاول الإجابة عنه هو لماذا يرتبط هذا التذبذب الشخصي بإنتاج الفنون تحديدًا، وليس أي تخصص آخر مثل سوق المقاولة والعقارات؟ المميز في إنتاج الفنون وظهر جليًا في هذه الحقبة الزمنية تحديدًا، وقد ذكرته في قصة أحد الشخصيات «تعريشة الذهبي» هو أن التذبذب سببه الرئيسي فشل المنظومة الاقتصادية للفنون. ونتيجة لفشل المنظومة الاقتصادية لهذا النوع الموسيقي بسبب الرقمنة digitalization ينتاب الفنانون بشكل خاص تصدعات تبدو وجودية وشخصية.
الفنون ليست كغيرها من التخصصات، لها شكل إنتاجي ثابت وصيغة مضمونة. والنجاح فيها مرهون بعوامل شديدة التغير، والكثير من المصادفات، والتأثر بالذوق والمزاج العام، حتى يصبح نجاح وفشل أي شخص يبدو إلى حد كبير عشوائيًا واعتباطيًا. فلا يسع أي شخص أن يحصل منه على أي استنتاج أو نصيحة شخصية، «أعمل إيه عشان أنجح؟» والفشل الاقتصادي في هذا المجال لا ينتج في معظم الأحيان بسبب تقصير أو كسل أو قلة موهبة، والأزمة لا تقف عند الخسارة المالية فحسب، بل لا بد أن يأتي مع الخسارة المالية شك في جدوى ما يفعله الفنان وأهميته. وتجعله مثل «تعريشة الذهبي» يبدو أنه مأزوم بأسئلة وجودية وشخصية حول ذاته، ومصاب بمراهقة متأخرة وهبل وتشوش وتبول لا إرادي. بينما كل المشكلة أنه لم يجد مقابلًا ماليًا لما أنفقه من مجهود.
وإن كانت هناك وصفة اقتصادية شبه مضمونة، ولا نقول أكيدة، ولكن تتيح على الأقل الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لما أصبح لزامًا على كل من ينتِج الفنون أن يصاب بكل هذا التذبذب والشك. كان زيه زي أي إنسان هيروح شغله الصبح، يعمل اللي بيعمله كويس أو وحش، يسأل نفسه شوية أسئلة وجودية وهو بيشرب كوباية القهوة ويلاقي الإجابة عن أسئلته دي آخر الشهر مع استلامه للمرتب ويهبط.
أجزاء كتيرة من الرواية عن هذه المصادفات العجيبة والمواهب العظيمة الضائعة وألم وهَم ناس كتير، ماعملوش حاجة وحشة، غير أنهم تخصصوا في المجال الغلط في الوقت الغلط.
كان الحضور النسائي في الرواية خافتًا بشكل ملحوظ. لكنه أيضًا محوري في تحريك الأحداث، ونلاحظه ضمنيًا في هوس الراوي بالحضور الأنثوي. لمَ اخترت أن تقوّض هذا الدور أو تقصره على تلك المساحة؟ هل كان الامتناع عن خلق شخصية نسائية تشارك الأبطال رحلتهم متعمدًا؟
هو امتناع متعمد واضطراري في نفس الوقت. متعمد، حيث أن ما وصفته هو حال ما عايشته شخصيًا، من غياب اجتماعي للإناث في هذه الفترة وهذا المشهد. المجتمع لا يتيح للإناث المشاركة المتحررة في مراحل التجريب واكتشاف الذات سوى بكثير من القيود. فلم أصادف شخصيات كثيرة استغرقت من وقتها طويلًا في مشهد الموسيقى المستقلة سوى نماذج محدودة. ويمكن التأكد من ذلك عبر النظر إلى سوق الفرق المستقلة وملاحظة حضور طاغٍ للذكور عن الإناث. حتى أننا يمكن أن نقول إنه مثل مشهد موسيقى المهرجانات هو مشهد ذكوري بالأكثر.
القصة كذلك هي الوقت المستقطع في أثناء هروب البطل من ساقية التخرج والعمل والزواج، واللعب والتجريب لبرهة قبل أن ينخرط فيها مرة أخرى صاغرًا، فيجد ملاذًا في الصحبة، وتصبح ديناميكية الفرقة بمفهوم 2005 هي ما يعطيه هذه الحرية المستقطعة. الصحبة والشلة والفرقة في مصر هي كلها ذات تنسيق أحادي الجنس، غير متنوع في معظم الأحيان. لا أقصد ذلك، ولا أحبه بالتأكيد، ولم يرُق لي في أي لحظة، فتعمدت تباعًا اجتزاء أي حضور جنسي يحدد هوية شخصيات الحكاية أو ميولهم أو يجعلهم بالضرورة ذكورًا أو إناثًا، وحتى الأسماء لا تحسم ذلك.
فزتَ بمنحة من الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2018، لإنتاج رواية مصوّرة، بعنوان «قنديل الجو» تصدر قريبًا عن دار الكرمة برسوم حازم كمال (الذي تم ترشيحه لها للفوز بجائزة محمود كحيل في دورتها السادسة عن فئة الروايات التصويرية) وتتناول تجربة مجموعة من الموسيقيين الهواة في القاهرة داخل إطار فانتازي. في أحد فصول «أحمر لارنج» وتحت نفس العنوان، تقوم بتحويل التجربة الموسيقية المسموعة للشخصيات إلى تجربة بصرية. في كلتا الحالتين لا يستطيع القارئ أن يسمع الموسيقى، لكنك تمنحه -من النص الأدبي نفسه- وسيلة لتخيل الشكل الموسيقي. الاختلاف بين الفصل المكتوب والرواية المصورة طبعًا في الرسوم، حيث يوجد جانب بصري يحوّل التجربة إلى مشاهد. لكن هل توجد أية اختلافات أخرى بين المشروعين؟ ولمَ كان من الضروري وجود فصل «قنديل الجو» في رواية «أحمر لارنج» علمًا بأنك كنت تعمل على تحويله إلى رواية مصورة بالفعل؟

تمنيتُ أولًا أن تكون الرواية المصورة هي الفصل التاسع من الرواية. ولصعوبات تقنية تنازلت عن الفكرة مرغمًا (القطع وحجم الطباعة للكتب النصية ليست الأنسب للكوميك ولا لأسلوب رسومات حازم، مثال على الصعوبات التقنية) ولكن بعدما أتممت كتابة الفصل وكنت مع حازم نشرع في تحويله إلى رواية مصورة، وجدت أن في النص والكوميك جماليات مختلفة.
يوجد في وصف الأصوات والمشاهد تحدي لغوي ممتع. تعين عليّ تباعًا أن أتعلم مصطلحات لغوية للتحضير للكتابة، هذا التحدي أمتعني شخصيًا، أتمنى أن يدركه القارئ، وأن يتمتع كذلك برسومات حازم، بشكل منفصل، كما استمتعت بها. وكتبت في كلٍ من النص والكوميك تفاصيل مختلفة، حتى يمكن لكل عمل أن يكون قائمًا بذاته. والنتيجة التي أرجوها هي: إذا كان النص الروائي والرواية المصورة تستهدفان جمهورين مختلفين أن يستمتع كل جمهور بنسخته، دون ضرورة الرجوع للآخر، وإذا قام نفس الشخص بقراءة العملين أن يجدهما مكملين لبعضهما، وليس بهما تكرار.
فكرة الرواية المصورة غريبة نسبيًا عن السوق المصري، فما كانت مرجعيتك للوصول لشكل معين لها؟
تصورت أن «قنديل الجو» مشروع مناسب لأن يتحول لمنتج بصري. فمن خلال أبحاثي عن القناديل واختلافاتها وجدتها حقًا مذهلة في جمالياتها البصرية، وتخيلت وجود عمل إبداعي عن موضوع بهذا القدر من الجمال. تمنيت أن يصبح المشروع فيلمًا، لكن ذلك لم يكن فرصة متاحة. في الوقت نفسه أعلنت مؤسسة «آفاق» عن تشجيعها لأعمال الكوميكس، ووجدت أن أسلوب صديقي حازم كمال مناسب جدًا لتحقيق الفكرة. فقررنا سويًا أن ننخرط في تلك «اللعبة» تابعتُ عمل حازم في كل كادر، وكان رأسمالنا الحقيقي لهذا المشروع هو جمال هذا الكائن، فقررنا ضبط الشكل استنادًا على جمالياته بغض النظر عن محاكاة أي فورمات كوميكس معروف.
في القصة تظهر القناديل من خلل بيولوجي يتعلق بالضوضاء والتلوث. كيف تفسر هذا في ضوء حديثك عن جمال هذا الكائن؟
في الطبيعة يتغذى القنديل على العوالق وينتشر في أماكن التلوث تحديدًا. نظريًا، تمتد هذه الظاهرة منذ قديم الزمن، فالقنديل من أقدم الكائنات البيولوجية التي يستمر وجودها حتى الآن. فكأنما تصبح القناديل رغمًا عن وجود القبح والضوضاء محاولة لقبول الأمر الواقع والتعامل معه، فلا يصبح أمامنا إلا إيجاد الجماليات داخل هذا المشهد القبيح.
والجدير بالذكر أن وصف القصة «بالديستوبيا» كان قرارًا تسويقيًا لا أتفق بالضرورة معه، صحيح أن فيها أبعادًا من القبح الشديد، لكن توجد محاولة دائمة لتخطيه والتكيف معه. وفي النهاية تتخلل مشاهد النزاع والخبط في القصة جماليات القنديل التي كانت محركي الأساسي منذ البداية كما ذكرت.
رجوعًا «لأحمر لارنج» اختبرتُ في أثناء قراءتي أكثر من نوع كوميديا، بدايةً من التلاعب باللغة وعنوان الرواية وأسماء الشخصيات إلى النزوع إلى الفانتازيا في فصل كامل. هل تخوفت من أن تتحول التجربة الأدبية لك إلى مجرد «إفيه» فكاهي؟ بعبارة أخرى، هل يقلقك احتمال ألا تكون الرواية سوى نكتة مطولة لن يفهمها إلا فئة محددة ممن احتك بمشهد الفن المصري المعاصر؟
لا أظن هذا يقلقني على الإطلاق. ولا أحب أنواع الفنون التي تناسب الجميع ويفهمها الجميع ومناسبة لكل أفراد الأسرة. إذا كان القارئ غير مهتم بالفنون فمن المحتمل جدًا ألا يعجب بهذه الرواية. هذا لا يزعجني بالتأكيد. أما أن تكون التجربة مجرد إفيه، فلا مانع أيضًا. المهم أن يكون إفيه جيد. أنا لا أحاول في أي لحظة في أثناء كتابتي أن أكتب النكات ولا أن يكون ذلك عملًا كوميديًا، ولا كان تقييمي لنجاح أي فقرة أكتبها، ما إذا كانت كوميدية أم لا. النكتة هي منتج جانبي، على ما أظن، يحدث معي تلقائيًا. وعلى العموم أنا لا أنظر للكوميديا بأي قدر من التعالي. أنا أحترم الكوميديا وأقدر كتابتها جدًا، غالبًا أكثر من أي صنف أدبي آخر، وإذا كان العمل ناجحًا كعمل كوميدي ترفيهي، فذلك أفضل لديّ بكثير من أن يكون تجربة أدبية رفيعة. يقلقني فقط أن ينتظر القارئ مني الرواية الكوميدية الجديدة، لأنها سوف تكون بالتأكيد سخيفة حينها، فالإفيه جيد فقط حينما يكون غير متوقع.
تقارير ذات صلة
الدولة المصرية كـ«ماكينة للإنجازات»: عن كتاب شهاب الخشاب الجديد
«الجمهورية الجديدة» هي الوريث الشرعي لماكينة الإنجاز الناصرية
يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
البحث عن الأدب في الحدث الكبير أو العكس
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن