تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ثلاثية طارق صالح: القاهرة بعيون سويدية

ثلاثية طارق صالح: القاهرة بعيون سويدية

كتابة: أحمد رحال 7 دقيقة قراءة

«بلاك ميرور» الحلقة الثالثة، الموسم السابع، حلقة بعنوان «هوتيل ريفيري»، تدور حول صناع أفلام يحاولون إحياء فيلم من الأربعينيات عن محاولة قتل في فندق بالقاهرة، في أجواء من التشويق الساحر. هكذا صورت القاهرة من قبل السينما والدراما العالمية: مدينة التشويق والسحر، سواء أفلام جريمة مثل «ديث أون ذا نايل» بنسختيه (1978) و(2022)، أو أفلام جاسوسية مثل «سوبر سيفين كولينج كايرو» (1960)، أو جيمس بوند بنفسه في فيلم «ذا سباي هو لافد مي» (1977)، أو أفلام أكشن تصور بجانب الأهرامات مثل «فانتستك فور» (2007) و«جامبر» (2008). وحتى الأفلام التي خرجت من هذه الإطارات، مثل «كايرو تايم» (2009)، وكان حول قصة حب بين صحفية وشاب مصري، لم تتجاوز النظرة الاستشراقية للقاهرة، والغرق في مشاهد خان الخليلي ونهر النيل المبتذلة.

من فيلم «حادثة النيل هيلتون»

طارق صالح، مخرج سويدي من أصول مصرية، قرر صناعة ثلاثية عن القاهرة في الألفية الجديدة: «حادثة النيل هيلتون» (2017) الفائز بجائزة بلجنة التحكيم في مهرجان صاندانس، والثاني فيلم «ولد من الجنة» أو «مؤامرة القاهرة» (2022)، وحصل على أفضل سيناريو في مهرجان كان، وأخيرًا «نسور الجمهورية» «2025» الذي حاز عرضًا عالميًا أول في مهرجان كان ورشح للسعفة الذهبية.

 «حادثة النيل هيلتون»

من فيلم «حادثة النيل هيلتون»

الفيلم الوحيد من الثلاثية الموجود في قائمة أفلام صالح على موقع السينما دوت كوم، قبل أن يتم كنسلته من قبل النظام المصري. الفيلم في ظاهره فيلم جريمة تشويقي عن حادث قتل في فندق النيل هيلتون. وقتها، لم يكن قد اتضح بعد مشروع صالح ذو الطابع السياسي، الملخص في خوض كل فيلم في دهاليز جهاز من أجهزة ومؤسسات الدولة المصرية. وفي فيلمه الأول هذا، كان الجهاز هو الشرطة، قبل أيام من ثورة يناير «2011». الشخصية الرئيسية في الفيلم الرائد نور الدين مصطفى، وأدى دوره الممثل السويدي من أصل لبناني، فارس فارس، هو ضابط مباحث فاسد ومرتشٍ، يدخن الحشيش ويشرب الكحول، ولكن يؤدي فروض الصلاة.

الفيلم، بمنتهى الوضوح، يحاكي حادثة مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم على يد ضابط أمن الدولة محسن السكري بعد تورطها في علاقة مع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، لكن مع بعض التغيرات الدرامية اللازمة لتناسب رؤية المخرج وصورته عن القاهرة. فالحادث الحقيقي، على سبيل المثال، وقع في دبي، لكن صالح لم يكن يريد الخروج من أجواء القاهرة، فكان الحادث والمحرك الرئيسي للأحداث في فندق النيل هيلتون بوسط القاهرة. مع أن الفيلم صور في المغرب، لكنه الأقرب من الثلاثية لروح القاهرة ووسط البلد.

ورغم براعة صالح في محاكاة أجواء المدينة وبعض اللمحات الذكية، مثل حديث الضابط نور مع سائق التاكسي عن خالد سعيد، أيقونة الثورة المصرية، وكيف يغير السائق موقفه من أنه يفكر في نزول المظاهرات ضد «ولاد الوسخة» إلى موقف معاد تمامًا للثورة عند معرفته أن نور ضابط، ووصف الإسكندرانية -أهل مدينة خالد سعيد- بأنهم «ولاد أحبة أفلامجية»، ولكن تلك اللمحات الذكية تخفت كثيرًا وراء لكنة فارس غير المصرية، والمبالغة في إظهار الفساد بشكل غير واقعي، حتى لفترة ما قبل الثورة.

في أفلام ما قبل الثورة مثلًا، كنا نشاهد تصويرًا دقيقًا لطبيعة أدوار كل من الضباط والمخبرين والأمناء، كما في «مواطن ومخبر وحرامي» لداود عبد السيد، أو«هي فوضى» ليوسف شاهين، لكن الخلط بين شخصيات كل من أمين الشرطة والضابط وطبيعة احتكاكهما بالمواطنين، والمبالغات في إظهار الفساد بطرق سينمائية تشويقية أكثر منها واقعية، أفسدت خلطة صالح، مع تخمة الفيلم بالجمل الحوارية المباشرة الركيكة، التي أدت بالضبط إلى خلاف ما أرادته من تأثير، لأنها خففت من الواقعية، لصالح التشويق. 

«ولد من الجنة»/«مؤامرة القاهرة»

من فيلم «ولد من الجنة»

مؤسسة الأزهر كانت اختيار صالح لفيلمه الثاني، الذي عُرض بعنوانين «ولد من الجنة» و«مؤامرة القاهرة». الحدث الرئيسي هو حادثة قتل لطالب أزهري داخل الحرم الجامعي، وفي فترة حساسة للغاية بعد وفاة شيخ الأزهر ومرحلة اختيار شيخ جديد. يرصد الفيلم تيارين داخل الجامعة: تيار أصولي متعاطف مع الإخوان يمثله الشيخ الدوراني «جلال الطويل-ممثل سوري»، وتيار فاسد مدعوم من النظام يمثله الشيخ الببلاوي «رمزي شقير-ممثل سوري»، والصراع داخل الأزهر بين التيارين، من أول طرق تلاوة القرآن حتى الصراع على المشيخة. وهناك تيار ثالث معتدل لا حول له ولا قوة، يمثله الشيخ نجم «مكرم خوري-ممثل فلسطيني».

رغم تصوير الفيلم في تركيا وتلصيمه بمشاهد من شوارع القاهرة، فإنه بعيد تمامًا عن أجواء المدينة بالنسبة لأي شخص عاش فيها أو مر عليها. وما زاد الوضع سوءًا هو طريقة نطق الممثلين للكنة المصرية، وأولهم بطل الفيلم، الممثل الفلسطيني توفيق برهوم، كطالب أزهري وصياد من المنزلة، ومعنا من الفيلم الأول الممثل فارس فارس، الذي يؤدي دور ضابط أمن دولة بوهيمي، مديره أصغر منه بسبب عدم اكتراثه وعشوائيته.

ولكن رغم ذلك، يحسب للفيلم أنه الأكثر تماسكًا من حيث الحبكة الدرامية والإيقاع في الأفلام الثلاثة، حيث أجواء الصراع على مشيخة الأزهر، وتجنيد الطلاب لصالح أمن الدولة، والمؤامرات من كل الأطراف، أضفت جانبًا مشوقًا ومسليًا للفيلم. لكنه، كما الفيلم الأول، لم يخل من خطاب سياسي مباشر حد السذاجة، مثل مشهد اجتماع قيادات من الجيش والداخلية، يترأسهم اللواء السكران، ويبلغهم بأداء كاريكاتوري، وهو يشير إلى صورة الرئيس التي تزين حائط غرفة الاجتماع: «ما ينفعش حد يقعد على الكرسي مدى الحياة غير رئيس الجمهورية، ما ينفعش البلد يبقى فيها فرعونين!».

 «نسور الجمهورية»

بوستر فيلم «نسور الجمهورية»

الساعة الثالثة عصرًا من الاثنين يوم 19 مايو 2025، كنت أجلس لأول مرة في قاعة لوميير بمدينة كان في انتظار عرض فيلم «نسور الجمهورية». كان الوضع كالحلم، من الممكن لأنها المرة الأولى في مهرجان كان أشاهد فيلمًا في قاعته الرئيسية، أو أنني لم أنم سوى ساعتين بسبب احتفال الليلة السابقة. لكن ما أضاف للأجواء سحرًا، صوت وردة بأغنية «حرمت أحبك ما تحبنيش» التي كانت ترج القاعة وقت دخول فريق العمل للسجادة الحمراء.

كنت أملك تذكرة مميزة في الصفوف وراء فريق العمل، لكنني اخترت الجلوس في الصفوف العلوية، بعيدًا عن عدسات المصورين، خاصة بعد مشاهدة إعلان الفيلم ومعرفتي الجيدة بفيلمي صالح السابقين. لذلك، جلست في بلكون قاعة لوميير أشاهد «نسور الجمهورية».

من عنوان الفيلم، فهو بشكل مباشر يستهدف مؤسسة الجيش. الفيلم عن ممثل مصري «جورج فهمي»، يؤدي دوره الممثل المفضل لصالح، فارس فارس، ليس له انتماءات سياسية ولكن لا يحب النظام، ويُطلب منه أن يقوم بدور رئيس الجمهورية في عمل فني، ويقبل وهو مرغم على تأدية الدور، رغم فرق الطول بينهما! وينتهي الفيلم بمحاولة اغتيال فاشلة للرئيس من أحد أعضاء المجلس العسكري.

أضعف أفلام السلسلة من كل الجوانب، فالدراما مستوحاة من تجسيد ياسر جلال للرئيس في الجزء الثالث من مسلسل «الاختيار»، وبعض الإشاعات المتداولة عن محاولة اغتيال خطط لها أفراد من الجيش. أما عن إيقاع الفيلم، فهو أقل تشويقًا وحبكة من الفيلمين السابقين، ونفس مشكلة اللكنة المتكررة في الثلاثية، بالإضافة إلى الاستعانة بمجاميع لتمثيل جموع الشعب أو التشكيلات العسكرية، يغلب عليهم الملامح الأوروبية، ما يفقد المصداقية البصرية في أغلب مشاهد الفيلم، رغم توظيفه لممثلين مصرين من الشتات مثل عمرو واكد وهشام عبد الحميد. هذا فضلًا عن الرسالة السياسية الفجة التي يحافظ عليها صالح في كل أفلامه، التي جعلت المشاهدة من أسوأ تجارب المشاهدة، لأنها تجعل الفيلم أقرب لكونه مقالًا زاعقًا وليس فيلمًا سينمائيًا فنيًا. 

القاهرة قلب العالم

في حوار طارق صالح لقناة «فرانس 24» أوضح أن قراره بأن تكون الأفلام ناطقة باللغة العربية حتى تصل للمشاهد المصري. لكن، وكما يبدو من الحوار، فهو غير متمكن من اللغة العربية، فقد خسر المشاهد المصري بسبب مشكلة اللكنة الثقيلة في محاولة الممثلين للتحدث بالعامية المصرية، وإلقاء ألفاظ جعلت المشاهدة مضحكة للمشاهد المصري وفاقدة للمصداقية. 

لكن المشاهد غير المحتك بالثقافة المصرية، سوف يغرق في تفاصيل الأفلام دون أن تفصله كلمة أو لقطة غريبة عن ثقافته المعتادة، وهو ما يفسر مشاركة الأفلام، بل وفوزها في مهرجانات مرموقة مثل مهرجان كان.

عبر صالح في الحوار نفسه عن حبه العميق للقاهرة، وأنها قلب العالم، ويمكنك أن ترى المستقبل من خلالها، وأنها مدينة قاهرة تنتهي عندها الأحلام. يبدو من كلام صالح أنه يعبر بالكلام بشكل أعمق من الصورة، لأن رغم تمكنه من أدواته كمخرج، ظل ينقصه التعبير عن القاهرة الحقيقية بشكل أكثر عمقًا وحساسية، وشغلته رسالته السياسية في تكدير النظام المصري عن صناعة أفلام حقيقية عن مدينة فيها طبقات من السحر والتشويق والتعقيد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن