تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حبكة كيف

حبكة كيف

كتابة: عمر شرارة 5 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

في هذا الديتوكس يبني عمر شرارة، عبر مواقف قد تبدو في غاية العادية، سردية تزيح وتخلخل علاقة الأب/الابن، ليتحوّل ما يُعتبر من ثوابت التربية إلى لعبة. وما يُحْبِك إحكام هذه اللعبة ارتباطها بالكيف، ولنرى كيف يكون اللعب كيفًا.

#دليل #لعب

لديه قدرة ويقظة شديدتان في رصد كل شيء. كل حركاتي، وكلماتي، ونظراتي في مساحة لا تتجاوز السبعين مترًا مربعًا، حتى صمتي، إذا صمتُ؛ يتابع ويفكّك ويحلل بعينين لا تغفلان، ولا تسرحان أبدًا. لفترة طويلة ظننت أنه يدوّنها في كراسة، حتى لا ينسى. فأهرب خوفًا أن يراني. أظل في ظل الظلام؛ بأمان. هكذا دواليك، نظل نحن الاثنان نلعب تلك اللعبة. أحدنا يُدعى توم والآخر جيري.

أترقب لحظة شرود فكره كثيرًا؛ كي أفعل فعلتي. دون أن تخور مقاومتي، عزائمي، أو أخشى سوء العاقبة. كما أنني نجحت عصرًا -فيما كنت أصبو إليه- بينما كان يأخذ قيلولته اليومية. فهو، رغمًا عن الذكاء المتقد والبديهة السريعة؛ تخفى عليه هذه الاستراتيجيات، التكتيكات، والتقنيات السيكولوجية التي أتبعها معه؛ للإفلات منه. ورث هذه الصفات -على حد تعبيره- عن أبيه الذي هو جدي، رحمه الله؛ وسلمها إليّ فسيولوجيًا.

***

كل صباح لدواع إعداد وتهيئة الجُمجُمة؛ استغلَّ غَفْلَتَه وأعدُّ قهوة من برطمان بنه، ثم أشربها في فنجانه. فلا يعلم أبي شيئًا؛ وأرجو ألا يعلم. في ظنّه، أن ما أعددته أمامه هو الفنجان الأول؛ فإذا نمى إلى علمه أنه الثاني سيفشخني في أفكاري شرّ فشخة!

ما لا يعلمه أيضًا؛ أنني في جولة التمشية ظهرًا أو مساءً -أو حسب الكِّيف- سأطلب الفنجان الثالث مع بعض الأصدقاء في المقهى. تدور لعبة بيني وبينه، باتفاق صامت غير معلن، بسبب ثنائية قهوته الخاصة. نجتمع، يوميًّا، في سجال وجدال ونقاش تبدأ شرارته من أن الإفراط في شرب القهوة كان سببًا أصيلًا في أضرار خطيرة لكثيرين من قبل، مثل اضطرابات الجهاز الهضمي في المستقبل القريب أو البعيد، «مستشفى وقصة كبيرة؛ إحنا مش قدها، وفي غنى عنها». لكنني، لا أعتقد، أن هذه هي رأس الأفعى. فالقصة أكبر، بل أعمق من هذا كله.. هكذا تحدِّثني نفسي دائمًا. 

***

الخطأ كان خطؤه من البداية، في تلك السهرة القديمة البعيدة؛ كان جالسًا في كرسيّه الأثير بجانب الشرفة. يلعب السودوكو في جريدة «الأخبار»، ويدخن بنهم وشراهة. انسلَ وقتها من مكمنه إلى المطبخ -غير عابئ لأمري وأنظاري- لتلقيم الكنكة حتى يصفو ذهنه لتراتبيّة المعطيات والفراغات من 1 إلى 9 المعقدة على الرقعة. وفي آخر ذيله كنتُ أقف.

أتساءل بلغة بها ما بها من البراءة والخبث معًا: أنت حتشرب قهوة يا بابا؟

وجاءني صوته بإيجاز، بعد أن كررت سؤالي؛ وكأنه لم يشعر بوجودي في خضم تزاحم الأرقام في عقله: آه 

فقلتُ له برجاء: نفسي أشرب شوية معاك

وافق يومذاك على مضض، بعد إلحاح وزن كبيرين مني. خطؤه الساذج البريء هذا؛ أسعدني سعادة لا تُوصف، وروّق مزاجي إلى أقصى حد، ونفخ روح الخيال في روحي وذهني سواء بسواء، وعرفني على مساحات جديدة رحبة وشاسعة؛ وأنا ما زلت صبيًّا صغيرًا.

*** 

علمني أبي، منذ زمن بعيد، كيف أُعد فنجان قهوة تركي يظل الوش حاضرًا فيه حتى آخر رشفة، طريقة التحضير عادية جدًّا: ملعقة ونصف ملعقة من البرطمان الذي يتخلّل ثناياه الهيل والقرنفل المطحون. فهما أساس التحويجة، ولهما مذاقٌ استثنائي فذّ. ولا أنسى المياه الساقعة والنار في «عين البوتاجاز» على أقل مستوى؛ فلو المياه ساخنة أو الشعلة عالية «تفور الكنكة». أبعد الأخيرة عن النار برهة. أدع لها متنفسًا. أتركها مرّةً أخرى فوق الفوهة. الوش هو الجزء الذي ينضج بشويش بشويش، دون وصوله إلى درجة الغليان أو الفوران.

***

يبدو حل المفارقة سهلًا من الجانب الجدلي المنطقي. إلا أن عبثية الاعتيادي في يوميّات القط والفأر تستهويني جدًا، كالسودوكو بالنسبة إليه. ربما لتفادي الإشكاليات بيننا، حقنًا لكل أحاديثنا عن الاستقلال الاقتصادي، التي لا أرغب في خوض شبر فيها بالضرورة؛ كان ممكنًا أن أشتري فنجانًا خاصًا بي، ورُبعين بُن محوج مخصوص فاتح -كالذي يشتريه من «مخازن بن وردة اليمن» في باب اللوق- وتنتهِ المأساة المزاجية الحزينة. لكن لغلاء وجودة هذه البُناية عن أي حباية أخرى، لا أجازف بما أقل منها طعمًا ورائحةً. فشطب عن عقلي ووجداني كل الحلول الديمقراطية، في هذا الشأن بالأخص؛ وكلّما جاءتني هذه الخواطر الأخيرة أدفعها بعيدًا عنّي، مشمئزًا منها. لتظل المعركة مستمرّة إلى ما لا نهاية.

***

سألتُ أبي يومًا سؤالًا، ويشهد الله على سوء نيّتي بهذا السؤال اللئيم. كان جالسًا يقرأ رواية، ففاجأته في ظل غوصه في صفحاتها عن عنوانها وكاتبها، فأخبرني أنها «أميرة قرطبة» لعبد الحميد جودة السحّار، ورشحها لي. لكنّ لحظة الصمت لم تستمر طويلًا، إذ باغته بكل ما تعلمته في الحياة من حيلة، عن سعر ألف جرام من البُن الفاتح المخصوص؟ مخاطبًا إياه بـ «رايق» بعد حرف النداء «يَا». استغرق ثواني صامتًا، كأنه يكظم غيظه، ويلجم أعصابه، حتى لا ينهرني، أو ما هو أسوأ، ثم رد عليّ بتأفف. بيد أن إجابته في ذاتها؛ لم تكن ثمرة بحثي! وأضاف، منبِّهًا من أعلى نظارته -عندما كنتُ أهيئ نفسي مغادرًا الغرفة، خاسرًا رهانًا راهنت عليه في أعماقي- ألا اقترب من البرطمان والفنجان، مؤكِّدًا أنه سيُعد القهوة حالًا، مشدِّدًا ألا أقربهما للأبد. فارتسمت على صفحة وجهي ابتسامة الفائز المنتصر؛ فهذا ما فكّرت فيه وخمّنت حدوثه.. أيها السادة: لعبتنا تأكدت، كلانا يناوش الآخر بآلية لم تتغير، ولن تتغير. 

ربما، من واقع معايشتي له؛ تخبرني ذاتي أنه يحب هذه اللعبة، كما أحبُّها أنا. حتى وإن تحرّج من مصارحتي.

***

كي أكتشف ما يضمره صدره، وأعرف رؤيته الحقيقية؛ قرّرتُ أن أعرض عليه قراءة مسودة هذا الديتوكس -أي السطور السابقة، ولم أكن كتبتُ هذا الجزء بعد- قبل نشره. بدأت انفعالاته بضحكة مجلجلة، تلاها نظرة خاطفة محدِّقًا فيّ، ونطق كلمة سريعة كالهمس لم أسمعها، ثم أسند يده اليمنَى إلى ذقنه.

ثم ألقَى جملة واحدة: أنت الروايات واكله دماغك، مش أكتر

ازدادت أكثر من ذي قبل ثقتي بأنّ لعبة القط والفأر التي أحيّاها حقيقة بلا ريب، وليست من أوهام الخيال. وأشعر أن شيئًا مفقودًا، في رتم واقعنا، إذا لم يلق منافسي بإحدى كلماته -بين حين وآخر- حيال لعبتنا.

وما أفتقده حقًّا -الآن- هو فنجان آخر؛ لذا سأذهب لإعداده/ لأنكشه. 

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن