وصية الفرعون خيتي الثالث إلى هادمي المقابر
«لا تعتدي على أثر غيرك، ولا تشيّد قبرك من أنقاض من سبقوك، بل اقطع لنفسك أحجارًا من طرة»، هكذا أوصي ملك مصر خيتي الثالث ابنه، قبل 4100 عام، في بردية يُملي فيها عليه نصائح سياسية نابعة من تجربته الشخصية في إدارة البلاد. ينتمي خيتي الثالث إلى الأسرة التاسعة التي حكمت مصر على مدار 400 عام.
توجد «بردية خيتي» في متحف بمدينة سان بطرسبرج، إحدى مدن روسيا الاتحادية التي ذهب إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي لحضور قمة البريكس، أكتوبر الماضي، في نفس اليوم الذي قامت فيه محافظة القاهرة بهدم مدفن أثري لـ«نام شاز قادين» مُستولدة محمد علي، مؤسس الأسرة العلوية التي حكمت مصر مع بداية القرن التاسع عشر، وأم أولاده.
بعد 20 يومًا من هدم المدفن، الذي كان يتمتع بقبة سليمة ذات نقوش وزخارف تسجل وتؤرخ لفنون المعمار الإسلامي عصر الأسرة العلوية، قال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في المؤتمر الصحفي الأسبوعي للحكومة، بخصوص هدم المقابر إنه «حصل مشكلة»، وبالتالي كلّف كل الوزارات المعنية بوقف فوري لأعمال الهدم، واعدًا ألا يُمس أي مبنى ذو قيمة في المنطقة. وذلك، بعد ثلاثة أيام، من أول رد رسمي حكومي، جاء على لسان وزير الثقافة، أحمد فؤاد هنو، بتوقف الهدم في الجبانات، مؤقتًا، لحين الانتهاء من دراسة أوضاع الأضرحة والمدافن المطلوب إزالتها، مضيفًا أن وزارته أعدت طرحًا جديدًا لمسار المحور الجاري إنشاؤه يتضمن تفادي إزالة عدد من الأضرحة، والبعض الآخر سيتم نقله والحفاظ عليه بمعرفة وزارة السياحة والآثار لأنها الوزارة المعنية بالأمر.
كان استيلاء الملوك على ما بناه ملوك قبلهم من مقابر أو معابد في كل عصور مصر، دون مراعاة حرمة ذلك، عادة فَاشْيَة، حسبما يرى المؤرخ المصري سليم حسن، في كتابه «عصور ما قبل التاريخ إلى نهاية العهد الإهناسي»، وكانت تُعد من أكبر الجرائم التي يقترفها الفراعنة الملوك، والأفراد على السواء، ولو أصغى لوصية الملك خيتي الثالث من خَلفه، لتغير وجه التاريخ المصري تغيرًا عظيمًا من الوجهة المعمارية والتاريخية، فكم من مبانٍ عظيمة اختفت نهائيًّا، وكم من وثائق تاريخية كانت منقوشة عليها ضاعت إلى الأبد.
***
عاودت محافظة القاهرة، خلال سبتمبر الماضي، إزالة مدافن الإمام الشافعي، بعد ستة أشهر من منع الدفن فيها، والسماح بنقل رفات الموتى الموجودة فيه إلى المدافن البديلة في العاشر من رمضان، وذلك ضمن إزالات تجريها المحافظة داخل الجبانات التاريخية لمدينة القاهرة لإنشاء محور بديل عن تقاطع طريقي صلاح سالم والأتوستراد.
يعود الدفن في الجبانات التاريخية بمدينة القاهرة مع دخول الإسلام لمصر عام 641 ميلاديًا، وصار يسمي الجزء الغربي والجنوبي من سفح جبل المقطم بـ«مدينة الموتى»، و«تمثل مدافن الإمام الشافعي التي تضم 37 مدفنًا تراثيًا مشهدًا ممتدًا لقرون من التاريخ المعماري والحضاري، وتعد جزءًا لا يتجزأ من هوية القاهرة القديمة»، بحسب جمعية المعماريين المصريين، التي أصدرت بيانًا تعليقًا على صورة القبة المهدومة.
حذفت المحافظة عشرة مباني خلال أعمال الإزالة من قائمة التراث المعماري المتميز بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري، بحسب خطاب رسمي من وزارة الإسكان، بتاريخ 16 سبتمبر الماضي، اطلع عليه «مدى مصر» بينها مدفن «نام شاز قادين»، ومع ذلك قال مسؤولون بوزارة الآثار إنها لم تكن مسجلة في قائمة الآثار الإسلامية.
أزالت المحافظة أيضًا مدافن لشخصيات تاريخية مثل محمود سامي البارودي، أول رئيس وزراء منتخب من مجلس النواب في تاريخ مصر بعد الثورة العرابية، ومدفن علي باشا إبراهيم، أول عميد مصري لكلية ومستشفى قصر العيني.
***
الإزالات السابقة لم تكن الأولى في المنطقة. في أبريل 2023، أزالت محافظة القاهرة مدافن في منطقتي السيدة نفيسة والإمام الشافعي، منها 17 مدفنًا مسجلًا بقائمة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وقد ناشدت أسر بعض الموتى الحكومة للإبقاء على مدافنهم، مثل أسرة الشاعر حافظ إبراهيم، وعلي باشا فهمي، ومقابر عائلة الدرمللي، وذلك بعد هدم مدفن عتقاء البرنس إبراهيم حلمي، ابن الخديوي إسماعيل، الذي مرّ على إنشائه أكثر من قرن. وبعد ثلاثة أشهر من بدء عمليات الإزالة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، في يوليو من العام الماضي، بإنشاء «مقبرة الخالدين» لتضم رفات «عظماء مصر وتتضمن متحفًا للأعمال الفنية والأثرية الموجودة في المدافن الواقعة بمنطقة السيدة نفيسة والإمام الشافعي»، بحسب بيان رئاسة الجمهورية، وقتها. وبعد أقل من شهر اجتمع رئيس الجمهورية بلجنة تقييم موقف الجبانات التاريخية، ولم يُفصَح عن مصيرها وتطور عملها، حتى الآن. أما المواطنون الذين لم تدخل رفات موتاهم في فئة «عظماء مصر»، تلقوا إخطارات بنقل رفات ذويهم لمقابر بديلة في مدينة العاشر من رمضان. وفي اليوم التالي عاودت المحافظة هدم عشرات المدافن في الإمام الشافعي والسيدة نفيسة.
بحسب الأهالي الذين ذهبوا لجمع رفات موتاهم وحكوا لـ«مدى مصر»، «تكومت عظام الموتى على نواصي الطرقات، وتناثرت الجدران الرخامية للمقابر المهدمة وغيرها من الجداريات ذات النقوش المميزة لمقابر القاهرة التاريخية»، لكن وقتها لم يقترب الهدم من المقابر المسجلة ضمن قوائم التنسيق الحضاري، فقط أزيل كل ما حولها.
لم تكن مراحل إنشاء طريق الأتوستراد في الثمانينيات أقل رحمة بحسب وصف الروائي المصري، خيري شلبي، في روايته «بطن البقرة»، عمّا يحدث الآن في إنشاء محور صلاح سالم البديل، كتب خيري واصفًا مشاهد الهدم: «كانت البلدوزرات تشق قلب المقابر في قسوة جهنمية بشعة، بمحاريث تغوص في قلب التربة فترمي بعظام الموتى على الجانبين، لكي يجيء وابور الزلط فيدوس الأرض يبططها ليعبدها، فإذا ما حط الظلام على المنطقة انبثقت من أكوام التراب بيارق ضوء خاطف، منبعثة من العظام البيضاء والجماجم منزوعة اللحم عن أسنان كالجواهر، أذرع وسيقان وأكفان بعضها طري لم تنله يد البلى بعد. وكان المنظر مؤلمًا وسخيفًا، وباعثًا على الحزن والكآبة، سيما وأن أصحاب هذه المقابر لم يعرفوا بعد أن لحومهم قد ديست بالأقدام. وكان لا بد أن نفعل شيئًا نریح به خواطرنا الغاضبة، فكونا فريقًا كنت على رأسه، واشترينا مجموعة من الزكائب، وصرنا نمضي خلف البلدوزرات والوابورات نجمع الأشلاء نعبئها في الزكائب، وكان جسدي يقشعر وينتفض كلما أمسكت بجمجمة فإذا بجدائل شعر تنساب منها مدفونة في التراب وبقايا من جلدة الرأس تسقط بالجدائل».
خلال افتتاح طريق الأوتوستراد وقف الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على كوبري الإباجية لافتتاح الطريق، بعد لقطات استعراضية لحجم العمل المبذول في الطريق الذي استغرق إنشاؤه 17 شهرًا، وقف الرئيس على الكوبري أمام قلعة صلاح الدين، يحييّ بيديه الجماهير المتجمعة أسفل الكوبري للاحتفال بزيارته. أدركت الحكومة أنها أمام مشكلة تجاهل البنية الأساسية للعاصمة لأكثر من 60 أو 70 سنة، بحسب كلمة الرئيس مبارك، وقتها، الذي أشار إلى أن «طريق النيل، الوحيد الرابط بين شمال وجنوب القاهرة، أصبح لا يكفي»، كان مراسل التليفزيون يسأله: هل ستستمر مصر في مثل هذه الأعمال رغم نقص الموارد، لم يقدم مبارك إجابة مباشرة للسؤال واسترسل في تعديد مظاهر نقص الموارد، بما فيها العجز الدولاري الذي كان يقدر وقتها بمليار و200 مليون دولار، لذلك أخبر المواطنين: «هنقابل فترة صعبة ولازم نتحملها، وإلا سننهار، ولازم الشعب يعرف الحقيقة».
على عكس التغطية الإعلامية لما جرى في عملية تطوير الأتوستراد، تسببت إزالات المدافن، العام الماضي، في انسلال الغضب لنفوس الكثير من المصريين، تفاعلت معه مجموعة فنية باسم «رسم مصر» تضم آلاف الطلاب من محبي الأماكن الأثرية، نظموا مسيرة ضخمة تجولت وسط المدافن، وقضى الشباب يومهم في رسم وتصوير التحف المعمارية قبل أن تختفي من الوجود.
***
تأسست الحضارة المصرية القديمة على الحياة الأخرى التي تأتي بعد الموت. واهتم المصريون القدماء قبل عصر الأسرات بطقوس دفن أحبائهم باعتبارها محطة للحياة الأبدية. وتدل الآثار المُكتشفة في منطقة أبو صير، التي حكمت منها الأسرة الخامسة مصر، عن بعض النواحي الخلقية للمصريين، ومعاملتهم للموتى. ويظهر أن ﺗﺨﻮف المصري مما يمكن أن ﻳﻠﺤﻖ بقبره ﺑﻌﺪ ﻣﻤﺎﺗﻪ، ﻷﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﺮى ﺑﻌﻴﻨﻪ ﻣﺎ ﻳﺤﺪث ﻟﻘﺒﻮر اﻟﻐير، وﻣﺎ ﻛﺎن ﻋﻠﻴﻪ الخُلق المصري من هذه الناحية، وﺑﻘﻲ ﻫﺬا اﻟﺪاء أﻫﻢ ﻣﺎ ﻳﺸﻜﻮا ﻣﻨﻪ المصريون ﻃﻮال ﺗﺎرﻳﺦ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ، وﻗﺪ ﺗﻔﻨﻨﻮا في اﻟﻮﺻﻮل إلى اﺳﺘﺌﺼﺎل ﻫﺬا اﻟﺪاء، وﻟﻜﻨﻪ ﻛﺎن ﻳﺰداد ﻛﻠﻤﺎ ازدادت ﺛﺮوة اﻟﺒﻼد، بحسب سليم حسن.
على سبيل المثال، فإن مقبرة «حتب حري أخت» الذي كان قاضيًا ونائبًا للملك، نُقشت عليها جدارية جنائزية يقول فيها: «لقد أقمت هذا القبر من متاعي الحقيقي، ولم أستولَ على شيء للغير. أقمته على المنحدر الغربي في مكان لم يستخدم من قبل أحد. ولم يكن فيه قبر أي إنسان. وﻟﻘﺪ ﺷﻴّﺪت ﻫﺬا القبر ﻷﻧﻲ رﺟﻞ ﻣﺒﺠﻞ ﻟﺪى الملك الذي أحضر لي تابوتًا. فالذين يقدمون إليّ قربانًا فيه، فإني سأقوم نحوهم بالمثل، وسأدعو لهم الإله كثيرًا جدًا. أﻣﺎ الذين سيدخلون قبري ﻣﺪﻋين أﻧﻪ ﻟﻬﻢ، أو يحدثوا أي شيء ضار به، ﻓﺈﻧﻬﻢ ﺳﻴﺤﺎﻛﻤﻮن ﻣﻦ أﺟﻞ ذﻟﻚ أﻣﺎم اﻹﻟﻪ اﻟﻌﻈﻴﻢ».
نُقلت المقبرة إلى مدينة ليدن الهولندية كغيره من قبور الدولة القديمة التي كانت مصلحة الآثار تبيعها بأبخس الأثمان لمتاحف العالم، حيث ﻧﻘﻠﺖ ﻣﺒﺎﻧﻲ ﻣﻘﺎﺑﺮ ﻛﺎﻣﻠﺔ إلى ﻟﻨﺪن وبرلين وﻟﻴﺪن وﺑﺮوﻛﺴﻞ وغيرها. ﻛﺎن ﺑﻌﻀﻬﺎ ﻳﺒﺎع بعشرة ﺟﻨﻴﻬﺎت، وﺗﺤﺘﻮي على رواﺋﻊ اﻟﻔﻦ المصري، بحسب سليم حسن.
***
في محاضرة بعنوان «استراتيجية التنمية العمرانية لإقليم القاهرة الكبرى» قدمها رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، حين كان رئيسًا للهيئة العامة للتخطيط العمراني، عام 2011، ونشرتها مجلة جمعية المهندسين المصرية، في أول أعدادها التي اطلعت عليها «مدى مصر»، كشف مدبولي أن الحكومة كلّفت هيئته بإعداد الرؤية المستقبلية والمخطط الاستراتيجي بعيد المدى لإقليم القاهرة الكبرى حتى 2050، وقد رأت الحكومة وقتها أن القاهرة تعاني من مشكلات تمنعها من أي عملية تنمية وتؤثر على وضعها كعاصمة الشرق، تأتي في مقدمتها الكثافة المرتفعة في قلب المدينة، والاختناقات المرورية، والتدهور البيئي، وانتشار المناطق غير المخططة وغير الآمنة، ومنها جاءت فكرة المخطط الاستراتيجي.
غلب على الاستراتيجية جانب التنمية الاقتصادية وتحقيق أكبر عائد اقتصادي من مشروعات التنمية في المحافظة، واعتبرتها الدراسة الحل الأمثل لمواجهة احتياجات النمو السكاني في مصر. واقترحت خفض الكثافة السكانية في قلب القاهرة بطرد 1.5 مليون ساكن بعيدًا عن الأحياء الرئيسية للسكن، سواء بزيادة الضريبة على الملكيات كعامل طرد، أو خلخلة وتطوير الأحياء القاهرية القديمة غير المخططة. صمم مدبولي في دراسته صورًا للقاهرة التاريخية في مخيلته، مبانٍ ذات مشربيات بين حدائق ممتدة وشوارع خالية من البشر، بذلك تكون مركز سياحي عالمي، كان نصيب منطقة القاهرة التاريخية خطة أسماها مدبولي «متنزه القاهرة المركزي بالفسطاط»، ووضع لتنفيذها خطة زمنية تبدأ من 2017 وتنتهي 2031. ونصت الخطة على تطوير المناطق غير الآمنة وإخلائها من السكان وإعادة توطينهم في مناطق أخرى، ونقل جزء من المقابر الجنوبية للقاهرة المتأثرة بالمياه الجوفية. تُظهر خريطة مشروع متنزه الفسطاط إزالة أجزاء كبيرة من الجبانات التي تحازي سفح المقطم واستبدالها بحدائق تعطي إطلالة خضراء المباني السكنية التي ستبنى مستقبًا على أنقاض المربعات السكنية غير الرسمية. بالفعل، في منتصف الفترة الزمنية التي طرحتها استراتيجية مدبولي طرحت الحكومة وحدات سكنية في الفسطاط بسعر بلغ 180 ألف دولار.

يعرف مصطفى مدبولي جيدًا ما يفعله، أتي باستراتيجية واضحة منذ أن كان في الهيئة العامة للتخطيط العمراني ثم وزارة الإسكان ثم رئاسة الحكومة، منذ 2018. كان مدى المخطط الاستراتيجي الذي وضعه في البداية حتى عام 2050، وبعدما أصبح المشروع سيئ السمعة لارتباطه بجمال مبارك، ابن الرئيس الذي أطاحت به الثورة، غيّر من اسم الاستراتيجية لتصبح «استراتيجية التنمية العمرانية لإقليم القاهرة الكبرى».
يرى عمرو أبو طويلة، المعماري المُتخصص في تنمية الأماكن التراثية، أن الغرض من الاستراتيجية هو تحقيق أكبر عائد استثماري عن طريق الأرض. الأمر بسيط جدًا، تهمل الدولة أحد الأحياء من حيث توفير الخدمات وتطويره، يضطر الناس إلى مغادرته، تسوء أوضاعه أكثر، تأتي الحكومة لهدمه وبناء سكن استثماري على أنقاضه.
يقول أبو طويلة إن هناك طريقتين للتفكير في الإجابة على سؤال بدائل الإزالات، لو كان للسيولة المرورية أهمية ملحة في المدينة فإن بعض المهتمين قدموا بدائل للمحور المروري الجاري إنشاؤه، عن طريق بناء نفق مثلًا. لكن بشكل عام تلك المحاور المرورية لا تخدم المدينة ومواطنيها بقدر خدمتها للسيارات الخاصة.
عند النظر إلى تنمية المدينة، هناك رؤى مختلفة يمكن الاستناد لها، يشير إليها أبو طويلة في إجابته على سؤال «كيف ننمي المدينة؟». يؤمن أن القاهرة وأحيائها الأكثر فقرًا في احتياج إلى تدخل، لكن أي نوع من التدخل يقدم حلًا ينحاز للمواطنين؟ بمعنى أن إنشاء طريق داخل المدينة يرفع أسعار الإيجارات في المباني المطلة عليه، ومع الوقت تتغير طبيعة استخدامها من سكني إلى تجاري، يزدحم الطريق، تبنى الحكومة القادمة طريق آخر موازٍ. خير مثال «الأتوستراد» والطريق الدائري، أنشئا على أطراف القاهرة، ثم ابتلعتها، وأصبحا أحد المحاور الرئيسية بداخلها، احتاج «الدائري» إلى توسعات أزيلت من أجلها صفوف من المباني التي بنيت عليه، واحتاج إلى دائري إقليمي أوسع منه. لذلك فإن شق الطرق داخل المدن يخدم السيارات لا المواطنين.
يضيف عمرو: «إذا قررنا تنمية المدينة من أجل المواطنين لا من أجل السيارات سوف تتغير رؤيتنا لشكل التنمية كما ستحقق عائد مادي واجتماعي».
***
لم تخرج أي بيانات رسمية من وزارة السياحة والآثار حول موقف الجبانات التاريخية. في تصريحات مقتضبة لـ«الشرق الأوسط»، نفي نائب قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، بوزارة السياحة والآثار المصرية، أبو بكر الله، «هدم أي مبنى أثري مسجل في قوائم الآثار الإسلامية»، لكن أثريين اتهموا وزارة السياحة والآثار بعدم حماية المدافن التراثية التي تنطبق عليها شروط المباني الأثرية من حيث مرور 100 عام على إنشائها بجانب طرازها المعماري الفريد. و«رغم تنصل قطاعات وزارة الآثار وجهاز التنسيق الحضاري من المسؤولية، فإنه لا يمكن للجرافات إزالة أي مبنى بمدافن القاهرة التاريخية دون الحصول على موافقتها». بحسب محمد عبد المقصود، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار سابقًا، الذي يدلل على ذلك بـ«صدور قرار وزاري في عهد وزير الآثار الأسبق، ممدوح الدماطي، بتشكيل لجان لتسجيل المباني التاريخية بالمنطقة في عام 2015، لكن وزارة السياحة والآثار تقاعست عن أداء دورها في تطبيق القرار».
مع بداية عمليات الهدم، اعتذرت مدير عام منطقة آثار الإمام الشافعي، رانيا الشيوي، عن منصبها، في أغسطس الماضي، بعدما رأت «أن قطاع الآثار الإسلامية أصبح بدون رؤية واضحة»، بحسب الخطاب الذي أرسلته إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، محمد إسماعيل، وأرجعت سبب اعتذارها عن المنصب أنها لا تقبل بـ«الفشل».
قالت الشيوي إن الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار، مصطفى وزيري، قرر في مارس 2024، تشكيل لجنة للمقابر غير المسجلة الواقعة في منطقتي شرق القاهرة والإمام الشافعي، وأوصى محضر اللجنة بتسجيل الآثار الموجودة بالمنطقة، بالتزامن مع رحيله عن أمانة المجلس بعد الأزمة التي أحدثها مشروع ترميم هرم منكاورع، المعروفة إعلاميًا بـ«تبليط الهرم».
وبالتزامن مع قرار محافظة القاهرة وقف الدفن في جبانات الإمام الشافعي، أبريل الماضي، تمهيدًا لهدمها، أخطرت الشيوي رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة أن المنطقة تحتوي على مبانٍ لها طابع معماري مميز، لكنها غير مسجلة، وطالبت بسرعة انعقاد اللجنة التي أوصت بتسجيل الآثار للنظر في المباني ذات الطراز المعماري المتميز الموجودة بالإمام الشافعي. تم تجاهل خطاباتها، وضعت محافظة القاهرة معدات الإزالة في المنطقة، فقدمت الشيوي اعتذارها عن المنصب، بحسب موقع باب مصر الذي نشر خطاب اعتذارها.
حاول «مدى مصر» التواصل مع رانيا الشيوي لكنها لم ترد على هاتفها.
***
بدأ عصر الملك خيتي بإحاطة نفسه بهالة من الخوف والفزع حتى لا يقترب أحد منه أو يجرؤ على منازعته، وذلك استنادًا إلى وصيته التي كتبها لابنه بعدم الاعتداء على آثار الغير، والتي جاءت من بين عدة وصايا أخرى لسياسته الداخلية والخارجية أيضًا في إدارة الحكم.
تدل البردية على أن الملك خيتي أراد شن حرب على أمير أبيدوس فأرسل جنوده إلى الجنوب وتصاعد النزاع إلى حرب، نُهبت بسببها المقابر الفرعونية المقدسة في مدينة أبيدوس (سوهاج حاليًا)، وقد ارتاعت البلاد من تخريب الأماكن المقدسة التي كانت تعد أقدس بقعة دينية في البلاد المصرية، ويظهر لنا الملك خيتي أسفه وحزنه على ما بدر منه، وقد شعر بجرمه من خلال كلماته، غير أنه لم يكن يعلم الحقيقة إلا بعد وقوعها، وقد حزن خيتي لإرساله الجنود الذين ارتكبوا تلك الفظائع، حتى قال في برديته «تأمل لقد حلَّت في زمني كارثة خرَّبت أحياء أبيدوس، وقد حدث ذلك فعلًا، وقد كنت أنا السبب، وقد أحسست بجرمي بعد أن اقترفته، وكان ذلك من سيئاتي، فاحذر ذلك، لأنه من عمل سيئة يجزى مثلها».
نتيجة ذلك، فقد خيتي سلطانه على أبيدوس، وفي الوقت نفسه كان يشعر بألم نتيجة ما أحاق بها من تخريب، كما أن بقاعها المقدسة أصبحت مغلقة في وجهه، وكان لزامًا على كل مصري بعد موته أن يحج إلى تلك الأماكن المقدسة التي كانت تعد بمثابة طريق إلى الجنة في السماء، وقد أحزنه حرمانه ذلك، ولكنه رضي الأمر الواقع، وعدَّه عقابًا من الإله على ما ارتكبه في حياته ضد هذه البقعة الطاهرة المقدسة.
يصنف سليم بردية بطرسبرج، على أنها إحدى أعظم الاكتشافات العلمية التي سلطت الضوء على مستوى الفكر الإنساني في ذلك العصر، إذ دلتنا على مراجعة الفرعون خيتي الثالث لسياساته في حكم البلاد خلال عهده، من خلال إملاء عدة وصايا على ابنه، الذي يبدو أن عهده كان مريرًا ولم ينتهِ بشكل جيد، ومع ذلك، لم يتغير الفكر المصري منذ عهد خيتي إلى اليوم. بعد أكثر من 4100 عام لا تزال نفس العادة التي سلط حسن الضوء عليها فَاشْية في مصر.
ورغم كل ما عرفناه عن الملك خيتي، لم يخبرنا التاريخ المكتشف حتى الآن عن ما حل به وابنه، فقد طوى آثارهما النسيان ضمن أسرتهما التاسعة، بعدما فعل ملوك آخرون جاؤوا بعدهما مثلما فعل خيتي بآثار من سبقوه، ولم يبقَ من آثاره سوى البردية التي قال فيها «من عمل سيئة يجزى مثلها».
تقارير ذات صلة
الافتتاح الكبير للمتحف المصري الكبير
لا تقلقوا، سيظل بإمكانكم الدخول في أجواء الاحتفال عبر الشاشات
المستبعدون من صورة مصر الحضارية: عُمال الحفائر الأثرية
تحاول هذه القصة وضع عمال الحفائر الأثرية، رافعي أعمدة معابد، في مقدمة الصورة لا خلفيتها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن