تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حرب «الرباعية»

حرب «الرباعية»

كتابة: إحسان صلاح، حازم ثروت، حسان الناصر، عمر الفاروق، محمد أبو شلة 27 دقيقة قراءة
قافلة تحمل معدات عسكرية إلى قوات الدعم السريع تعرضت للهجوم بعد دخولها الأراضي السودانية من ليبيا خلال الأسبوع الأول من نوفمبر الجاري.

من زاوية بعيدة، بالكاد يمكن ملاحظة الشاحنات الأربع المشتعلة في صحراء غرب السودان، تحجبها سُحُب الدخان الأسود، المتصاعدة من الذخائر المحترقة المخبأة داخل صناديقها المغطاة بالقماش، وتملأ السماء.

لكن إذا كان ثمة شك في ماهية مصدر المشهد الأبوكاليبسي هذا، فإن لقطة أخرى تؤكد أن السبب هو ما في تلك الشاحنات. حامل الكاميرا -الذي يمكن الافتراض بأنه عابر لا ينتمي إلى أي طرف صادف أحد مشاهد الحرب- يقترب أكثر ليمنح المُشاهد يقينًا بما يرى.

«اليوم الأربعاء، 5 نوفمبر 2025»، يقول، حريصًا على أن يعرف المُشاهد أن ما يراه ليس مقطعًا مزيفًا.

إلا أن محاولته للتيقن من الحقيقة تنقطع فجأة، إذ تنفجر الذخائر داخل الشاحنة التي يصوّرها، فينحرف إطار الفيديو إلى اليمين، ولا نرى بعدها سوى الرمال والشظايا.

***

القافلة التي تعرضت للهجوم الأسبوع الماضي ليست سوى واحدة من مئات، إن لم تكن آلاف، القوافل التي نقلت أسلحة إماراتية عبر مسار معقد، يتغير شكله أحيانًا، يمتد من شرق ليبيا، ويمر أحيانًا عبر تشاد، وصولًا إلى دارفور، حيث تُسلّم إلى قوات الدعم السريع، الميليشيات العسكرية التي يقودها آل دقلو.

وعبر هذه الطرق تحديدًا، حصلت «الدعم السريع» على الذخائر التي مكّنتها من السيطرة على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر الماضي -المدينة التي شهدت منذ ذلك الحين حملة قتل مروّعة شنّتها «الدعم السريع» ضد خصومها القبليين وضد المدنيين الذين احتموا بآخر معاقل الجيش الكبرى في دارفور-.

اليوم، تحولت هذه المسارات إلى مسرح لصراعات عسكرية متصاعدة تدفع بتدويل حرب السودان على نحو غير مسبوق، إذ تسارعت تدخلات القوى الخارجية لمنع «الدعم السريع» وداعمها الرئيسي، الإمارات، من ركوب موجة سقوط الفاشر للسيطرة على البلاد بأكملها. وفقًا لأربعة مسؤولين مصريين إضافة إلى عدة مصادر عسكرية سودانية في الخطوط الأمامية، تقوم مصر وتركيا، بمساعدة إيرانية، بتنسيق العمليات وتقديم الدعم في مجالات المراقبة وجمع المعلومات في جنوب غرب السودان بشمال دارفور وكردفان.

تحدث «مدى مصر» إلى مصادر في السودان وليبيا ومصر منذ سقوط الفاشر لفهم ديناميكيات خطوط إمداد «الدعم السريع»، والحسابات السياسية في القاهرة التي فتحت الباب أمام فصل جديد محتمل في حرب السودان.

***

يرجع خط إمداد السلاح الذي تعرّض للقصف الأسبوع الماضي إلى بدايات الحرب، حين زار قائد «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ليبيا للقاء صدّام، نجل خليفة حفتر، في مقر القيادة العامة للجيش الوطني الليبي بمنطقة مرتفعات الرجمة جنوبي شرق بنغازي. وعلى مدار يومين في أواخر أبريل 2023، أي بعد نحو 15 يومًا فقط من اندلاع الحرب، اجتمع حميدتي وصدّام وضابط استخبارات إماراتي وعدد من كبار قادة «الوطني الليبي»، إضافة إلى قادة ميدانيين مقرّبين من حفتر من جنوب ليبيا، لبحث آليات تأمين وصول الإمدادات العسكرية من مجموعة المرتزقة الروسية «فاجنر» والإمارات إلى السودان، وتحديد الأطراف التي ستتولى تنفيذ ومتابعة عمليات النقل عبر المنطقة العسكرية في الكفرة، جنوبي شرق ليبيا، وفقًا لمصدر مقرب من صدام تحدث إلى «مدى مصر» آنذاك. 

وقد نصت الخطة التي وُضعت في تلك الأسابيع الأولى من الحرب على أن تتولى شركات تابعة لـ«الوطني الليبي» إدارة عمليات نقل الأسلحة، وهي شركات مرتبطة بكتيبة «سبل السلام» بقيادة القائد الميداني السلفي، عبد الرحمن هاشم الزوي، واللواء «128 معزز» بقيادة حسن معتوق الزادمة، بمشاركة عناصر من «الدعم السريع» و«فاجنر».

ومع تدفّق الأسلحة المتطورة عبر هذه القنوات، حققت «الدعم السريع» مكاسب ضخمة في وسط وجنوب وغرب السودان، مخلفة سلسلة من الفظائع. وسيطرت على ولاية الجزيرة وأجزاء شاسعة من ولايتي سنار والنيل الأزرق وغيرها.

ويكشف تقرير لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، صدر في يناير 2024، حجم هذا التأثير.

«بداية من يوليو، نشرت قوات الدعم السريع عدة أنواع من الأسلحة الثقيلة و/أو المتطورة، بما في ذلك المركبات المقاتلة المسيرة من دون طيار، ومدافع الهاوتزر، وقاذفات الصواريخ المتعددة، والأسلحة المضادة للطائرات مثل منظومات الدفاع الجوي المحمولة»، يقول التقرير، موضحًا: «كان لهذه القوة النارية الجديدة لدى قوات الدعم السريع تأثير هائل على توازن القوى، في دارفور ومناطق السودان الأخرى على حد سواء. ومكنت المدفعية الثقيلة الجديدة قوات الدعم السريع من الاستيلاء بسرعة على نيالا والجنينة، في حين ساعدت أجهزتها الجديدة المضادة للطائرات في مواجهة الأصول الرئيسية للقوات المسلحة السودانية، أي قواتها الجوية. وفي غضون ذلك، لم تتمكن القوات المسلحة من تزويد الحاميات التابعة لها في دارفور بأي إمدادات عسكرية كبيرة، نظرًا إلى أن قوات الدعم السريع قد سيطرت بسرعة على معظم أجزاء الطريق الرابط بين كوستي والفاشر، والذي يشكل خط الإمداد الرئيسي للقوات المسلحة من الخرطوم وبورتسودان».

ومع ازدياد التدقيق في خطوط إمداد «الدعم السريع»، بدأ «الوطني الليبي» في تعديل خطوط الإمداد والمسؤولين عنها. وبحسب مصدر عسكري في جنوبي شرق ليبيا، فإن خط الإمداد اللوجستي، المخصص للمؤونات بشكل رئيسي، لا يزال يُستخدم عبر الكفرة. لكن لتجنب «إغضاب المصريين»، يقول المصدر إن الأسلحة باتت تمر الآن عبر تشاد عوضًا عن المثلث الحدودي بين تشاد وليبيا ومصر، وذلك بعد أن حذّر المصريون بوضوح قادة شرق ليبيا من استخدام هذه المنطقة كطريق إمداد لـ«الدعم السريع».

مصدر من قبيلة المغاربة يوضح أن القيادة العامة لـ«الوطني الليبي» استحدثت معبرًا جديًدا مع تشاد هو معبر 17 الحدودي، وتستخدمه حاليًا لنقل الأسلحة المتجهة إلى «الدعم السريع». وزار صدام المعبر، الأسبوع الماضي، تحت غطاء «جولة ميدانية لتفقد الشريط الحدودي الجنوبي».

معبر 17 الحدودي بين ليبيا وتشاد، 6 نوفمبر. المصدر: القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية على فيسبوك

لماذا «غضبت» مصر؟ من جهة، كانت القاهرة قلقة من الدعم الإماراتي لـ«الدعم السريع» بشكل عام، وهو دعم يتعارض مع الأسس التي ترتكز إليها السياسة المصرية تجاه السودان، بحسب مصدر سياسي مصري شارك في الاجتماعات الخاصة بصياغة تلك السياسة. وتتمثل هذه الأسس في: احترام مؤسسات الدولة، ومحورية الجيوش الوطنية لاستقرار الدول، ومحورية السودان للأمن القومي المصري، وعدم السماح بتقسيم السودان مجددًا.

يقول المصدر: «لذلك، نعتبر رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، عبد الفتاح البرهان، الرئيس الشرعي للسودان، بغض النظر عن الآلية التي جاءت به إلى السلطة. نحن ندرك أن البرهان ليس قويًا جدًا، لكنه قوي بالقدر الذي يسمح له بأن يقود الجيش».

حاول الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يُثني حفتر ونجله عن التدخل في حرب السودان، ووقف الدعم المقدم لـ«الدعم السريع» من مناطق جنوبي شرق ليبيا، وكان آخر هذه المحاولات في لقاء جمع الطرفين بمدينة العلمين في يونيو الماضي، وفق مسؤول حكومي مصري تحدث إلى «مدى مصر» حينها. خلال اللقاء غير المعلن، حاولت القاهرة التوسط بين آل حفتر والبرهان، الذي واجه حفتر بأدلة تثبت إمداده «الدعم السريع» بالسلاح، وهو ما نفاه حفتر ونجله.

أغضب القاهرة كذلك مرور خطوط الإمداد أحيانًا عبر الأراضي المصرية.

يقول دبلوماسي مصري سابق إن «الدعم السريع» دخلت بالفعل الأراضي المصرية في بدايات الحرب أكثر من مرة. «حدث ذلك مرة على نطاق واسع، ولكن من بعد ذلك، دخلت ميليشيات الدعم السريع عبر الحدود المصرية على نطاق أكثر محدودية، وكان الطيران المصري يضربهم فيُجبرون على الخروج فورًا».

وعيًا منها بهذه الحساسية، فإن القيادة العسكرية في شرق ليبيا «تبذل كل جهدها لتجنب استفزاز مصر من خلال أي دعم مباشر لقوات الدعم السريع»، بحسب المصدر العسكري الليبي.

لكن تدفق السلاح استمر.

***

خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت سقوط الفاشر، بدت المدينة محاصرة في قبضة خانقة من «الدعم السريع» التي أعادت ترتيب خطوطها العسكرية واللوجستية حول دارفور.

قالت مصادر لـ«مدى مصر» إن المدينة كانت تستقبل على مدار عام ونصف، عبر طرق فرعية وشبكات إمداد غير نظامية، كميات متزايدة من الأسلحة والذخائر القادمة من الحدود الغربية، بما في ذلك عربات قتالية ومدافع ميدانية، ما مهّد لتكثيف القصف على أحياء المدينة الشرقية والشمالية خلال شهري مايو ويونيو الماضيين.

أعدت «الدعم السريع» نحو ثلاث آلاف سيارة دفع رباعي لاجتياح الفاشر، جزء كبير منها جاء عبر الحدود التشادية، وهي سيارات لا تحمل أي سجل في السودان سواء كان عسكريًا أم مدنيًا.

يمكن ربط بعض هذه السيارات بشكل مباشر بالجيش الوطني الليبي، حيث يقول المصدر العسكري الليبي إن أحد القيادات التابعة للجيش الوطني الليبي دخل تشاد الشهر الماضي بـ140 سيارة وعاد بـ35 فقط، مضيفًا أنه يُعتقد أن السيارات التي كانت متخفية على أنها حراسة عسكرية كانت جزءًا من الإمدادات العسكرية الإماراتية التي تم تسليمها لـ«الدعم السريع» عبر تشاد.

ومع السيارات، جاءت المزيد من الأسلحة الجديدة الخفيف منها والثقيل، جُلبت من وراء الحدود كذلك، من أجل اقتحام المدينة. 

وفي محيط الفاشر، تحولت الأرض إلى هشيم تذروه الرياح، حيث أحرقت «الدعم السريع» حوالي 12 قرية في محلية طويلة ومليط، ما أدى إلى نزوح نحو 50 ألف مواطن إلى داخل الفاشر، كما ضربت القوات السدود التخزينية للمياه، ما أصاب المدينة بحالة من العطش.

في المقابل، واجه الجيش السوداني صعوبات متزايدة في تثبيت خطوط إمداده، بعد أن قطعت «الدعم السريع» الطريق الرابط بين الفاشر والأُبيّض، عاصمة شمال كردفان، واستولت على عدد من المخازن والنقاط اللوجستية على طول الطريق المؤدي إلى الفاشر. وعملت «الدعم السريع» على خلق «منطقة أمنية» حول المدينة، وجمعت بين تكتيكات الأرض المحروقة و«الجزر المعزولة»، فيما استُخدمت مطارات ترابية صغيرة ومدارج بديلة لنقل الذخائر الخفيفة والطائرات المسيّرة إلى جبهات القتال.

رغم الحشود العسكرية الكبيرة، لم يكن أنصار الجيش، ولا البعض في القاهرة، يعتقدون أن سقوط المدينة وشيك. قبل أيام قليلة من سقوطها، أكد مسؤول حكومي مصري لـ«مدى مصر» أن المعركة «ليست سهلة»، إلا أن الجيش سينتصر بها.

مصدر سياسي سوداني مقيم في القاهرة أصرّ بدوره أن من وجهة نظر البرهان ومصر، «يحتاج الجيش السوداني من ستة إلى ثمانية أشهر ليحقق اختراقًا».

لكن المدينة سقطت. وقاد عبد الرحيم دقلو -شقيق حميدتي الذي وصفه أحد المسؤولين المصريين العاملين على سياسات القاهرة تجاه السودان بأنه «رجل الدعم السريع القوي المسؤول عن تهريب الذهب والبشر والمخدرات والسلاح»- هجومًا شرسًا بلا رحمة على المدنيين في المدينة.

في الأيام الأولى بعد سقوط الفاشر، أشارت التقديرات الأولية إلى أن أعداد القتلى تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، مع فرار نحو 30 ألفًا من المدينة. لكن تقديرات أحدث، حصل عليها «مدى مصر» من مصدرين في وزارة الصحة السودانية، تشير إلى أن العدد قد يقترب اليوم من خمسة آلاف قتيل، إلا أنهما أكدا أن معرفة العدد الحقيقي في غاية الصعوبة، فالآلاف ما زالوا في عداد المفقودين، بينما تُواصل «الدعم السريع»، وفق المصدرين، حرق الجثث ودفنها دون أي إشراف. وأظهرت صور الأقمار الصناعية الصادرة عن مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل مطلع نوفمبر الجاري دلائل على وجود مقبرتين جماعيتين على الأقل في الفاشر.

كما أن التواصل مع من تبقوا في المدينة لا يزال بالغ الصعوبة في ظل انقطاع الاتصالات والخوف من عنف «الدعم السريع»، فالسكان يتعرضون للاعتقال في ظروف غير إنسانية لاتهامات مثل التواصل مع الجيش.

تقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن ما بين سقوط الفاشر وحتى 9 نوفمبر الجاري، نزح نحو 90 ألف شخص من أصل 260 ألفًا. لكن الخروج من الفاشر لا يعني النجاة، فـ«الدعم السريع» تسيطر على الطرق المؤدية إلى خارج المدينة، حيث تقتل أو تعتقل أو تعيد المدنيين الفارين. ومن يتمكن من الوصول إلى وجهته -سواء في المحليات القريبة أو على بعد مئات الكيلومترات- فيجد نفسه أمام أوضاع إنسانية قاسية، ومدنٍ منهكة عاجزة عن استيعاب موجات النزوح المفاجئة.

داخل الفاشر، انهارت الخدمات الأساسية بالكامل. عشرات الآلاف من العالقين في المدينة بالكاد يغادرون منازلهم، حتى لجلب الماء أو الدواء، خوفًا من الاعتقال أو ما هو أسوأ. فمنذ سقوط المدينة، وثّقت شبكة أطباء السودان عدة حالات اعتداء جسدي واغتصاب ضد نساء، ارتكبها مقاتلو «الدعم السريع».

نازحون من الفاشر في طويلة، 28 أكتوبر.

في القاهرة، أحدث سقوط المدينة هزةً عنيفةً داخل دوائر صنع القرار، وفتح الباب أمام جملة من المخاوف المصرية.

الاستجابة الأولى كانت سياسية، فعقد مسؤولون مصريون اجتماعًا مع المستشار الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، وأجروا محادثات غير مباشرة مع ممثلين عن «الدعم السريع» والجيش السوداني حول هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، تُجرى خلالها مفاوضات للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق حوار سياسي بين مجلس السيادة الانتقالي و«الدعم السريع» وممثلين عن مختلف القوى السودانية، بهدف تشكيل سلطة تنفيذية مشتركة تُعيد إطلاق العملية السياسية خلال فترة انتقالية تمتد لثلاث سنوات، وفق ما قاله مصدران حكوميان مصريان لـ«مدى مصر» في وقت سابق.

لكن مع استمرار النقاشات حول الاتفاق، تبيّن لجميع الأطراف أن الحرب لا تزال مستعرة.

بالنسبة للقاهرة، فإن سقوط الفاشر كان يعني احتمال انهيار الدولة السودانية بالكامل، مع سعي «الدعم السريع» لركوب موجة انتصارها -بدعم إماراتي متزايد من شحنات الأسلحة- والزحف نحو العاصمة ثم شرق السودان، بحسب مسؤول حكومي مصري آخر.

وفي المدى الأقرب، تتعلق المخاوف المصرية بحدودها الجنوبية.

يقول مصدر ثانٍ مشارك في صنع القرار المصري تجاه السودان: «على مصر الآن أن تراقب عن كثب المثلث الحدودي، والحدود مع ليبيا، وخط التواصل بين الإمارات وحفتر وحميدتي».

مصدر مصري آخر يشارك في رسم السياسة المصرية تجاه السودان وصف الأيام التي تلت سقوط الفاشر قائلًا: «خلال الأيام الماضية، عُقد العديد من الاجتماعات لتقييم الموقف وتحديد ما سيحدث». وبحسب المصدر، انقسمت دوائر صنع القرار المصرية المعنية بالسودان إلى تيارين رئيسيين:

التيار الأول كان مؤيدًا للتدخل، ويرى أن على مصر «أن تمضي حتى النهاية في دعم الجيش وتوحيد القوى حول البرهان، ليس فقط في مواجهة حميدتي، بل أيضًا في مواجهة العناصر الإسلامية» ضمن معسكره.

أما التيار الثاني، فكان أكثر تشاؤمًا، معتبرًا أن «المعركة خاسرة، والبرهان ليس على قدرها، فهو ضعيف ومتردد جدًا. ينبغي على مصر أن تضغط على البرهان للتحدث مع حميدتي والقبول باتفاق».

كثير ممن شاركوا في هذه النقاشات وتحدثوا إلى «مدى مصر» ضمن التيار الداعي إلى رد مصري قوي رأوا أن المشكلات متعددة.

«قد نضطر إلى التدخل»، يقول أحد المسؤولين المصريين الحكوميين المنخرطين مباشرة في ملف السودان، خلال الأيام التي تلت سقوط المدينة، لكنه أوضح أن القاهرة ترى الجيش السوداني منقسمًا بشأن كيفية إدارة المعركة. وأضاف: «إحدى المشكلات الكبرى أن البرهان لا يحظى بالاحترام الكامل كعسكري من قِبل كبار القوات المسلحة السودانية».

إلا أن مصادر أخرى عدّة أشارت إلى أن هناك مشكلتين أكبر من ذلك.

أولًا، يرى دبلوماسيان مصريان سابقان، إلى جانب مصدرين يعملان على ملف سياسات السودان في القاهرة، أن أوان أي تدخل عسكري مصري حاسم في السودان فات بالفعل.

يقول أحد الدبلوماسيين السابقين، متحدثًا عن توغلات «الدعم السريع» داخل الأراضي المصرية: «كان ينبغي أن يكون التدخل المصري ردعًا، لا رد فعل. لكن ما فعلناه أشبه بإعطاء مريض مضاد حيوي ضعيف: تختفي الأعراض مؤقتًا، لكن المرض يبقى».

مصدر مصري ثالث يعمل على السياسة المصرية تجاه السودان يقول إن «هناك شعورًا بأن مستوى التدخل العسكري المطلوب الآن سيكون صعبًا للغاية»، ويضيف: «ارتكبت مصر خطأً. حاولت أن تساوم الجيش السوداني -تقديم دعم عسكري مقابل تنازل الخرطوم عن حلايب وشلاتين-. وبذلك، أخّرت الإجراءات اللازمة على الأرض، ما ساعد الدعم السريع على التقدم».

وأكد مسؤول مصري وآخر سوداني لـ«مدى مصر» أن الجانبين أجريا بالفعل محادثات خلال الأشهر الماضية بشأن المنطقة الحدودية المتنازع عليها.

ظلّت القاهرة طوال الحرب تقدّم دعمًا للجيش السوداني، بل وتدخلت بشكل مباشر في بعض المراحل، وهو ما يقرّ به مصدران أشارا إلى الغارات الجوية المحدودة وغير المعلنة التي نفذتها القاهرة في أكتوبر 2024 وساعدت الجيش السوداني على استعادة مواقع استراتيجية في ولاية سنار، وفق ما أكده مسؤول مصري لـ«مدى مصر» في ذلك الوقت.

إلا أن المصدر المصري الثاني المشارك في صياغة سياسة القاهرة تجاه السودان يقول إنه دعا مرارًا إلى تدخل مصري «مباشر ومعلن» عبر سلاح الطيران، لدعم الجيش السوداني، بما في ذلك عقب انتهاك حفتر وحميدتي للحدود المصرية.

ويضيف: «توسلت إليهم حينها أن يكونوا أكثر شراسة، لكن كان هناك الكثير من التردد. الآن، أصبح حجم التدخل العسكري المطلوب أكبر بكثير، ومع الأسلحة التي أعطتها الإمارات لحميدتي، هناك احتمال وقوع خسائر مصرية، وهذا أمر لا يمكن أن نمضي فيه. مصر لن تنفذ غارات جوية. فات الأوان. كان ينبغي أن تفعل ذلك في وقت مبكر أكثر بكثير».

وفي إشارة إلى تلك المرحلة، قال المصدر الأول المعني بسياسات مصر تجاه السودان: «بعد أن ساعدت مصر وتركيا وإيران البرهان والجيش الوطني السوداني على تصحيح الموقف الميداني [في أكتوبر 2024]، مضت الإمارات وقدّمت دعمًا مكثفًا، وأنفقت بسخاء لجلب مرتزقة من تشاد وإفريقيا الوسطى لمساعدة حميدتي على تحسين موقعه الميداني، بنيّة أن يقود ذلك إلى صفقة سياسية».

يقود هذا إلى المشكلة الثانية بالنسبة لمصر، ومصدر ترددها في السودان.

يقول مسؤول مصري آخر تحدث إلى «مدى مصر» في وقت سابق من الحرب: «منذ اندلاعها، حرصت مصر على الحد من انخراطها في الصراع السوداني، تجنبًا لأي رد فعل عنيف محتمل من الإمارات، التي تُعد الداعم المالي الرئيسي للحكومة المصرية خلال العقد الماضي».

كان هذا العامل حاضرًا بقوة في حسابات المسؤولين بالقاهرة في أثناء بحثهم عن كيفية الرد على الأزمة التي فجّرها سقوط الفاشر.

منذ مطلع 2024، تشارك مصر في مسار سياسي رباعي يتعلق بحرب السودان إلى جانب الولايات المتحدة والإمارات والسعودية.

أول ملتقى للتنسيق بين الأطراف الأربعة كان حين استضافت المنامة محادثات سرية بين وفدين من الجيش السوداني و«الدعم السريع» في يناير من ذلك العام، وهو اجتماع حضره -وفق مصدر في مجلس السيادة الانتقالي تحدث إلى «مدى مصر» حينها- مسؤولون من الاستخبارات الأمريكية والمصرية، إلى جانب وفود إماراتية وسعودية.

وفي العام التالي، خرجت الاتصالات السرية إلى العلن بعدما عيّن ترامب المستشار الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، لقيادة الانخراط الدبلوماسي الأمريكي في الملف السوداني. وفي يونيو 2025، جمع بولس وكريستوفر لاندو، نائب وزير الخارجية الأمريكي، سفراء السعودية ومصر والإمارات في واشنطن، حيث دعاهم لاندو إلى الضغط على طرفي الحرب للتوصل إلى وقف إطلاق نار وتسوية متفاوض عليها -وهو الاجتماع الذي دشن فعليًا ما بات يُعرف لاحقًا بـ«الرباعية».

وبحلول سبتمبر، كشف وزراء خارجية المجموعة عن خارطة طريق لإنهاء الحرب، تضمنت عملية متدرجة: هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها عملية سياسية «شاملة وشفافة» خلال تسعة أشهر، تقود السودان نحو «حكومة مستقلة مدنية تتمتع بشرعية واسعة وآليات للمساءلة».

إلا أن «الرباعية» كانت مشروعًا محفوفًا بالتوترات والمشكلات منذ بداياتها تقريبًا.

نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، والمستشار الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، مع سفراء «الرباعية» في واشنطن، 3 يونيو. المصدر: السودانية نيوز

«حاولت الإمارات منع مصر من الانضمام إلى الرباعية»، يقول أحد الدبلوماسيين السابقين. ومع مرور الوقت، بدأ تماسك المجموعة يتآكل من الداخل.

«أعتقد أن الرباعية تحولت إلى مساحة إماراتية-أمريكية مشتركة للضغط على مصر»، يقول دبلوماسي سابق ثان. «عندما انضمت مصر للرباعية، كان الهدف أن تدفع تفكير المجموعة نحو مقاربة تصالحية تُدمج عناصر الصف الثاني في الدعم السريع -لكن ليس قيادته- وأن تُجنّب القيادات الملاحقة القانونية. لكن السعوديين لم يدعموا هذه الفكرة».

الدبلوماسي الأول يوافقه الرأي، «في نهاية المطاف، تقف الولايات المتحدة في صف الإمارات داخل الرباعية، وليس في صف السعودية، وبالتأكيد ليس في صف مصر».

ورغم ذلك، لم تتخل مصر عن أملها في «الرباعية».

وفقًا للمصدر الأول المشارك في سياسة مصر تجاه السودان، تمكنت القاهرة من استغلال عمليات القتل الجماعي التي ارتكبتها «الدعم السريع» في السودان لدفع واشنطن نحو الضغط على الإمارات.

ومع ذلك، يقول الدبلوماسي السابق الأول إنه عند حساب حجم التدخل، «هناك حد لما يمكن لمصر أن تمضي فيه في السودان دون إغضاب الأمريكيين» وبالتالي الإمارات.

لكن مع هذه القيود، رأت مصر فرصة للتدخل، وكانت خارج إطار «الرباعية».

«أدت المنافسة بين الحليفين الرئيسيين لمصر، السعودية وأبو ظبي، إلى مفارقة لافتة: تقارب المصالح المصرية في المنطقة مع مصالح قطر وتركيا، الخصمان السابقان لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي بسبب دعمهما للإخوان المسلمين»، يقول المسؤول المصري الذي تحدث إلى «مدى مصر» نهاية العام الماضي قبيل انعقاد أول اجتماع لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى المصري-التركي.

وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، مع قرينه التركي يترأسان أول اجتماع لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر في أنقرة، 12 نوفمبر. المصدر: وزارة الخارجية المصرية على فيسبوك

يتابع المصدر: «بدأت مصر تحالفها العسكري مع تركيا، وهو ما بات يتجلى بشكل متزايد في القرن الإفريقي. ويبدو أن هذا التحالف حظي بموافقة إيران، التي تدعم أيضًا الجيش السوداني إلى جانب القاهرة وأنقرة. وهذا أحد أسباب تنامي قوة الجيش السوداني في الحرب ضد قوات الدعم السريع [وقتها]».

بعد سقوط الفاشر، كان هذا التحالف هو ما لجأت إليه مصر للبحث عن وسيلة لردع التهديد الإماراتي المتصاعد.

يقول أحد المصادر المنخرطة في سياسة مصر تجاه السودان، في الأيام التي تلت سقوط الفاشر: «أبلغنا الأمريكيين أنه إذا استمرت الإمارات في إرسال السلاح والمرتزقة لحميدتي، فإن مصر ستتدخل مباشرة. وفي هذه اللحظة، زار رئيس الأركان المصري بورتسودان، تلتها زيارة رئيس المنطقة العسكرية الشمالية السودانية مصر». يضيف المصدر: «نعلم أن الأمريكيين مارسوا ضغطًا على الإمارات للتوقف إلى حد ما. لكننا نعلم أيضًا أننا لا يمكن أن نتوقع من الإماراتيين الالتزام بذلك. لذلك هناك خطة كاملة جاهزة لأي تصعيد محتمل».

***

لم يتوقف الإماراتيون، وتم تفعيل تلك الخطة بالفعل، وفقًا لأربعة مسؤولين مصريين إضافة إلى عدة مصادر عسكرية سودانية في الخطوط الأمامية.

بحسب المسؤولين الأربعة، يقوم التنسيق العسكري المشترك على تعاون عملياتي على الأرض، إلى جانب إمدادات من السلاح والذخيرة تقودها تركيا ومصر بشكل رئيسي.

أما بالنسبة إلى تركيا، فيضيف أحد المصادر أن «ضباط الجيش التركي سيُشرفون على العمليات الميدانية باستخدام مدافع آلية متقدمة تركية الصنع، مع تكثيف الهجمات الاستراتيجية على نقاط تجمع الدعم السريع باستخدام المسيّرات»، وتُستخدم المسيرات في استهداف طرق إمداد السلاح بدعم من قواعد جوية مصرية وسودانية.

ويقول مسؤول مصري ثان: «يهدف التنسيق المصري-التركي في مراحله الأولى إلى قطع الطرق وتعطيل وصول الإمدادات العسكرية للدعم السريع من جنوب شرق ليبيا. استُهدفت ثلاث قوافل على الأقل داخل الأراضي السودانية خلال [الأسبوع الأول من نوفمبر الجاري]».

انفجار شاحنة تحمل أسلحة من ليبيا إلى السودان بعد استهدافها، 5 نوفمبر.

مصادر عسكرية سودانية في القيادة المتقدمة وصفت الدعم المصري بأنه «مساعدة وفق بروتوكول التعاون المشترك»، في إشارة إلى اتفاقيات قائمة يقولون إنها وُقّعت عند إنشاء قاعدة وادي سيدنا العسكرية عام 1967، والتي سمحت حينها لسلاح الطيران المصري بالعمل انطلاقًا منها.

يقول مصدر عسكري سوداني في الفرقة 22 بابنوسة لـ«مدى مصر» إن الجيش السوداني استخدم في معارك السبت والأحد الماضيين حول مدينة بابنوسة المحاصرة في كردفان، مسيّرات تركية تم إمداده بها حديثًا، مؤكدًا كذلك أن المسيرات استهدفت مواقع استراتيجية ومخازن إمدادات لـ«الدعم السريع» في مدن الفولة وأبو زبد التي تقع تحت سيطرته في غرب كردفان.

وأقرّت المصادر نفسها بالمساعدة التركية في شكل دعم عسكري ولوجستي، قالت إنه «خاضع لتقييم جارٍ وقد يتوقف إذا تم قطع خطوط الإمداد».

إلا أن المسؤول المصري الثاني أوضح أن «الجيش التركي يعمل في السودان وفق الاستراتيجية نفسها التي طبّقها في ليبيا في 2020 ضد قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر».

ساعدت تلك الاستراتيجية على إنهاء حرب 2019 في العاصمة الليبية طرابلس، لكنها رسخت أيضًا النفوذ التركي في العاصمة، وهو نفوذ ازداد بعد اختيار عبد الحميد الدبيبة -رجل الأعمال البارز من مصراتة الذي عمل في عهد معمر القذافي وله روابط قوية مع تركيا- رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية. ورغم انقضاء ولاية الحكومة، فإنها لم تغادر السلطة أو تهيئ أرضية للانتخابات، وظلت ليبيا منقسمة إلى دوائر نفوذ.

أما بالنسبة للأهداف الاستراتيجية لمصر، فلا يوجد توقعات بأن الجيش السوداني يستطيع تحقيق نصر كامل.

«هناك واقع تقسيم فعلي للسودان ويجب أن نتعامل معه»، يقول أحد المصادر المشاركة في وضع سياسة مصر تجاه السودان، مضيفًا: «مصر لا تسعى إلى مواجهة مع السعودية أو الإمارات أو أي أحد آخر. ما تريده مصر هو احتواء الوضع على الأرض. هذه حدودنا المباشرة. هذه قضية أمن قومي من الدرجة الأولى. والوضع العسكري على الأرض شديد التقلب».

ويوافقه في الرأي مسؤول حكومي مصري، قائلًا: «على المدى القصير، هدف [التدخل العسكري] هو جعل من المستحيل على حميدتي كسب المزيد من الأراضي، وأن يكون للجيش اليد العليا في نهاية المطاف. لا يمكننا الجلوس أو التظاهر بغض النظر، بينما تتلقى الدعم السريع كل هذا الدعم العسكري من الإمارات وتتقدم على الأرض على حساب الجيش السوداني. يجب أن نستعيد التوازن لصالح الجيش. لن نسمح لحميدتي بالتقدم والسيطرة على العاصمة، وكان يمكن لهذا أن يحدث لو لم نتدخل بسرعة».

يضيف المسؤول الحكومي أن «السودان يحتاج إلى أن يتفق الطرفان على تشارك السلطة. ليس فقط الإماراتيون من يقولون هذا، بل الألمان والإنجليز أيضًا، فهم حاملو القلم المسؤولون عن صياغة القرار في مجلس الأمن. هناك مفهوم سائد الآن في الأوساط الدولية لإدارة النزاعات يعتمد على تشارك السلطة. وهذا ما نسعى إليه في السودان».

ويبدو أن «الدعم السريع» تدرك حتمية الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو الهدف الذي تسعى له منذ البداية -تفتيت استحقاقية الجيش السوداني الذي يدعيها في تمثيل للدولة- حتى لو تدخلت مصر ضد قواتهم.

«موقف مصر من الدعم السريع متوتر جدًا»، يقول مصدر في «الدعم السريع» لـ«مدى مصر»، مضيفًا، «نرى أنها ستتدخل بشكل كبير إذا شعرت بأننا نقترب من السيطرة الكلية على ولايات مهمة، مثل الولاية الشمالية. ستتدخل. لذلك نحاول أن نبتعد عما يثير حفيظتهم العسكرية. لكننا في نهاية الأمر سنجلس معهم، خصوصًا إذا سيطرنا على ولاية جنوب كردفان وغربها، التي تدخل حاليًا في طور العمليات العسكرية المهمة».

كان قبول وقف إطلاق النار والجلوس للمفاوضات أمرًا صعبًا على الجيش، خاصة أن واقع التقسيم الفعلي للسودان أصبح الحقيقة المهيمنة. لكن مصر تمكنت من تحقيق بعض التقدم في جعل تدخلها العسكري يأتي بثماره منذ سقوط الفاشر.

التقى وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، الأسبوع الماضي، بالبرهان في بورتسودان. وبحسب مصدر مطلع على الاجتماع، «كانت الفكرة الأساسية هي بحث وقف إنساني محتمل لإطلاق النار. أعتقد أننا نقترب من اتفاق. فبينما كان البرهان يصر في البداية على انسحاب الدعم السريع من الفاشر، بات الآن يقبل بأنهم لن يتقدموا، وأنهم سيبقون في مواقعهم. وستكون الأمم المتحدة هي من تتولى إدارة المساعدات الإنسانية».

وتبع عبد العاطي هذه الزيارة بزيارة إلى إسطنبول، الأربعاء، حيث التقى نظيره التركي. يقول مسؤول حكومي مصري إن الوزيرين ناقشا «الدعم العسكري الذي نعمل عليه معًا لأنه أساسي لوقف الدعم السريع ولإتاحة فرصة لوقف إطلاق النار الإنساني».

حتى الآن، لم يثر الدفع الدبلوماسي-العسكري المصري-التركي حفيظة الولايات المتحدة.

عند سؤاله عن الوضع في السودان مساء الأربعاء، دعا وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف تدفق السلاح إلى «الدعم السريع».

وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، يتحدث مع الصحافة في مطار هاميلتون الدولي في كندا، 12 نوفمبر. المصدر: دي دابليو اس نيوز على يوتيوب

«ناقشنا هذا الأمر مرات عديدة اليوم مع عدة دول، وأعتقد أنه يجب فعل شيء ما لقطع الأسلحة والدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع بينما تواصل تقدمها»، قال روبيو، مضيفًا: «المنظمات الإنسانية تقول لنا إن مستويات سوء التغذية والمعاناة التي يشهدونها لدى بعض الذين تمكنوا من الفرار غير مسبوقة، كما يقولون. لقد سجلوا أشياء لم يسجلوها من قبل، والأمر الأكثر إثارة للقلق برأيي أنهم لم يتلقوا عدد اللاجئين الذين كانوا يتوقعون وصولهم، لأنهم يفترضون أن الكثير منهم إما ماتوا أو في حالة من المرض وسوء التغذية تجعلهم عاجزين عن الحركة. لذا ما يحدث هناك أمر مرعب».

تستعد السعودية، وهي أيضًا عضو في «الرباعية» والتي يقول أحد المسؤولين المصريين إنها تدعم التدخل المصري-التركي في السودان «بطرق أخرى» غير الدعم العسكري، لطلب تدخل الولايات المتحدة من أجل الضغط على الإمارات لوقف تزويد «الدعم السريع» بالأسلحة، وذلك خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، وفقًا لدبلوماسي مقيم في نيويورك.

وبحسب المسؤول الحكومي المصري، ستنسق مصر والسعودية، في أعقاب زيارة ابن سلمان، بخصوص الخطوات القادمة نحو وقف إطلاق نار إنساني.

لكن الإمارات لا تظهر أي بوادر للتراجع، فقد ظهرت صور لأسلحة إماراتية المصدر ضمن الحشد العسكري حول بابنوسة.

قوات الدعم السريع مع مدرعات عسكرية بضواحي مدينة بابنوسة في ولاية غرب كردفان.

وبحسب مصادر تشادية وليبية، تعمل الإمارات مع الطرفين على تعزيز خط الإمداد الممتد عبر جنوبي شرق ليبيا وتشاد، بينما أعلن الجيش الوطني الليبي، الخميس الماضي، تشكيل قوة مشتركة مع الجيش التشادي لتأمين الحدود بين البلدين.

الجيش الوطني الليبي والجيش التشادي يعلنان تشكيل قوة مشتركة لتأمين الحدود بين البلدين، 13 نوفمبر. المصدر: @Libya24_7OSINT على اكس

ويقول مصدر أمني قريب من القوة التشادية المشاركة في التشكيل المشترك: «سيتولى الجيش الوطني الليبي إيصال الإمدادات العسكرية إلى الدعم السريع عبر الحدود التشادية. تشكيل القوات المشتركة هو محاولة لتوفير غطاء لهذه العمليات بين الحدود الليبية والتشادية والسودانية. وزيارة ديبي الأخيرة إلى أبو ظبي كانت، وبوضوح، لترتيب هذا الأمر شخصيًا معه».

وشهدت زيارة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي كذلك إعلان أبو ظبي وإنجامينا وعودًا استثمارية بقيمة ستة ملايين دولار.

ديبي يشعر بالقلق من استياء الأوساط الزغاوية في تشاد بسبب استخدام الأراضي التشادية لإيصال الإمدادات لـ«الدعم السريع»، بحسب المصدر، الذي أضاف أن قبائل الزغاوة تمتد عبر الحدود بين تشاد ودارفور، وقاتل كثيرون منهم إلى جانب الجيش السوداني في حصار الفاشر. ويريد ديبي الحفاظ على التماسك الداخلي في بلاده مع السماح في الوقت نفسه للإمارات بإمداد «الدعم السريع».

ويقول مصدر ليبي مقرب من الزادمة، القائد المُبعد للواء 128 معزز التابع لـ«الوطني الليبي»، إن التوترات التي أثارها خط الإمداد دفعت آل حفتر إلى التنسيق مع قبائل التبو التي طالما همشها «الوطني الليبي».

«التنظيم الحالي للقوة المشتركة يبدو أقرب إلى كونه هيكلًا عمليًا يعتمد على قبيلة التبو لتأمين الاستقرار في منطقة لا تستطيع الجيوش النظامية السيطرة عليها بشكل كامل، أكثر من كونه شراكة بين دولتين. إنه مزيج من الجغرافيا والقبيلة والضرورة، وليس إطارًا عسكريًا صرفًا»، يقول المصدر.

ظهر صدام حفتر في صور خلال جولته في جنوب ليبيا الأسبوع الماضي وهو يقف إلى جانب القيادي السلفي وقائد كتيبة «سبل السلام» المشاركة في القوة التشادية المشتركة الجديدة، عبد الرحمن هاشم، وممثلي التبو.

صدام حفتر خلال زيارته للكفرة جنوب شرقي ليبيا، 6 نوفمبر. المصدر: إعلام تابع للجيش الوطني الليبي

***

منذ سقوط الفاشر، يخيم خطر المزيد من التقسيم في السودان على كل التحركات السياسية والعسكرية.

بينما يرى النظام الدولي أن التقسيم الفعلي للسودان الذي أفرزته الحرب يعني أن على الطرفين الجلوس لمناقشة تشارك السلطة والتوصل إلى تسويات، فإن المواقف المتشددة للجانبين قد تشكل عقبة أمام التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.

ما قد يحدث إذا تعذر ذلك لا يزال غير واضح. فهل يمكن أن تنفصل دارفور عن السودان كما فعلت جنوب السودان أم سنشهد منطقة نفوذ مُدارة وغير رسمية بينما تستمر المحادثات السياسية إلى أجل غير معلوم؟

ما هو مؤكد أن «الدعم السريع» تسعى اليوم إلى إعادة صنع ديموغرافيا دارفور، تُضعف المجتمعات المحلية وتغير بالعنف ميزان القوى. فالهجمات على القرى والتهجير القسري يفرغان المناطق من أهلها ويغيران خارطة السيطرة على الأرض، وهي العامل الأهم في تحديد النفوذ والسلطة في دارفور. وبمجرد إخلاء الأرض من سكانها، يمكن الاستيلاء على الموارد الحيوية مثل المزارع والآبار ومسارات الرعي، ما يمنح القوات سيطرة أكبر ويحرم المجتمعات من نفوذها التقليدي.

ولا يقتصر هذا التفكك على السكان فحسب، بل يطال أيضًا البنى الاجتماعية التاريخية مثل الإدارة الأهلية التي كانت تمثل صمام أمان ومؤسسة تفاوض مهمة بين الدولة والمجتمع. وتسمح هذه الظروف نفسها بتزايد حدة الاستقطاب وعمليات التجنيد بين الشباب، سواء بالإكراه أو بالإغراء، لأن حالة عدم الاستقرار تُحدث فراغًا تستغله الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها.

ورغم كل هذه الضغوط، ترى مصادر سياسية من دارفور تحدثوا إلى «مدى مصر» خلال الأيام الماضية أن الروابط الاجتماعية بين دارفور وبقية السودان، والذاكرة الجمعية لشعب دارفور، لن تجعل فرض «الدعم السريع» لنظام اجتماعي جديد مهمة سهلة أو مرجحة، خصوصًا أن «الدعم السريع» لا تقدم بديلًا صالحًا عدا استخدام القوة.

«دارفور لا تحذو حذو جنوب السودان، لأن شعب دارفور ليس لديهم أي نوازع انفصالية على الإطلاق»، يقول وزير الزراعة السابق في دارفور، أنور إسحاق، ويضيف «التوجه الدارفوري توجه قومي، بمعنى أنه ليس هناك أي حديث حتى لو كان همسًا بين المكونات الاجتماعية في دارفور. مواطنو دارفور -بكامل خلفياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والعرقية- ليس لديهم أي حديث أو نوازع نحو الانفصال». 

ويضيف إسحاق أن الانفصال «يقرره الشعب»، وشعب دارفور «شعب وحدوي وساهم مساهمة كبيرة جدًا في هذا السودان، سواء كان على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو على مستوى النضالات التي قدمت في كل ثورات السودان المختلفة، بما في ذلك وجودهم في قوة دفاع السودان والقوات المسلحة السودانية لاحقًا. وبالتالي لأهل دارفور سهم مقدّر وكبير جدًا في كل المؤسسات القومية الموجودة في البلاد».

موكب في نيالا، يناير 2022. المصدر: لجان المقاومة_نيالا على فيسبوك

يؤكد المحامي المتخصص في حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والعامل في قضايا نزاعات الأراضي في دارفور، عبد الباسط الحاج، ما قاله إسحاق، فيقول إنه على عكس جنوب السودان، فإن دارفور «لم تكن ضمن المناطق المقفولة. وقد شاركت قوات دفاع السودان بشكل فعال في استقلال السودان، بداية من المشاركة في الحرب بجانب دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية شريطة منح السودان الاستقلال. وقد كان جزء كبير من هذه القوات من دارفور، وساهموا في تحرير إثيوبيا واسترداد كسلا واحتلال مدينة كرن. لذا، فدارفور لا يمكن فصلها عن السودان بأي شكل من الأشكال».

ويضيف الحاج أنه على الرغم من محاولة «الدعم السريع» تصوير نفسها كممثل لشعب دارفور في مخيلة واقع انفصالي، فهذه القوات تحتل «وضعية شاذة بالنسبة لدارفور، التي كانت تشهد نظام حكم محلي مختلف عن بقية السودان».

«تلعب الإدارات الأهلية التقليدية وملاك الحواكير [الأراضي] الدور الرئيسي في تحديد مصير الإقليم. بالتالي، الدعم السريع لا تستطيع تحديد مصيره في ظل غياب معظم السكان الأصليين عن أراضيهم -منهم من هم في دول الجوار كلاجئين، ومنهم من هو نازح داخل السودان-. ورغم أن الدعم السريع تحاول ترميز مجموعات السكان الأصلية، لكن الحقيقة أنهم لا يمثلون المجتمعات على الأرض»، يقول.

ويرى الحاج أنه في حين أنشأت «الدعم السريع» حكومة موازية مع حركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى جانب جماعات متمردة أخرى، فإنها «ليس لديها مشروع دولة ولا يمكن أن يكون». 

يوضح الحاج إن قوات الدعم السريع «مصممة كمليشيات ذات عماد قبلي عشائري، فضلًا عن أنها لا تملك سوى سمعة سيئة متمثلة في عمليات القتل الجماعي ومهاجمة المدنيين وقتلهم على أساس إثني وتهجير السكان وغيرها من الممارسات التي ظلت تلازمها منذ 20 عامًا إلى الآن»، مضيفًا: «الدعم السريع لا تمتلك الكوادر اللازمة لبناء دولة ولا تمتلك السيطرة الكافية حتى على قواتها لتقديم نموذج إدارة وحكم رشيد. وطوال فترة الحرب، دمرت البنية التحتية القليلة التي كانت تتواجد داخل المدن الكبرى في دارفور، حيث نهبت كل المؤسسات ودمرتها ولم تقم بترميمها بعد السيطرة على المدن».

لكن إن نجحت «الدعم السريع»، حتى وإن كان الأمر غير مرجح، فيرى إسحاق أن تقسيمًا رسميًا للسودان من شأنه أن يشكل سابقة خطيرة لوحدة باقي البلاد.

«إذا انفصلت دارفور كما انفصل الجنوب، سيؤدي ذلك إلى انفصال الشرق، لأن هذه الدعاوى الخبيثة مثل النبتة الشيطانية، مثل السرطان، إذا بدأ، سيستشري في كل هذا الجسد»، يقول، مضيفًا: «نقول للقلة القليلة من دعاة العنصرية، سواء كانوا موجودين في الغرب أو في الشمال أو في الوسط، أن يكفوا عن أذى السودان والسودانيين. لأنهم كمن يشعل النار في بيت جاره، ظنًا بأنه في مأمن منه، لكن النار ستأتي إليه، وستلتهم الأخضر واليابس وتقضي عليه هو نفسه».

تصحيح: تضمنت نسخة سابقة من هذا التقرير صورة تُظهر خالد حفتر إلى جانب ممثلين من قبيلة التبو وقائد من كتيبة «سبل السلام» التُقطت في 11 نوفمبر، مع تعليق وصف الصورة خطأ بأنها تُظهر صدام حفتر. وجرى تعديل الصورة والوصف ليعكسا الزيارة التي أجراها صدام حفتر لممثلي التبو والقائد نفسه في 6 نوفمبر.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن