تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حكاية السائق حسن الذاهب إلى «أي مكان» 

حكاية السائق حسن الذاهب إلى «أي مكان» 

قصة قصيرة

كتابة: أحمد الفخراني 10 دقيقة قراءة
لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من القصة

أوقفت سارة سيارة أجرة، وعندما سألها السائق، وكان يدعى حسن عن وجهتها، قالت بلا اكتراث:

إلى أي مكان.

لم يجادلها السائق حسن، لأنه كان -على عكس أغلب السائقين- يعرف أين يقع «أي مكان»، بل أنه بطريقة ما كان يرى أن عمره كله لم يكن إلا محض انتظار وتدريب طويل من أجل تلك اللحظة التي سيأتي فيها زبون ليسأله أن يذهب به إلى «أي مكان».

لذا، انطلق السائق حسن بالسيارة، ولولا الزحام لنهب الأرض نهبًا، لطار بها كبساط الريح.

أن يطير، فتلك أمنية مكبوتة عالقة بقلبه منذ الطفولة، وقد تكومت خلف جدار القلب بجوار عشرات الأمنيات المكبوتة، فصارت تلًا، لكن ليس تلًا من الأمنيات، بل من قمامة، حطام ومخلفات وأفكار مشوشة مخلوطة.

بسبب كل ذلك الخراب المكدس، خلف جدار قلبه، كاد ذلك الجدار أن ينهار، فاضطر السائق حسن قبل أن يكمل الخامسة والثلاثين من عمره، أن يجري عملية قلب مفتوح، وبعدها عرف في نوبات ظنها الأطباء هذيانًا وهلاوس تعقب عمليات القلب المفتوح، أن «أي مكان» موجود.

لم يكن يهذي، لم يصدقه الأطباء، وهو كذلك لم يصدقهم، بل أيقن أنهم حفنة من الحمقى.

خفت تلك النوبات الآن، تلاشت تقريبًا، لم يتبق منها سوى الذكرى العابرة لظلال مغبشة، قبض السائق حسن على تلك الظلال بقوة، كأنها لو تلاشت لاختفى معها كل أمل، وكذلك صوت يهمس له من وقت لآخر، دون أن يعرف مصدره، بتلك العبارة:

«استيقظ وانصت» 

لم يكن ينصت، فكلما فعل لم يكن يسمع سوى صوت أطباق تتحطم.

إن كان السائق حسن قد عرف عبر الرؤى التي أتاحتها له هلاوس العملية، أن «أي مكان» موجود، فقد عرف أيضا شيئًا أكيدًا:

سيارات الأجرة لا تتحول أبدًا إلى بساط الريح، لم يحدث حتى بأشد عواصف هذيانه، حتى ولو خف الزحام، ولو اختفت العوائق، المطبات، الحفر، شرطي المرور، لا يختفي أبدا ذلك الشيء الكامن في نفسه، الذي يدعى الخوف.

في البداية تعجب من ذلك الشيء الأكيد، وتأسى من أجله، ثم اعتاد عليه، لأن لا بد وسط كل هذا الحطام والعواصف أن نتشبث بحقيقة ما، كما يفعل الغريق مع لوح نجاة كي لا تبتلعه دوامة الجنون، حتى ولو لم تكن تلك الحقيقة مرضية لنا.

هكذا هو العالم في كل مكان و«أي مكان»، قال السائق حسن لنفسه.

لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من القصة

لم يحتر حسن طويلًا في تفسير تلك النظرة التي تعلو وجه سارة الشارد كأن عقلها مخطوف في عالم آخر، نظرة ملل، ليس الملل العادي أو العابر، بل شيء آخر مقيم ومتجذر في الروح، كأنه التعبير الأخير عن كل شيء.

على الرغم من إدراكه لكُنه تلك النظرة، إلا أن سببها لم يكن مفهومًا له، فالعالم بالنسبة لحسن، قد يكون مكانًا، سيئًا، عنيفًا، شريرًا، مخيفًا، مزدحمًا، مليئًا بالمطبات والحفر وشرطة المرور، ولا تتحول فيه سيارات الأجرة إلى بساط الريح، لكنه أبدًا لا يدعو للملل، فهو صاخب، متسارع الأحداث، والدليل، أن تطبيق الأخبار على هاتفه لا يكف عن النبض، تن.. تن، وأحيانًا دوم.. دوم، كقلبه.

هو لا يقرأ الأخبار، لأنها لا تحوي خلفها -مثل القلب- إلا حطامًا، مخلفات، قمامة وأفكار مخلوطة مشوشة، لكن ذلك النبض يطمئنه أن العالم لم يمت بعد، وهذا هو كل ما يهم الآن.

دخنت سارة سيجارة، ولم تعزم عليه بواحدة، ثم دندنت:

 «أنا صار لازم ودعكن» 

فدندن معها السائق حسن في سره، فهو أيضًا من محبي فيروز. يحب الأغاني الجديدة الصاخبة كذلك، لا يفهم شيئًا من كلماتها، لكنه يعشق إيقاعها، دوم.. دوم.. دوم ليس كنبض، بل كقبضات غاضبة متتالية في جدار.

لو كان أخبر سارة برأيه لأجابته أنها توافقه الرأي، نعم الأحداث في ذلك العالم متسارعة إلى الحد الذي لم تعد تشعر فيه بأي اهتمام تجاهها، فكلها تبعث على الضجر، إذا تدور كلها حول فكرة واحدة:

تسارع مخيف إلى النهاية.

لذا قررت أن تقصر عالمها على حدود ذاتها، فتختزل معه كل شيء في العالم، ليس عن أنانية، لكن لأن ذلك بالفعل هو أفضل ما يمكن فعله، لكن جسدها الذي مثل لها حدود تلك الذات، المجرة التي حملتها طويلًا، التي سبح داخلها كل شيء في العالم، يخبرها أيضًا بالفكرة نفسها: تسارع وشيك نحو النهاية.

جسدها يتشقق كصحراء من العطش، ولا أدل من انهياره إلا على أنه لا يجد إلا تعبيرًا مبتذلًا عن ذلك الانهيار.

صحراء، عطش، تشقق.

لن تفيد بعثرة الكلمات ورصها عبر أي ترتيب، في أن تنجي ذلك التعبير من الابتذال، كتعبير درويش عن امرأة تدخل الأربعين بكامل مشمشها، المبتذل بدوره، ولا مكان فيه لامرأة تنهار، امرأة بأسنان أكلها التدخين، أنف معوج، قلب تحطم، ثدي مترهل، عين شاردة وإيقاع مفقود، ولا شيء تبقى من مشمشها إلا العطب، ربما بين نوبات الإنكار والهيستيريا قد تظنها شخصًا عاديًا لم يهرسه الزمن.

كان من المفترض بدلًا من أن ترتدي ذلك المعطف الرخيص فوق ثوب قديم، أن ترتدي فستان سهرة أزرق وتسهر في مكان صاخب، بعد أن ينقلها زميلها الطبيب من خانة العشيقة إلى الزوجة كما وعدها.

حياة عادية تمشي في خط مستقيم. زوج.. عائلة.. أطفال. حياة مملة ستعتنقها بكل ما أوتيت من قوة، وستجابه به الملل كله الذي يسببه تسارع الأحداث في العالم.

في آخر لحظة، تخلى عن وعده، وكي توقف طاحونة الأفكار التي كادت أن تدفعها إلى الجنون، هرولت هاربة خارج الجدران الأربعة للمنزل، حتى أنها نسيت أن تطعم قططها. أوقفت أول سيارة أجرة قابلتها، وعندما سألها السائق عن الوجهة لم تعرف بالضبط إلى أين عليها أن تذهب، فقالت دون أن تشعر، وبكل الضجر الذي تحمله تجاه العالم:

إلى «أي مكان».

جالت ببصرها من نافذة السيارة، كانت الأسوار الحديدية قد ارتفعت كسياج على كورنيش الإسكندرية، لتحجب امتداد البحر عن مرمى البصر، فتحبس سكان المدينة البائسة داخل الحقيقة وحدها، قبيحة عجوز، عارية من السحر والأمل وأوهام التاريخ.

في تلك اللحظة لم تر سارة في تلك السياج التي طالما كرهتها شيئًا سيئًا، بل درسًا ضروريًا سيكون مؤلمًا بعض الشيء في البداية، كشأن الدواء المر، فمن البحر والسماء تسربت الأخيلة، صُنعت الكذبة وصار الإنسان أسير قصصها المتوهمة ووعودها الكاذبة، بلى قد يجد الراحة، ولكن العذاب أيضاً في انتظاره إذا ما انكشف له ذلك الشق الضئيل وغير الكاف للفصل الحاد بين الوهم والحقيقة. أن تعيش بين شعورك الوحشي بالكذبة وبسعيك المحموم لحماية تلك الكذبة من الانكشاف. هنا فقط يتخلق المسخ وينشأ الجحيم.

ما يحزنها حقًا أنها كانت تعلم من البداية أن الوعد الذي تشبثت به، كان وعدًا كذوبًا، لا تقبله إلا مغفلة تتواطأ بكامل إرادتها كي تُعمي عينها عن الحقيقة، لم يكن ليترك حياته المملة المستقرة مع زوجته وأطفاله، ومن أجل من؟ قالت لنفسها، قطعًا ليس من أجل امرأة محطمة تودع أنوثتها، لكنها لم تملك إلا أن تعتنق ذلك الوعد الغائم كظلال، لأنه لو تلاشى، لتلاشى معها أملها الأخير في أن تعثر على نقطة ارتكاز لحياتها.

كانت تعرف أن الرجال كذابون وحمقى، جميعهم، لكنها لم تكن قد قابلت حسن من قبل، ليخبرها أن الأطباء أيضًا كذلك، ورغم أن حسن رجل، ورغم أن سارة أيضًا طبيبة، لكنهما قد يتبادلان النكات دون حساسية حول تلك المسألة، وهو شيء لن يُصلح العالم، لكنه قد يهدأ قليلًا من فوران الغليل، ويضبط نبضات القلب، لتعود كإيقاع منتظم، لا انفجارات سريعة متتالية، تشي بانهيار مخيف للعالم.

أخرج حسن سيجارة، وعزم على سارة بواحدة، أخذتها، تجرأ وسألها:

من أين عرفتِ أن ذلك المكان موجود؟

أي مكان؟

نعم... «أي مكان» 

لأن كل مكان في العالم.. هو أي مكان.

تقصدين أن جميعها تتشابه إلى حد الملل.

نعم.

إذن أنت لا تعرفين شيئًا عن «أي مكان»، هناك لا وجود للملل.

وما المختلف عن هناك، المزيد من الأحداث؟

لا، بل الأحداث نفسها، لكن كأنها تحدث كلها من جديد، كأنك تتعرفين عليها للمرة الأولى، كأنها تملك معنى.

صمتت سارة، دخنت سيجارة أخرى ودندنت، «رفيقي صبحي الجيز»، فدندن معها حسن.

فكرت في أن ذلك السائق مجنون، أو أنه لا يفصله عن ذلك سوى خطوة أخيرة، ربما يجتازها الآن وهو يذهب بها إلى «أي مكان»، لكنها قالت لنفسها: ما الفارق؟ لا تشعر بالرغبة في العودة إلى المنزل، ولا أن ترى قططها، تحبهم بشدة، لكن في ذلك اليوم، لم يذكروها بشيء سوى بأن وحدتها وحشية كقضبان، كسياج، أن الملل لا يطاق، أنها تتحول إلى كل ما تجنبت أن تكونه في بداية حياتها.

صارت رأسها طاحونة لا تكف عن الهذيان، بحثًا عن تعبير لا يصفه درويش، كأنها لو وجدته لخف شعورها بالابتذال:

اسمي سارة، ولم أعد حلوة. كذبت وعود الرجال كلها، لأنها ساومت على أن تأسرني في قارورة، كل واحد منهم أخذ مني شيئًا ورحل، لذا ذبلت سريعًا، وفي النهاية اضطررت إلى أن أقبل وعدًا كاذبًا من طبيب متزوج، امتص آخر ما بي من رحيق حتى الثمالة ثم هجرني، ولم يترك لي إلا جسد امرأة تتعفن أجزاءها، كسمكة نتنة، كالفسيخ.

نعم، بالضبط، لقد قبضت أخيرًا على الرائحة، الفسيخ، الفوح المدوخ لبرميل قمامة تخمر.

رغم أن صوت طاحونة الأفكار المخلوطة والمشوشة لم تغادر رأسها، إلا أن حسن اندهش من قساوة التعبير، ود لو أخبرها أنه غير حقيقي.

لم تتحمل ثقل التعبير، انخرطت في البكاء، أعطاها حسن منديلًا، لكن طاحونة الأفكار في رأسها لم تتوقف، تضغط على جدار عقلها، تدافعت الأفكار كلها في هيستريا، كصوت أطباق تتحطم.

توقف حسن بالسيارة فجأة، ثم صم أذنيه. كانت فرملة قاسية، أفاقت بها سارة من شرودها العميق، استعادت للحظات عقلها المخطوف في عالم آخر.

أخرج حسن سيجارة، دخنها، ولم يعزم على سارة بواحدة، اعتذر لها قائلًا إنه لن يستطيع أن يستكمل معها الرحلة لأن ليس بإمكانه أن يتحمل المزيد من أصوات أطباق تتحطم.

اعتدلت سارة في جلستها، لم تجد فكرة واحدة تمنع بها جدار عقلها من الانهيار، سوى أن تتشبث بوعد أخير غائم، فقالت للسائق حسن:

لقد وعدتني أن تذهب بي إلى أي مكان.

يقول الأطباء، أن ذلك المكان غير موجود إلا في رأسي.

الأطباء حمقى.

الرجال منهم؟

والنساء كذلك. يمكن أن تعتبرني مثالًا ممتازًا.. أحمل كأس العالم في الحماقة كامرأة وكطبيبة.

ضحك حسن، وسمح لها أن تفرغ ما تبقى في جعبة رأسها من أفكار محطمة، مشوشة، مخلوطة وأطباق محطمة، تألم، لكنه تحمل، بشجاعة لم يعرفها من قبل في نفسه، فلما انتهت، عاود الانطلاق بسيارته.

هل زرت «أي مكان» من قبل؟، سألت سارة.

لا.. ربما في أحلامي.

لم تذهب إلى هناك ولا مرة واحدة.

ولا مرة واحدة.

وما الذي منعك من الذهاب إلى هناك؟

الخوف.

إذن أنت لا تعرف الطريق.

لا يحتاج الوصول إلى «أي مكان» إلى أن تعرف الطريق.

ظل يدور في الشوارع، تجنب الخطوط المستقيمة، لأنها لا تصل إلى «أي مكان»، لو كان الأمر سهلًا لوصل الجميع إلى «أي مكان»، لا بد من تعريجات وتخريمات، المرور من ثقب إبرة، وإن كانت سيارته لا يمكن لها أن تتحول إلى بساط ريح، إلا أن بإمكانها أن تمر من ثقب إبرة، وهي كل ما تملكه من خدع سحرية، وقد ادخرها للحظة التي تستحق، لما تنطوي عليه تلك الحركة من خطر.

تلك السيارة التي عبرت آلاف المطبات والعوائق، التي عرفت الخوف ومخالفات شرطة المرور، لم تعد في عمر يسمح لها بالألاعيب السحرية، لكنها ستضحي، يعرف أنها ستفعل، لأن تلك السيارة التي ورثها عن والده، والتي اضطر للعمل عليها بعد أن طرده البنك؛ لأنه لم يفهم الشيء الخفي المتعلق بالأرقام، تلازمه منذ الصغر ككلب عجوز، وأنقذته من التشرد والجوع، وفية إلى الحد الذي لن يجعلها تفكر مرتين كي تضحي من أجله.

بعد ساعة، اثنتان، ثلاثة تبادلا فيها دندنة الأغنيات والأمنيات والأفكار المحطمة وعشرات السجائر، كاد الفجر أن يطلع، ولم يصلا إلى أي مكان.

في النهاية أعاد حسن سارة إلى المنزل، أطعمت قططها، احتضنتها ونامت، وقد ابتعدت في تلك الليلة خطوة عن الجنون.

عندما أدار محرك سيارته، وجدها معطلة فعرف أنها عبرت للتو من ثقب إبرة، خدعتها السحرية الأخيرة، كي تبلغ به «أي مكان»، شعر بالحزن، أراح رأسه خلف مقود السيارة، وغفا متعبًا، ثم أفاق على صوت يهمس له:

استيقظ وانصت.

كنت أعرف أنه كان أنت من البداية.

تظن أن خدعي السحرية قد نفدت، لدي واحدة ستطير عقلك.

همست السيارة، كلبه العجوز الوفي، لمرة أخيرة.

أدار حسن المحرك ثانية، فتحولت السيارة إلى بساط ريح، امتطاه وطار به بعيدًا، بعيدًا جدًا عن الجنون. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#سابع مدى

2011

من ديوان «كأنها مغفرة» كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال، في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا…

هدى عمران 4 دقيقة قراءة
#سابع مدى

كيف تكونين من هنا

مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»

أوكسانا تيموفيڤا 27 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن