«حزمة» لدعم المواطن أم الحكومة؟
أعلنت الحكومة، اليوم، عن حزمة اجتماعية بقيمة 40 مليار جنيه، تُوزع على عددٍ من بنود الإنفاق الاجتماعي. بواقع 15 مليار جنيه لمشروع «حياة كريمة»، وثمانية مليارات للسلع التموينية، وستة مليارات للعلاج على نفقة الدولة وقوائم الانتظار. كما خصصت الحكومة 3.3 مليار جنيه لتسريع ضم محافظة المنيا إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، بجانب أربعة مليارات لمزارعي القمح ومثلها للمستفيدين من برنامج «تكافل وكرامة».
تمثل الحزم الاجتماعية إنفاقًا إضافيًا على المُدرَج في الموازنة العامة في مطلع كل عام مالي، وبينما ارتبطت، عند إطلاقها عام 2022، بأوضاع استثنائية من الضغوط المعيشية، كما حدث جراء تحرير سعر الجنيه مثلًا، لا تبدو هذه المرة مرتبطة بأوضاع استثنائية، بل تأتي في ظل تراجع معدلات التضخم، وصولًا إلى 10.1% في يناير الماضي، مقابل ارتفاعات استثنائية في فترات سابقة بلغت أعلى معدل لها في 2023.
وبينما ركز الإعلام الحكومي على ارتباط الزيادة بحلول شهر رمضان، مثل العامين الماضيين، قال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، إن هذه الحزمة، التي أتت بتوجيهات رئاسية، نتاج تحسن إيرادات الدولة، ما ارتأت معه الحكومة ضرورة توجيه هذه الزيادات لصالح المواطن «بعناية فائقة»، بينما أكد وزير المالية، أحمد كجوك أنه «كلما ستتوفر موارد إضافية، سيتم توجيهها لصالح خدمات جديدة للمواطن».
وكيل لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، عبد المنعم إمام، قال لـ«مدى مصر» إن إقرار حزمة اجتماعية في هذا التوقيت يرتبط باقتراب نهاية العام المالي، وتحديدًا في لحظة اتضح فيها مدى تحقق الكثير من الإيرادات التي توقعتها الحكومة في بداية العام المالي، وإن كانت متسقة مع تلك التوقعات التي صاحبت تمرير الموازنة العامة.
وأضاف: «أهم مصادر الإيرادات هي الضرائب، وهنا يجب أن نتذكر أن الإقرارات الضريبية للشركات تقدم في يناير، وبالتالي فالتصورات حول الإيرادات الضريبية أو جانب مهم منها تكون قد اتضحت بالفعل».
وتضع توصيات الاتفاق الحالي مع صندوق النقد الدولي قيودًا على الإنفاق الحكومي، تلتزم الحكومة في إطارها بـ«انضباط» مالي ينعكس على تحقيق فائض أولي لا يقل عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي، يرتفع إلى 5%، بحسب المراجعة الرابعة للاتفاق الحالي مع صندوق النقد الدولي.
تختلف الحزمة المعلنة اليوم عن سابقاتها في عدّة نواح، أبرزها عدم الإعلان عن مُخصصات زيادة الأجور، أو العلاوة القطعية للعاملين بالدولة، أو علاوة غلاء المعيشة، وكذلك عدم الإفصاح عن مقدار الزيادة الدائم في معاش تكافل وكرامة، وهو ما يفسر ضعف الرقم الإجمالي للحزمة الحالية، إذا ما قُورنت بـ180 مليار جنيه في العام قبل الماضي.

حسبما أوضح كجوك، تشمل الحزمة الجديدة مخصصات إضافية لدعم السلع التموينية، استهدفت عشرة ملايين أسرة من حملة بطاقات التموين، يحصل بموجبها كل حامل بطاقة على 400 جنيه إضافية، مرتين، خلال شهر رمضان وعيد الفطر.
وتتماشى هذه الحزمة مع التوجه الاستراتيجي للدولة نحو الدعم النقدي، حسبما أوضح كجوك، مُضيفًا أن الأسر ستختار السلع الأنسب لها لشرائها من المنافذ المُتاحة «هم أدرى بالاستغلال الأمثل».
كما ستحصل أيضًا 5.2 مليون أسرة مُسجلة بـ«تكافل وكرامة» على دعم نقدي استثنائي، لشهرين مُتتاليين، بقيمة 400 جنيه، بينما شدّد الوزير على عدم وجود تكرار بين مستفيدي «تكافل وكرامة» وحملة البطاقات التموينية.
تزيد تلك المبالغ النقدية على ما منحته الحكومة ضمن حزمة مماثلة، العام الماضي، بنحو 25% للمستفيدين من«تكافل وكرامة»، ولكن الزيادة الأكبر من نصيب المستفيدين من البطاقات التموينية، بعد توحيد المبلغ لهم، هذا العام، دون التفريق على أساس عدد الأطفال المُدرجين بالبطاقة، لتنمو المنحة بـ220% عن العام السابق.
وخصصت الحكومة دعمًا بقيمة 300 جنيه مرتين، لـ30 ألف طفل و15 ألف سيدة، ضمن برنامجي «معاش الطفل» و«الرائدات الريفيات»، والذي أوضح كُجوك أنه كان ضمن طلبات وزارة التضامن الاجتماعي.
وبخلاف التدخلات النقدية المُباشرة، شملت الحزمة القطاع الصحي، برفع مُخصصات ثلاثة بنود، العلاج على نفقة الدولة، والانتهاء من قوائم انتظار إجراء تدخلات جراحية، وتسريع ضم محافظة المنيا لمنظومة التأمين الصحي، بواقع ثلاثة مليارات جنيه لكل بند على حدة.
وتعتبر المنيا، واحدة من المحافظات الخمسة الأكثر فقرًا، ويسكنها سبعة ملايين نسمة، بحسب بيانات بحث الدخل والإنفاق الأخيرة، ما يجعلها اختيارًا مُناسبًا لضمها في أسرع وقت للتأمين الصحي الشامل، حسبما أشار خبير في نظم الدعم والمساندة الاجتماعية، فضل عدم الكشف عن هويته.
ومنذ انطلاقه في 2019، تم تطبيق التأمين الصحي الشامل في ست محافظات، وبتطبيقه في محافظة تُلغى الأنظمة العلاجية الأخرى، مثل العلاج على نفقة الدولة، بحسب الموقع الرسمي للتأمين الشامل.
إلا أن المصدر السابق أشار أيضًا إلى ضرورة أن تتضمن الحزم المعنية بالوضع الصحي، صرف الأدوية لأصحاب الأمراض المُزمنة، خاصة في ظل الارتفاعات غير المسبوقة بأسعار الدواء، ووجود قوائم انتظار لصرف العلاج.
فضلًا عن دعم القطاع الصحي، أعلن كجوك عن تخصيص 15 مليار جنيه لإتمام ألف مشروع ضمن المرحلة الأولى من المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، لتحسين مستوى المعيشة في القرى الريفية، لتستحوذ المبادرة، التي مرّ على انطلاقها نحو سبع سنوات، نحو 38% من إجمالي الحزمة الجديدة.
في حديثه لـ«مدى مصر»، اعتبر خبير نظم الدعم أن احتساب الإنفاق على «حياة كريمة» ضمن مُخصصات الحزم الاجتماعية مسألة إشكالية، لأنها تخلط بين الإنفاق الاستثماري والاجتماعي، باعتبار أن المبادرة ضمن استثمارات الدولة لإيصال المياه النظيفة أو تحسين شبكات الصرف الصحي وغيرها من بنود البنية التحتية بعدد من القرى.
عضو لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، محمود سامي، قال لـ«مدى مصر» إن مشروع «حياة كريمة» عمومًا واجه بطئًا في التنفيذ، لأسباب تتعلق بالقيود التي تفرضها الحكومة على الإنفاق الاستثماري خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة إتمام المشروع، بسبب ارتفاع معدلات التضخم على نحو قياسي.
ورغم ربط مدبولي إقرار مزيد من الإنفاق لصالح المواطنين، بتحقيق مزيد من الـ«تحسن في الإيرادات، وفي حوكمة في الإنفاق»، حسب تعبيره خلال مؤتمر اليوم، يرى إمام أن ثمة مؤشرات على نمو كبير نسبيًا في الإيرادات الضريبية في العام الجاري، مع تطبيق مراحل جديدة من التسهيلات الضريبية، خاصة بعدما ساهمت التسهيلات المطبقة خلال العام المالي الماضي في زيادة 35% في الإيرادات الضريبية.
سامي من جهته أشار لسهولة اتخاذ قرار صرف هذه الحزمة الاستثنائية، في ظل محدوديتها بالنسبة لإجمالي المصروفات في الموازنة، التقشفية بالأساس، ما يعني أن تلك الحزمة لا تمثل انحرافًا عن الاتجاه الأصيل.
وتمثل الحزمة المقررة 0.8% تقريبًا من المصروفات المدرجة في موازنة العام المالي الجاري 2025/2026.
وفقًا لحسابات «مدى مصر»، يعد الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إجمالًا ثاني أقل بنود الموازنة العامة نموًا بشكل تراكمي خلال عشر سنوات. إذ نمت مخصصات هذا البند بأقل من 270% منذ 2015/2016 وحتى 2025/2026، بينما نما الإنفاق على سداد القروض بنسبة تجاوزت 733%، وكذلك نما الإنفاق على الفوائد بنسبة 843% خلال الأعوام العشرة نفسها.
وبينما أكد كجوك اعتماد الحكومة على آليات قائمة في تحديد مخصصات الحزمة الاجتماعية، لضمان سرعة التنفيذ، يستمر غياب بيانات أساسية حول أنماط إنفاق الأسر، بالأخص الأقل دخلًا، وكذلك تطور وضع المحافظات بالنسبة للفقر، بالإضافة إلى نسبة الأسر التي ترزح تحت خط الفقر، وذلك في ظل عدم صدور بيانات بحث الدخل والإنفاق لما يزيد على أربعة أعوام، حسبما تُشير سلمى حسين، كبيرة الاقتصاديين ومسؤولة ملف العدالة والمُساواة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
كان تقرير نشره «مدى مصر»، العام الماضي أوضح أن معدل الفقر القومي بلغ 34% في 2021/2022، تبعًا للبيانات غير المنشورة لبحث الدخل والإنفاق عن ذلك العام.
من ناحيته رأى سامي أن إقرار حزمة اجتماعية استثنائية الطابع في هذا التوقيت، يرتبط على الأرجح بالرغبة في رفع شعبية الحكومة الجديدة، في ظل انتقادات وجهت للتغيير المحدود الذي حمله التشكيل الوزاري الجديد، خاصة في ظل احتفاظ رئيس الحكومة نفسه بمنصبه، والذي كان مسؤولًا عن الفترة التي شهدت الضغوط الاقتصادية العنيفة.
تقارير ذات صلة
الحكومة الجديدة اكتملت أخيرًا: ماذا بعد؟
من المتوقع أن يتوجه مدبولي إلى مساحات اقتصادية غير مطروقة
وصية الفرعون خيتي الثالث إلى هادمي المقابر
رغم كل ما عرفناه عن الملك خيتي لم يخبرنا التاريخ المكتشف حتى الآن عن ما حل به وابنه
الوعود الإنشائية في الخطة الحكومية
وصفت اللجنة البرلمانية البرنامج بأنه جاء متضمنًا «المحددات العامة لأية برامج حكومية».
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن