تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الاقتصاد المصري بين ناري إتمام مراجعة «الصندوق» وتأجيلها

الاقتصاد المصري بين ناري إتمام مراجعة «الصندوق» وتأجيلها

كتابة: محمد عز 9 دقيقة قراءة

قبل أيام، نقلت عدة جهات إعلامية، منها جريدة اليوم السابع وقناة العربية ووكالة رويترز، بيانًا عن وزارة المالية، أنه تم الاتفاق بين صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية على دمج المراجعتين الأولى والثانية لبرنامج قرض الصندوق في توقيت واحد، يُحدَد قبل نهاية العام الجاري. بعدها بساعات، حذفت «العربية» الخبر. أما «اليوم السابع»، فاستبدل نصه بآخر يسرد معلومات عامة عن برنامج مصر والصندوق.

كان من المفترض أن يخضع الاقتصاد المصري لمراجعة صندوق النقد الدورية تحت مظلة اتفاق مصر الأخير مع الصندوق المُوَقع في ديسمبر الماضي، إلا أن أيًا من طرفي الاتفاق، الحكومة والصندوق، لم يعلنا البدء في المراجعة حتى الآن، بينما رجّحت مصادر حكومية ومحللين اقتصاديين تأجيل المراجعة حتى نهاية العام. السبب في رأي المحللين هو أن إتمام المراجعة سيكون بمثابة شهادة سلبية عن أداء الحكومة في ملف الاقتصاد منذ توقيع الاتفاق، نظرًا لفشلها في تحقيق بعض من أهم شروط الصندوق الذي قد لا يرغب في التأكيد على موقف مصر المأزوم خوفًا من تدهور «سمعته» كمُقرض دولي. من جانب آخر، فإن لتأجيل المراجعة آثاره السلبية، ما وضع الحكومة والصندوق بين ناري إتمام المراجعة وتأجيلها للمرة الثانية.

في نهاية العام الماضي، وقّعت مصر اتفاقية مع صندوق النقد الدولي تحصل بموجبها على قرض بقيمة أكبر من ثلاثة مليارات دولار في صورة أقساط نصف سنوية على مدار نحو أربع سنوات، بشرط اجتيازها مراجعات خبراء الصندوق مرتين كل عام. بعد توقيع الاتفاقية، حصلت مصر على دُفعة فورية بقيمة 347 مليون دولار تقريبًا. وكان من المفترض أن تحصل مصر على دفعتين خلال العام الجاري بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 700 مليون دولار، بعد إتمام مراجعتين، الأولى في مارس الماضي، والثانية قبل منتصف سبتمبر الجاري. إلا أن الصندوق أجّل مراجعته الأولى التي كان من المفترض إجراؤها في مارس، وبالتبعية، لم تحصل مصر على دفعة القرض التي كان مُفترضًا الحصول عليها. ورغم تأكيدات متعددة بأن المراجعة الثانية ستتم في موعدها في سبتمبر، قال مصدر مطلع بالبنك المركزي المصري لـ«مدى مصر» إن الحكومة اتفقت مع الصندوق على تأجيل المراجعة للمرة الثانية حتى نهاية العام.

لم يكن التأجيل قرارًا سهلًا، بحسب عدة محللين، إذ أن مصر كانت بحاجة إلى إتمام المراجعة، ليس فقط من أجل الحصول على جزء من القرض، لكن أيضًا للحصول على «شهادة ثقة» جديدة، دائمًا ما احتفت الحكومة بحصولها عليها كلما توصلت لاتفاق جديد مع الصندوق، لتسمح لها بالعودة لأسواق الديون مرة أخرى واستعادة الاستثمارات الأجنبية المُفترضة حتى إتمام المراجعة.

المراجعة المؤجلة كان من المُفترض أن ترصد ما نفذته الحكومة من تعهداتها حتى نهاية يونيو الماضي، مقارنة بخطة الإصلاح المُتفق عليها مع الصندوق، والتي لم تنفذ منها الحكومة على أرض الواقع سوى النُذر اليسير. وبخلاف الشروط الفنية المختلفة، لم تنفذ مصر الشرط الأهم في رأي الصندوق، وهو التحول لنظام سعر صرف مرن، إذ استمر سعر الصرف ثابتًا منذ مارس الماضي، بعد ثلاثة تخفيضات لسعره منذ مارس 2022، فقد خلالها الجنيه المصري نحو 49% من قيمته.

العضو المنتدب لقطاع عمليات الاستثمار والاستشارات المالية بمجموعة أسطول للاستثمارات المالية، أحمد دياب، قال لـ«مدى مصر» إن الضغوط على الحكومة في الوقت الحالي أكبر من أن «تغامر» بعقد المراجعة في موعدها، أهم تلك الضغوطات هو تحرير سعر الصرف بشكل حقيقي.

منذ بداية الاتفاق، ظهر تحرير سعر الصرف كمطلب رئيسي، كرره مسؤولي الصندوق عدة مرات. يرى الصندوق أن نظام سعر صرف مرن سيحقق ثلاثة مكاسب رئيسية. 

المكسب الأول، بحسب مذكرة بحثية حديثة أصدرها معهد التمويل الدولي، هو القضاء على ومنع تكوين تفاوتات إضافية بين سعر الصرف الرسمي ونظيره في السوق الموازية. المكسب الثاني، هو أن يعمل سعر الصرف كعامل ممتص للصدمات الخارجية، وهو ذات المكسب الذي أشار إليه مسئولي الصندوق في عدة مناسبات، إذ يساهم سعر الصرف المرن وقتها في تعديل معدلات الطلب عليه، بحيث ينخفض الطلب على الدولار عند ارتفاع قيمته أمام الجنيه، ويزيد عند انخفاضها حتى يصل للتوازن.

أما المكسب الثالث فهو تحرير البنك المركزي من عبء المشاركة في إدارة السياسة المالية التي تتعامل مع الضرائب والإنفاق الحكومي وتدار بواسطة إدارة حكومية، والتركيز بدلًا من ذلك على إدارة سياسته النقدية مع عرض النقود وأسعار الفائدة التي تُدار عبر البنوك المركزية، لكبح جماح التضخم وتحقيق الاستقرار في الأسعار، بما في ذلك من خلال تعديل أسعار الفائدة دون اكتراث لما إذا كان رفع هذه الأسعار سيزيد من مديونية الحكومة أو مخاطر التعثر في السداد، على عكس الوضع الحالي في مصر.

الرأي نفسه، بحسب المعهد، اتفق عليه أغلب الخبراء الذين رأوا أن سعر الصرف الثابت البالغ حوالي 31 جنيه مصري مقابل الدولار ليس مستدامًا، بل هو بحسب رئيسة الصندوق، أشبه بـ«سكب المياه في وعاء مثقوب»، إذ أن سعر الصرف في السوق السوداء يزيد بحوالي 30% عن السعر الرسمي، بينما تشير توقعات عقود الصرف المستقبلية إلى المزيد من التخفيضات في المدى القريب.

وأضاف المعهد أن هناك «نمط مثير» في الحركات التاريخية لسعر الصرف الفعلي الحقيقي في مصر، يظهر في لجوء الحكومة إلى تخفيض كبير مرة واحدة استجابة للضغوط الخارجية، لتخفيف الضغط على سعر الصرف الحقيقي مؤقتًا. «ومع ذلك، لا تمضي فترة طويلة قبل أن تضع مشكلات هيكلية وسياسات معيبة ضغوطًا على التضخم، وبالتالي تُفقد أي فوائد من التخفيض الإسمي الأصلي، فتعود الضغوط وتضطر السلطات إلى تخفيض آخر، وهكذا دواليك».

لتبسيط ذلك، قالت محللة الاقتصاد الكلي، منى بدير، لـ«مدى مصر» إن غياب السيولة الدولارية في البنوك والقنوات الرسمية للحصول عليها، تخلق سوقًا موازية بأسعار أعلى، استجابة لطلب كبير مقابل سيولة منخفضة. «الحكومة لما بتخفّض السعر بتقرب السعر الرسمي من سعر الدولار في السوق الموازية. لكن في نفس الوقت، مش بيحصل توفر للدولار أصلًا في السوق الرسمية، أو التوفير بيكون مؤقت، فالضغوط تزيد مرة أخرى، فالسوق الموازية تنشط تاني لأن مشكلة عدم توافر الدولار متحلتش من جذورها. وفي النص، زيادة سعر الصرف الرسمي بتؤدي لزيادة التضخم، اللي بتجبر حتى منتجي السلع والخدمات المحلية لرفع أسعارهم لسعر أكبر من سعر نفس المنتجات المستوردة، فالمصنعين بيتجهوا لاستيراد المزيد من الخامات الأرخص من الخارج، بدل استخدام خامات محلية أغلى. بالتالي، الطلب على الدولار بيعلى، وبندخل في دايرة مغلقة من زيادة الاستيراد والضغط على سعر الصرف».

عضو لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، محمد بدراوي، قال لـ«مدى مصر» إن الصندوق يضغط لحدوث التعويم بالكامل في أقرب وقت، لكن غياب السيولة التي تدعم ذلك القرار هو العائق الأساسي.

«المشكلة مش في سعر الدولار للجنيه. السعر ممكن يبقى 30، 40، أو حتى 50 جنيه، لكن، السؤال دايمًا هل هناك احتياطات تدعم تثبيت السعر عند هذا الحد، ولا هنعوّم ونرجع تاني لنفس المكان؟»، يقول بدراوي.

لذلك، فإن حل المشكلة من الجذور ينبع من توفير الدولار.

«كل الحاجات دي، سواء المراجعة، أو السيطرة على التضخم، أو سعر الصرف كلها أعراض لنقص مزمن في الدولار، ودا مش هيتحل إلا بالدولار»، تقول بدير.

لكن، في الوقت الحالي، لا تستطيع الحكومة توفيره. فحتى الطروحات الحكومية بدت متعثرة خلال الأشهر الماضية، رغم التعهدات الكبيرة والعروض التي قدمتها الحكومة.

وفي ظل هذه الظروف، اتجهت الحكومة لتأجيل المراجعة.

«الصندوق مُتفهم لوضع مصر الحالي اللي بيخليها مضطرة إنها تؤجل تحرير سعر الصرف انتظارًا لبيع أصول الدولة أو الحصول على عوائد دولارية تمكن الحكومة من تحمل تكلفة التحرير دا، ودا اخد وقت أكبر من المتوقع»، أضاف دياب.

لكن هذا التأجيل يأتي بمزيد من المخاطر.

«مفهوم إن فيه ضغوط على الحكومة تدفعها للتأجيل، بس التأجيل دا تكلفته عالية جدًا على الاقتصاد»، تقول بدير.

فمن جهة، تأجيل تخفيض الجنيه يضع المزيد من الأعباء على الاقتصاد، بحسب تقرير بحثي لمركز كابيتال إيكونوميكس البريطاني، قال فيه إن أي تأخير إضافي في اعتماد سعر صرف مرن حقيقي سيجعل من الصعب على مصر الخروج من أزمتها الاقتصادية وسيزيد من خطر العجز عن سداد الديون السيادية.

وأشار التقرير إلى ما أسماه بـ«شائعات متزايدة» تشير إلى أن السلطات المصرية قد لا تقوم بأي تخفيض للجنيه حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية، ما وصفه بـأنه «لعبة خطيرة».

عضو مجلس النواب، محمد بدراوي، أكد أن ربط المراجعة بموعد الانتخابات «حقيقي، لكن وزن دا في المعادلة الكبيرة بيتم تضخيمه»، مضيفًا أن سعر الصرف ثابت منذ أشهر طويلة. «أكيد البنك المركزي مش سايب السعر ثابت لشهور علشان خاطر الانتخابات الرئاسية آخر السنة»، أضاف بدراوي.

وبخلاف ذلك، فإن التأجيلات المتتالية تقلل من قدرة مصر على النفاذ لأسواق الدين العالمية وخفض تكلفة الاقتراض، بحسب دياب، الذي أضاف أن التأجيل يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، لكنه لا يرسل رسالة سلبية حقيقية «لأن العالم كله مدرك التحديات الاقتصادية في مصر»، لذلك، فقد يستمر المستثمرين في متابعة الوضع في مصر انتظارًا لتحسن الأوضاع وانتهاز فرص جيدة للاستثمار، لكن لن يتخذوا قرارًا بعدم الاستثمار، كما هو الحال في حالة توقعهم بزيادة الوضع سوءًا.

لكن بدير ترى الوضع أسوأ من ذلك، خاصة أن الحكومة أجّلت بالفعل المراجعة الأولى التي كان يُفترض حدوثها في مارس، لذلك فإن التأجيل للمرة الثانية يعطي مؤشرًا غير إيجابي.

«حتى لو الآثار السلبية دي هي حالة من عدم اليقين، فده بيدي انطباع سئ لدى المستثمرين عن الاقتصاد المصري، بما فيهم وكالات التصنيف الائتماني اللي بتحاول تستنى مراجعة صندوق النقد تتم علشان تشوف ما إذا كانت هتلجأ لتخفيض تاني في التصنيف الائتماني لمصر أو هتثبته، بالتالي وضعهم في موقف يدفعهم للتخفيض مش في صالح مصر»، تضيف بدير.

ففي مايو، قامت وكالة موديز بوضع تصنيفات مصر التي تبلغ B3 تحت المراجعة لخفضها، مستندة إلى نقص السيولة الأجنبية. وللأسباب نفسها، خفّضت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش» تقييم مصر من B+ إلى B.

مثل تلك التخفيضات تعني ارتفاع تكلفة الديون التي تحصل عليها مصر، نظرًا لارتفاع المخاطرة، مقابل وجود عائد مناسب لدى دول أخرى بدون مخاطرة تقريبًا، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب بدير.

لذلك، ترى بدير أن الحل الحقيقي لوضع مصر الاقتصادي يعتمد على محورين: استقرار الوضع الاقتصادي العالمي وتخفيض أسعار الفائدة العالمية، بما يسمح للحكومة بالاستدانة من الخارج بتكلفة أقل، وزيادة الثقة في الاقتصاد المصري.

«لو الوضع العالمي استقر ومفيش ثقة في الحكومة، تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم سداد أقساط الديون هتزيد، بالتالي تكلفة الاقتراض الإجمالية هتفضل عالية على مصر رغم استقرارها في الدول الشبيهة»، بحسب بدير.

يعتمد ذلك على وجود خطة لدى الحكومة للتعامل مع مستجدات الوضع العالمي والداخلي. وبحسب مصدر البنك المركزي، فإن إتمام المراجعة يتوقف على قدرة الحكومة على جمع خمسة مليارات دولار لتدعيم الاحتياطي قبل تحرير سعر الصرف، تضمن لها القدرة على التدخل لتثبيت السعر عند الحاجة لذلك لتجنب الانهيار في قيمة الجنيه.

وفي رأي بدراوي، فإن جمع تلك الحصيلة سيعتمد بالأساس على الطروحات الحكومية، والتي قال إنها لم تتم بالشكل المخطط له.

«خطة الحكومة أصرّت على إنها تقدر تتم الطروحات في وقت أسرع من الحقيقي»، يقول بدراوي، مضيفًا أن التخطيط السيء هو ما وضع مصر في المأزق الحالي.

«المشكلة الأساسية كانت في التخطيط. الحكومة مكنش عندها خطة بديلة. لما جم يخططوا سابقًا، كان التفكير إنه معروف عندنا أقساط كبيرة واجبة السداد بين 2023-2026، لكن كان هناك اعتقاد ثبت خطؤه بأن الأموال الساخنة والتدفقات الدولارية لدعم الاقتصاد هتستمر. بس جت كورونا، وبعدها حرب، والعكس تمامًا حصل، فالتدفقات تحولت لاستثمار مباشر في أصول الدولة، والأموال الساخنة خرجت وراحت أماكن أفضل بالنسبة لها، بالتالي مصر بقى عندها عجز دولاري كبير بين مصاريفها والتزاماتها. كان المفروض يكون فيه خطة بديلة، لكن للأسف ده مكنش موجود»، بحسب بدراوي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن