عليان، فلسطيني من شمال قطاع غزة، أجبرته الحرب على النزوح جنوبًا، آملًا أن يكون القصف أهدأ، إلا أن الشمال والجنوب وكل القطاع يعيش في الظلام نفسه، نتيجة انقطاع الكهرباء ومنع دخول الوقود منذ بداية الحرب قبل أكثر من 40 يومًا.
لا يطمح عليان لأكثر من شحن هاتفه، ليتمكن من التواصل مع عائلته، لكنه يضطر للذهاب يوميًا إلى أحد المستشفيات أو مراكز الإيواء، أو أحد المنازل التي لديها ألواح طاقة شمسية، ليحصل على الكهرباء لشحن هاتفه.
مثّل انقطاع الكهرباء حبل مشنقة الحياة اليومية وإمكانات التنمية على المدى الطويل، فطوال 17 عامًا حاصرت إسرائيل قطاع غزة، وفي أفضل الأحوال، كان يحصل سكان القطاع على ثماني ساعات يوميًا من التيار الكهربائي، وفي أوقات الذروة صيفًا أو خلال العدوان، تتقلص فترات وجود الكهرباء إلى ساعتين في اليوم، وصولًا إلى الظلام الدامس الذي يعيشه اليوم قرابة 2.3 مليون إنسان في ظل الحرب الدائرة منذ السابع من أكتوبر.
فبعد أقل من يومين على إعلان وزير دفاع الاحتلال فرض «الحصار الكامل» على القطاع، فقدت غزة 90% من إمدادات الكهرباء، بحسب بيانات الأمم المتحدة، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية.
كما أصر الاحتلال ولمدة 40 يومًا من الحرب، على منع دخول وقود إلى القطاع، رغم الاستغاثات الأممية بضرورة تلبية الحاجة الحرجة للوقود، حيث تعتمد عليه المستشفيات والمخابز والمرافق العامة للمياه وشبكات الاتصالات.
وفيما تبلغ احتياجات القطاع اليومية من الوقود 650 ألف لتر، لازمة لقطاعات الصحة والمياه ومحطة توليد الكهرباء، دون احتساب احتياجات محطات تزويد السيارات، بحسب تصريحات رئيس سلطة الطاقة الفلسطينية، ظافر ملحم، لـ«مدى مصر»، سمح الاحتلال في اليوم الـ40 للحرب بدخول 23 ألف لتر فقط، لتستخدمها شاحنات الأمم المتحدة للتنقل.
يسيطر الاحتلال الإسرائيلي بشكل أساسي على وصول الكهرباء للقطاع ومعه السلطة الفلسطينية ومصر، مُحكمين خناق الطاقة على «غزة»، فالأطراف الثلاثة شركاء بطرق متعددة في توفير الكهرباء وقطعها في نفس الوقت عن القطاع.
تبلغ احتياجات قطاع غزة من الكهرباء 470 ميجاوات، وأحيانًا قد تصل إلى 600 في أوقات الذروة، يحصل القطاع على أقل من نصفهم، من ثلاثة مصادر رسمية: 120 ميجاوات من الشركة الإسرائيلية للكهرباء، و65 ميجاوات من محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، وأخيرًا نحو 30 ميجاوات من مشروع ربط كهربائي مع مصر.
الخطوط الإسرائيلية لنقل الكهرباء
تمد إسرائيل عشرة خطوط نقل كهربائي تصل إلى أقصى شمال القطاع والنصف الشرقي منه، وتعتبر تلك الخطوط «الحنفية» الأسهل والأسرع للاحتلال لعقاب السكان، حيث يقطع الكهرباء على الفور من خلالها، وهو ما حدث في بداية الحرب الحالية، أو يقصفها مثلما تدمرت 50% منها عقب حرب 2008، ويتكرر القطع أو الاستهداف مرارًا طوال سنوات الحصار.
فيما تشتري السلطة الفلسطينية التيار الكهربائي الإسرائيلي المبيع إلى القطاع، ويحصل الاحتلال على مستحقاته من خلال خصمها من الضرائب التي يجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، ثم يوردها لها بعد خصم ثمن الكهرباء الإسرائيلية التي تُغذي غزة.

إلى جانب ضغط الاحتلال على إمدادات الكهرباء للقطاع، فإن الخلافات بين السلطة الفلسطينية في رام الله وحكومة حماس في القطاع، تدفع الأولى للتوقف عن تسديد ثمن مستحقات الكهرباء تحت ذرائع مختلفة، مثلما حدث في 2017، عندما أعلنت إسرائيل إيقافها الإمدادات على خلفية إبلاغ السلطة الفلسطينية لها أنها ستتوقف عن دفع مستحقات الكهرباء، فيما لم تعلق السلطة آنذاك.
ومع تفاقم أزمة الكهرباء خلال السنوات الست الأخيرة، نتيجة اتساع الفجوة بين ما يتوافر من كهرباء واحتياجات القطاع، سارعت أطراف حكومية للتفاوض بشأن ربط القطاع بخط تغذية إضافي من إسرائيل يُسمى خط «161»، إلا أن سلطة الاحتلال عرقلت ذلك في ضوء الصراع السياسي، وكذلك الانقسام الداخلي الفلسطيني، حيث ظلت بعض الأمور عالقة مثل من سيتحمل تكلفة شراء الكهرباء الإضافية، التي كان من المفترض أن تصل إلى 100 ميجاوات، على أن تمول قطر تكاليف إنشاء الخط.
محطة توليد الكهرباء في غزة
تأتي محطة توليد الكهرباء، التي تقع جنوب محافظة غزة، كثاني مصدر للكهرباء. دُشنت المحطة عام 2002، وكان من المقرر مرورها بأربع مراحل إنشائية، يتوقع بنهايتها أن تبلغ طاقتها الإنتاجية 560 ميجاوات، إلا أن بناء المحطة توقف في مرحلته الأولى، جراء تعنت الاحتلال وبداية الحصار على القطاع، وبذلك أصبحت طاقتها القصوى 120 ميجاوات فقط.

هناك العديد من التعقيدات التي تمنع عمل المحطة بكامل طاقتها، وفي أفضل الظروف تنتج 70 ميجاوت. بداية الأمر، قصف الاحتلال، خلال حرب 2006، كل توربينات المحطة، بستة غارات جوية، ليستمر إصلاح الأضرار لمدة عام ونصف.
ليس هذا فقط، بل قلصت إسرائيل، في بدايات الحصار على القطاع، كميات السولار الصناعي التي توردها للمحطة بمقدار الربع، وهو ما وافقت عليه محكمة العدل العليا الإسرائيلية، بزعم أن الحكومة تلتزم بـ«اﻟﺤﺪ اﻷدنى المطﻠﻮب ﻟﻼﺣﺘﻴﺎﺟﺎت اﻹﻧﺴﺎﻧية».
بخلاف القصف ونقص السولار الصناعي، فإن الحصار الذي يفرضه الاحتلال على واردات القطاع من البضائع، وخضوعها لقائمة «السلع مزدوجة الاستخدام»، يمنع دخول قطع الغيار اللازمة للصيانة الدورية الناجمة عن الإهلاك، كما الحال في أي منشأة مماثلة.
ونتيجة نمط تشغيل المحطة غير المنتظم جراء توقف إمدادات الوقود، أصبحت معدلات الإهلاك والتلفيات أعلى، كما ترتفع تكلفة إنتاج وحدة الكهرباء من المحطة بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بذات الوحدة المُشتراة من الكهرباء الإسرائيلية، إذ تمتلك الشركة الفلسطينية للكهرباء وهي شركة مساهمة، المحطة، ووفقًا للاتفاق المُبرم بين الشركة المالكة للمحطة والسلطة الفلسطينية، يقتصر دور الشركة على الإنتاج، بينما تتولى السلطة شراء الوقود -السولار الصناعي- اللازم لتوليد الكهرباء من شركة «دور آلون» الإسرائيلية حصرًا، ويكلفها 10 ملايين دولار شهريًا.
أيضًا تفرض إسرائيل والسلطة الفلسطينية ضرائب باهظة تتجاوز نسبتها 100% على الوقود المبيع للمحطة، ما يؤدي إلى رفع تكلفة إنتاج الكهرباء، وبسبب التعثرات المالية تتوقف المحطة عن استيراد الوقود، ما يجبرها أحيانًا على العمل بتوربين واحد فقط.
في بعض الأحيان تدخلت مصر لتزويد القطاع ببعض شحنات الوقود بشكل استثنائي، كما مولت قطر نفقات شراء الوقود، لرفع إنتاجية المحطة، وتفاوضت وتعهدت بتمويل إمداد خط غاز من إسرائيل إلى المحطة، لتعمل بالغاز بدلًا من السولار الصناعي.
خطوط الربط الكهربائي مع مصر
عبر ثلاثة خطوط تمتد من رفح المصرية إلى الضفة الأخرى، تتراوح إمدادات الكهرباء بين 20-28 ميجاوات، التي تغذي محافظة رفح وأجزاء من خان يونس. بدأت عام 2006 بـ5 ميجاوات ثم تزايدت تدريجيًا في السنوات اللاحقة.

بحلول 2012، أصبحت الإمدادات غير منتظمة لأسباب سياسية وتقنية، ومنذ عام 2017 زادت وتيرة الانقطاع إلى أن انقطعت نهائيًا منذ فبراير 2018 وحتى الآن، بحسب ملحم ووزير البترول المصري الأسبق أسامة كمال، في حديثهما لـ«مدى مصر».
يقول ملحم إن سلطة الطاقة الفلسطينية أرسلت مناشدات إلى الجانب المصري لإعادة تفعيل الربط المصري مع القطاع، لتغذية مراكز الإيواء في الجنوب بالكهرباء، إلا أن خطوط الكهرباء المصرية لم تعمل حتى الآن.
خلال قرابة عقدين من الحصار الخانق على القطاع، اتسعت الفجوة بين حجم احتياجات القطاع للطاقة، ومصادر الكهرباء التي ظلت تتناقص، فبينما ضيق الاحتلال على دخول الوقود وتراجع إنتاج محطة التوليد وتوقفت الخطوط المصرية، ارتفع عدد سكان غزة من 1.4 مليون في بداية الحصار إلى 2.3 مليون نسمة الآن.
البحث عن مصادر ثانوية للطاقة
حاول الفلسطينيون داخل غزة البحث عن طرق للتحايل على نقص الطاقة والظلام الذي يغرقون فيه لساعات تصل إلى 20 ساعة يوميًا، كان بعضها بدائيًا مثل المولدات الصغيرة والشموع لإنارة المنازل والشوارع، ما تسبب في وقوع حوادث راح ضحيتها قرابة 65 قتيلًا ومصابًا، بين عامي 2010 و2018.

فيما وجدت مولدات الكهرباء الكبيرة طريقها للازدهار داخل القطاع، وفي البداية اقتصر استخدامها على تغذية الأسواق التجارية والمؤسسات، لتجد طريقها لاحقًا لإمداد 60 ألف مشترك، ما بين استهلاك تجاري ومنزلي، خاصة المستشفيات ومنشآت تزويد المياه.
توسع القطاع في استيراد المولدات الكهربائية، حيث يوجد قرابة 350 مولدًا تديرهم رابطة أصحاب المولدات داخل القطاع، تنتج 20 ميجاوات، ويمد المولد الواحد ما بين 100-300 مشترك.
قدمت المولدات حلًا مؤقتًا وهشًا لأزمة الكهرباء، لعدة أسباب، أولها ارتفاع أسعار الكهرباء المُولدة، حيث يُباع الكيلووات بدولار واحد مقابل 13 سنتًا بالتعريفة الرسمية، فيما يقبع 80% من سكان القطاع تحت خط الفقر.
من ناحية أخرى، تسبب المولدات تلوثًا ناتجًا عن الوقود المحترق، وتلوثًا ضوضائيًا نتيجة صوتها المرتفع، كما تعتمد على شبكات التوزيع المتهالكة، لنقل الكهرباء للمشتركين، ما يزيد من تلفها، وفي بعض الأحيان تتسبب بحوادث.
في الوقت نفسه، لم تسلم المولدات من سيطرة الاحتلال، حيث ضيق على استيرادها ليتراجع بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، بجانب فرض شروط على دخولها مثل أن تتضمن GPS ليتمكن الاحتلال من معرفة مواقعها، فضلًا عن أنها في نهاية المطاف تعتمد على السولار -مليونا لتر سولار شهريًا- الذي يأتي من إسرائيل، فمتى أغلقت المعابر أصبحت المولدات بلا أي فائدة، مثلما هو الحال الآن.
بقيت الطاقة الشمسية الخيار الأخير أمام سكان القطاع، الذي يمنحهم الاستقلالية بدرجة كبيرة للحصول على الكهرباء بعيدًا عن سيطرة الاحتلال.
قدمت مؤسسات تنموية دولية منحًا لتمويل إنشاء محطات ألواح شمسية، لتزويد المرافق العامة، منها 10 مستشفيات تتوافر لديها الألواح، وبعض المنشآت الصناعية والمدارس، فيما تستخدم منازل محدودة ألواح الطاقة الشمسية، نظرًا لارتفاع تكاليف الألواح وتركيبها، ما يجعل الشريحة القادرة على التمتع بها محدودة.
وتوفر الطاقة الشمسية في القطاع نحو 20 ميجاوات، وهي كمية محدودة مقارنة باحتياجاته، ما يجعلها مصدرًا ثانويًا للطاقة.
لكن يواجه التوسع في إنتاج الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، مشكلات عديدة، فمثلًا تمنع شبكات النقل المتهالكة إنشاء محطات كبيرة وربط إنتاجها بالشبكة لتصل إلى قطاع كبير من المستخدمين، كما أن سلطات الاحتلال تفرض قيودًا على استيراد الألواح ومستلزمات تركيبها.
كان يمكن لقطاع غزة أن يتمتع باستقلالية أكبر فيما يتعلق باحتياجاته من الطاقة، في حال لم تُعرقل سلطات الاحتلال استغلال الفلسطينيين لحقل الغاز الطبيعي «غزة مارين» الذي تم اكتشافه عام 1999 في المياه الإقليمية قبالة شواطئ غزة، وتمتلكه السلطة الفلسطينية، إلا أن الاحتلال منع بكل الطرق تطوير الحقل طوال أكثر من 20 عامًا، قبل أن تبدأ مفاوضات بشأن إمكانية أن تطور مصر الحقل خلال العام الحالي، وكان التوسع الاستيطاني في الضفة أحد أثمان الصفقة.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
