تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الحكومة الجديدة اكتملت أخيرًا: ماذا بعد؟

الحكومة الجديدة اكتملت أخيرًا: ماذا بعد؟

كتابة: رنا ممدوح، بيسان كساب، سارة سيف الدين 9 دقيقة قراءة

تعهد مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء الجديد القديم، بقيادة مرحلة غير مسبوقة من خفض الدين العام، كما أُسندت إليه مهمة الإشراف على وزارة إعلام جديدة ستصل بخطابها إلى «كافة مكونات المجتمع المصري».

خلال فترة توليه المنصب -وهي الأطول لأي رئيس وزراء منذ عقود- تجاوزت الإدارة المصرية في عهده عددًا من الخطوط الحمراء التاريخية في الاقتصاد، من بينها تحرير سعر صرف الجنيه وتحرير أسعار الوقود. كما أشرف مدبولي على سلسلة متعاقبة من برامج صندوق النقد الدولي، وعلى توسعٍ في الدين العام بلغ حدًا باتت معه فوائد الديون وأقساطها تلتهم غالبية الإنفاق الحكومي السنوي. شهد عهده كذلك عودة مصر إلى موقع المُستورِد الصافي للوقود.

وفي الأسابيع التي راجت فيها الشائعات قبل الإعلان عن التعديل الوزاري أمس، بدا وكأن حكومة مدبولي أشرفت على نهايتها، وأن مصر ربما تتجه إلى تعيين رئيس وزراء جديد خلفًا له.

غير أن التعديلات الوزارية، التي أُقرت صباح اليوم، رسخت قيادة مدبولي. التعديلات أفادت مصادر مطلعة تحدثت إلى «مدى مصر» بأنها ظلت قيد المراجعة حتى اللحظات الأخيرة، جاء آخرها بتغيير مفاجئ في اسم وزير الدفاع، في خطوة رآها البعض محاولة للالتفاف على الرقابة البرلمانية على التعديلات الوزارية كما ينص الدستور.

مصدر قضائي تحدث لـ«مدى مصر»، مشترطًا عدم الكشف عن هويته، وصف القرار بأنه «مخالفة دستورية كبيرة»، مؤكدًا أن وزير الدفاع لا يختلف عن سائر الوزراء بوصفه جزءًا من السلطة التنفيذية.

في المقابل، اعتبر المحامي عصام الإسلامبولي الخطوة «غير مألوفة وذات دلالات سلبية»، لكنه أشار إلى تفسير محتمل للنص الدستوري الخاص بشأن اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حيث «يمكن الاستناد إلى المادة 234 الخاصة بتعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة كحكم خاص يقيد القاعدة العامة بشأن سلطة مجلس النواب في إقرار التشكيل الحكومي»، بحسب تفسيره.

الآن، ومع اكتمال الحكومة الجديدة تحت قيادته، من المتوقع أن يتوجه مدبولي إلى مساحات اقتصادية غير مطروقة.

إذا كان مدبولي قد سارع إلى تصوير المرحلة المقبلة بوصفها مرحلة ما بعد صندوق النقد، وعصر دعم القطاع الخاص، فإن قراءة خطوات ملموسة في السياسات من شأنها تعريف هذه المرحلة تبدو أكثر صعوبة -وربما عن قصد- في ظل انتقال العديد من الصلاحيات التنفيذية والمسؤوليات الرئيسية إلى خارج نطاق الحكومة.

تأخر إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، أمس، ثلاث ساعات بسبب تعديل جاء في اللحظات الأخيرة على الخطاب الموجه من الرئاسة إلى البرلمان. 

كان من المقرر أن يدخل النواب إلى القاعة الرئيسية في الساعة الواحدة ظهرًا، إلا أن نواب حزبي «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية» تلقوا في الساعة الثانية رسائل تُبلغهم بتأجيل الجلسة لمدة ساعتين، وفقًا لمصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب، في الثالثة عصرًا، تلقى البرلمان قائمة جديدة بأسماء التشكيل، تضمنت عدة إضافات، من بينها تعيين الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة، حسين عيسى، نائبًا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بحسب المصدر.

وأضاف المصدر ذاته، إلى جانب مصدر آخر مطلع، أن تعديل الخطاب الذي جاء بتوجيه من مدير مكتب رئيس الجمهورية، عمر مروان، شمل أيضًا إعفاء كامل الوزير من منصبه كنائب لرئيس الوزراء، وبذلك يتراجع نفوذ الوزير وحضوره في التشكيل الحكومي الجديد، إذ سيقتصر دوره على وزارة النقل فقط، بعد أن كان قد جمع بين حقيبة النقل وملف الصناعة والتجارة إلى جانب منصب نائب رئيس الوزراء في تعديل 2024. أُسندت حقيبة الصناعة الآن إلى خالد هاشم.

كما شمل الخطاب، بحسب المصدر، إقالة محمود فوزي من وزارة الشؤون النيابية والتواصل السياسي، وتعيين مساعد وزير العدل لشؤون التشريع، هاني عازر، وزيرًا بدلًا منه، مع حذف «التواصل السياسي» من اسم الوزارة.

ولم يُعلن رسميًا عن المنصب الجديد لفوزي، غير أن عدة مواقع إخبارية أفادت بترقيته إلى منصب رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، فيما نشر عدد من المقربين منه في الإعلام والحكومة تهاني على صفحته على فيسبوك بمناسبة توليه المنصب ذاته، قبل أن تُحذف بعض هذه الأخبار بحلول منتصف اليوم. فوزي نفسه كتب على صفحته الشخصية يشكر الرئيس على الفترة التي قضاها في الوزارة، دون أن يشير كذلك إلى أي جديد يخصه.

تقلص كذلك دور الوزير خالد عبد الغفار، بعد إقالته من منصب نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية، والذي كان يتقلده إلى جانب وزارة الصحة، التي احتفظ بها ضمن التشكيل الجديد.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«مدى مصر» في الأسابيع السابقة لإعلان التعديل الوزاري أن كلًا من الوزير وعبد الغفار كانا من أبرز المرشحين لرئاسة الوزراء، قبل أن يُحسم الأمر ببقاء مدبولي في موقعه.

يعزز من موقع مدبولي كذلك دخول راندا المنشاوي إلى الحكومة وزيرة للإسكان، وقد سبق أن شغلت منصب مدير مكتبه وترأست لجنة فض منازعات المستثمرين.

وبعيدًا عن الخطوات التي حدّت من نفوذ بعض الوجوه البارزة ورسّخت مدبولي بوصفه الشخصية الأكثر تأثيرًا في الحكومة، فإن التغيير الأكثر راديكالية في التشكيل الجديد يتمثل في إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام التي أُنشئت في أوائل التسعينيات كمظلة للشركات الصناعية المملوكة للدولة، في إطار خطط تسهيل الخصخصة.

مستشار معهد التخطيط القومي، إبراهيم العيسوي، وصف إلغاء الوزارة بقرار رئاسي، أمس، ضمن حزمة التعديلات المعلنة، بأنه بداية لنهج جديد في إدارة ملف الخصخصة، ولربما تسريعها لهذه الشركات، لأن طبيعة عمل الصندوق السيادي قد تجعل إدارته أكثر حرية في اتخاذ قرارات من هذا النوع مقارنة بالحكومة التي تحكمها قيود أكثر صرامة، إلا أنه في نهاية المطاف، شركات قطاع الأعمال العام تمثل نسبة صغيرة من إجمالي ثروة أصول الدولة، بينما تتولى الجهات السيادية إدارة نسبة كبيرة منها، بحسب العيسوي.

وأفادت رئاسة مجلس الوزراء، في بيان صدر عصر اليوم، حول اجتماع ضم حسين عيسى، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الجديد، وهاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، بأنه سيتم نقل 40 شركة إلى الصندوق السيادي، فيما ستُقيد 20 شركة أخرى في البورصة.

وقال مصدر مطلع على صلة مباشرة بملف إدارة أصول الدولة لـ«مدى مصر» إن «التنسيق بين عدد من الجهات التي تتقاطع تخصصاتها مع إدارة تلك الشركات سيعهد إلى عيسى»، مضيفًا أن عمله سيركز بشكل خاص على «محاولة إدارة العلاقة بين وحدة إدارة أصول الدولة التابعة لمجلس الوزراء -والتي حلت عمليًا محل لجنة الطروحات- من ناحية والصندوق السيادي من ناحية أخرى».

ولا يزال من غير الواضح كيف سينعكس هذا التحول على تعامل الحكومة مع المطالب المتكررة من القطاع الخاص ومن المؤسسات الدولية ذات التوجهات الليبرالية، الداعية إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد، إذ اكتفى بيان رئاسة مجلس الوزراء بالإشارة إلى أن الهدف يتمثل في «إعادة هيكلة» الشركات.

غير أن الفترة التي قاد فيها مدبولي الحكومة اتسمت، من وجهة نظر الأستاذ المساعد للاقتصاد السياسي، عمرو عادلي، باستجابة خطابية مكثفة لمطالب توسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد، وتحديدًا كمطلب من صندوق النقد.

ففي حين تعثرت حكومة مدبولي منذ 2018 في تنفيذ برنامج لطرح حصص في قائمة من الشركات المملوكة للدولة، أطلقت بدلًا من ذلك وثيقة سياسة ملكية الدولة، متعهدة ليس فقط بخصخصة شركات بعينها، بل بالتخارج من قطاعات كاملة من الاقتصاد لا تزال تشهد حضورًا واسعًا للملكية العامة.

في هذا السياق، يرى عادلي أن وثيقة ملكية الدولة، التي صدرت بصورتها النهائية في ديسمبر 2022، تمثل بصورة خاصة نموذجًا واضحًا على إنتاج هذا الخطاب الذي طبع رئاسة مدبولي للحكومة، وهو خطاب يتبنى مبادئ السوق الحرة ويدافع عن القطاع الخاص.

لكن بالنسبة لعادلي، فجوهر دور مدبولي في ملف الخصخصة لم يتجاوز حدود الخطاب الذي وصفه بـ«الدعائي»، والذي «أُنتج بكثافة بغرض استعراضه فقط أمام صندوق النقد الدولي بصورة خاصة، بالإضافة للبنك الدولي».

أما التنفيذ الفعلي للخصخصة، فيقول عادلي إنه مسألة معقدة تتعامل معها الحكومة بحذر. هناك «قيود لا يمكن الحكومة أن تتخطاها»، بحسب تعبيره، «قيود سياسية ترتبط بالتزامات داخلية ضمن جهاز الدولة لا يمكن تخطيها بسهولة».

وكانت مصادر تحدثت سابقًا إلى «مدى مصر» قد أشارت إلى تردد الحكومة في التفريط بأصول أساسية بأسعار منخفضة خلال السنوات الأخيرة، في ظل التراجع الحاد لقيمة الجنيه أمام الدولار الذي سمحت به الحكومة. كما أسهمت اعتبارات أمنية مرتبطة بإدخال مستثمرين أجانب إلى قطاعات استراتيجية في تباطؤ إتمام بعض صفقات بيع الأصول.

وبحسب تقييم عادلي، «تمكنت حكومة مدبولي بدأب من تجاوز التزامات صندوق النقد المرتبطة بالخصخصة وخفض دور الدولة في الاقتصاد عبر تحويل تلك الشروط إلى مجرد خطاب علني لا يحمل أي تأثير يذكر عمليًا».

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان نقل الشركات إلى الصندوق السيادي يهدف إلى إطالة أمد تأجيل الخصخصة أم إلى توفير الفرصة لجذب استثمارات أعلى. فقد سبق أن نقل عدد من الشركات والأصول المملوكة للدولة إلى الصندوق، غير أن نوابًا في البرلمان أثاروا مخاوف بشأن غياب خطوات لتعظيم الاستفادة من هذه الأصول واستثمارها.

مصدر سابق بوزارة قطاع الأعمال قال إن قرار إلغائها تسبب في حالة من الفوضى داخل مكاتبها، رغم أنه لا يتجاوز «مجرد تغيير مدير بآخر».

ومع ذلك، يعكس القرار انتقادًا كان قد تردد على نطاق واسع داخل مجلس الوزراء في الأيام التي سبقت التعديل، وعبّر عنه الإعلامي عمرو أديب بوضوح، حين قال الأحد الماضي إن «وزارات كثيرة تم اقتطاع جزء من مسؤولياتها لهيئات خارج الوزارات»، بما يدفع بمسار وحجم اتخاذ القرار نحو جهات خارج الإطار الحكومي، بعيدة عن رقابة البرلمان والموازنة.

وبدلًا من أن تتولى وزارة التموين إدارة مشتريات السلع الغذائية الاستراتيجية عبر الهيئة العامة للسلع التموينية، بات هذا الدور يُسند تدريجيًا إلى جهاز «مستقبل مصر» التابع للقوات المسلحة. وتكرر الأمر ذاته مع هيئة الشراء الموحد التابعة لوزارة الصحة، التي نُقلت خارج إشراف الوزارة في 2019.

ومن المتوقع أن يسود النمط ذاته دور مجلس الوزراء في إدارة ملف الطاقة بعد التعديل الوزاري.

كانت معدلات إنتاج الغاز المحلي قد تراجعت بقوة منذ 2022، ما دفع مصر إلى الاعتماد بشكل متزايد على استيراد الغاز والمازوت، في منظومة تلعب فيها الوزارة دورًا أقل ظهورًا. ووفقًا لقانون تنظيم أنشطة سوق الغاز الصادر عام 2017، يُسمح لشركات القطاع الخاص باستيراد الغاز الطبيعي وبيعه للحكومة، سواء ذلك الذي يُضخ من إسرائيل أو من خلال شحنات الغاز المسال، بعقود طويلة الأجل أو عبر السوق الفورية.

يقول مصدر مقرب من مجلس الوزراء إن وزير البترول، كريم بدوي، كان على وشك تقديم استقالته على خلفية أزمة سوء إدارته للإنتاج المحلي من الغاز، غير أن مدبولي، بحسب المصدر، دعمه وأراد بقاءه في منصبه.

أما أحد أبرز الأهداف التي يطرحها مدبولي لولايته الجديدة، بدعم من وزير المالية، أحمد كوجوك، وهو خفض الدين إلى مستويات «غير مسبوقة»، فيعكس بدوره الميل ذاته إلى حلول خارج الجهاز الحكومي عن طريق ألعاب محاسبية تنقل أرقام الديون إلى كيانات خارج الميزانية العامة.

وكان مدبولي قد أثار موجة من الجدل العام حين تعهد بخفض الدين إلى أدنى مستوياته منذ عقود بحلول نهاية 2025، في ظل تفاقم أزمة الدين.

وبلغ عبء الفائدة مستوى قياسيًا من الضغط على الموازنة العامة، بعدما تجاوزت تكلفة الفوائد 96% من الموازنة خلال الفترة من يوليو إلى نوفمبر من العام الماضي

ومع ذلك، فإن خطة خفض الدين، وفق ما تكشف عنها حتى الآن، تدور مجددًا حول ما يتوقعه مراقبون من خفض لمؤشرات الموازنة بالاسم فقط. إذ لن يُخفض الحجم الإجمالي للدين العام، بل سيُعاد توزيعه خارج نطاق الموازنة العامة.

كما ركزت تصريحات كوجوك، الذي جُددت ولايته أمس، على خفض ما يُعرف بـ«دين أجهزة الموازنة»، متجنبًا الإشارة إلى الدين العام، أو دين الحكومة العامة، الذي يشمل، إلى جانب ديون أجهزة الموازنة، ديون الهيئات الاقتصادية خارجها.

وقال مصدر برلماني على صلة بالحكومة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» وقت إعلان مستهدفات خفض الدين، إنه في رأيه الشخصي، فإن ذكر هذه الوعود على هذا النحو «كان يهدف إلى زيادة شعبية مدبولي في الوقت الذي يحتمل أن يكون قلقًا من تعديل وزاري مزعوم».

عن الكتّاب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن