تُقرأ وتُؤكل #5| على نار هادئة
#جو عام
هذه الوصفة تحيط الأرز بطقوس ترفعه إلى مرتبة يستحقها، لكنه لا ينالها لحضوره الدائم في روتين غذاء المصريين. طقوس مريم ناجي تبرز ما يتطلبه الأرز من عناية وتدبير، تعتبره طبقًا خبيثًا لا يتقنه إلا الخبراء وفي مقدمتهم أمها. لذا كل مرة تعد مريم، حديثة العهد بالطبخ، أرزًا، تحاول ألا تكون حباته معجنة، بينما تحلم وتتمنى أن يكون مثل الذي تعده أمها، يسمو بمَن يأكله إلى النيرفانا.
الوصفة التي نأمل في رفعها الأرز إلى السماء ولا تدنيه لمرتبة العجين، تأتي ضمن سلسلة من إعداد مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، وتُقدم لكل من يقرأ ديتوكس حتى يقرأها أو يطبخها.
#تُقرأ وتؤكل
- تذكّر ما أوصلك لهذه اللحظة، أهو الجوع العابر؟ أم المزاج الصافي؟ أم قرارٌ مفاجئ بالهروب من المنزل في هدوء؛ بالبحث عن حياةٍ جديدة عشوائيتها مُنظمة. إن اخترت الاختيار الأخير مثلي، فتعالَ وقف لحظةً معي أمام المكونات البسيطة التي رتبتها على رخامة مطبخي الجديد. سأعد طبقًا من الأرز لأول مرة. في أسيوط والدتي كانت تتولى أمور الطبخ، وأنا أتولى لوجستيات المواعين والمنزل. لذا، نعم. الخطوات الأولى دائمًا مهتزة.
- لا ترفع سقف توقعاتك. المحاولة في حد ذاتها نجاح. حتى إن كانت محاولاتٌ مجهولة. لماذا لا نُعيد اختراع العجلة؟ من أين سآتي بإنسانيةٍ جديدة والعالم وتجاربه كلها توشك على الانتهاء. أنا هنا، لأكرر تجارب غيري، لأعيشها لأول مرة. لأختبر مخاوف حكى لي الجميع عنها. لكن لم أصدقهم، لم أفهمهم. لذا يلزمنا الاستعداد النفسي لإنتاج طبقٍ شديد السوء والرداءة من الأرز بخفض التوقعات قدر الإمكان ووضع الأمور في نصابها، هذه أولى تعليمات الانتقال إلى القاهرة من الصعيد. التكيُّف. التقبُّل. أن أكون مِطواعةً كالماء.
- الانسلاخ مجهد. الخروج من طورٍ لآخر. طوري الأول كان غرفتي الصغيرة في أحد شوارع مدينة أسيوط الهادئة. حياةٌ مستقرة، ثلاث صديقات ألتقيهن في أماكن ثابتة. الزمن يمر في كل مكانٍ عدا أسيوط. كأن الهواء نفسه لا يتحرك. لذا قررت المغادرة. تصاعدٌ سريع ومبرر في الأحداث، يُلزمني الآن بتناول المنتج أيًا كانت جودته أو لونه أو رائحته والأهم مذاقه طبعًا، ثاني تعليمات مغادرة العش، بحثًا أو أملًا في حياةٍ أثرى؛ أن أكون نسخةً أخرى من نفسي، بطلة فيلم ألّفته في لحظة حماس وضجر. فتاة ستكمل عامها الخامس والعشرين، مترجمة أحيانًا وستتعلم الإسبانية، وتطمح لما ليس بيدها. تسبق نفسها بخطوة.
- لا تصنع المعاناة المرء. هذه كذبة. لكن سلسلة القرارات التي أدت لإعداد طبق من الأرز هي رحلة محفوفة بالمشقات؛ مشقاتٌ لا أحب خوضها، لكن أختارها في النهاية لأغوص في حريتي الجديدة المربكة، لأخلق بداخلي شيئًا ما من الحكمة والصبر، لأستبدل صوت أبي الصغير الذي يتردد في رأسي بصوتي الشخصي، لأجد صوتي الشخصي. نُحضر كوبًا من الأرز، حبذا لو عالي الجودة حتى نتفادى أي حجج وأعذار عند رؤية النتيجة. كل خطوةٍ في القاهرة المتوحشة تحتاج لدراسةٍ كهذه، أفتحُ دفتر الملاحظات وأسجّل النوع الذي جربته، سأقضي مع كل نوع جديد من الأرز قرابة الشهر، أجرّب وأندم أو أبتهج. استقررتُ على أرز «الضحى» رغم غلاء سعره. هذه هي الحرية المقصودة.
- نغسل الأرز جيدًا، بماء دافئ أو بارد، لا أدري إن كان مهمًا أم لا. لي حرية الاختيار أن أتأمل خلال عملية الغسل المتغيرة؛ أكان قرار الانسلاخ من بلدٍ لا يُهمني فيه سوى عائلتي وأصدقائي قرارًا مهمًا مغيّرًا لمسار حياة؟ نعم. أكان مؤلمًا؟ في بدايته، نعم. في وسطه، نعم. في نهايته؟ لم أصل لتلك السُلمة بعد. لم أقرر نهايته. لكن ما أعرفه أن الاستقلال ليس تجربة سحرية، لكنها تغمر مشاعري كما السحر، كقصة حبٍ جديدة لكن أليمة؛ تجربة يُحيط بها التعلّم والتيه من كل جانب. كأنني ألدُ نفسي.
- أمامنا خياران؛ نُحضر شوربة معدَّة مسبقًا ونحضِّر الأرز بها، وهو الخيار المستبعد لأنني لم أصل إلى مرحلة إعداد شيءٍ مسبق، ناهيك عن أن يكون شيئًا ينتج عنه شوربة تقنعني لدرجة إعادة تدويرها في الأرز. لذا سنذهب إلى الخيار الثاني. بصلة صغيرة تناسب كمية الأرز الضئيلة التي ستعدّها فتاة تعيش بمفردها وتدرك من تجارب سابقة مدى سوء النتيجة، نصف مكعب مرقة دجاج، ملعقة صغيرة من الملح، ربع ملعقة صغيرة من الفلفل الأسود، والملكة المتوجة التي لا يمكّن الاستغناء عنها أينما كنا؛ السمنة البلدي، مع كوب صغير جدًا من الشعرية التي نأمل ونصلي وندعو ونتوسل أن نضبط لونها البني المذهّب. عملية بسيطة ومعقدة في آنٍ واحد، أستقي منها حكمةً وهدوءًا عجيبًا يسير في عظامي. أن أُقدِمَ على المجهول المتقلقل، أن أراهن ضد قلقي وحدسي ووالدي. أن أتحايل على قواعد الأسرة، أهدهدها على مهل بعد مراهقةٍ طويلة مليئة بالمعارك. أنا الآن في معركة مع المدينة كلها. رغم ثبات عملي من المنزل بين الترجمة والكتابة، وتحركي بين الدقي والمعادي فحسب، إلا إنني أقاوم يوميًا الانهيار أسفل مشاعر بركانية.
- بعد التضرع السابق، نحضر وعاءً صغيرًا، صغيرًا جدًا حتى لا تبدو الكمية التي سنُعدِّها قليلةً للغاية فتُذكرني بالضآلة التي تضربني كلما قطعت تذكرة مترو، كلما سرتُ في الزمالك، أو ألغى أحد الأصدقاء موعدًا، أو عدتُ لغرفتي الجديدة ليلًا، أو تذكّرتُ أنني لن أعدُّ أرزًا يشبه الذي تُعدّه أمي، لأنني لستُ أمي وإن حاولتُ. أنصحُ بتقليل الكمية لتفادي الحزن الذي سينتجُ عن أنني سآكل بمفردي من جديد، ولتقليل الفائض في حال سوء المُنتج، إنه ليس مجرد طبق من الأرز، بل مكملًا للطعام الذي أعدته والدتي لي وحملته معي مجمدًا في حقيبة سفري؛ طبق بامية رائعة ومتقنة التسبيك، أو سبانخ من ألذ ما يكون لدرجة تصالحتُ مع مذاقها المر، أو بسلة مع الجزر والبطاطس تُعيدني إلى موقعي على طبلية منزل أسيوط. لذا صدقني حين أخبرك أنه ليس مجرد طبق، بل رمزًا لاغترابٍ وغربةٍ اختيارية، محاولةً قد تنجح أو تتعجن، خيار العودة دائمًا متاح، لكن لنتأقلم أولًا.
- أقتلعُ نفسي من أفكاري. نضع في الوعاء نصف ملعقة صغيرة من السمن البلدي ونصف ملعقة صغيرة من الزيت؛ هذه الخطوة يحددها الوضع المادي والفترة التي أودُّ خلالها حماية البرطمان الذي أهدته لي والدتي لأطول وقتٍ ممكن. كنزي الذهبي الثمين الذي أحميه بحياتي مع كل وجبةٍ أعدُّها، رغم إدراكي إن نصف ملعقةٍ صغيرةٍ ستحوُّل مطبخي في المعادي إلى مطبخ أمي في أسيوط، لكن رحلتي هنا طويلة، أو أتمنى أن تطول، أن أصمد ضد ضربات الوحدة والخواء والبحث عن شيءٍ لا مسمى له، لذا نضعُ مقدرًا ذريًا منها.
- ننتظر حتى يسخن السمن ويذوب ويندمج مع الزيت ثم نضع الشعرية. ركِّز أرجوك. لا تكن مثلي، قلِّب بسرعة، لا ترمش، لا تحرِّك عينيك. قلِّب قلِّب قلِّب، لا تدع خيالك يسرح. سرحَ خيالي مرةً فبكيتُ بكاءين؛ لافتقادي أصدقائي ومدينتي الصغيرة التي قد أجوبها على قدميَّ إن أردتُ، وبكاءً على احتراق الطعام. لذا، ركَّز حتى تصل إلى لونٍ يحيّرك، لا هو ذهبيٌ ولا هو بني فاتح. لحظة الحيرة هنا لحظةٌ عابرة، هاربة، إن لم تلحقها وتتصرف دون الوقوع في فخها فمبروكٌ عليك الأرز بالشعرية المحترقة.
- الأرز الذي غسلناه، أين هو؟ ضعه بسرعة، قلِّب قلِّب قلِّب. نسيتُ أن أخبرك مسبقًا أن تجهِّز كوبًا ونصف الكوب من الماء المغلي، ربما في هذه اللحظة ستتوه، أو أنا بصراحة أتوه. أفتحُ صنبور الماء الساخن، أضع يدي أسفله في انتظار أن تصل المياه إلى درجة الحرارة المطلوبة، لم أعتد على سخَّان منزلي الجديد فيحدثُ المتوقع. نعم، يحدث كما آمل أنك تصوّرت، تلسع المياه يدي وأحيانًا تحترق حرقًا سطحيًا لأن عيني على الأرز، فأقفز. أملأ كأسًا من الماء بينما أتذمر وأتلوى مكاني بسبب قلّة خلايا دماغي. ثم طشش نضع المياه على الأرز، ونبتعد خطوةً للخلف، ليست أساسيةً في الوصفة لكنها احتياطية لتفادي الرذاذ الحار، نُضيف المياه حتى تغطي الأرز وتعلو عنه بأقل القليل.
- نُضيف البصل ومرق الدجاج، مع الملح والفلفل الأسود طبعًا. أمي تضع ورق اللورا لصنع شوربةٍ وهمية لكنه ليس متوفرًا عندي لذا سأشطبه من القائمة. نقلِّب ونقلِّب ونقلِّب. لا تنسى تذوقه حتى توازن الملح، لكن احذر احتراق لسانك. ننتظر الوصول إلى لحظة الغليان ثم نهدّئ النار، هذه الخطوة صعبة لكن مهمة للوصفة، حاول ألا تفقد أعصابك خلال تهدِّئة النار في الناحية المعاكسة، واستعد لأن تنطفئ خطئًا خمس مراتٍ على الأقل. أظنه جزءًا من طقوس إعداد الأرز، يتظاهر أنه طبقٌ جانبي ومتجاهل لكنه خبيث، رغم أنه يدركُ أحيانًا من اهتزاز يدي قلة خبرتي ويعطفُ عليَّ أحيانًا بطبقٍ حبَّاته منفصلةٌ عن بعضها.
- نُغطي الوعاء. لا أعرف كم من الوقت علينا أن ننتظر حتى ينضج. صراحةً قلقي يمنعني من مغادرة مكاني، لذا أقضي هذا الوقت في التوسل والدعاء والصلاة أن تحدث معجزة ويتحوّل إلى أرز يُشبه الأرز الذي تعدُّه أمي.
- بغض النظر عن النتيجة، نغرف طبقًا، ونتظاهر أن طعمه رائع؛ الكنز دائمًا في التجربة وليس في الطبق.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن