تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
جواهر السينما المصرية: فيلم “أرض الأحلام”

جواهر السينما المصرية: فيلم “أرض الأحلام”

كتابة: أماني علي شوقي 4 دقيقة قراءة

عمارات الشركة هي أحد معالم مصر الجديدة الخالدة، هذه المباني وقصر العروبة الشامخ هو كل ما تبقى من إرث البارون النرويجى إمبان وشركة مصر الجديدة للإنشاء التي أسسها في مطلع القرن الماضي.

نرجس ريحان، بطلة فيلم أرض الأحلام، من إخراج داوود عبد السيد، هي أحد سكان عمارات الشركة. امرأة في منتصف العمر، تعشق لبس الباروكات، تنتمى للطبقة المتوسطة، هاجر ابنها الأكبر إلى أرض الأحلام، وأصبح الحلم الأمريكي في متناول يدها هي وباقي أولاده الذين ضاق بهم العيش في مصر. بالرغم من الإغراءات، نرجس تخشى التغيير وترفض في داخلها السفر.

قبل ميعاد السفر بـ ٢٤ ساعة تفقد نرجس باسبورها وتذكرة الطيران. خوفاً من تضييع حلم أولادها في السفر، تبدأ نرجس، التي لعبت دورها الفنانة فاتن حمامة عن عمر يناهز الثلاثة والستون عاما، رحلتها العبثية حول القاهرة بحثاً عن حلم زائف.

منذ أول لقطة في الفيلم يتضح للمشاهد كم هي خاوية ومملة حياة نرجس، فهي سائقة سيئة وتعاني من لدغة شديدة وذوق مرعب في اللبس وحب غريب المودة للباروكات التي انتهت مع انتهاء السبعينيات، تستمع إلى شريط لتعليم الإنجليزية استعدادا لسفر. في آخر لقاء مع أصدقائها تعترف نرجس أن حلم حياتها أن تسهر حتى الصباح وهو حلم لم تستطع تحقيقه. بعد لحظة وداع حزينة لأمها عفيفة، أمينة رزق، يتضح للمشاهد أن نرجس إنسانة لم تعرف السعادة من قبل.

الصدفة تضع رؤوف حبشي، يحيى الفخراني، في طريقها، هو ساحر سكير وحيد يقضي معظم وقته في بار شنتيي في قلب الكربة. وتقضي نرجس باقي يومها الغريب في مطاردة هذا الغريب السكير بحثا عن أمل في إيجاد الباسبور الضائع.

في هذا الدور، استطاعت فاتن حمامة تجسيد شخصية السيدة غريبة الأطوار ببراعة شديدة، بالظروف التى تعيشها نرجس يوم رأس السنة حركت داخلها مشاعر عديدة متتضاربة مثل الخوف، والسعادة، البهجة، القلق والهستريا، وهي صورة استطاعت حمامة رسمها ببراعة. كمشاهد تعيش اللحظة مع البطلة وتشعر بحزنها وقلقها وهي تبحث بيأس عن حلم ليس حلمها، وتذكرة لبداية حياة تكرهها وتخافها. خلال هذه الأحداث الغريبة والمتداخله، تعيش نرجس حلمها وتسهر حتى الصباح.

دائما ما يتمتع أبطال داوود عبد السيد بشئ غريب يميزهم عن مجتمعهم، فغالبا ما يعانون من نقص ما مثل اللدغة الغريبة في حالة نرجس أو ثأثأة واضحة في حالة يحيى بطل فيلم رسائل البحر لعام ٢٠١٠ أو الشيخ حسني الأعمى بطل فيلم الكيت كات. فهم يعانون نتيجة ذلك، ولكن هذه المعاناة تجعلهم مميزين. فبالرغم من صعوبة تواصلهم مع من حولهم إلا أنهم مرطبتين أشد الارتباط بجذورهم ومكان نشأتهم أيا كان، مصر الجديدة، الكيت كات أو المنشية. ولهذا أغلب أفلام عبد السيد هي المكان وعلاقة الإنسان بالمكان، فأبطال عبد السيد أغلبهم يعانون من الوحدة ولكن يستأنسون بالمكان، وهذا ما يمييزهم.

داوود عبد السيد هو ملك التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة أبطاله، الباروكة، بنس الشعر، اللدغة، الملابس الديموديه، بالرغم من خبرة حمامة وسنين التمثيل الطولية، إلا أنها قلما اقتربت من هذا النوع من الشخصيات الغريبة. سنوات خبرة حمامة وأسلوب الواقعية الجديدة لعبد السيد يجعلان الفيلم استثنائيا، كومبو غير اعتيادى ومدهش.

هذا الثنائي المثالي يدعمه سيناريو رائع لهاني فوزي، مخرج فيلم أسرار عائلية، والذي وضع بكل حرفة تفاصيل رحلة البحث عن الباسبور أو الحلم الضائع وسط مخموري ليلة رأس السنة، في شوارع مصر الجديدة الممطرة بين الكباريهات، الفنادق، أقسام الشرطة والمستشفيات هذا بالإضافة إلى اجتماع غريب الأطوار لمجموعة من السحرة والمشعوذين في قلب الصحراء.

شئ آخر نجح فوزي وعبد السيد في رسمه وهو رسم ملامح مصر الجديدة بصدق ووضوح، فهي منطقة الأغنياء في الماضي والتي أصبحت ملاذ للطبقة البرجوازية في الحاضر أو ما تبقى منها، ببيوتها العتقية وكنائسها الشهيرة وبداية جيل شباب أقرب للفكر الغربي عن العربي، هذا يظهر بوضوح في شلل الشباب المخمور الذى تلاقيه نرجس أثناء رحلتها الليلية بحثا عن حلم.

هذه الجوهرة السينمائية كانت ضمن قائمة الأفلام المرشحة للأوسكار لأحسن فيلم أجنبي إلا أنه لم يحالفه الحظ، الفيلم هو الأخير في حياة أمينة رزق وفاتن حمامه السينمائية، والتي ختمت به أكثر من ٦٠ عاما من الأعمال السينمائية.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن