جواهر السينما المصرية: أرض النفاق
فى عام 1949 كتب الروائى الكبير يوسف السباعى "أرض النفاق"، وهى رواية تصف التدهور الأخلاقى فى المجتمع المصرى وأهداها لنفسه. بعد مرور 19 عاما، قام المخرج السينمائي فطين عبدالوهاب بتحويل هذا العمل الأدبى إلى فيلم بطولة ثنائي كوميديا الستينيات، فؤاد المهندس وزوجته الجميلة شويكار.
الفيلم حمل نفس عنوان الرواية، ورسم نفس الخطوط السوداء لمجتمع يغرق فى الرذيلة والنفاق، البطل هو مسعود أبو السعد (فؤاد المهندس)، موظف صغير فى مصلحة حكومية، ضعيف ومنقاد يعانى من سوء معاملة مديره عويجة بيه (حسن مصطفى) وزوجته المتسلطة إلهام (شويكار).
"الكل عايز نفاق، الدنيا بقت صعبة"، يقولها العجوز صاحب محل الأخلاق الذى يكتشفه مسعود بالصدفة فى قلب الصحراء، بعد أن يسأله مسعود عن أكثر ما يُطلب منه، يشترى مسعود حبة شجاعة ويتحول بعد أخذها إلى جرىء وجسور لمدة ثلاثة أيام، ولكن بعد أن يزول مفعول الحبة عن مسعود الغلبان يجد نفسه فى مشاكل جمة.
يعود مسعود لمتجر الأخلاق ويشتكى حاله لصاحبه العجوز قائلا: "المدير عايز يرفدنى ومراتى عايزة تطلقنى ولأول مرة فى حياتى دخلت قسم البوليس". ينجح أخيرًا فى اقتناص بعض حبات النفاق، لإصلاح ما أفسدته حالة الشجاعة المفاجئة التى كادت تدمر حياته. بإكسابه صفة النفاق، ينجح مسعود فى نسج شبكة محكمة من النفاق يساعده فى ابقائها قائمة زوجته إلهام وعشيقته سوسو (تؤدى دورها الفنانة سميحة أيوب). بسرعة مهولة يتسلق بطلنا السلم الوظيفى والإجتماعى ومن ترقية إلى الأخرى تتغير حياته حتى يصل إلى عالم السياسة ويرشح نفسه لعضوية البرلمان.
لكن فى النهاية تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، ويتناول مسعود من غير قصد حبة صراحة تهدم فى لحظات كل ما بناه.
كل من الكتاب والفيلم يتصادف مع أحداث اجتماعية وسياسية هامة فى العالم العربى. أصدر السباعى قصته بعد عام واحد من الاحتلال الصهيونى لفلسطين وإعلان قيام دولة اسرائيل، عام 1948 والمعروف بـ"عام النكبة" حينما تم تهجير اأكثر من نصف مليون فلسطينى من ديارهم إلى مخيمات اللاجئين. أما الفيلم فقد صدر بعد عام من نكسة 1967 أو حرب الأيام الستة التى احتلت اسرائيل فيها شبه جزيرة سيناء، غزة والضفة الغربية، والجولان.
هل تؤكد هاتان المصادفتان الرأى الذى يعتبر أن أرض النفاق هى العالم العربي بما يحمله من سلبيات ونفاق، والجامعة العربية التى احترفت الكلام لا الأفعال؟
بخلاف الاسقاط السياسى، يتفنن السباعى فى رصد الواقع المجتمعى، فيرسم صورة دقيقة للمجتمع التقى الجيد على السطح، المختل والمتعفن من الداخل، فى منتصف الستينيات التى كانت فترة اضطرابات داخل المجتمع المصرى حيث كان فى مرحلة انتقالية بين البرجوازية فى ظل الملكية واشتراكية عبدالناصر، والتى اهتمت ظاهريا بالطبقات المهمشة ولكنها فضلت الضباط الأحرار وحاشيتهم سرا.
يتناول الفيلم أيضًا البيروقراطية والفساد فى مجتمعنا، حيث يستغل الكبار مناصبهم ومرؤوسيهم عن طريق روتين قاتل. عويجة بيه، رئيس مسعود فى العمل، يعطيه ملف من الأوراق استلزم أكثر من 400 ساعة عمل حول شنكل ناقص فى أحد مكاتب المصلحة. الملف غالبًا هو تستر على أموال الدولة التى اختلسها المدير أثناء رحلة بحث عقيمة عن شنكل بـ 44 مليم.
نهج المخرج فطين عبد الوهاب الكوميدى فى الفيلم لا يجرد قصة السباعى من محتواها بل يضفى عليها لمحة شيقة. وآداء المهندس العبقرى يبلور كوميديا عبدالوهاب.. جسده، وقفته، ونظرته المنكسرة التعيسة كلها صفات يتسم بها مسعود فى أول الفيلم، بعد جرعة النفاق السحرية، يتحول البطل إلى شخص واثق من نفسه، يقف بفخر وتتبدل نظرة الإنكسار فى عينه إلى نظرة دهاء وابتسامة كاذبة. يستغل مواهبه الجديدة فى صنع شبكة نفاق.. هو الآن شرير وسعيد. ولكن لسوء الحظ يتناول مسعود حبة صراحة عن طريق الخطأ وفى نوبة شهامة غير مسبوقة يسخر من مدعوى حفلته الماجنة ويصفهم بالنفاق، الفجر، والكذب. يقف عاليًا وينظر لهم باحتقار وكره شديدين.
فطين عبدالوهاب (1913-1972) كان مخرج ذو موهبة خصبة أثمرت عن أعمال كثيرة تناولت عادات وصفات اجتماعية بطريقة كوميدية. ففى الخمسينيات أخرج عبدالوهاب معظم أفلام اسماعيل يس ومن ضمنها فيلم "الآنسة حنفى" الذى يتناول قصة شاب متسلط يجرى عملية ليلة زفافة يتحول بعدها إلى أنثى، ليعانى من عادات مجتمعية عقيمة فرضها المجتمع على المرأة وكان هو أول المؤمنين بها. فى الستينيات بدأ عبدالوهاب فى تناول مواضيع مثل عمل المرأة وتعدد الزوجات ونظرة الرجل الشرقى للمرأة عامة أو لزوجته على وجه الخصوص، مثل فيلم "الزوجة الـ 13" وفيلم "مراتى مدير عام" الذى تم إنتاجه سنة 1966.
فى عام 1966، تم تعيين السباعى وزيرا للثقافة أثناء حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وبقى فى هذا المنصب حتى اغتياله فى عام 1978 على يد مجموعة فلسطينية، يبدو أنها رأت أن موقف السباعى الموالى للسلام مع إسرائيل به قليل من النفاق.
أرض النفاق يعتبر جوهرة سينمائية لما به من اسقاطات سياسية وثيقة الصلة بوقتنا هذا.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن