«الرفض بلحم الجسد»: ليلى سويف، كافكا، ودولة لا تُفجَع
في كل مرة أرى صورة جديدة لليلى سويف، التي وصلت في إضرابها عن الطعام للشهر الثامن، يتملّكني ذلك الشعور الذي لا يمكن تسميته بسهولة، ليس خوفًا، ولا حزنًا، بل مزيجٌ من الذهول والارتباك، يعبر عن نفسه عاطفيًا بالقلق وأخلاقيًا بالحرج. أرى جسدها النحيل وهو يتنحّى عن العالم، ينسحب شيئًا فشيئًا، لكن هذا الانسحاب لا يخفي الجسد، بل يكثّف حضوره. المشهد يقاوم التعليق؛ والصورة تقاوم التحليل. تُشلّ لغتي وأُجبر على الاعتراف بأن تضامني هش، وأن العجز لم يعد شعورًا فرديًا، بل واقع جماعي.
إضراب ليلى لا يتوسل المجاز. رفضها للوضع الراهن واستمرار اعتقال علاء -بلحم جسدها- مفجع. أجدني، من دون قصد، أعود إلى شخصيتين أدبيتين سكنتا الخيال الحديث حول فكرة الرفض: «فنان الجوع» لفرانز كافكا، و«بارتليبي الكاتب» لهيرمان ملفيل. كلاهما اختار الانسحاب، بصمت أو بجوع، من منظومة عبثية تنظر إليهما كعائق أو كفرجة، من آلة تدور بلا اكتراث لما يُسحق تحتها.

في نص كافكا، نرى رجلًا يحترف الامتناع عن الطعام، يجلس في قفص حديدي صغير ومكشوف، يُعرض على الجمهور، ليراقبوه عن قرب، ويتتحقّقوا من صدق امتناعه. في البداية، يُثير الاهتمام، ثم يبهت… يحدد له مديره سقفًا للصيام، 40 يومًا، لا أكثر. يموت الرجل في كوم من القش، في ركن ناءٍ من سيرك متروك، معترفًا في لحظاته الأخيرة بأنه لم يكن يجد ما يشتهيه. يأتون بنمر في قفصه، حيوان كبير، قوي، ينبض بالحياة: صورة تفيض بالحياة.

أما بارتليبي، الكاتب بمكتب محاماة في وول ستريت، فيبدأ برفض المهام التي تُطلب منه، واحدة تلو الأخرى، بجملة واحدة: «أفضل ألا أفعل». يتوقف عن العمل، ثم عن التفاعل، ثم عن مغادرة المكتب، وأخيرًا عن الأكل. يُنقل إلى السجن ويموت فيه، بلا احتجاج، وبلا خطاب. لا يشرح، ولا يدافع، ولا يتوسل. مع مرور الوقت، تحوّلت جملته إلى استعارة يتيمة للرفض السلبي: الامتناع فضيلة، والانسحاب يكفي -أحيانًا- ليكون مقاومة.
يُستعاد بارتليبي وفنان الجوع كرمزين لانسحابٍ صامت، يتحوّل سريعًا إلى استعارة مجرّدة. الأول يُختزل في جملة واحدة: I would prefer not to، رفض فردي، رومانسي في عناده الأليف. والثاني جسد معروض، يحوّله الجوع إلى فرجة، لا إلى ألم يُقاوم. رمزيتهما، حين تُستعاد، تفقد حدّتها وتُفرغ الخطر من معناه.

ليلى ليست رمزًا، ولا ينبغي اختزال جسدها في استعارة. فحين نُصادف الإضراب كصورة، يهدّده المجاز؛ تُفرَّغ جسارته، وتُعاد صياغتها كفرجة مألوفة تُختزل فيها التكلفة والمعنى. ولا هو «فعل مقاومة» بالمفهوم الرومانسي القابل للتأويل، بل بمخاطره الفادحة، بما يضعه على المحك من جسدٍ وحياة. الجوع هنا لا يُؤدى، بل يُفرَض بلحم الجسد وبالحياة.
بالامتناع عن الطعام، تُحوِّل ليلى جسدها من جسد يُقيَّد ويُراقَب إلى موقع للفعل، ولإرباك منطق السيادة ذاته. في سياق تُختزل فيه الأجساد، من السجن التعسفي، إلى الحبس الانفرادي، والتعذيب بأشكاله، ومن الإهمال الطبي، إلى القتل خارج القانون، ومن العنف الصريح، إلى البيروقراطية البطيئة التي تتواطأ مع الإهمال، حيث يصبح التأخير، والحرمان، والحوادث «العرضية» أدوات قمع بطيء لا تقل فتكًا، لا يُرى الجسد إلّا كحياة مستباحة: لا تُحمى، ولا تُرثى، بل تُترَك لتُستهلَك أو تُنسى، كأن وجودها أو فناءها سيّان لدى الدولة.
لا يطلب إضراب ليلى الشفقة، بل يدعو إلى مساءلة أخلاقية وسياسية. لا يُقايض على البقاء، بل يحمّل هشاشته معنى سياسيًا، لا استعطافًا بل اعتراضًا. بإضرابها، تستدعي ليلى ما وصفته جوديث باتلر بـ«قابلية الرثاء» (grievability)، الحق في أن يُرى غياب الجسد كخسارة تُفجِع. في منطق الدولة، ليس كل غياب يُعدّ خسارة؛ فقابلية الرثاء معيار اعتراف، ووسيلة محو أيضًا. تطالب ليلى، بجسدها المُضرب، بأن تُعامل حياة علاء كحياة تستحق الحزن، وأن يُفهم غيابها لا كاختفاء، بل كفضيحة تُدين من أراد طمسها.

ليلى سويف لا تُشبه بارتليبي، ولا تقف في قفص فنان الجوع.. إضرابها ليس مجازًا، بل موقف أمومي، سياسي، موجّه للحاضر. تُدرك طبيعة هذا النظام: لا يتحرّك إلا بأزمة، وهي تصنعها. بجسدها، تقول ببساطة: ابني سجين، وسأجوع ليحيا حرًا.
ما يضاعف من قسوة هذا النداء أنه يتقاطع، في التوقيت لا في الاختيار، مع جوع آخر، جمعي، يُفرض على غزة. الجوع هنا وهناك، فردي وجماعي، يتناوبان اللغة ذاتها: جسد يُهلك، لا ليسمو، بل ليُرى. غزة تُجوّع. ليلى تجوّع. والصورتان، وإن بدتا متباعدتين، تتناوبان معنى واحدًا: يتلاشي الجسد ونحن نشهد على ذلك.

كتب كافكا أن العالم لم يعد يهتم بفناني الجوع، وقد يكون محقًا. فالعرض حين يطول، يتراجع الاشتباك، والتعاطف، إذا تكرّر، يُستهلك، ويتعب، واستمرار الفعل على مدار الزمن يشتت أثره. لكن ليلى لا تسعى إلى تعاطف، ولا تنتظر إعجابًا. صمتها لا يُستعذب، بل يُشهِر نفسه كسؤال. ليس سؤالًا عنها، بل عنّا: هل يبقى لهذا الجوع، في عالم يعتاد الألم، قدرة على الإرباك؟ وهل يبقى لنا ما يُبرّر الصمت؟ ليس القول بأن فعلها لا يجب تمجيده انتقاصًا له، بل الاعتراف بثقله. جوعها مقاومة للفقد، وانحياز لما لا يُطاق تجاهله. فقدٌ لا يخص فردًا واحدًا، بل يصيب المعنى، والحق، والذاكرة، كما في غزة، حيث يُفرَض الجوع كأداة محو. هو كشف متعمّد لما تسعى الدولة إلى طمسه: انهيار الجسد ومعنى الحرية حين تُختزل في البقاء.

إن كانت هناك عبرة من كافكا وميلفيل، فهي أن إساءة الفهم قاتلة. أن الجمهور يتعب. أن التكرار يبلّد الاستجابة. أن الموت، حين يطول، يُصبح خلفيةً لا يُصغى إليها. لكن إضراب ليلى يُجبرنا على الإصغاء، لا لأنه رومانسي بلغة المقاومة، مهيب، أو بطولي، بل لأنه صادق، مؤلم، وموجّه إلينا، نحن الذين ما زلنا نأكل وننام وننتظر. جسدها يحفر حضوره في وعينا، لا ليُحرّكنا بالعاطفة وحدها، بل ليُربك صمتنا، يُربك قدرتنا على التواطؤ مع التجاهل أو النسيان.
ليس في ما تفعله ليلى مجاز، ولا خاتمة مفتوحة على التأويل. هذا ما يحدث حين يتحوّل الجسد إلى وسيلة مخاطبة لا تملك ترف الإبهام. لا تعرض ليلى وجعها كي نشفق، ولا تطلب شيئًا، بل ترغمنا، نحن الذين اعتدنا استهلاك صور الأسى، أن نتوقّف. أن نبقى في المشهد، لا على هامشه. أن ننظر، ونحسّ، ونستشعر ثقل الموقف، لا كخبر، بل كنداء. هذا واقع، لا حكاية أمّ تناضل من أجل ابنها فحسب، بل واقعٌ أخلاقي لا يمكن تجاوزه دون أن نُسائل أنفسنا عن الدور الذي نؤديه بالصمت، وبالانتظار. وإذا كان ثمة سؤال في نهايته، فهو ليس سؤالًا عن ليلى، بل عنّا. هل نتحمّل أن نعرف، ثم نصمت؟ ماذا نفعل بهذا الوعي؟
ما يتبقّى بعد ذلك ليس خاتمة، بل مسؤولية.
تقارير ذات صلة
«بدر 3».. حيث يواجه السجناء الموت البطيء
السجناء محرومون من أشعة الشمس والزيارة والحد الأدنى من حقوقهم
حوارات على معدة فاضية (2-2)
تحكي ما جرى في لقائها مع وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، خلال زيارتها لإنجلترا
حوارات على معدة فاضية (2-1)
هذا جسد ليلى الأم، الذي قدمته مرارًا كخط دفاع عن ابنها علاء عبد الفتاح
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن