حوار| أنسي أبو سيف يتذكر حكايات كوم أمبو التي علمته السينما
اخترتُ الجلوس في بلكونة شقته، التي تطل على شارع جميل من شوارع حي مصر الجديدة. كانت زيارة تسبق بأيام قليلة انطلاق الدورة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائي، أكتوبر 2020، حيث سيُمنح جائزة الإنجاز الفني. كانت الخطة أن نلتقي في الأتيليه حيث يحتفظ الأستاذ بمئات الاسكتشات الملونة وبالأبيض والأسود لمناظر ارتبطت في ذاكرتنا البصرية بمجموعة من أحب وأهم الأفلام، لكن ترميمات كانت تجري هناك لإزالة آثار مطر سابق بدّلت الترتيبات.
«أحفظ شوارع هذا الحي عن ظهر قلب» يقول الأستاذ بينما عيناه تتجهان إلى الشارع ويتذكر. هنا في هذا الحي العتيق الذي لا تزال شوارعه تحتفظ بآخر ما تبقى من رونق معماري يتآكل، جرت أحداث واحد من أحب أفلام محمد خان «أحلام هند وكاميليا» (1989)، دون أن يدرك المشاهد أنها جرت هنا. كان السيناريو الأصلي كما كتبه خان يشير إلى حي المطرية مسرحًا للأحداث وموطنًا لسكن الخادمة وصديقتها، لكن أنسي أبوسيف وجد نفسه في ورطة؛ «لا أحب حي المطرية، فهو نموذج لعشوائية بلا طابع. لكني أحفظ مصر الجديدة عن ظهر قلب»، يعيدها بكثير من الفخر ليس فقط اعتزازًا بحبه الأثير، وإنما لأنه استطاع إقناع خان بخطته البديلة «كنت أعرف أنني سأجد ضالته، موقع في مصر الجديدة يشبه ما أراده في خياله دون أن أضطر للبحث في المطرية، وقد كان. أحد أهم مميزات محمد خان أنه لا يحب المكان المصطنع، فالمكان بالنسبة له جزء مهم من الدراما، وهي ميزة مهمة». يقول بينما يخطر بباله أن الحديث سرقنا بسرعة قبل أن يصنع قهوة رغم أكواب العصير وأطباق الحلوى على الطاولة بيننا.

المكان هو الغرام الأكبر في حياة أنسي أبوسيف، من أجله غادر كلية الفنون الجميلة، وهو الرسام الموهوب، إلى معهد السينما قسم هندسة المناظر، أوائل الستينيات: «لا أدعي أن السينما تسري في دمي، لكنه المكان، العثور على دراسة تربط الرسم الذي أحبه بالمكان حتى وإن لم أكن مدركًا بعد لمعنى العمارة أغرتني تمامًا فجرى النقل بدون أدنى تردد»، لتنفتح له أبواب جديدة لعالم سري يقف على بوابته راهب اسمه شادي عبدالسلام، فيأخذ بيد الصبي في عامه الثاني بالمعهد.
لكن ولع الصبي بالعمارة والأماكن له جذور، في وجدانه في الطفولة البعيدة، هناك في مدينة جنوبية اسمها كوم أمبو، كانت يومًا ما ملتقى للأجانب والمصريين، من كل صوب، سعيًا وراء زراعة قصب السكر وصناعته. أسأله كيف دلف إلى عالم الفن، وفي ذهني الرغبة في التعرف إلى سر هذا الرجل الجالس على كرسي البامبو في بلكونة شقة مصر الجديدة وعلى وجهه ابتسامة تبدو خجولة، وكأن كل ما أتحدث عنه، كل النجاحات والاسكتشات المكومة على بعد خطوات في الأتيليه القريب، وعشرات الأفلام والجوائز تخص شخصًا آخر.

يجيبني بنفس نبرة الصوت، المختلطة ببهجة دائمة يسربها إلى نفسك: «ولدت في مدينة كوزموبوليتانية بمعنى الكلمة، والدي الموظف في مصنع السكر الذي يمتلكه يهود، ومحاط بالإنجليز يقرر الاستقالة وشراء قطعة أرض ليزرع القصب، طمعًا في مجاورة السعيد». لكن الوالد لم يسعد لأن مشاكل الأرض كانت أكبر مما تدره، بينما فتح دون أن يدري أمام الولد نافذة على السحر؛ «رحلة الوالد من عالم الموظفين والعمال إلى عالم الفلاحين أتاحت لي التنقل بين أحياء مجتمعات متنوعة، المصريين والإنجليز، واليهود، العمال والفلاحين والموظفين وكل منهم له نمط معيشة ومعمار يخصه. انتقلنا مع أبي من سكن الموظفين إلى أنواع مختلفة من البيوت وصولًا إلى بيت بحديقة»، يقول بينما يتذكر رائحة الياسمين التي كانت تتسلل إلى صدره وهو يتمشى بين بيوت الموظفين، بأسقفها القرميد، فكأنها قطعة من أوروبا، بينما بيوت العمال مختلفة تمامًا. «عندما صار والدي صاحب أطيان كان يصحبني معه في زياراته إلى بيوت الفلاحين حيث كان يوزع عليهم سكر، ليضمن حمايتهم للأرض، وكنت أضمن أنا متعة ما بعدها متعة»، إنها متعة الفُرجة التي نقلها إلينا لاحقًا بحذافيرها.
«هل تذكرين بيت المأمور في يوميات نائب في الأرياف؟»، يسألني دون أن ينتظر الإجابة، «لقد زرت مثل هذا البيت مرات ومرات عندما كنت صغيرًا في مدرسة كوم أمبو المشتركة التي كانت من أوائل المدارس المختلطة بفضل وجود الوافدين، لقد كان ابن المأمور صديقي»، يقول إن مرحلة كوم أمبو علمته معنى الخصوصية والانفتاح والتنوع، «ربما هذا بالذات هو ما قربني إلى فن السينما، وجعلني شديد الحساسية بالمكان، لكنه أيضًا جعل التنوع جزءًا من وجداني الفني فأنا لا أكرر تجربة مرتين، ولم أفعلها يومًا مهما كانت المغريات».ّ ويخبرني كيف فوت بارتياح فرصة أن يكون «مليونيرًا» بتعبيره عندما اعتذر عن العمل في الموسم الثاني من مسلسل لحظات حرجة، «كان المطلوب مني إعادة بناء ديكور المستشفى التي بنيتها في الجزء الأول، فرفضت بإصرار. قلت لهم لا شيء يدعوني للتكرار» ثم يضحك من وقع المعلومة وكأنه يبررها «أنا فقري بطبعي».
فقري وكُسلي أيضًا، استخدم أبوسيف هاتين الكلمتين ليصف نفسه. بل وينسب لكسله هذا الفضل في اختيار توفيق صالح له لهندسة المناظر في «يوميات نائب في الأرياف»، وهو لم يملك بعد في رصيده إلا خبرة المشاركة كمساعد رابع في «المومياء».

«أنا مشهور جدًا بالكسل، أفكار التصميمات المهمة تأتيني في المنام. ولولا الكسل ما التفت لي توفيق صالح». يحكي أنه كان مقررًا على طلاب قسمه تقديم مشروع تخرج مكون من سبعة تصميمات بأحجام كبيرة، «أما أنا فقدمت لوحة واحدة، والباقي اسكتشات صغيرة كما لو كانت سيناريو مرسوم». كان مشروعه عن أكثر المشاهد دموية في مسرحية عطيل لشكسبير. «الديكور بالنسبة لي ليس مجرد مرحلة تاريخية وإنما تعبير عن الدراما». يقول لي «تخيلي الأمر، في غرفة نوم يقتل عطيل مساعده وزوجته، بوهم الخيانة، ثم عندما يكتشف غلطته يقتل زوجة مساعده. ألا تتحول غرفة النوم إلى مقبرة؟». وجد الطالب في الطراز القوطي بأعمدته الغليظة وقبابه الهائلة الحل المناسب لغرفة النوم الدموية، وصار يكوِّن المشهد لقطة وراء لقطة في اسكتشاته الصغيرة، التي لفتت انتباه الأستاذ توفيق صالح بينما يمر على مشاريع التخرج؛ «قال لي عبارة واحدة، السينما لازم تكون كده. ولم تكن تلك رؤية لجنة التحكيم بدليل أنني لم أحصل على المركز الأول، لكنها كانت رؤية صالح». كان هذا في عام 1967، أي قبل عام واحد من اختيار صالح له ليكون المسؤول الأول عن هندسة المناظر في فيلمه الأشهر.
في ندوة لأبوسيف جرت على هامش الدورة الأخيرة لمعرض الكتاب مطلع العام الحالي تحدث عن مشهد المحاكمة بـ«يوميات نائب في الأرياف»، وكيف تمكن من إقناع صالح المولَع بالرمزية بإجراء تغيير جوهري على ديكور المشهد. كان صالح يريد أن يظهر ميزان العدالة في خلفية القضاة مائلًا كرمز لغياب العدالة، لكن أبوسيف تلميذ شادي عبدالسلام رأى في ذلك وضوحًا يغني عن وجود المشهد كله، «تعلمت من شادي أن ما يمكن التعبير عنه بالإحساس لا يفسر». وهكذا كانت فكرته التي رأيناها في المشهد؛ أن تكون قاعة المحكمة خالية من مكان للأهالي، فكأنها فشلت في استيعاب من صممت لأجلهم، وأن يكون قفص المتهمين على نفس مستوى منصة القضاة، ليترك لدى المشاهد تساؤلًا خفيًا عن هل المذنب الحقيقي هو من يقف خلف القضبان حقًا؟
لا يتحدث أبوسيف عن إقناعه مخرج بحجم توفيق صالح بتغيير فكرته في أول تعاون بينهما كإنجاز شخصي، وإنما يقول ببساطة: «لولا وجود مخرج مثقف مؤمن بأن السينما عمل جماعي كتوفيق صالح لكانت الأمور سارت في مسار آخر». وهكذا يصف معظم المخرجين الذين عمل معهم، ومن بينهم يوسف شاهين رغم أن علاقتهما بدأت بتوتر ليس بالقليل.
السيناريو وحده هو ما يدفع أبوسيف للقبول للعمل في فيلم ما، وهو أمر مقدس يسبق أي اعتبار آخر بما في ذلك اسم مخرج العمل. السيناريو وحده هو الذي يحفزه على العمل مع مخرجين في أعمالهم الأولى مثل تجربته الأخيرة في فيلم «عنها» (2020) وهو الروائي الطويل الأول للمخرج إسلام العزازي. والسيناريو أيضًا هو ما يمنعه من العمل مع مخرجين تمنى العمل معهم طويلًا، حين يكتشف أن الورق لا يسمح له بمغامرة جديدة.

ولهذا كان مفاجئًا وصادمًا له أن يرفض شاهين أن يطلعه على السيناريو في البداية، «فوجئت أن الجميع يقولون لي يوسف شاهين لا يسمح لأحد بقراءة السيناريو، كانت أول خناقة بيننا. ولم أكن لأعمل معه لولا أن أتاح لي قراءة السيناريو». لكنه لا ينسى أيضًا كيف استجاب شاهين لتعديلات اقترحها في فيلم «الوداع يا بونابارت» «كان هناك خطأ تاريخي معماري في تصميم البيت في مشهد اقتحام الفرنساوية والقبض على الأم لأن التصميم المكتوب كان يخالف منطق العمارة الإسلامية، وبالتالي بناء المشهد كله فلا بيت على الطراز الإسلامي بدون حوش. اقتنع شاهين برأيي وأعيد كتابة المشهد ليظهر كما رأيناه في الفيلم».

لا يتفاخر أبوسيف باكتشافه الخطأ ولا بتعديله، فقط يقول «شاهين فنان، وهو يحترم خبرة الآخرين في مجالهم كما أنه يحترم معنى فن السينما، إنها عمل جماعي. أنا فخور بأني عملت مع هذا الرجل». ولا تبدو لك إجابات أبوسيف ناتجة عن تواضع بقدر ما هي نابعة من فنان يفهم ما ينبغي أن تكون عليه صناعة الفن، ولسبب ما لم تتمكن أمراض الذات المتضخمة من نهش صفاء علاقته بذاته ولا بمنجزه. فهو يصف نجاحه بعبارة طالما كررها «أستمد أهميتي من صناع الأفلام التي عملت بها»، وهو لا يزال على سبيل المثال يدين في كل حديث لتوفيق صالح، فاختياره له وضعه في مكانة معينة، شعر بعدها دائمًا أن النزول عنها خيانة لثقة الرجل، «كان هذا تحدٍ كبير خلال مرحلة أفلام المقاولات، ونجحت فيه بفضل تذكري الدائم لثقة توفيق صالح».
لكن المعلم الكبير لأبوسيف يظل شادي عبدالسلام، أستاذه في المعهد العالي للسينما، قبل أن يصطفيه وهو في العام الثاني من الدراسة لينضم إلى مجموعته من الطلاب المختارين، والذين كان منهم الفنان القدير صلاح مرعي «اختارني شادي عبد السلام لأكون تلميذه ولولاه ما تعلمت شيئًا. إنه رحلة وجودي. انبهرت به وأحبني بسبب تمكني من حرفة رسم الاسكتشات»، يقولها دون أن ينسى إضافة «رسم الاسكتشات حرفة وهي لا تعني إني فنان».
ولم يكن تأثير شادي محدودًا بل شاملًا فبفضله وقع في غرام تصميم الملابس، فقد كان واحدًا من فريق فيلم «أخناتون»، مشروع شادي الذي لم يرَ النور أبدًا. «علمني شادي أن تاريخ أي شخص من العصر الحجري وحتى الآن يتحدد بعنصرين، المكان والملابس، فهما يتطوران مع تطور الإنسان». سوف تجد اسم أنسي أبوسيف كمصمم ملابس بداية من فيلم «فجر الإسلام» (1971) من إخراج صلاح أبوسيف، الذي رشحه له شادي عبدالسلام بعد انسحابه من المهمة عندما آل الفيلم للمخرج صلاح أبوسيف بديلًا للمخرج عاطف سالم الذي أصيب بحادث، ولعل التعديلات التي أجراها المخرج الجديد على السيناريو لم ترق لعبدالسلام فقرر التوقف عن العمل «لم أكن مصممًا للملابس في هذا الفيلم بل فقط استكملت عمل شادي الذي وثق بي، لكنني كنت مصممًا للملابس في فيلم تاريخي آخر هو «القادسية» (1981) مع صلاح أبوسيف أيضًا» ستجد اسم أنسي أبوسيف في خانة تصميم الملابس إلى جانب هندسة المناظر في أفلام «عرق البلح» (1999) لرضوان الكاشف، و«أيام السادات» (2001) لمحمد خان. لكنه كان مسؤولًا عن تصميم الملابس في أفلام مخرجين بعينهم ومن بينهم داود عبدالسيد «صممت الملابس في جميع أفلام داوود التي عملت بها فيما عدا رسائل البحر وقدرات غير عادية.. تصميم الملابس مغرٍ»، يضيف أبوسيف.

مشوار أنسي أبوسيف كمهندس مناظر، الذي بدأ مع شادي عبدالسلام عام (1969) وصولًا إلى إسلام العزازي 2020، مرَ بأسماء مخرجين ينتمون لأجيال وأساليب مختلفة، هنري بركات، سمير سيف، نادر جلال، محمد فاضل، حسام الدين مصطفى، على بدرخان، يوسف شاهين، داوود عبدالسيد، خيري بشارة، محمد خان، يسري نصر الله، رضوان الكاشف، شريف عرفة، أحمد ماهر، مروان حامد، ومحمد ياسين وغيرهم.
يؤمن أبوسيف أن السينما عمل جماعي والتجانس بين أعضاء الفريق أمر مهم بدونه لا وجود للعمل الفني. ثم يقرر التخفيف من نبرة بدت له مثالية «مع ذلك عملت مع فريق غير متفاهم، ولدي تجارب فاشلة أعرفها في كل مراحلي الفنية. والفشل لا يعني فشل العمل لكن ألا أكون راضيًا عن النتيجة لكنني مسؤول عن كل أعمالي ولا أقول بغير ذلك».
وهناك أسماء لمخرجين ارتبط اسمهم بأنسي أبوسيف أكثر من غيرهم، حيث عمل معهم في عدة أعمال، وعلى رأسهم داوود عبدالسيد الذي يصفه بأنه أشبه بالمغامر الذي لا يطيق النمطية «كل فيلم من أفلامه رحلة جديدة ممتعة، مغامرة مختلفة لكل الفريق»، وهناك مخرجون اقتصر العمل معهم على فيلم واحد.

«كيف تختار الأفلام؟» أسأله فيجيب: «أختار ما يثير شهيتي كمهندس مناظر حيث المكان جزء أصيل من الدراما. مهندس المناظر لا يصنع أشياء جميلة، بل يعبر عن الشخصية وأنا أدرس السيناريو وأدرس الشخصيات، كما لو كنت ممثلًا، حتى أتمكن من نسج عالمها في التصميم».

يتحدث عن كيف حاول المخرجون تنميطه بعد فيلم «الكيت كات»: «عُرِضت علي عشرات الأعمال لتصميم حارة رفضتها جميعًا لأنني ببساطة لا أستطيع تكرار نفسي. وترددت في قبول فيلم «إبراهيم الأبيض» لنفس السبب حتى أدركت أن مفهوم الحي الشعبي فيه مختلف. أسعى للعمل الذي يتحداني كمهندس مناظر حتى ولو لم يحقق العمل نفسه نجاحًا»، ويتحدث عن فيلم «المسافر» وكيف كان بناء سفينة تنتمي للأربعينيات في البلاتوه تحدي كبير «أحمد ماهر مخرج الفيلم كان يحلم بمركب أحد أفلام فيديريكو فيليني، وهو ما شجعني على التجريب والمغامرة».

مع كل محاولاته للتجريب، ظل اسم أنسي أبوسيف مقترنًا بالكثير من أفلام ما يعرف بالواقعية الجديدة، فكيف كان التحدي بالنسبة لمهندس مناظر في أفلام تعتمد على الواقع، وتعيد اكتشاف الشارع المصري في السينما؟ يقول أبوسيف بلا تردد إن الشارع في الواقعية الجديدة ليس هو الشارع الواقعي وإنما هو واقع منتقى بعناية تتفق مع رؤية المخرج وهنا يكمن التحدي. «في يوم مر ويوم حلو البيت والشباك والشارع ومواسير المجاري التي بدت على الشاشة كما لو كانت حقيقية كلها مبنية في البلاتوه، يقول «هل تظنين أن فاتن حمامة كانت لتسمح بالتمثيل في الشارع؟» يسأل بابتسامة. أما في «الكيت كات» ورغم أن الحواري الحقيقية في الحي لا تزال موجودة اضطر أبوسيف بصحبة المخرج داوود عبدالسيد لعمل زيارات يومية لحي الكيت كات على مدى ستة أشهر، «كنا نراقب تصرفات الناس وحياتهم ثم نقلنا روح الحي إلى حارة مبنية في البلاتوه بعناصر منتقاة بعناية من الواقع، لم نخالف الواقع وإنما استبعدنا العناصر التي تفسد الدراما».

وأهم عنصر في الدراما بالنسبة لمهندس مناظر حسب أبوسيف هو اكتشاف العلاقات بين الشخصيات. ويضرب مثلًا بفيلم «عيون لا تنام» لرأفت الميهي «الفيلم مبني على صراع بين ثلاثة أخوة في بداية مرحلة الانفتاح في قلب المدينة، أوحى السيناريو بأنه رمز لصراع المجتمع في فترة تاريخية معينة وأنه يجب أن يكون في قلب القاهرة فقررت البحث عن مبنى يطل على كوبري 6 أكتوبر في منطقة معروف. عندما فشلنا في العثور عليه قررنا بناء الورشة في البلاتوه كأنها في شارع معروف وبها سلم يصعد إلى أعلى حيث الغرفة التي تطل على المدينة، والتي لم تكن سوى سطوح جمعية الشبان المسلمين في رمسيس»، وهو ما تم ترتيبه بين اللقطات في المونتاج ليظهر بالصورة التي ظهر عليها في الفيلم. «سحر الدراما يكمن في المساحات الواسعة التي تمنحها للخلق والتفكيك والتركيب» يقول باستمتاع بادٍ على عينيه.

بجانب عمله مع الكبار، يحب أبوسيف العمل أيضًا مع مخرجين ينتمون لأجيال أصغر، «أنا لئيم» يقول، «الشباب يفتحون لي نافذة على عالم جديد فأعيد اكتشاف نفسي. أنا بالنسبة لهم كتاب تاريخ أما هم بالنسبة لي فمستقبل. لهم فلسفة مختلفة عن تلك التي تعلمتها وأحتاج إلى قراءتها جيدًا لو أردت الاستمرار». يقول دون أن يبدو من حديثه أنها مجرد تصريحات طيبة من خبير مثله فالجيل الجديد بالنسبة له يمتلك أسلوبًا مختلفًا في التعبير عن المكان والعلاقات بين الشخصيات، «جيلنا لم يخرج عن التقليدي، فما يقال في الصالون يجب أن يقال في الصالون، أما الجيل الحالي فلا مانع لديه من قول نفس الكلام على قمة جبل لأنه أدرك أن العلاقة بين الصخور والطاقة لها معنى معين يغني عن التكرار والتقليد». ثم يتحدث بكثير من الإعجاب عن أقرانه من مهندسي المناظر في الأجيال الحالية «هناك أسماء كثيرة أخشى أن أنسى واحدًا منهم، من بينهم فوزي العوامري، ومحمد عطية، وهو مهندس معماري خبير في العمارة وهو أيضًا فنان، وهناك نجم جديد في تصميم المناظر اسمه حسام علي، وهناك محمد أمين وأغلبهم أصدقائي وتلاميذي أيضًا».
يبدو لي في أسلوب احتفائه بالجيل الجديد من المصممين ما يغريني للمقارنة. هل مهندسين المناظر في السينما المصرية الآن أكثر تطورًا، أسأله يجيب فورًا «لا مجال للمقارنة. هناك الآن أعمال تتجاوز الأجيال السابقة بمراحل، هناك أعمال مبهرة تتجاوز كل خبرتي في المجال».
وهو لا يستثني من ذلك صناع ما جرت العادة على تسميتها بالسينما المستقلة بل يرى أنهم يقدمون نموذجًا مميزًا للعمل بإمكانات محدودة ورؤية مغايرة «الكثير من مخرجي السينما المستقلة مهندسين مناظر أيضًا. من بينهم محمد حماد، ونادين صليب، وهالة لطفي. فأفلامهم معبرة بنضج ورصانة وهي مؤثرة. السينما المستقلة مهمة جدًا وهي نافذة جديدة للثقافة خاصة أن صناعها يعملون بالفتات».
على سيرة الفتات أسأله عن كيف يواجه بطموحه وانتقائيته وحبه للمغامرة قيود الإمكانيات المحدودة في الميزانيات خاصة وأن نصيب هندسة المناظر من إجمالي ميزانيات الأفلام قد لا يقارن بأجور النجوم. يقول أبوسيف إن التجريب هو أداته المفضلة «لو هناك فرصة للتجريب كتحدي لمحدودية الإمكانيات لا أتردد. أحيانًا لا تكون التجربة مكتملة لكنها على الأقل قد تكون بداية طريق»، ويتحدث عن فيلم «الكنز» وكيف استبدل مادة الفوم في بناء الحي الإسلامي بأطنان من الورق الأقل كلفة، حيث عالجها بطريقة صارت أشبه بالأحجار المستخدمة في العمارة الإسلامية. وهو ما حدث أيضًا مع الديكور الفرعوني في الفيلم نفسه، رغم أن خطأً حدث في مرحلة تصحيح الألوان أدى إلى نتيجة غير دقيقة.


لكنه يتوقف للحظات وكأنه يسترجع النتيجة غير المرضية التي ظهر بها الديكور في بعض مشاهد الفيلم على الشاشة «التجريب يكون أحيانًا أسلوبًا في مواجهة تحدي محدودية الإمكانات. لكن عندما أفكر في الأمر أجد أنه من الخطأ أن يكون التوفير جزءًا من تفكير الفنان، لأنها تقيد الخيال. الفنان عليه أن يبدع ما يراه مناسبًا ثم في النهاية يقرر إذا كان هناك إمكانية لتنفيذه بشروط أقل أم لا».
ويضيف «أعترف أن التفكير في التوفير كانت نتيجته سيئة في فيلم «الكنز». فمن غير العادل أن تكون ميزانية الديكور في فيلم ضخم من جزئين 4أو 5مليون جنيه بينما أجر الممثل مثلًا 20 مليون!».
يحدثني عن حلمه الذي لم يتحقق بعد للعمل في فيلم استعراضي أو تاريخي والسبب هو عدم وجود ميزانيات تناسب فيلمًا ضخمًا من هذا النوع. أسأله هل نحن بحاجة إلى مدينة تشبه هوليوود وهل إمكانيات مدينة الإنتاج الإعلامي تناسب تاريخ السينما المصرية فيقول إن المشكلة باختصار تكمن في المنتجين «المنتج يجد في السيناريو حي شعبي فيتعاقد عليه وعينه على الحي الشعبي الجاهز في مدينة الإنتاج. لكن الأحياء الشعبية في المدينة مبنية بطريقة لا تسمح بالتغيير بعكس ما يحدث في هوليود. وإلا لماذا استغرق إنتاج فيلم الكيت كات خمس سنوات؟»، ثم يتساءل بطريقة العارف بالإجابة «السؤال هو هل المنتج واع بما يحتاج إليه مشروع فيلم؟» ثم يجيب بيقين «المشكلة في الإنتاج وليست في البنية التحتية».
أسأله عن أكثر الأعمال التي هو فخور بها في مشواره، فيقول إنه كمهندس مناظر يعتز بمشاهد قد لا تكون ظاهرة بحفاوة على الشاشة لكن طريقة تنفيذها كان بها تحدٍ كبير ونجح في التغلب عليه، مثل مشهد الطفل حسن البنا في حلقة ذكر أمام مسجد صغير على النيل في رشيد في مسلسل «الجماعة» وقد ظهر على الشاشة لمدة تقل عن ثلاث دقائق، «الطريقة التي عثرت بها على موقع المسجد كان رحلة مثيرة أنا سعيد بها».
ويضيف «أنا فخور أنى عملت مساعد رابع في فيلم الموميا، وإني كنت واحد من مساعدين صلاح مرعي. فخور بأني عملت مع يوسف شاهين. فخور إنى اشتركت مع جيلي جيل السبعينات في أفلام صارت مهمة بفضلهم. ومعتز جدًا بفيلم لم يعتمد على ديكور مبني، وإنما أماكن حقيقية جعلتها تناسب الدراما وهو فيلم «أرض الخوف»، المهم جدًا في السينما المصرية. ومعتز بعملي في الجزء الأول من مسلسل «الجماعة» لأني أعتقد أنى خلقت فيه من خلال الديكور أجواء الفترة التاريخية»،وهو سعيد أيضًا بتكريمه في مهرجان الجونة ليس فقط لأنه حسب تعبيره صار خلال فترة قصيرة مهرجان راسخ وله سمعة عالمية مهمة، وإنما أيضًا لأنه اهتم بتكريم شخص من المطبخ السينمائي «أن يقدر مهرجانًا كواليس الصناعة وليس فقط رؤوسها الظاهرة هو مصداقية إضافية».
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن