تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حوارات على معدة فاضية (2-2)

حوارات على معدة فاضية (2-2)

كتابة: رشا عزب 18 دقيقة قراءة

اليوم الـ19 من الإضراب

الجمعة 18 أكتوبر

الحضور: عزة شعبان - عايدة سيف - زين العابدين فؤاد - وهدير مهدوي 

تتحضر ليلى لسفرها اليوم التالي إلى إنجلترا. لديها معركة هناك مع الحكومة أيضًا. ترتب جدولها مع سناء وتنسق مع مي مهام طبليات علاء التي ستغيب عنها لأسبوعين. تبلغنا بفرح أنها ستحصل على يومين إجازة مع حفيدها دودو خارج لندن حيث يعيش مع والدته، وتقضي بعض الوقت معه بعيدًا عن عاصفة اللقاءات والاجتماعات. تختار بين البنطلونات الجينز وتحدد عدد القطع القليلة التي ستأخذها.

تعبر الصديقات عن إعجابهن بصورة الجائزة التي حصل عليها علاء من مؤسسة «بن» مناصفة مع الكاتبة الهندية المرموقة أرونداتي روي، وتعلق بعضهن على ضحكة لانا، ابنة منى، أخت علاء، وأنها أعطت لصورة الجائزة بريقًا كبيرًا. أقول لها إن لانا تشع بهجة في الأماكن التي تدخلها. توافق على الفور، وتقول: «طالعة زي أمها لما كانت في سنها». تقول عزة إن علاء أيضًا كان يحدث حالة في المكان حين كان صغيرًا، وتضيف: «علاء كان طفل متأمل، يحب أن يسأل دائمًا، لكن منى كانت تدخل المكان تقلبه بالبهجة والابتسامات للجميع».

ينضم إلينا محمد الباقر ونعمة هاشم وابنتهما الرضيعة مريم في أول زيارة لها لبيت ليلى. تستقبلها الصحبة باحتفاء كبير، وواصلنا النظر إليها، بينما تنام داخل سريرها الصغير فوق ترابيزة السفرة. 

اليوم الـ32 من الإضراب

الجمعة 1 نوفمبر

الحضور: سارة رفقي

كنا قلقين على الأرقام الحيوية التي شهدت انخفاضًا بالتزامن مع مرور شهر كامل على بدء الإضراب. في اليوم الـ30 انخفضت نسبة السكر في الدم بصورة غير مسبوقة منذ بدء الإضراب لتصل إلى 59، بينما كانت تصل إلى منتصف الستينيات وأحيانا السبعينيات في المتوسط. فيما يعد المتوسط الطبيعي لمستوى السكر في الدم 100 في أفضل التقديرات. تجلس وتقول لي باسمة: «شفتي نسبة السكر في الدم إمبارح وصلت 88»، أسألها عن السبب المتوقع لما حدث. تضحك وتقول: «نزلت الشغل وعملت محاضرة مع طلبة السنة الأولى». لديها إيمان لا يتداعى أن الحركة والنشاط العقلي هما القوة الضاربة لتسيير حركة الجسم مهما كان يعاني. كان حجمها بدأ في التضاؤل قليلًا، الدهون تنزوي وتتركز، وتتشكل وضعية جديدة للجسم المعافر. 

تحكي عن دفعتها من الطلبة الجدد القادمين من المدارس الثانوية، وأن الشباب في هذه المرحلة بمصر يأتون بلا خبرات علمية. تقول: «الثانوية العامة الحالية لا تقدم أي تأهيل. يحتاجون أيضًا إلى التأكد من أن التخصص الذي اختاروه مناسبًا لقدراتهم الحقيقية»

نصل بحديثنا إلى ليلى طالبة الثانوية وعلاقتها بشقيقتها الكبرى أهداف. تضحك بسخرية وتقول: «إتربيت في الزمالك وسط مجتمع أهلي ومعارفهم في نادي الجزيرة وهذه الأوساط، لكن في الحقيقة كانت لدينا نوافذ لحيوات أخرى وتجارب أخرى دون قيود عنيفة من الأبوين. كانت أمي أكثر صرامة معنا، لكننا كنا نخاف من أبي حين يغضب. كنت دائمًا البنت التي تلعب مع الطلبة المتشردين» تضحك، «لكنني كنت منتظمة في دراستي أيضًا. كان لدينا شلة عيال بايظة في الزمالك زي كل الأحياء، فكنت أحب أركب الموتوسيكلات مع الشباب، وكنت أدخل في علاقات عاطفية سريعة، لكنني لم أنجرف إلى تجارب المخدرات مثلًا، ولم أخف شيئًا عن أهلي مطلقًا في هذه الأمور، فكنت أتلقى مكالماتي العاطفية على تليفون البيت». أضحك وأقول لها: «تخبي إيه، أنتِ إتجوزتي في الجامعة وجبتي جوزك عاش معاكي في بيت أهلك»، تضحك طويلًا، وتقول: «بالظبط، لكن البنات في لحظة يلجأن إلى الاختباء من أفعالهن أحيانًا، وأشهد أنه رغم أنني ذهبت باختياراتي إلى مناطق جديدة على أهلي، فإنهم لم يحاربوا هذا أبدًا». تتذكر أنها وأهداف عاشا طفولة ومراهقة في شارع البرازيل والمنطقة المحيطة بالمنزل القديم في الزمالك. «كانت أهداف من يومها منمقة ومدموزيل فاتنة ويحبها 5 في نفس الوقت، كانت أختي الكبيرة التي ينظر إليها الجميع بإعجاب، وأنا كنت الطفلة المتشردة التي تجرب كل شيء»، تضحك وتقطع الحديث لثوانٍ ثم تستكمل: «لم يُرد أهلنا مثلًا أن نكون صورًا مكررة من بعض، أو صورة منهم».

تتذكر أول مظاهرة انضمت إليها في مرحلتها الثانوية مع بداية السبعينيات. «كانت مظاهرات الطلبة مشتعلة في الجامعات وبعض المدارس للمطالبة بالحرب مع الاحتلال في سيناء، وحينها رأيت المظاهرات تتحرك من كل مكان بما فيهم الزمالك إلى ميدان التحرير. تحركت مع طالبة صديقتي وسرنا في المظاهرة بسعادة كبيرة، وحين وصلنا التحرير أردنا إبلاغ أهلنا بأننا في الميدان، فاتفقنا أنا وصديقتي على أن تتحدث كل منا إلى أهل الأخرى لتخفيف وطأة المواجهة. تحدثت إلى والدتها وتحدث هي إلى والدتي، وبقيت في الميدان حتى حضرت أختي أهداف وخطيبها حينئذ، ليرجعاني إلى المنزل. كنت صغيرة ومع ذلك لم أعاقب على هذا الفعل. كان والدانا يهتمان بما ننجزه من تقدم في التعليم والمهارات، ما ساعدني على الانطلاق في النشاط الطلابي والسياسي في فترة الجامعة فيما بعد، وحينها لم يستطع أحد أن يعود بي من أي ميدان».

نشم رائحة دخان في أثناء حديثنا. تتذكر سارة أنها وضعت أكل «توكة» على النار. نذهب جري لنجده احترق تمامًا. نضحك وأهون على سارة: «ليلى لا تنزعج أبدًا من حرق الطعام، لأنها قيادة في هذا الفعل». نخرج من المطبخ بضحكنا إلى ليلى ونقول لها: «الأكل اتحرق ولم يتحول إلى كربون بعد»، تضحك ليلى وتقول لسارة: «ده إفيه كان بيقوله سيف لما حرقت ببرونات الأولاد، نسيتها لدرجة إنها ساحت في الحلة، وحينها قال سيف: ليلى بتحب تثبت إنها ممكن تحول كل حاجة لكربون». تضحك طويلًا وهي تقول الجملة، وتتلعثم في استكمالها كالعادة من كتر الضحك. 

اليوم الـ47 من الإضراب

الجمعة 15 نوفمبر

الحضور: غادة شهبندر - علاء سويف - سمر 

كنا نتحدث عن الأساليب البوليسية الكوميدية لمراقبة وملاحقة أمن الدولة للنشطاء والفاعلين السياسيين، بعد سرقة سيارتي من حي يعد ثكنة عسكرية دائمة، دون التفكير في تبعات هذه السرقة على سمعة الأمن الجنائي في حي السفارات. 

تحكي غادة عن ضابط أمن الدولة الذي تحدث معها يوم أن استقبلت أحد المسؤولين الدبلوماسيين في منزلها قبل الثورة وعزمته على طعام سوري محلي. تحدث إليها الضباط ليسأل عن تفاصيل العشاء، وراحت هي بدورها تحكي له عن أصناف الطعام صنف صنف، وكيف شاركت في صناعته سوريات دمشقيات وحلبيات، والفرق بين الطعام الدمشقي والحلبي، وكيف أن التقرير الأمني سيضم كل هذه التفاصيل الخطيرة. في لحظة تكونت لدى الجميع فكرة أن نجمع قصصنا الكوميدية مع الملاحقات الأمنية في كتاب، تطلب مني غادة البدء في الكتاب يومًا ما.

لا أعرف كيف تطور مسار الحوار، لكن كالعادة تُدخلنا ليلى إلى عالمها الأثير، التدريس والطلبة، وتحكي عن فترة تدريسها في جامعة الفيوم. تبدأ هذه القصة بطرفة لم تكن تقصدها: «بعدما أنهيت الدكتوراة، كانت أحوالنا المالية بعافية شوية، فحدثني أحد أساتذتي وقال لي: يمكننا إعارتك تعملي شوية فلوس بقى يا ليلى، تروحي الفيوم». أقاطعها هنا، فلم أحتمل المفارقة: «بيقولك بجد تعملي فلوس في الفيوم، كل زملائك طلعوا الخليج وعملوا شقق وعربيات وأنتِ عايزة تروحي الفيوم تعملي فلوس!»، ننفجر في الضحك، وبعد دقيقة من التلعثم المعهود لها في أثناء الضحك، تقول: «أيوة، هفهمكم. أنا في الفترة دي كنت محتاجة حد يساعدني في البيت، ولم تكن مرتباتنا تسمح بذلك، فلما قبلت إعارة الفيوم، كنت أذهب يومين في الأسبوع بالمواصلات. تحمست كالعادة للقاء طلبة جدد واتكلت على الله، وحسبتها، لقيت الصافي بعد خصم المواصلات 20 جنيهًا في الشهر، فقلت هايل، ده بالظبط مرتب الست اللي هتيجي تساعدني، فحسيت إن التقسيمة كده تمام، فذهبت كل فلوس إعارتي للسيدة التي تساعدني». تضحك طويلًا حتى تستدرك وتقول: «لا أنسي طلبة الفيوم أبدًا، كانوا من أنجب طلبة الرياضيات الذين درّست لهم على الإطلاق، وشغوفين بالعلم بشكل لا يوصف، كنت أقضي معهم أوقاتًا طويلة خارج مواعيد المحاضرات الرسمية لرغبتهم الكبيرة في المعرفة. طلبة الأقاليم عامة أشطر وأكثر اجتهادًا من طلبة القاهرة، بالأرقام، فعدد الطلبة الناجحين بجهودهم في القاهرة لا يتعدى 20% بشكل حقيقي دون جهد لرفع الأرقام، لكن في الفيوم، كان عدد الطلبة الناجحين بجهدهم يتعدى الـ60% من إجمالي الطلبة، وهذه ثروة بشرية مهدرة في الفقر وقلة الموارد، مع الأسف»

اليوم الـ49 من الإضراب

الأحد 17 نوفمبر

تدب خطواتها فوق خشب الأرضية «الباركيه» منذ الخامسة فجرًا، تبدأ يوم العمل، ويصحو معها البيت. أصحو بعدها بساعتين، وأحاول الإفاقة سريعًا، أرتدي ملابسي لأحاول اللحاق بكل النشاط المخلوط برائحة الدخان. أصطحب الكلبة «توكة» للتمشية الصباحية. تحاول ليلى إعطائي بعض الملاحظات حول خط السير الصباحي، لكن أذني كانت لا تزال في وضع الانسداد. أُعاقَب في الشارع على عدم سماع ملاحظاتها، حيث هجمت علينا مجموعة تضم سبعة أو ثمانية كلاب وحدثت مواجهة صباحية استكملت إفاقتي. ننتصر أنا و«توكة» بلا خسائر، وعدنا نحكي لليلى التي تضحك طبعًا وتقول: «مش قولتلك أوعي تمشي من الشارع ده».

كانت نشيطة ومتحمسة للمحاضرة. كانت قياساتها الحيوية جيدة وتستعد لليوم الطويل الذي يبدأ بمحاضرة في العاشرة صباحًا، وينتهي بالإشراف حتى السادسة مساءً. 

نتبادل جدولنا لليوم، ونشرب سيجارة مع كوباية شاي قبل أن تنزل إلى عملها. تذهب لترتيب أوراقها، وتظهر ورقة مفردات المرتب الخاصة بها. أنظر إليها وأضحك من الرقم الذي يحصل عليه مدرس رياضيات حاصل على الدكتوراة ويعمل في التدريس منذ 40 عامًا. تضحك وتقول: «أنا نفسي عندنا يفهموا إننا مش بنشتغل عشان المرتب، يدركوا بس إن الجامعة دي لسة قايمة عشان لسة في ناس بتحب التدريس ومهتمة بمستقبل البلد مثلًا، يمكن يحترموا نفسهم ويبطلوا اللي بيعملوه فينا وفي الطلبة»

في المساء، نعود نحن الاثنتان للبيت، وتنضم إلينا سارة، ونحاول مساعدتها في تحضير طبلية علاء لليوم التالي. في الغالب، تحب الانفراد بعمل تفاصيل الطبلية بطريقتها، كل شيء موضوع في جدول ولديها خطة لكل شيء، لكنني أعرض المساعدة وأذكرها أنني سمعت كلامها في آخر مرة وفهمت التكنيك، فسمحت لي بمشاركتها بعض التفاصيل. وخلال الحركة الدائمة بالمطبخ وتحضير تفاصيل زيارة عيد ميلاد علاء الـ43، وفي أثناء وضعها الطعام في العلب البلاستيكية المحكمة -لدى ليلى دولاب كبير خاص فقط بعلب السجن وأدوات الزيارة- تتحدث عن الجوابات الأخيرة من علاء. كانت قصيرة وحزينة. «هو في حتة وحشة»، لكن لديها أمل أن تحسن هدايا عيد الميلاد من مزاجه أو تحسن الزيارة مزاجه بأي شكل.

في أثناء هذا الحديث، تنظر لي باستنكار وتقول: «سمعتك بتقولي جعانة، وبتسيبوا الأكل اللي بقول لأم وائل تعمله لحد ما يبوظ، حرام عليكم». تضع لي كميات قليلة من طعام الزيارة في طبق وتطلب مني أكلها، وتشخط فيّا وتقول: «أنا اللي عاملة الإضراب». أقول وأنا أضحك: «يا ستي أنتِ عايزاني آكل من أكل الواد المسجون وأبلع اللقمة؟»، تضحك وتقول: «فكرتيني بابن أهداف لما جالنا زيارة من إنجلترا من كام يوم، ومكنش عندنا أكل، فقلت لأهداف نأكله من أكل الزيارة وخلاص، فقالها أنا آجي من لندن آكل طعام زيارة علاء، وأمه مضربة عن الطعام». تضحك وتقول: «أنا بطلت أحس بالجوع من زمان يا شباب، مفيش حاجة حاسة بافتقادها إلا الجبنة والعيش».

أكلت من طعام علاء بالفعل في هذه الليلة، بينما استمرت سارة في كتابة جواب له حتى الثالثة فجرًا.

اليوم الـ51 من الإضراب 

الثلاثاء 19 نوفمبر 

الحضور: علاء سويف، وبعض الشباب وأفراد العائلة 

نتحدث بشأن سيارتي المسروقة من حي الزمالك منذ 5 نوفمبر الماضي، ويسألني علاء عن محتوياتها، وأتذكر مع السؤال كل محتويات شنطة العربية من لافتات ورقية وخشبية لمعرض الكاريكاتير الذي نظمته نقابة الصحفيين بعد القبض على الرسام الزميل أشرف عمر، وكذلك اللافتة القماش الكبيرة التي رفعناها على سلم النقابة بعد تعرضه للتعذيب. يشهق الحضور ويقول: «طب دول تلاقيهم لسه بيفتشوا فيها يا بنتي». نضحك.

نصل بالحديث إلى الأسعار الجنونية، ثم تأخذنا كل من ليلى وسهير إلى الفترة من 1967 حتى 1977 حين اشتدت الأزمة الاقتصادية في البلاد بعد الاحتلال الإسرائيلى، واختفاء عدد كبير من السلع الرئيسية مثل الصابون والسكر، وانتشار الطوابير الكثيفة في الشوارع، وأنها كانت السبب المباشر بالانتفاضة الشعبية في يناير 1977.

تقول ليلى لشقيقها: «فاكر يا علاء، إحنا شفنا بداية كل اللي حصل من بالليل، كنا رايحين أنا وأنت نوصل واحدة قريبتنا لحلوان بالليل، وشفنا الطوابير اللي اتحولت لمظاهرات. وقتها كانت الجمعيات الاستهلاكية تفتح أبوابها حتى منتصف الليل، لم يكن لها مواعيد، فكانت المنفذ الوحيد للسلع الأساسية، فكان الناس يقضون ساعات فيها، ويومها أعلنت الدولة ارتفاع أسعار السلع بينما الناس في الطوابير، فخرجوا محتجين على ارتفاع الأسعار، واستكملت في صباح اليوم التالي».

أسألها: «تصورت أن مظاهرات انتفاضة الخبز انطلقت من مواقع مثل المصانع والجامعات حيث كانت المجموعات السياسية في كامل نشاطها حينذاك». تقول ليلى: «لا طبعًا، الناس خرجوا الأول من اللي حصل فيهم، وإحنا خرجنا معاهم. الانتفاضة كانت فعلًا عفوية، بدأت من طوابير الجمعية التي كانت مركزًا للغضب من الأوضاع الصعبة، فمن يصدق أننا نصحو ولا نجد صابونًا لمدة أسبوعين. كان المتيسرون يخزنون بعض البضائع في منازلهم، وكانوا قلة أيضًا، لكن عموم الشعب كانوا يقفون في الطابور، وظل هذا الوضع لسنوات للحصول على كيس سكر وقطعة صابون».

في نهاية اليوم الطويل، أبلغها أنني أكتب نصًا يضم حوارات كثيرة لها منذ بدأت فترة الإضراب، كنت أسجل الملاحظات في رأسي، ثم في نوتة حين أنصرف، ثم أكتبها في هذا الملف. تتسع عيناها من المفاجأة، وتقول إنها كانت تشعر بما أفعله، وتطلب أن ترى بعضًا من المحصلة حتى الآن. تقول بحماس: «جميل، ابعتيلي أطبعه وآخده معايا الطيارة، دي هتبقى قراية الطيارة». نتفق ويدخل كل منا إلى غرفته. 

اليوم الـ52 من الإضراب 

الأربعاء 20 نوفمبر 

أصحو بعدما أصرت «توكة» على ذلك، فقد ظلت تخربش على باب غرفة سناء حيث أنام. أدرك أنها تريد النزول للشارع. يأتي صوت ليلى من غرفتها: «خلاص توكة حبيتك ومش هتعتقك إلا لما تنزليها، والله طلعت بيها السطح عشان تعمل تواليت بس هي عايزة فسحة الشارع».

أنتهي من تمشية الصباح، كانت ليلى تتحرك بسرعة ونشاط في البيت كله، تحضر شنط السفر وورق الطلبة، تريد أن تمر على الجامعة قبل المطار لتعطيهم نتائج الطلبة. ندخل البلكونة لجمع الغسيل، لم يجف معظمه، فتقول: «ده غسيل علاء هتلميه في الكيس ده، وده غسيل علاء برضه عايز يتكوي، وده غسيلي يتحط في دولابي، والباقي هاخده معايا في شنطة السفر». تنتهي من مهمة الغسيل، وننتقل إلى المكتب، وتضع كل كتلة من الأشياء في ركن، وكان من بينها الأوراق المطبوعة لهذه الحوارات، بجوار جواز السفر وباقي التفاصيل. ننتهي من تحضير الشنطة الصغيرة، ثم تقوم بتحضير شنطة الأدوية، ونجلس على سيجارة وكوباية شاي بعد عاصفة التحضيرات وقبل النزول.

نجد أنفسنا نتحدث عن جواب سارة لعلاء وما أثاره من أفكار حول الأمومة والظروف التي يولد فيها الأطفال. أقول لها لقد أنجبتي الثلاثة في ظروف صعبة ولم تكن الظروف مهيأة. تسرح وتسكت قليلًا وتقول: «أرى الآن أن الأطفال يحتاجون إلى فترة استقرار حقيقي، يحتاجون إلى بيت عادي وهادئ. حاولنا كثيرًا فصل حياتنا عن حياة أبنائنا، فكان لهم اهتمامات مغايرة تمامًا عنا. حاولنا كثيرًا، وربما النتيجة الآن غير ذلك». تستشهد أن اهتماماتهم وخططهم كانت بعيدة تمامًا عن اهتماماتها هي أو سيف. «فمثلًا، علاء لم يكن متحمسًا أبدًا لما نقوم به من ممارسات وأنشطة سياسية، وبينما كنا مهتمين أنا وسيف بقضايا التعذيب، كان هو مهتمًا بتطوير التقنية وإتاحتها للناس، وفي اللحظة التي احتاج فيها للتبشير بأفكاره في المصادر المفتوحة وإتاحة المدونات كصحافة شعبية بديلة، نزل لتوزيع أوراقه على الناس في المترو، وأحيانًا كان يشارك في المظاهرات بهدف توزيع هذه الورقة وفتح الحديث مع الناس، ثم وجد نفسه معنا. كذلك الحال مع منى، كان كل اهتمامها بالعلوم وكثفت جهدها لهذا الحلم حتى حدثت الثورة، وقررت التركيز على إحالة الناس للقضاء العسكري. أما سناء فكانت اهتماماتها في منطقة أخرى نحو الفنون والمونتاج، حتى جاءت الثورة وكانت في الـ16 من عمرها، وبدأت تحرير جريدة مع أصدقائها تمثل صوتهم فيما يحدث».

نقوم سريعًا ونحضر أشياءها، ثم تحضر صورة حديثة لخالد ابن علاء مع لانا بنت مني في إحدى الحدائق بإنجلترا. تطلعني عليها بسعادة: «شفتي دي؟»، ثم تضعها على البوفيه الموجود في الصالة بجوار باقي الصور. 

اليوم الـ64 من الإضراب

الاثنين 2 ديسمبر 

الحضور: سناء

كانت الأجواء متوترة في البيت، والقلق على صحة ليلى يتزايد. عادت سناء برفقة أمها من إنجلترا، وتحاول إنجاز بعض الكشوفات الطبية للتأكد من عمل الوظائف الحيوية، حيث قال الأطباء في إنجلترا ومصر إن القياسات العادية اليومية التي تخضع لها ليلى منذ بدء الإضراب (الضغط، السكر، نسبة الأكسجين) لا تعبر بشكل كاف عما يحدث في جسد ليلى الصامد حتى بعد تجاوز اليوم الـ60 من الإضراب، واحتمالية الانهيار المفاجئ واردة بقوة في هذه الفترة من الإضراب. 

وبعد مناوشات معتادة بين سناء وليلى حول وضع خطة عميقة للمتابعة الطبية، اتفقا على عمل رسم قلب ومجموعة من التحاليل اللازمة التي طلبها الأطباء. تحاول سناء كعادتها إنجاز الأمر بطريقة سريعة، وحاولت ليلى كعادتها عمل الأشياء بطريقة أبطأ. تحاول سناء التعاقد مع أحد المستشفيات الخاصة الموجودة بالمهندسين لإنجاز الأمر، لكن ليلى تعترض بشدة وترفض الذهاب، فهي لا تزال تثق بشكل كبير في مستشفى القصر العيني الفرنساوي وتعتبره بيتها: «دى مستشفى الجامعة بتاعتي، وهي لسة أفضل مكان للعلاج في مصر، والدكاترة هناك كلهم زملائي». تصرخ سناء رافضة الحلول الكلاسيكية والمستشفيات الحكومية، نتدخل لفض الاشتباك مرارًا، وتنجح ليلى في مسعاها بنهاية الأمر وتذهب للمستشفى الفرنساوي لعمل التحاليل.

كان الأطباء أعطوا لسناء بعض العلامات الأخرى على التدهور الداخلي غير الملحوظ للجسم في حالات الإضراب الطويلة، مثل درجة إبصار العينين، والنسيان وعدم التركيز. أعطت ليلى محاضرة في اليوم السابق، وقالت إنها نسيت بعض الأشياء في نهايتها، ما أزعج سناء. تسألها مرارًا: ماما أنتِ حاسة إن التركيز نزل؟ تؤكد ليلى أنها لا تشعر بذلك، وتشعر أنها بكامل وعيها، وأنه في العادي وقبل الإضراب، عندما تكون المحاضرة ساعتين، فالتركيز ينخفض في آخر ربع ساعة، وأنها عملت مع الطلبة ساعتين إلا ربع. تسأل سناء، زميل ليلى التاريخي في قسم الرياضيات هاني الحسيني، عن أداء أمها في المحاضرات الأخيرة، ليجيبها مازحًا: «ليلى ممكن تدي المنهج ده وهي نايمة».

لفض الاشتباك والتوتر، تطلب منا ليلى أن ندخل ونأكل، ولأن أم وائل طبخت اليوم مسقعة جميلة كما طلبت سناء وفراخ وأرز وشوربة خضار لكن دون كرفس، وأنها حاولت تشتري الكرفس، هنا سناء تقطع حديثها: «قالتك إنها دخلت عليا وأنا في اجتماع مهم عشان تقولي انزلي هاتي كرفس للشوربة؟ اللي كانوا معايا في الاجتماع اتخضوا وافتكروا إن فيه مصيبة. مكنتش عارفة أقولهم إيه الصراحة»، تضحك سناء أخيرًا ويضحك ثلاثتنا، وتتعجب ليلى: «الشوربة من غير كرفس بتكون ناقصة حاجة»، ثم تدخل مع سناء المطبخ ونأكل من طبيخ أم وائل، وتسألني وهي تضحك: «الشوربة عاملة ايه من غير كرفس؟».

اليوم الـ68 من الإضراب

الجمعة 6 ديسمبر 

الحضور: مصطفى بسيوني - دينا حشمت - أحمد حرارة وزوجته

تحكي لهم ما جرى في لقائها مع وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، خلال زيارتها لإنجلترا. كانت التوقعات تقول إن حزب العمل لديه خطة عمل مختلفة مع ملف قضية علاء وملف الحريات بشكل عام، لذلك جاء اللقاء بين أسرة علاء ولامى. كانت ليلى قد تجاوزت اليوم الـ50 من الإضراب، ولديها ما تقوله للمسؤولين عن هذه اللحظة: «أنا متفاجئة من جسدي، ولم أكن أتوقع أن يصمد كل هذه المدة، لكنه فعلها، وعلينا استغلال هذه المنحة قبل أن تقلب بغم علينا جميعًا». واجهت أسرة علاء الوزير الحالي بتصريحاته عندما كان وزيرًا للظل قبل أن يتولى السلطة، وحاول الوزير الدفاع عن موقفه، كونه رجلًا اشتراكيًا ولديه أجندة سياسية ملتزم بها، واستعرض جهود حكومته لمساعدة الفقراء في مصر، فرد واحد من عائلة علاء وقال له: «أنت تتعامل مع أكثر أسرة اشتراكية في مصر، ولا يمكن المزايدة على مواقفهم السياسية نحو الفقراء أو نحو القضايا العامة، لأنهم يدفعون ثمن هذه الانحيازات منذ سنين».

كانت الأيام السابقة متوترة، نسبة السكر في الدم عادت للانخفاض، وسقطت الأرقام تحت الـ60، وقال الأطباء إن الجسم يدخل في مرحلة حرق جديدة، فالدهون انحصرت في منطقة البطن فقط بعدما نحلت الساقان والذراعان، والأسرة والأصدقاء في حالة متابعة دائمة لأرقام السكر، بينما ليلى تشخط فينا جميعًا كلما عرضنا تقليل جهدها اليومي. تريد مواصلة الحياة والعمل حتى يعلن هذا الجسد سقوطه الحر. 

اليوم الـ69 من الإضراب 

السبت 7 ديسمبر 

كان لديها خطة واضحة لليوم، الانتهاء من مهام الكلية وتصحيح أوراق الطلبة وإخلاء النهار من الزيارات لهذه المهمة. تدخل غرفتها في صباح هذا اليوم، كانت تتصفح الأخبار، ترى صورة أحد معتقلي الإخوان المسجون منذ أكثر من عشر سنوات، تتحدث عنه وعن نضال زوجته وبسالتها في الدفاع عنه. أقول لها إن الرجال رغم تعاسة أوضاعهم في السجون، فإنهم محظوظون بنسائهم. تتذكر قصة واحد من شباب الإخوان المعتدلين، الذين كانت تعرفهم شخصيًا وتحدثت إليه يوم كارثة الاتحادية لإنقاذ بعض المحتجات اللاتي واجهن اعتداءات مخيفة. قال لها الشاب عبر الهاتف، إنه لم يذهب للاتحادية في هذا اليوم والجماعة أحضرت أعضاءً من الأقاليم لتنفيذ مهمة التعدي على المتظاهرين. تقول: «لا أنسى أن هذا الشاب الذي كنت أثق في أخلاقه وأفكاره أُعدم في قضية مقتل النائب العام، مات ظلمًا في الإعدامات الأخيرة مثل كثيرين غيره».

تتحدث أيضا عن الفرصة الكبيرة التي أهدرها الإخوان حينما وصلوا للحكم: «لم نصدق أن التنظيم الأكثر جاهزية للحكم استنزف نفسه في التخلص من المعارضة كمهمة أولى بدلًا من تحقيق بعض الإنجازات على الأرض. حتى التيار الديني في إيران، عندما حكم، نفذ بعض الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية لجموع المواطنين في البداية قبل أن يتحول إلى نظام ديكتاتوري، لكن أن يبدأ الإخوان بقتال المعارضة في الشارع، كيف حسبوها؟».

تصل مي، كان لديهما موعد مع دكتور التحاليل في زيارة منزلية لأخذ عينات من ليلى وإجراء بعض الفحوصات.

ننتقل إلى الصالة وتقول: «طب هقعد معاكم أشرب ينسون وآخد سيجارة وأقوم أكمل شغل». تحذرها مي من فتح الحوارات المتداخلة معي، لأنني يمكنني الكلام لساعات، فتضحك وتقول: «أنا أيضا كذلك، وكانت أغلب حواراتي مع علاء بهذا الشكل، حتى حينما كان يعيش في جنوب إفريقيا، كنا نصرف أموالًا طائلة على الحديث التليفوني في كل الأمور التي تشغلنا».

اليوم الـ70 من الإضراب

الأحد 8 ديسمبر 

كان هذا هو اليوم المتمم لعملها في الجامعة، قرر تلاميذها وزملاؤها تنظيم صفوفهم من أجل رفع ما تبقى من محاضرات عن كاهلها، ورغم محاولاتها المضنية أن يتركوا لها محاضرة يوم الأحد، فإنهم أصروا مع دخول الإضراب في هذه المرحلة، أن تتوقف عن كل هذا الجهد وتكتفي بالتصحيح وبعض المهام البسيطة.

كالعادة أصحو على وقع خطواتها على الأرض الخشبية. أدخل غرفتها لأجدها في حماس خاصة، فاليوم تذهب للجامعة للاحتفال بأحد تلاميذها النابغين في قسم الرياضيات، والذي صار علمًا في مجاله الآن، وتتهافت عليه الجامعات. نجلس مع القهوة الصباحية، لتحكي حكاية الطفل الذي جاء إليهم منذ 12 عامًا، بينما لم يكمل بعد المرحلة الإعدادية رسميًا، لكنه فعليًا أنهى دراسة مناهج رياضيات الثانوية، وبدأ في دراسة مناهج السنوات الأولى بقسم الرياضيات في جامعة القاهرة، وكيف حاربته البيروقراطية المصرية وكادت أن تقضي عليه لولا تحمس عدد كبير من أساتذة الرياضيات في الجامعة، حتى خرج من مصر وحقق في سنوات قليلة ما لم يحققه باحثون كبار، وحصل على الدكتوراة في العشرينات من عمره، وأخيرًا أقنعوا القسم في جامعة القاهرة للاحتفال به.

بهذا الحماس، ترتدي ملابسها ذات المقاسات الجديدة، فأغلب ملابسها لم تعد تناسبها، وتنزل من المنزل في اتجاه قهوة سواقين التاكسي القريبة من البيت. يعرفونها وتعرفهم وتفضلهم على تطبيقات السيارات الذكية، وتقول بمحبة: «دول ورث سيف ليا، كلهم كانوا أصحابه وبيوصلوه كل حتة، ولسه فاكرينه وبيحكوا عنه لحد دلوقتي، ومشوار الجامعة بالنسبة لهم فاكهة لأنه شارعين في الآخر».

عن الكاتب

رشا عزب

رشا عزب: صحفية وكاتبة مصرية. حاصلة على بكالوريوس الإعلام التربوي من جامعة القاهرة عام 2004. نشرت مقالاتها في عدد من المواقع مثل «المدن»، «كسرة»، و«صوت هولندا»

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن