تُقرأ وتُؤكل #13| الفريك شريكي
#جو عام
يكتب أحمد وائل عن الفريك، أحب الحبوب إلى نفسه، بديل الأرز والمكرونة وباقي الكربوهيدرات في وجبات طعامه الذي يقيم أوده بأقل السعرات خلال الدايت.
هذه الوصفة تجعل الفريك الشريك المثالي لأي طعام، وتسعد آكلها مثل باقي وصفات السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية وقراء «ديتوكس» لتُقرأ وتُؤكل.
#تُقرأ وتُؤكل
قبل تسع سنوات، مع بلوغي الثلاثين، انطلقت رحلتي بحثًا عن النظام الغذائي المناسب، هروبًا من أمراض الضغط والسكري والسمنة المحتملة. مشيت الطريق دون طبيب تغذية أو مدرب أو تطبيق، متنقلًا بين قوائم ممنوعات فرضتها على نفسي، منها الخبز والأرز والمكرونة والسكر والملح والدخان، ثم الامتناع عن البروتين الحيواني بكامل أشكاله، ومنه إلى نظام أقل مرونة يسمح بالأسماك.
ثم تعلمت بالخطأ والتجريب أن أي نظام غذائي لا بد أن يسمح بالكربوهيدرات ولا يحظرها تمامًا لأن الجسم بعد حرقه للدهون المُخزنة فيه سيلتهم الكتلة العضلية، يعني «البارومة حتنشع» في الأساس، لذا فإن وصفتي لإعداد الفريك هي طوق نجاة جسدي من الهلاك الذي كنت أقود نفسي إليه، وبفضله عدتُ إلى شهيتي متنقلًا بين وجبات اللحوم والأسماك والخضار، والمشترك بينها جميعًا الفريك، وذلك دون قلَي أو تغميس.
الفريك قمح أخضر، يُقطف قبل تمام نضجه ثم يُجفف ويكون جاهزًا للبيع بعد تعريضه لحرارة شديدة، وطعمه أقوى من الأرز، تشعر مع حباته بمعمعة التذوق والقوام اللدن الذي يتطلب جهدًا أكبر من الأسنان في المضغ مقارنة بالأرز. لا يذوب في الفم، وإنما نشعر بتماسك حباته والتي رغم ذلك يسهل مضغها. ويمكن قول الكثير عن استطعام الفريك في الفم وما يحدثه من معمعة تُجري الريق مع كل ملعقة، فضلًا عن مدّه بالطاقة اللازمة للملتزمين بالدايت. وما ينوّع هذا الطعم الممتع أن كل مكون يُضاف إلى الفريك ينقله إلى مصاف آخر.
هو أكثر وجبة منفتحة يمكن إعدادها، وتحيرني مقولة إنه «ميحبش شريك»، بل هو أجمل شريك. رأيتُ اندماجه وتكيفه وإقباله على الآخر، أي آخر، يمكن تجريبه مع بروتين نباتي مثل المشروم، أو حيواني مثل قطع لحم مقطعة كشرائح الشاورما بعد تشويحها لدقائق بشكل منفصل، أو حتى مع ثمرة طماطم، أو منفردًا مع البازلاء، أو مع عصرة ليمون، أو بعد تشربه بالصويا صوص (استخدمُه كبديل للملح، رغم علمي أنه خيار غير صحي تمامًا لكنه رهيب).
يصل الفريك بأي مكون إلى الطعم الأمثل، بل ياريت الناس كلها تكون مثله. لكن مع الأسف لا يعرف الجميع قدرات الفريك، بل إن أقرب الناس إلى قلبي لم تكن تعلم طريقة تفجير القدرات الكامنة في هذه الغلة.
لا يحتل الفريك لدى لزوجتي، الطباخة الماهرة التي تعلمتُ منها أهم وصفات الطعام، نفس المكانة التي أخصصها له؛ وذات مرة تطوعتْ هي لإعداده، ولم أكن في المطبخ، وحين عدتُ وجدته في المرتبة الأدنى، تلك التي تجعله مجرد حشوة للحمام أو الدجاج، ولا ترى جوهره كطعام ملوكي يمكن الإقدام عليه يوميًا بلا ملل، أجمل من الأرز والمكرونة وكل شيء. وحين تذوقتُه عرفتُ كيف طبختْه وقلتُ بصيغة سؤال بدا فضوليًا، لكن جوهره الاستنكار: شوحتيه مع بصلة؟!
لم أعلق يومها على فريكها، لكن في كل مرة تقترح إعداد الفريك إن كنت خارج البيت عدتُ إليه مسرعًا، ولو كنتُ مشغولًا تركت ما بيدي لإنقاذ الفريك. حتى وجدت الطريقة الأنسب لمصارحتها؛ كنّا في المطبخ، وقلتها صراحةً إن الفريك يُطبخ مثل الأرز! لم أقدم ذلك كوصفة ممكنة، بل كنت حاسمًا أن هذه هي الطريقة الوحيدة المقبولة لإعداده، وبدأت بممارسة الطقوس أمامها. وهكذا عدَّت على خير، ولم يتأثر حبنا بخلافنا حول إعداد أحب الحبوب إلى قلبي، بل تعلمتْ مني الوصفة، وصار فريكها مثل فريكي.
وإليكم الطريقة الوحيدة لإعداد الفريك:
ننقع الحبّات، قبل ذلك ننقيها إن كان الفريك سائبًا وهو أرخص بما يقارب النصف من المُعبأ. يُقدح زيت الزيتون على النار قليلًا، ثم يُضاف الفريك ويُترك هكذا لثوانٍ قبل إضافة الماء الساخن، يُفضل عدم المبالغة في حجم الماء (لا أحب الأكل المبلل يذكرني بتزغيط البط بالعيش المبلول وهذه واحدة من عُقد الطفولة). تُضاف التوابل المُفضلة، إن كنت تراقب معدل ضغط الدم يُمكن عصر ليمون أو تقطيع أوراق نعناع أو رش كمونًا أي منها يعوض قلة أو غياب الملح.
تذكر، نحن نعده بنفس طريقة إعداد الأرز أي حلة صغيرة لها غطاء محكم على أصغر شعلة، ستكون النار عالية، ثم هادئة، وهذه العملية لن تستغرق أكثر من 20 دقيقة.
وبعد نضجه، نتركه قليلًا كي تقسى حبات القعر، وتكون مقرمشة لتضاعف معمعة التذوق، وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن