تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حصار غزة| سنوات المرض 

حصار غزة| سنوات المرض 

كتابة: مصطفى حسني 10 دقيقة قراءة

مصعب، 16 عامًا، مريض بسرطان الدم «اللوكيميا»، واحد من بين 13 ألف مريض سرطان في غزة باتوا خارج المستشفيات منذ بداية الحرب، بسبب قصف العديد من المستشفيات والمراكز الطبية منذ 7 أكتوبر، ما خلق حالة من التكدس الشديد في المستشفيات المتبقية التي تستقبل آلاف الجرحى يوميًا. «الوضع سيئ على الآخر. ما في أدوية ولا علاج ولا مستشفيات ولا قادرين نطلع من البيت علشان أعالج ابني. حالته بتنتكس، خاصة أنه مريض سرطان ويحتاج إلى رعاية خاصة وجميع الأدوية بياخدها مصعب للرئة والمعدة والمضادات الحيوية وأدوية الكيماوي ناقصة ومش قادرين نحصل عليها»، تقول والدة مصعب لـ«مدى مصر».

قبل العدوان الأخير على غزة، كان مصعب يستكمل علاجه في مستشفى الصداقة التركي، الذي قصفته مقاتلات الاحتلال، ما أدى إلى تدمير طابقيه الثاني والثالث، ثم توقف عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء، بحسب ما قاله محمود رضوان، مدير دائرة العلاقات الأجنبية بالإدارة العامة للتعاون الدولي بوزارة الصحة الفلسطينية لـ«مدى مصر». ومع بدء العدوان، توقف علاج مصعب في المستشفى بسبب التكدس الشديد في المستشفيات. «كله مقطوع ما في مستشفيات ولا محولات ولا كهرباء ومش عارفين نعالجه في غزة ولا نطلع حيفا علشان يكمل علاج»، تقول والدة مصعب.

اكتشفت والدة مصعب مرض نجلها منذ سبع سنوات، لتبدأ رحلة طويلة في محاولة علاجه خارج غزة، كحال آلاف المرضى، بسبب النقص الحاد في المعدات الطبية والعاملين في الصحة، والسابق على العدوان الحالي الذي فاقم من انهيار القطاع الصحي.

في يناير 2006، عقب فوز حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في الانتخابات التشريعية، فرضت إسرائيل في 2007، إلى جانب مصر، حصارًا بحريًا وبريًا وجويًا على غزة، ما أدى إلى تقييد حركة السكان. شمل ذلك فرض قيود على القطاع الصحي، إذ لا تتوفر كثير من اللوازم الطبية الأساسية. 

بسبب هذا الوضع، يضطر عدد كبير من المرضى في غزة، ولا سيما أولئك الذين يعانون من أمراض مثل السرطان والأمراض المزمنة، للحصول على إحالات طبية تغطيها السلطة الفلسطينية لتمكينهم من طلب العلاج خارج غزة، في الضفة الغربية المحتلة، أو إسرائيل، أو مصر. 

وفي حال كان طلب العلاج في الأراضي المحتلة، يكون على المرضى بعد حصولهم على الموافقات والتغطية المالية من السلطة الفلسطينية، التقدم بطلب للحصول على تصاريح إسرائيلية للسماح لهم بمغادرة القطاع عبر بيت حانون/ إيرز، وهو المعبر البري الوحيد للفلسطينيين الذين يريدون التنقل بين غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

يمكن تأخير منح التصاريح الإسرائيلية للمرضى الأفراد أو رفضها أكثر من مرة ثم الموافقة عليها، ما يشير إلى تعسف نظام التصاريح وتأثيره على الوصول للخدمات الصحية اللازمة. منذ 2019 وحتى 2021، تمت الموافقة على 65% فقط من تصاريح المرضى في الوقت المناسب للوصول إلى موعد المريض في المستشفى. في معظم الحالات، لا يوجد تفسير للتأخير أو رفض منح التصاريح. «يتعرض الكثير من المرضى للموت بسبب الإنتظار الطويل»، بحسب مدير دائرة العلاقات الأجنبية بالإدارة العامة للتعاون الدولي بوزارة الصحة الفلسطينية.

كما تتم الموافقة لفئات سكانية مختلفة بمعدلات مختلفة، حيث يعاني الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عامًا من أدنى معدل موافقة (47%). حسب التخصص الطبي، كانت أقل معدلات الموافقة هي جراحة المسالك البولية (44%)، وجراحة العظام (45%)، وطب العيون (48%). 

كما يتعرض البعض، خلال رحلة العلاج، للاعتقال التعسفي ويخضعون للتحقيق أيامًا أو أسابيع في أثناء محاولتهم عبور معبر إيرز، حتى وإن كان بحوزتهم تصريح سارٍ. يتعرضون للضغط مـن أجل الإدلاء بمعلومات عـن آخرين مطلوبين من الأمن الإسرائيلي. على سبيل المثال، في يناير 2014 اعتقلت قوات الأمن الإسرائيلية مريض عمره 28 عامًا، يعاني من ضعف في البصر، على معبر إيرز، وهو في طريقه إلى الضفة الغربية لموعد مـن أجل علاج تخصصي لمرض في العين. وأُطلق سراحه بعد 30 يومًا، وتمت إعادته إلى غزة دون الحصول على العلاج.  

تقول والدة مصعب: «من المفترض كنّا نسافر خلال أسبوع في الداخل المحتل علشان يكمل علاج بالكيماوي أو إجراء تحاليل، بس مش قادرين ننزل من البيت من الأساس. قعدنا فترة كبيرة جدًا، شهور علشان مستشفى في حيفا يوافق على استقباله ونقدر نطلعه، وحالة ابني ساءت لحد ما حصلنا على التصريح، خاصة أن الاحتلال رفض أن أهله يكونوا مرافقين له. لازم حد من الجيران. فبقينا نترجى الجيران يروحوا معاه ويكونوا مرافق له علشان يتعالج». ترفض إسرائيل مرافقة أفراد من عائلات مرضى غزة يريدون العلاج خارجها بحجة أنها تضم أفرادًا ينتمون إلى حركة حماس أو الجهاد الإسلامي. 

وتعد مرافقة المرضى أمرًا بالغ الأهمية، بشكل خاص للأطفال والمرضى العاجزين وذوي الإعاقات، وكذلك لاحتياجات الدعم النفسي، لكن هذه المرافقة قد تؤثر على الموافقة الطبية، ما اتضح في الفترة من 2019 إلى 2021، حين تمت الموافقة على 46% فقط من تصاريح المرافقين في الوقت المناسب لموعد المريض في المستشفى. 

caption

فاقم الوضع وتيرة فتح وإغلاق معبر رفح من الجانب المصري. منذ عام 2007 حتى 2011، استمر فتح المعبر بمعدل ست ساعات يوميًا، لتتغير هذه بعد يوليو 2013 لتصبح على فترات متباعدة تحددها السلطات المصرية، التي قامت، في هذه الأثناء، ببناء جدار عازل وهدم الأنفاق بعد فرض حالة الطوارئ وحظر التجول في شمال سيناء بسبب الاشتباكات مع الجماعات المسلحة. ورغم أن عام 2022 شهد تحسنًا في حركة المسافرين عبر معبر رفح (نحو 23 ألف مسافر شهريًا) مقارنة بالعام الذي سبقه (نحو 15 ألف مسافر شهريًا) إلا أنه لا يزال بعيدًا عن المعدل الذي سُجل عام 2005 قبل فرض الحصار، والذي وصل إلى 40 ألف مسافر شهريًا لأغراض العلاج أو السفر عن طريق مصر. 

وبحسب ما أفادت سلطات المعبر، فإنه في عام 2014 سافر 3117 مريضًا عبر معبر رفح، من خلال تحويلات وزارة الصحة الفلسطينية أو تقارير طبية خاصة من أطباء القطاع الخاص. أما فـي عام 2015 فقـد تمكـن 1306 مرضى فقـط مـن السـفر لأسـباب صحية بسبب قصر فترات فتح المعبر. وفي 2018، عبر 1510 من المرضى، ولم يسافر سوى 8% من المرضى ومرافقيهم الذين حصلوا على تحويلات طبية من غزة إلى مصر خلال العام. 

استمرت السلطات المصرية في فرض قيود على عدد وطبيعة الأشخاص المسموح لهم بالسفر. ونتيجة لذلك، يضطر كثير من الفلسطينيين في غزة إلى دفع «رسوم تنسيق» (غير رسمية) باهظة حتى يتمكنوا من التنقل عبر المعبر وتجنب المنع الأمني أو التأخير. وعلاوة على ذلك، بحسب المراقب الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، يتعامل أفراد الأمن المصري مع المسافرين الفلسطينيين على نحو غير إنساني، ويخضعونهم لتفتيش متكرر، وتتسبب هذه الممارسات في إطالة مدة الرحلة بين المعبر ومطار القاهرة، لمن ينوي السفر خارج مصر، حتى 72 ساعة في بعض الحالات (لا تستغرق أكثر من ست ساعات في الوضع الطبيعي). 

قبل العدوان الجاري، كان الخروج من غزة هو الحل الوحيد أمام بعض المرضى لتلقي العلاج، نظرًا للوضع الصحي المتدهور في القطاع نتيجة الحصار. أما البعض الآخر، فليس أمامه سوى العلاج داخل غزة.

يتكون قطاع الصحة الفلسطيني في غزة من ثلاث جهات رئيسية: وزارة الصحة، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى «الأونروا»، والمنظمات غير الحكومية. تقدم وزارة الصحة معظم الخدمات الصحية، خاصة الرعاية.

نتيجة الحصار، واجه توفير الخدمات الصحية العامة في غزة عقبات أساسية بسبب نقص الموارد البشرية والأدوية الأساسية والمعدات، ما أدى إلى عدم القدرة على تطوير البنية التحتية. كما أن القيود الصارمة على التخطيط، التي تمنع إنشاء مرافق صحية دائمة أو شبه دائمة، فاقمت التدهور.

بحسب ما قاله محمد أبو سليمة، مدير مجمع الشفاء الطبي لـ«مدى مصر»، يبلغ إجمالي عدد أسرّة المستشفيات في القطاع كله 2500 سرير فقط، ما يعني سريرًا لكل ألف مواطن، مقارنة بما قبل الحصار، حيث كان متاحًا سرير لكل ثلاث مواطنين. 

caption

كما أفاد مخزن الأدوية المركزي في غزة بانخفاض توافر المخزون الأساسي مقارنة بالضفة الغربية، بمتوسط ​​55% (إمدادات تكفي لأكثر من شهر واحد) على مدى السنوات الثلاث السابقة. 24% من الأصناف التي تستخدم في غرف العمليات، وغرف العناية (حاملات الفوط، مقصات، ماسكات الإبر، ملاقط الخياطة، الخ….) غير متوفرة من قبل العدوان، بحسب عايد ياغي، مدير فرع هيئة الإغاثة الطبية الفلسطينية في غزة.

على صعيد الأجهزة الطبية، يعاني القطاع من نقص حاد فيها، حيث ترفض إسرائيل إدخالها، بالإضافة إلى أن الكوادر الطبية التي تجري عمليات في أراضي فلسطين المحتلة تواجه المنع للوصول إلى غزة والعكس صحيح، حيث هناك منع من الاحتلال لتدريب الأطباء خارج القطاع، بحسب رائد النمس، المتحدث باسم الهلال الأحمر في غزة، لـ«مدى مصر».

بسبب الحصار أيضًا، تضطر إدارات المستشفيات والأطقم الطبية في غزة لإجراء حسابات تشغيلية دقيقة حتى تتمكن من الاستمرار في العمل، فتعطي الأولوية للخدمات الصحية الحيوية في الحصول على الكهرباء من المولدات، لترشيد استخدام الكميات القليلة المتاحة من الوقود. وتستهلك المستشفيات الحكومية في غزة حوالي 61 ألف لتر من الوقود يوميًا، بحسب ما قاله رضوان لـ«مدى مصر».

أما فيما يخص الأدوية المعالجة للأمراض المزمنة، فهي في حالة نقص شديد يصل إلى 42% مقارنة بـ16% فقط قبل الحصار، بحسب ياغي.

يقول زياد الخزندار، المدير الطبي لمؤسسة «بسمة أمل» لرعاية مرضى السرطان في غزة واستشاري الأورام، لـ«مدى مصر»: «قبل الحرب كان لدينا نقص كبير في الكادر البشري في عدد الأطباء الاستشاريين في غزة لمرضى السرطان. كان عددهم أربعة فقط، وعدد مرضى السرطان في قطاع غزة يصل إلى 13 ألفًا. لذلك معظم الحالات بعد تشخيصها، 60% منهم يتم تحويلهم إلى مصر أو مستشفيات الضفة، بسبب النقص في العلاج الإشعاعي ونقص في التشخيص، وأيضًا معظم العلاج الكيماوي غير متوفر. معظم الحالات يتم رفضها من الاحتلال في الداخل المحتل». يقول ياغي إن الاحتلال يمنع إدخال الجهاز المستخدم في العلاج الإشعاعي بحجج واهية، منها أنه يحتوي على مواد إشعاعية. «هناك حالات عديدة من الأطفال وكبار السن تتعرض للموت بسبب ذلك».  

caption

الأمر لم يقف عند أجهزة العلاج الإشعاعي، لكنه امتد إلى أجهزة الغسيل الكلوي، حيث لا يوجد في القطاع سوى 160 جهازًا فقط، أقل من ثلثها معطل، ولا تستطيع وزارة الصحة الفلسطينية استبدالها أو إصلاحها بسبب نقص قطع الغيار، بحسب رضوان وياغي. 

كان للحصار آثاره أيضًا على فئات متعددة من سكان القطاع ممن يحتاجون للرعاية الصحية. 31% من النساء الحوامل و45% من الأمهات الفلسطينيات المرضعات يعانين من فقر الدم، بحسب إحصائية وزارة الصحة في 2021. كما يعاني 60% من أطفال اللاجئين في القطاع الذين تتراوح أعمارهم بين ستة و11 شهرًا من فقر الدم. ويعتمد 80% من سكان غزة -معظمهم من اللاجئين- على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية للبقاء على قيد الحياة. 

الاستهداف الحالي والمتواصل للمستشفيات أدى إلى خروج 15 مستشفى و32 مركزًا صحيًا عن الخدمة، ومقتل 130 كادر صحي وتدمير 25 سيارة إسعاف، بحسب النمس ووزارة الصحة.

يقول أبو سليمة: «أصبحنا نقوم باختيار الجرحى والمفاضلة بينهم بسبب الوضع القائم. يعني الإصابات البسيطة والمتوسطة نتركها ونختار الأكثر خطورة. وهناك حالات لا رجاء منها نتركها. فاقت أعداد المصابين الأَسرّة، ونقوم برعاية المرضى على الأرض، ونُجري عمليات جراحية في الطرقات ونتوسع في عدد الأَسرّة في الغرفة، يعني الغرفة التي بها عدد 3 أسرة نجعلها تشمل 6».

حتى إن كان الوضع الصحي في غزة قبل العدوان سيئ للغاية، لكنه حاليًا شديد السوء، بحسب تعبير ياغي: «لا يمكن مقارنة ما يتعرض له النظام الصحي الآن بالوقت السابق من حيث شدة الازدحام في المستشفيات نتيجة العديد من الجرحى. نحن نتحدث عن أكثر من 15 ألف جريح في مكان صغير للغاية ويتم استقبال المرضى أو الجرحى على الأرض، وينتظرون ساعات طويلة حتى يسمح لهم باستقبالهم». 

ويضيف أبو سليمة: «والآن ما نستهلكه من الأدوية في يوم واحد كان يمكننا استهلاكه خلال 3 أسابيع، خاصة أن قطاع غزة استمر مغلقًا لمدة 17 يومًا، لم تصل لنا أي مساعدات. كل ما كان عندنا في مخازن وزارة الصحة استُنفد واستُهلك من الأساس»، يقول أبو سليمة، مضيفًا أن المنظومة الصحية السليمة لا تتمكن من مواجهة هذا الكم من الجرحى، ما بالك بقطاع صحي بالأساس منهك وينقصه العديد من الأدوية والأجهزة الصحية.

ومع انقطاع المياه، يتعرض كل هؤلاء إلى خطر مباشر. المياه ضرورية لتأمين الأوضاع الصحية في أجنحة المرضى الداخلية وغرف العمليات وأقسام الطوارئ، وكذلك الوقاية من العدوى. كما تواجه مخزونات المياه المالحة المعقمة نقصًا حادًا، وهي ضرورية لتنظيف جروح المصابين والحفاظ على حياة المرضى الذين يخضعون للقسطرة أو لعملية جراحية أو في العناية المركزة. 

أما الفئات الأكثر ضعفًا، كمرضى السرطان والفشل الكلوي، فوضعهم «حرج بسبب أن مرضى السرطان يأخذون جرعات خارج قطاع غزة سواء في القدس أو مصر، والآن جميع المعابر مغلقة للأسف، بالإضافة إلى أن مرضى الفشل الكلوي على سبيل المثال يتنفسون على الأجهزة، فبالتالي عدم وجود وقود أدى إلى تعرضهم للخطر، بجانب الأطفال والمواليد هناك الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية»، يقول النمس.

ويضيف ياغي: «بالنسبة لمرضى الفشل الكلوي في غزة، كل مريض يحتاج إلى 3 جلسات، مع العدوان هناك الكثير من المرضى لا يتمكنون من الوصول للمستشفيات في الوقت اللازم، وطبعًا تم اختصار العديد من الجلسات من 4 ساعات إلى ساعتين. ومع نفاد الوقود تقريبًا الوضع تحول إلى كارثة».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن