تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حديث القفلة

حديث القفلة

كتابة: إبراهيم عبد المجيد 11 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام 

يقاوم إبراهيم عبد المجيد بالكتابة قفلة كتابة تحاصره، فلا فكرة قصة أو رواية تخايله، بعد أن كان ذلك يحدث بسهولة عبر اتباع طقوس محددة، لكن هذه الطقوس صارت لا تؤتي بأدب، وطرقه المجربة لا تبدد قفلة الكتابة أو تحرك مشاعر الإبداع، وفي هذا الديتوكس يحاور القفلة ويلاطفها لعله يخدعها ويأتي الأدب.

 #قراءة #دليل 

أخذتني «قفلة الكاتب» حتى قررت الكتابة عنها، ماشيًا وراء وهم عمري الجميل، وهو أن ما أكتب عنه قد يكون علاجًا لروحي. لكن ما الذي أوصلني إلى هذه القفلة اللعينة، ما الذي رفع الأسوار أمامي في طُرق الإبداع ؟ سأبدأ بالحديث عن ذلك، وأؤخر الحديث عن القفلة قليلًا، لعلها تتذكر أني كتبت منذ سنوات طويلة قصة عن شخص يعود إلى بيته آخر النهار، فيجد كل الشوارع مغلقة بالجدران، ويختفي النهار ولا يأتي الليل، ولا يعرف أين هو، فتدرك القفلة أني كتبت بعد هذه القصة الكثير جدًا، فتخجل مني! 

ابتداءً من نوفمبر عام 2021، مررتُ بتجربة صعبة جدًا، وهي رحلة العلاج مما أصاب العمود الفقري لظهري من ورم، كان له تأثيره السلبي على أعصاب وعضلات الساقين والركبتين والقدمين. كل الأعصاب والعضلات للنصف الأسفل من جسدي تعطلت. قبل ذلك أمضيت ثلاثة أعوام في العلاج من خشونة في ركبتيّ كما تصور أكثر من طبيب. استسلمتُ للقدر غير قلق منتظرًا الشلل أو الموت، راضيًا بقدر الله. تناسيت ما أنا فيه، وسبحت فيما هو حياتي الحقيقية، وكتبت رواية «العابرة» ثم «ثلاثية الهروب من الذاكرة» فأنا لا أغادر بيتي إلا نادرًا، ومعي زوجتي أو أحد أبنائي يسندني من ناحية، وأتكئ على العكاز من ناحية. لم نكن نذهب إلي أبعد من مقهى على بُعد أمتار قليلة من البيت. أحيانًا كنت أخرج وحدي التقي بالدكتور شاكر عبد الحميد القاطن في نفس الشارع ونجلس على المقهى. ثم رحل شاكر بسبب الكورونا، وتركني في الدنيا وحدي. كان عجزي عن الحركة الجيدة وحبسة الكورونا، سببين في الكتابة ليلًا أو نهارًا، على غير ما تعودت أن أكتب بعد أن ينتصف الليل. لم أتلق أيّ تطعيمات ضد الكورونا كمَن يريد أن يسبق غيره إلى الرحيل. ولأن شبكة الاتصالات سيئة بحدائق الأهرام حيث أسكن، اعتبرت نفسي رهين ثلاثة محابس هي الكورونا والمرض وانقطاع الإنترنت، على عكس أبي العلاء المعرّي رهين المحبسين، المنزل والعمى. ظللتُ محافظًا على طقوس الكتابة التي مشيت معي عمري كله. نفس غرفة مكتبي التي اشتريتُها منذ أكثر من أربعين سنة. بها نفس الدولابين للكتب لم يتغيّرا، ونفس المكتب والإضاءة البيضاء من المصابيح، ومعها الموسيقى الكلاسيكية تصدح وتحملني أنا الجالس إلى فضاء الإبداع. بعد منتصف الليل أشعر مع الموسيقي والاتساع الذي تحدثه حولي والجميع نيام، أن الله خلقني وحدي الآن لأكتب. صرت في السنوات الثلاث الأخيرة أكتب -كما قلتُ ليلًا ونهارًا حيث هدوء المنطقة حولي، لا تقطعه أصوات سيارات إلا قليلًا، فشارعنا جانبي وليس رئيسيًا. أسمع صوت الكلاب التي تصدح مع ارتفاع صوت الأذان من مسجد بعيد. أبتسم ولا زلت أقول إن الكلاب تتصور أن أحدًا يناديها لا تراه، لكن صوت الأذان يحملني إلى الفضاء فأتمنى الرحلة، وأستغرق في الكتابة أكثر حتى أنتهي قبل أن أرتفع إلى السماء. وبعد «العابرة»، انتهيت من رواية «ثلاثية الهروب من الذاكرة»، وكتبت بعدها رواية أخرى لم أنشرها. أرسلتها للناشر ولم أسأله متى سينشرها. وجدتُ نفسي في فراغ وعدم. قلتُ لقد شاء الله لي البقاء فلأبدأ من جديد رحلة العلاج. كنت توقفت عن كل الأدوية ما عدا أدوية القلب والضغط. توقفت عن كل أدوية العظام وخشونة الركبة، مستسلمًا وسعيدًا كعادتي بما أكتب، ويحملني إلى الفضاء البعيد.

ذهبت إلى مركز علاج طبيعي فاكتشف الطبيب أن ما أعاني منه ليس أمرًا يتعلق بالركبة، لكن بورم في العمود الفقري ظاهر في الأشعة ولم يفكر فيه أحد. 

بدأت رحلة العلاج التي سأختصرها بسرعة، وزاد تصميمي على الحياة. ما دام الله أراد لي الحياة فلن أخذله. ثم أنني فزت بروايتين نُشرتا ورواية لم تُنشر بعد، وكتاب عن الأيام الحلوة بين الأدباء. الحلوة فقط كما أسميته، فهل أريد أكثر من ذلك؟ هذا طمع. 

سأوجز رحلة العلاج كما قلتُ بسرعة. أجريت أشعات كثيرة جدًا على كل مكان في جسمي، وكنت أضحك وأقول إني عائد من هيروشيما أو نجازاكي بعد ضربهما بالقنبلة الذرية. وفقني الله للسفر إلى مستشفى بزيورخ بسويسرا، وأجريت ثلاث عمليات جراحية لاستئصال الورم الذي أظهرت التحاليل أنه حميد. تَتابُع العمليات الجراحية جعلني أبقى هناك ستين يومًا. المهم أني ذهبت وفي روحي حياتي مع الإبداع ، حتى حين قدموا لي في المستشفى استمارة بها شروط وظروف العلاج، كان من بينها سؤال «هل ترغب في الذهاب إلى مكان للموت الرحيم؟» كنت أعرف أنه مكان يذهب إليه اليائسون، ليموتوا بالعقاقير شيئًا فشيئًا، وسويسرا مشهورة به، فكرتُ أن أوافق فأذهب أسبوعًا وأعود أكتب رواية عما رأيت، لكني ابتسمت وقلت لنفسي: ومَن يضمن لك أنك بعد أول ما ستأخذه من دواء ستعرف أين أنت؟ وأجبت على السؤال بلا. هكذا ظل الإبداع يخايلني.

في الأيام الأخيرة بالمستشفى، عاد تضخم البروستاتا يمنع البول. لقد حدث معي ذلك قبل السفر بيومين، فسافرت بعد تركيب قسطرة رُبطت جوار ساقي، وهناك انتهى الاحتقان للبول وحده، لكن احتباس البول عاد مرة أخرى قبل عودتي بأيام، فرُكبت قسطرة بول من جديد ولصُقت بساقي. كان لا بد من عملية استئصال ورم البروستاتا فأجلت ذلك لأفعلها في مصر. المستشفى الذي كنتُ به خاص بالعظام، واستئصال ورم البروستاتا يحتاج إلى مستشفى آخر والرحلة ستطول. ذهبت بعد عودتي بأيام إلى مستشفى لا يقل أهمية وقيمة عن مستشفيات زيوريخ، ولكن هنا في مصر، مستشفى الكلى والمسالك البولية بالمنصورة، أو مستشفى الدكتور محمد غنيم، العالم العظيم والمثقف الكبير الذي رحب بي أعظم ترحيب، وأجريت عملية استئصال ورم البروستاتا بواسطة الدكتور الرائع أحمد الشال. استمرت فترة النقاهة الطويلة ممتدة حتى الآن، وبالطبع تتحسن العضلات والأعصاب بينما انتهت مشاكل البروستاتا.

***

خلال هذا العام المرير، وضح لي أني نسيت كتابة القصة والرواية، التي كانت هي الفن الذي يبني لي قصورًا في الفضاء. كانت الرواية هي مُنقذي من العالم القبيح حولي، وكذلك القصة القصيرة. عام كامل مضى الآن لم أكتب فيه قصة أو رواية. صرت أكتب المقالات حتى أستعيد قدراتي العقلية التي يبدو أني فقدت منها الكثير في رحلة العلاج. أول مظاهر الفقد هو النسيان الذي اشتد بي أكثر من ذي قبل، وأكثر مما هو متوقع لمَن رأى ما رأيت في الدنيا، ولأني فقدت من وزني خلال هذه الرحلة العلاجية بين زيوريخ ومصر حوالي عشرين كيلوجرامًا، خُيِّل لي أن جزءًا من مخي سقط أيضًا، وهو الجزء الذي به الذاكرة. يُقال إن الجزء الأيمن من المخ هو الأفضل في المهام الإبداعية والتعبيرية، فمنه تأتي قدرات الإنسان على التعرّف على الوجوه والتعبير عن المشاعر والموسيقى والألوان والصور والإبداع.  يبدو أنه سقط أيضًا. أصابتني قفلة الكاتب ففقدت الإبداع مع الذاكرة.

صرت أنا المحب طوال حياتي للموسيقى الكلاسيك أنسى أن أسمعها، فكأنها ارتبطت بالكتابة رغم أنها كانت تأتي بها. إذا سمعتُها لا أتعرف عليها إلا إذا بحثت عن اسمها، أنا الذي كنت أسمع الموسيقى الكلاسيك من الراديو بعد أن ينتصف الليل، ولم يكن هناك مذيع تسمعه إلا نادرًا، وتتوالى السيمفونيات والكونشيرتات والسوناتات فأعرفها. أما ما كنت أعرفه أكثر أيضًا فكان الموسيقي التصويرية للأفلام الأجنبية. عشرات الأفلام كنت أسمع الموسيقى التصويرية لها فأعرفها. هذه موسيقى فيلم قصة حب، وهذه «تايتانيك»، «الطيب والشرس والقبيح»، «جسر على نهر كواي»، «زوربا اليوناني»، «حُمى ليلة السبت»، وعشرات المقطوعات من الموسيقى التصويرية لن ينتهي ذكرها. بنفس الطريقة التي أعرف بها موسيقي باخ وفرانز شوبرت وتومازو ألبينوني وخاتشادوريان وموزار وفيفالدي وكورساكوف وبرودين وشوستاكوفيتش وبيتهوفن وشتراوس، ومَن تشاء.

إذا كان هناك شيء أحزنني في النسيان الذي أمسك بي فهو نسيان الموسيقي. الموسيقى الكلاسيكية التي تسللت إلى كل أعمالي تقريبًا حتى خصصتُ لها رواية «أداجيو». لا أعرف هل نسيانها بسبب قفلة الكاتب نفسيًا، أم بسبب ما سقط من المخ إذا كان شيء قد سقط. الناس من حولي ليست هناك مشكلة أن أسألهم مَن هم، والأمر نفسه في العناوين وأسماء الشوارع والميادين والأحياء. لا أخجل أن أسأل عما لا يُمكن نسيانه مثل ميدان التحرير، وهل هو قريب من كوبري قصر النيل مثلًا؟ الأمر نفسه في الأصدقاء. 

 أدركت أن قفلة الأدب قد طالت هذه المرة. أبعدتُ عن روحي فكرة كتابة قصة أو رواية ما دامت هي ابتعدت. أنا راضٍ، بما كتبتُ من روايات، ولم يكن قليلًا، كذلك الأمر في القصة القصيرة. أقول لنفسي ذلك على سبيل التمويه لعلني أخدع هذه القفلة اللعينة. لكنها حتى الآن لا تنخدع. أعرف أنها أصابت كثيرًا من كتَّاب الدنيا -ولا زالت- مثل سكوت فيتزجيرالد، وهيرمان ميلفيل بعد كتابته لرواية «موبي ديك» ولسنوات. وكذلك ستيفان زفايج وجون شتاينبك وستيفن كينج والكاتبة هنري روث وغيرهم كثير. وأن هناك دراسات نفسية لها عند الكتّاب، ودراسات اجتماعية وسياسية قد تكون وراء حدوثها. وأن كاتبًا مثل ستيفان زفايج كتب قصة قصيرة عنها بعنوان Secret Window.

أعرف أنه تقريبًا لم ينجُ منها كاتب، وتناولها الكثيرون في رواياتهم، وربما السينما أيضًا. وتختلف أسبابها من انقطاع الإلهام، أو الانشغال بالسياسة، أو الإحساس بعقم التجربة والفشل، أو ألا تأتي القصة ناضجة ومكتملة، أو أحداث تداهم الكاتب فتبعده عن الإبداع. لكني أعرف أيضًا أن النجاة منها واردة بأفعال كثيرة منها المشي  -أنا لا أمشي، أو أي دواء لحركة الدم  -لهذا أتناول حبوب البلافكس، أو تغيير المكان -غيرته فقط إلى المستشفى وبقيت لي البلكونة، أو الاستماع إلى الموسيقى - للأسف أنسى، أو العودة إلى روتين الكتابة بعد منتصف الليل -للأسف أنام مع منتصف الليل الآن. كان نجيب محفوظ أكثر ذكاء، فلقد كان يكتب في الصباح الباكر بعد أن يستيقظ من النوم. ويمكن هزيمتها بتقضية وقت مع شخص يحرك مشاعرك بقوة -للأسف يحتاج سفرًا وخروجًا، وهنا أتذكر ضاحكًا يوم رأيت فيلم «شكسبير عاشقًا» في أواخر التسعينيات، وكان من بطولة جوزيف فيانس وجوينيث بالترو، وحين داهمت القفلة شيكسبير التقى جنسيًا مع عشيقته في لقاء غير عادي وبعدها عاد يكتب. بعد شهور وبالصدفة كانت صحفية أمريكية هنا وأدارت معي حوارًا لإحدى الصحف الأمريكية -للأسف نسيت الصحيفة والصحفية- جاءت سيرة السينما وما رأيته من أفلام ومن بينها شكسبير عاشقًا، فسألتني هل تفعل مثل شكسبير إذا أصابتك قفلة الكاتب؟ ضحكتُ وقلت نحن في مصر نخرج من قفلة الكاتب بزجاجة بيبسي، وضحكت هي ملء الفضاء. 

 لقد أصابتني القفلة كثيرًا في حياتي، لكن كانت الموسيقى أبرز ما يُخرجني منها، وإذا لم توفق الموسيقي كان السهر في الجريون وستيلا أو الذهاب إلى الغرزة زمان، والذهاب إلى السينما والمعارض الفنية. كل مشي رائع مشيته تجده في كتابي «الأيام الحلوة فقط». كنت أعرف أن ذلك كله سيحرك مشاعر الإبداع ويكون السبب في عودته. كانت هناك قفلة إرادية أو معتادة تبدأ مع شهر يوليو فلم أكن من كتّاب الصيف. تمامًا مثل نجيب محفوظ، لكن كان السبب يتعلق بالنشأة في الإسكندرية حيث الرطوبة عالية في الصيف، ولم تكن عائلتي من القادرين على شراء مكيفات الهواء. الآن رغم وجود التكييف في بيتي إلا أني لا أكتب في الصيف إلا نادرًا. أقصد كتابة القصة والرواية، لا المقالات التي أستطيع أن أكتبها في أيّ مكان، وأكون حريصًا أن أنهيها بسرعة لأنها عما حولي مما أريد نسيانه.

لقد دخل نجيب محفوظ بعد ثورة يوليو 1952 في قفلة إرادية استمرت سبع سنوات. توقف عن كتابة الأدب ليفهم ويرى ماذا سيحدث في الحياة والمجتمع. لكنه كان يكتب سيناريوهات أفلام عن روايات لكتّاب غيره مثل «أنا حرة» و«الطريق المسدود» عن روايات لإحسان عبد القدوس، وهي مهنة كانت زاده ومصدر صبره حتى يفهم إلى أين تتجه البلاد، حتى عاد عام 1959 بروايته الفلسفية «أولاد حارتنا». كانت القفلة إرادية كما قلتُ ولم يبتعد فيها عن الفن. لقد ساعده أن ذلك كان زمن مجد السينما. 

في ثلاثة أعوام الحبسة الأخيرة، كتبتُ في الصيف وساعدني التكييف، لكن ما ساعدني أكثر هو رغبتي أن أسبق الرحيل إلي السماء، بكتابة ما يتمدد في روحي من شجن، جاءت منه «العابرة» وثلاثية «الهروب من الذاكرة». ضاع الزمن الذي كنت أكتب فيه على مهل قائلًا لنفسي ماذا سيحدث إذا مت ولم تكمل الرواية، هل سيتوقف العالم؟ حاصرني زمن يقول لي «أسرع قبل أن تفارقني»، وتركتُ نفسي انصاع له. الزمن الآن لا يقول لي شيئًا وأصابتني قفلة الكاتب، رغم أن عامًا مرّ.

***

تأخذني الذكريات لليال كنت أكتب فيها وأرى ما أكتبه أمامي. أبكي مع الشخصيات وأضحك. أشرب قهوتي وأضع الفنجان جوار الكرّاس الذي أكتب فيه، أو اللابتوب فيما بعد، لعل شخصية من الرواية تمد يدها وتشرب معي. إذا كتبت عن طيف مرَّ أمامي، وإذا كتبت عن شرطي أخرج لي سلاحه، وإذا كتبت عن امرأة قبعت تنظر لي في ركن من الغرفة. يوم كنت أكتب مشهدًا فيه هدهد يطير بين قضبان السكة الحديد، وجدت أني نسيت ألوان الهدهد. تركت عدة سطور خالية لأعرف ألوان الهدهد فيما بعد، ومع أول نسمة في الفجر خرجت إلى البلكونة، فوجدت هدهدًا على سورها. تراجعت بهدوء وأحضرتُ كرّاسًا رسمتُه فيه، وطار كأنه كان ينتظر أن انتهي. ويوم كتبت مشهدًا في رواية «بيت الياسمين» فيه البطل يعيش في حي الدخيلة بالإسكندرية في عمارة خالية يغلق بابها الخارجي بجنزير وقفل، إلا أنه سمع جرس الباب يدق عند الفجر. فتح الباب مندهشًا متسائلًا في نفسه مَن سيأتي الآن ويفتح باب العمارة الخارجي. كانت العمارة التي أسكن بها وقتها بأرض الجمعية في إمبابة، خالية إلا من ساكنين، وكنّا نغلق بابها الخارجي. انتهيت من المشهد العجيب في الرواية عند الفجر، وخرجت أتمشى في الصالة لأجد جرس الباب يدق، وتساءلت مَن فتح الباب الخارجي الآن. فتحت باب الشقة لأجد البوليس جاء ليقبض عليّ. كان ذلك عام 1985 وكانت التهمة المُعتادة لا تزال الانتماء إلى حركة شيوعية. لكني كنت تركت الحزب الشيوعي المصري منذ عام 1978. وفي طريقي إلي سجن القناطر مع الضابط سألني، حين رأيتك بعد أن فتحت الباب ضخمًا طويلًا تصورت أنك ستهجم علينا، لكنك قابلتنا برقة ولم تسألنا حتى عن إذن النيابة. قلتُ له كنت انتهيت من كتابة المشهد في رواية جديدة، وتصورت أنكم شخصيات في الرواية، وضحكنا.

كل ما كنت أكتبه كنت أراه أمامي ولا أدرك أنه وَهْمٌ والحمد لله على قلة الحقائق! حتى إحساس الشخصيات بالجوع والعطش كان يداهمني. صرت أحيانًا أنتبه إلي ما أكتب، وأشعر بالخوف أن يتحقق، ثم ابتسم وأقول لنفسي، ما دمت أدركت ذلك الخوف وأنت تكتب، فلن يحدث.. الآن أكتب عن القفلة وظروفها منتبهًا لها، لعلها تمضي في الفضاء مبتعدة عني.

أيتها القفلة الغادرة، لا تقولي إني أخدعك وتظلي في حصارك لي.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن