تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تُقرأ وتُؤكل #6| عيش بالصبر

تُقرأ وتُؤكل #6| عيش بالصبر

كتابة: عمرو حميد 5 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام

يستعيد عمرو حميد خبراته الأولى مع الطبخ حين اُضطر لإطعام نفسه كطالب فنون مغترب عن بيت العائلة.. هكذا تحول تدوين المقادير إلى أسلوب حياة مع اغترابه الدائم. نعايش فنون عجن العيش الشمسي، لتّه وترييحه ثم خَتَمه وتجريحه، في وصفة تمزج فنون الخبيز بحياة الغربة والترحال، وتنتمي لسلسلة من إعداد مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، وتُقدم لكل من يقرأ ديتوكس حتى يقرأها أو يطبخها.  

#تُقرأ وتُؤكل

لعب القَدَرُ والغُربة دورًا أساسيًا في علاقتي بإعداد الطعام. عند بلوغي السابعة عشر أرسلني تنسيق الثانوية العامة عام 2004، من مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية، إلى كلية فنون جميلة بالأقصر، حيث قضيت سنة هناك، ومن وقتها أصبح الترحال هويتي والغُربة موطني. أتاح لي ذلك الدخول لبيوت كثيرة تنوعت عاداتها الغذائية باختلاف الجغرافيا والخلفية الثقافية والدينية والمستوى المعيشي. ولتهوين الرحلة وتعب المشاوير، كلما أُعجبت بأكلة دونتُ وصفتها في كراستي «مقادير» والتي لا تزال تلازمني، كرفيق مُخلص.

في شقة الأقصر المؤجرة فتحت الثلاجة لأول مرة، فوجدتها فارغة. كانت لحظة فارقة في إدراكي لواقع مغاير تمامًا عما نشأت عليه، فأنا المسئول الآن عن ملئها. اتصلت بأمي حائرًا من أول موبايل أقتنيه -نوكيا 6310i واسم شهرته «المُستشار»- طلبتُ إرشاداتها وسألتها عن طريقة إعداد الأرز وتسوية فرخة. أحضرت كراسة فارغة، وكتبتُ على غلافها «مقادير،» أحالني الاسم إلى أغنية «مقادير» التي أَلَّفَها ولحنها عبد العزيز زين العابدين، وغناها الرَحّال بحر أبو جريشة. دندنتها، وأنا أدوّن وصفات أمي. مجادير.. مجادير.. مجادير، تعبنا من المشاوير، مشينا مهما مشينا، مشوار الغربة طويل.

أغلقت الخط سريعًا لأن ثمن الدقيقة يجاوز الجنيه والنصف، ونزلت للتبضع من السوق لملء الثلاجة. نجحت في المهمة الأخيرة بشكل ما، وفشلت في الطبخ بعد أن شاط الأرز واهترأت الفرخة من شدة غليان الماء، ففقدت طعمها.

***

تمشيت قُبيل الظهيرة في قرية القُرنة ببر الأقصر الغربي، استوقفتني أقراص عجين دائرية مرصوصة على حصيرة أمام أحد البيوت، فأخرجت الكاميرا الفيلم والتقطت عدة صور. خرجت سيدة خمسينية، ولاحظت استغرابها من نظرتها، فبادرتها بالتحية واعتذار عن كوني غريبًا، وسألتها عن الرصة أجابت: «ده عيش ملتوت.» تابعت: «طب ليه رصاه كده في الطل؟» قالت باستغراب: «ده العيش الشمسي يا ولدي.» ناولتني من الداخل رغيفًا مخبوزًا، فسألتها بسذاجة المراهق واللاعارف: «هو ده عيش فينو على شكل عيش بلدي مدور؟» أدهشتني بردها: «يا ضنايا، تلاقيك ما كلتش من الصبح،» وعزمتني على الأكل. اعتذرتُ بارتباك شديد وحلفت لها أني لستُ جائعًا. فأصرت على أن آخذ الرغيف المخبوز.

كأي مُحفز خارجي لاستدعاء ذكرى ما، كالروائح والأغاني والصور والقراءة والكتابة، تستدعي نكهات الأكل ورائحته الذكريات. من الممكن لقطمة عادية تشبه آلاف القطمات، أن تتحول إلى تذكرة سفر مجانية عبر الزمن. بإمكان مضغة، أن تُجبرني على الإبطاء، لالتقاطها مذاق شارد استحضر صورة ما. مطعم أحبه، نميمة عابرة، ذكرى رومانسية، أو وقت صافٍ قضيته مع أصدقاء قدامى. دور الأكل الرئيسي هو سد الرمق، ودوره الباطني، تحريك المشاعر من أقصى السعادة لأبعد درجات الحزن.

عُدت متلهفًا بالرغيف وسقيته في شاي بلبن، وبعد أن شبعت من أول نصف، احتفظت بالآخر وفطرتُ به في الصباح التالي. ورجعت لأسألها بمنتهى الجدية عن وصفة العيش الشمسي. نظرت لي وضحكت، ودونت ما تلى في كراسة مقادير:

  • معلقة كبيرة من الخميرة اليتيمة أو الخميرة البايتة التي أسمتها «الحُدق.»
  • خمسة كيلو دقيق قمح.
  • ماء دافئ.
  • ردّة.
  • شمس صافية ودافئة.
  • صبر.

أحضرت «الحُدق» وهي عبارة عن كوب دقيق يُعجن جيدًا بمياه دافئة، ثم نتركها ليلة كاملة لتخمر، وفي الصباح نستعين بها في العجن مباشرة أو نضعها في كيس ونرش عليها دقيقًا ونغلقها جيدًا ونخزنها في الثلاجة لموعد العجنة القادمة.

وضَِعَتْ دقيق القمح في حلة ألوميتال كبيرة. أضافت الماء الدافئ وبدأت في التقليب بيدها، وأسمت تلك المرحلة بـ «اللتة» فهمت أصل تسمية «العيش الملتوت،» وأدركت مصدر تعبير «اللت والعجن.» مع اللتة التي تستغرق قرابة الساعة، وتحتاج لمجهود بدني كبير أضافت ماءً ودقيقًا حسب قوام العجين. عند الوصول لقوام متماسك وطري، ولأن من رحم كل عجنة تولد الخميرة اليتيمة، أخذت قطعة ملء كفها لكي تصنع «الحُدق» للعجنة القادمة. ثم أضافت «الحُدق» المُعد مُسبقًا، وأضافت ملحًا قليلًا وأكملت لتّ العجين.

المرحلة النهائية من اللتة تُسمى «خَتم العجين.» جمعت باليد حواف العجين بشكل دائري. بللت كفها بماء ومسحت الطبقة الخارجية. غطت الحلة بقطعة قماش وقالت إن أسيب العجينة ترتاح، ومدة الراحة لليلة كاملة.

عُدت صباح اليوم التالي، وفرشنا حصيرة خارج الدار، وأحضرت شوال «المقارص» وهي أقراص دائرية متساوية الحجم، بعرض 20 سنتيمترًا تقريبًا وارتفاع اثنين أو ثلاثة سنتيمترات، مصنوعة من «عجينة الورق.» يُخلط الورق -أو ورق الكراتين أو كراتين البيض- بالماء ويتشكل أقراصًا، ويُترك ليجف ويصبح صلبًا وصالحًا للاستخدام المتكرر.

وزعت الردّة (نخالة الشعير) على المقارص، حتى لا يلتصق العجين بها. أخرجنا العجين المرتاح والذي زاد حجمه، وشكلنا كورًا وزعناها على المقارص. وتركناه في الشمس القوية. بعد قرابة الساعة، بدأ سطح العجين يشد أو يجلد فانتقلنا لمرحلة أسمتها «سلّم على العيش». لفت على يدها قطعة قماش نظيفة، وبللتها بالماء، ومررتها برفق على العجين لتهبيطه وفرده، لينتقل من شكل الكرة إلي شكل الدائرة. مع مرور الوقت أدارت المقارص باتجاه الشمس لتتساوى أماكن التخمير. بعد أكثر من ساعتين، وبشكل ملحوظ، خمَر العجين وارتفع. شقت بمُوس جنب العجين داير ما يدور، في ما أسمته «التجريح،» لتعطيه براحًا ليعلو لاحقًا في الفرن.

أوقدت الفرن البلدي بالحطب، وأدخلت العجين، وتابعت عملية تدوير العيش بعصاه خشبية إلى أن تلوّن بلون الشمس.

مراحل العجين والخَبز، تحاكي أي عملية إبداعية، فالكتابة كمثال، مجهود يُبذل في سبيل إنجاز نص مُحكم. ثم على نار هادئة، تُنسق ما كتبت، وتراجعه، وتحرره. يفصل تلك المرحلتين ضرورة أن تأخذ نَفَسَك وتترك النص فترة ليرتاح.

وسلام.

عن الكاتب

عمرو حميد

مواليد مدينة طلخا، الدقهلية عام 1986. فنان متعدد الوسائط، وكاتب، وباحث، وقيّم فني. مؤسس المشروع البحثي «أرشيف الكاسيت المصري». ومؤسس مُشارك للجماعة الفنية الدولية «فلات أكتوبس». يقيم ويعمل في السويد.

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن