تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تُقرأ وتُؤكل #8| ذوبان الطبقات بالطحينة

تُقرأ وتُؤكل #8| ذوبان الطبقات بالطحينة

كتابة: محمد العتر 4 دقيقة قراءة
سهير شرارة

#جو عام

بنفَس وكتابة محمد العتر، تتحول الكفتة إلى حالة وجودية أو صوفية.

لم يبحث عن الوصفة، أو يسأل عنها، بل تعرّف على جوهر الأكلة بتكرار تذوقها وتحليل ما ذاق إلى مكونات وطريقة، ثم نفذها طبخًا، وكتب خلاصة تجربته. هي وصفة وليدة التذوق والتأمل تنتظم في  السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، ويقدمها «ديتوكس» حتى تُقرأ أو تُطبخ.

#تُقرأ وتُؤكل #دليل

تفرّق اللغة العربية بين الطهي والطبخ، فبينما الطهي هو إنضاج المأكول، الطبخ هو صناعته، إعداده، وتهيئته طعامًا. وكأنّ الطبخ قصة لإشباع ما هو أكثر من حاجة الجوع إلى شهوة التذوق.

وبهذه المفارقة اللغوية كانت لي قصة مع طبخة الكفتة بالطحينة، لإشباع شهوتَي الذوق والتذوق.

تعرفت إلى الكفتة بالطحينة في مطعم بعمّان القديمة اسمه «زوربا»، له شرفة تطل على شارع ضيّق متخمٍ بالناس يشبه مكانًا ما في القاهرة. جلسنا على كراسيه غير المريحة وسط أنواره الزرقاء تقريبًا لنأكل «ألذ صينية كفتة بالطحينية» كما وصفها مَن دلّنا عليها.

ومنذ ذلك الحين وقعت في غرام الكفتة بالطحينية /بالطحينة، وأصبحت زيارات الأردن لا تتم إلا بصينية مطعم زوربا التي يغمرها قناعٌ من السكينة والاطمئنان، وجه مبتسم بحبات البطاطس؛ كما يقول زوربا في الأدب: قناعٌ على الوجه متبسّم لا يتحرك؛ أما ما يجري خلف القناع، فهذا من شأننا.

بحثت عن مطعم يُقدّمها في مصر، وبعد سنوات من البحث وجدت واحدًا بين المطاعم السورية المنتشرة في مدينة 6 أكتوبر، يعدّ كفتة بالطحينة لا تشبه صينية زوربا للكفتة بالطحينية في شيء سوى أن الكفتة غير مكفّتة، وتغمرها الطحينة. الطحينة مع اللحمة (الكفتة في هذه الحالة) لذيذة في كل الأحوال، لكنها هنا افتقدت شيئًا يُشبه وصايا زوربا التي وكأنّها بُثّت في صينية المطعم الذي سُمّي باسمه.

لذا قررت طبخ صينيتي الخاصة من الكفتة بالطحينة، مستلهمًا خصوصية النّفَس، مسترشدًا بجوهر الوصفة، عملًا بأنه ما أن تدرك الجوهر تصبح الطريق إليه أمرًا خاصًا بك، فكما قيل الطريق إلى الحق بعدد أنفاس الخلائق.
لكن ذلك لم يحدث أصلًا قبل أن يُصبح المطبخ بالنسبة إليّ أكثر مكان مريح في المنزل. وقد أدركت هذه الحالة بمرور عابر أمام المطبخ المفتوح على الكوريدور لأشعر بصفاء نادر، لحظة يخفت فيها ضجيج النفس، دون أي أفكار انتحارية تجاه طاسات التيفال. في ذلك اليوم، قررت أنه ربما حان الوقت لتمثيل التجربة الروحية في صينية كفتة بالطحينة.

تبّلت اللحمة المفرومة بالملح والفلفل الأسود والبصل ورشة من السمّاق وبعض البقدونس، ولم أفرده ولكن صبّعته بزيت الزيتون، وتركت أصابع الكفتة للتماسك. بالإمكان طبعًا فرد اللحمة المفرومة، أي صناعة قرص كبير منها يغطي الصينية، لكنني أفضّل للكفتة الاحتفاظ بماهيتها التي أكسبتها اللغة فصارت كُفتةً.

قطّعت البصل حلقات، والبطاطس والطماطم دوائر، وحركتها في مجموعة وفيرة من البهارات. أحب البهارات، واكتشاف ما يمكن أن يضفيه خليطها، وأظنّ أنّ تقدير البهارات أمر يرتبط بالحدس، لذا لا أهتم كثيرًا بمقاديرها الموصوفة من قِبل الطباخين المحترفين. 

أدرك أن بهارًا إضافيًا أو مختلفًا قد يغيّر من المذاق المتوقع من طبخة معينة، لكنني أيضًا أقدر فرادة التجربة الخاصة، بوصف ذلك ممارسة إنسانية خالصة. لذا لا بأس من أنسنة الطبخ، فلا معنى لأن تتشابه نفس الطبخة في كل مكان. لسنا آلات، ولا سلسلة مطاعم.

والبهارات تصنع تلك القيمة المضافة، لذلك بهّرت البصل والبطاطس والطماطم بالبابريكا المدخنة وبودرة الثوم والهيل المطحون والكمّون والسمّاق، مع رشّة من الزعتر والشطة.

وضعت هذا الخليط مرتبًا في الصينية مع ثلاث أو أربع ملاعق كبيرة من زيت الزيتون، ووضعتها في الفرن على درجة حرارة تتراوح بين 180 و200، لمدة لا تزيد عن ربع ساعة، قبل أن أخرجها لأضيف فوق تلك الطبقة الأولى طبقة الكفتة بعد أن دهنتها بالقليل من الزيت، وأعدت الصينية إلى الفرن مدة لا تزيد عن 20 دقيقة.

في الأثناء أعددت الطحينة. تمثل الطحينة الطبقة الثالثة لطبختنا، لكنها أيضًا ما سيخلق الديالكتيك داخل هذه الصينية؛ الانفصال والاتصال بين طبقات الطبخة.

تُعد الطحينة بالماء الفاتر وبعض الملح والفلفل الأسود، يضع بعضهم الزبادي، افعل ذلك لو أردت، لكن حساسية اللاكتوز تمنعني فأتجاوز عنه إلى الأهم. الـ20 دقيقة للكفتة والخضار في الفرن كافية لأن تسيل منهما العصارة الممزوجة بزيت الزيتون والتي ستكون زبدة الطحينة. 

أخرجت الصينية من الفرن وصببت العصارة في الطحينة، وقلبتها جيدًا لامتزاج كل العناصر في صورة سائل واحد، ثم أعدت خليط الطحينة في الصينية ليغطي طبقات الكفتة والخضار تمامًا، وأدخلت الصينية الفرن.

نصف ساعة تكفي لنضج الطبخة تمامًا؛ ستتماسك طبقة رقيقة من الطحينة على وجه الصينية، بعد أن رققّت قسوة اللحمة والخضار بخليط هو منهما. 

تخرج الصينية من الفرن طبقات متمايزة، لكنها أيضًا ممتزجة؛ كل طبقة فيها من الطبقة الأخرى، وكأنّ وحدة الوجود تمثّلت في صينية كفتة بالطحينة، بوسعك أن تأكلها بالخبز أو مع الأرز أو المكرونة، وبوسعك أن توحدها فقط، أن تتوجه لها متجردًا، مستغرقًا في ما ستمده إياك من تنوع غذائي (بروتين وألياف وكربوهيدرات ودهون)، وخليط غني من النكهات سيحيل الصينية بالضرورة إلى ما هو أكثر من الطهي، سيحيلها إلى قصة أو تجربة.

وسلام. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن