تُقرأ وتُؤكل #12| لم أعرف أن النعام يُطبخ
#جو عام
الطبخ يتطلب التجريب ومذاكرة المقادير، ومقدار من الصبر على العك وهدر المكونات، وتفهم من آكلي طبخات البدايات، وهو ما تتناوله كاميليا حسين ضمن السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية. وفي هذه الوصفة، تكتب كاميليا عن مخاطر التجويد مع أكلات غير تقليدية مثل لحم النعام بالطريقة التايلاندية، عندما كانت مهارات الطبخ على القد.
#تُقرأ وتُؤكل
يحمل المسافرون في قلوبهم وصفات الطعام العائلية، تلك التي تحفظ رائحة البيت في الغربة، خلطة توابل مميزة، أو وصفة متوارثة، أو حتى عادات الطعام وطرق تقديمه التي تختلف من عائلة إلى أخرى، تمتد أطباق الطعام من جيل إلى جيل، مثل حبل متين يمسك به الأبناء كي لا يفلتون آباءهم، وأنا أفلتُ طرف الحبل فانقطع.
تزوجتُ في بلد بعيد بالخليج، لم أكن أحب الطبخ، لذلك لم أهتم بأن أحمل معي وصفات الطعام أو خلطات التوابل أو رائحة البيت، بل حملت فقط حقيبتين ممتلئتين بالكتب والملابس، وقطعت الحبل الذي يربطني ببيتي وطرت.
اعتقدتُ وقتها أن لدي قدرة سحرية على الطيران، وقصة حب مميزة تمنحني جناحين، فلماذا أهتم بالطبخ؟ ساذجة كنت حتى إنني لم أدرك أن أبطال أكثر القصص رومانسية هم بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
في شهور الزواج الأولى، تولى زوجي مسؤولية المطبخ؛ كان ماهرًا في إعداد الكثير من الأطباق الشهية بحكم عيشه وحيدًا لسنوات طويلة قبل الزواج، واكتفيتُ أنا بتقطيع الخضراوات للسلطة، نقف سويًا في المطبخ، نتبادل الضحكات والغرام، ونشعل الشموع. وفي خلفية المشهد تأتي موسيقى رائقة، تجعل وقفتنا تلك أشبه بمشاهد الأفلام الرومانسية الهوليوودية.
لكننا كنا نقيم في الرياض، بعيدًا عن هوليوود، حيث يخرج زوجي في الصباح الباكر للعمل في درجة حرارة تتجاوز الخمسين أحيانًا، ويعود متعبًا وجائعًا، بينما أقضي الوقت في المنزل أدور في الفراغ الهائل بين الأريكة والفراش، اعتمدنا لفترة على الوجبات الجاهزة، حتى قررت -أخيرًا- تعلم الطبخ.
كنت أتصل بأمي لأسأل عن طريقة صينية البطاطس بالدجاج مثلًا، وبعد وصلة من اللوم لأنني لم أكن أهتم بتعلم الطبخ معها قبل الزواج تبدأ في الشرح «الأمر بسيط، اسلقي الدجاج، وسبِّكي الطماطم ثم ضعي البطاطس حتى تنضج». لم أكن أعرف معنى التسبيك، وكيف يُسلق الدجاج، هل أحتاج إلى تنظيفه مثلًا قبل السلق، أم أضع الدجاجة كما هي؟ وهل تحتاج شيئًا آخر معها في الماء؟ أم أضعها وحدها بنفس طريقة سلق البيض؟ أحتاج إلى التفاصيل يا ماما، تطول مكالماتنا الدولية كي تتسع لاستيعاب تفاصيل تسبيك الطماطم وطرق طهي الدجاج للمبتدئين، حتى إن تكلفة المكالمة الواحدة قد تكفي لشراء وجبة جاهزة، على الأقل مضمونة النجاح.
لذلك، قررت -أخيرًا- رفع شعار «بأبي أنت وأمي يا جوجل»، سينقذني محرك البحث كما فعل دائمًا، بدأت بأسئلة مثل: كم عدد الدقائق التي يستغرقها سلق البيض؟ هل ينبغي سلق صدور الدجاج قبل قليها لإعداد البانيه أم تُقلَى مباشرة؟ حاولت في البداية إعداد الوصفات التقليدية؛ الملوخية والأرز، صينية البطاطس بالصلصة الحمراء، أو البازلاء مع الجزر، لكنني فشلت فشلًا ذريعًا رغم تتبعي للوصفات بحذافير حذافيرها.
كما اكتشفت العديد من الفروق المربكة في عادات الطعام بيننا؛ عائلة زوجي، مثلًا، يقدمون الباذنجان المخلل إلى جوار الملوخية ويأكلونها مع الخبز، بينما كانت أمي تقدمها مع الأرز الأبيض والسلطة الخضراء. لم تحب أمي الباذنجان المخلل، ولم تعده أبدًا، حتى إنني لم أعرف أن الباذنجان يُخلل حتى تزوجت.
اعتاد زوجي أن يأكل المسقعة مع البطاطس وصلصة الطماطم، واعتدت أن آكلها بالبشاميل ودون بطاطس. الكثير من التفاصيل المختلفة زادت من ارتباكي، وحكمت على محاولاتي بالفشل.
هكذا اهتديتُ للحل، قررت البحث عن وصفات غير تقليدية، تنتمي إلى ثقافات مختلفة. ومع انعدام وجود مرجعية للطعم، لا توجد مساحة للمقارنات، وبالتالي لا مساحة للفشل.
لذلك بدا ملصق «لحم النعام» على الطبق الممتلئ بقطع اللحم الوردية كأنه حبل نجاة ممتد من رف السوبرماركت إلى كفي.
تناولته بلا تردد ووضعته في عربة التسوق، اندهش زوجي وسألني إن كنتُ أعرف طريقة إعداده، حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف أن النعام يؤكل، لكنني أخبرته أنه سيأكل أجمل لحم نعام في حياته، وابتسمت بثقة لا أعرف من أين جئتُ بها ولا أعرف كيف ابتلعها، ربما كان الحب لا يزال أعمى، أو جائعًا على أقل تقدير.
في المطبخ وقفتُ وحدي في مواجهة لحم النعام، بحثت بالعربية فلم أجد شيئًا، وبالإنجليزية وجدت عددًا من الوصفات اخترت منها وصفة «لحم النعام على الطريقة التايلاندية مع الصوص البني»، وهكذا ابتعدت حتى تايلاند كي أهرب أكثر وأكثر من أي مرجعية تتيح مقارنة طبقي البائس بأي طعم سابق أو لاحق.
هذه هي الوصفة التي قررت التجويد في بعض خطواتها بثقة الهواة، كي أضيف بصمتي الشخصية التي لم أكن أمتلكها بالأساس.
لحم النعام بالصوص البني على الطريقة التايلاندية*
(مقدمة طويلة عن ضرورة توخي الدقة عند طهو لحم النعام، واحتياجه إلى معاملة خاصة) تجاوزتها بثقة المبتدئ الجاهل وانتقلت مباشرة للخطوة الأولى:
1- تُتَبَّل قطع اللحم بالثوم المهروس وماء البصل وملعقة صغيرة من مسحوق الكاري
حسنًا، قرأتُ كثيرًا عن أن سر الطعام التايلاندي هو التوابل، لذلك لم أصدق أن ملعقة صغيرة من مسحوق الكاري تكفي لجلب سر المطبخ التايلاندي إلى مطبخي البائس. لذلك بمنتهى الكرم، أضفت أربع ملاعق كبار من الكاري.
2- يُترَك اللحم في التتبيلة لمدة ساعة على الأقل
في الواقع لم يكن لدي وقت يكفي لتلك الخطوة، أعاني من مشاكل مزمنة في النوم، وهو ما يعني أنني نمت يومها بعد طلوع الشمس واستيقظت بعد العصر، ولم يبق إلا القليل من الوقت على عودة زوجي من عمله، لذلك سنتجاوز هذه الخطوة إلى الخطوة التي تليها.
3- على نار متوسطة، نضع القليل من الزيت أو الزبد، وتُطهى قطع اللحم ثم تقلب، دقيقتان لكل جانب
يعني أنا صحيح مُتعجلة، لكن هذا لا يعني أبدًا الاكتفاء بطهو اللحم لأربع دقائق فقط. خشيتُ ألا تكون هذه الدقائق القليلة كافية لطهيه، لا أتذكر لكم من الوقت تركته، لكن لوقت لا يقل عن نصف الساعة، وربما أكثر قليلًا.
تأتي بعد ذلك خطوة إعداد الصوص البني، في المقلاة نفسها نضع ملعقتين من الدقيق، وهو ما زدت مقداره بالطبع، بالكرم نفسه الذي تعاملت به مع مسحوق الكاري. نقلِّب الدقيق، تؤكد الوصفة أنه سيختلط بالدهون ليتحول إلى قوام كريمي، وهو ما لم يحدث، قلتُ: لا بأس سيتحسن الأمر عندما أضيف الحليب والكريمة.
لكن الأمر ازداد سوءًا، تحول الصوص البني إلى قطع متماسكة بنية لها ملمس لزج بعض الشيء (لن أخبركم بما ذكرتني وقتها)، لكنني خبأتها فوق الثلاجة على أمل إصلاحها فيما بعد، وقلت: لا بأس يكفينا لحم النعام ولا حاجة بنا للصوص البني.
بمنتهى الثقة قدمتُ الطبق للمسكين عندما عاد من عمله جائعًا، كانت الرائحة قوية من بعيد (هذا ما تفعله أربع ملاعق كبيرة كاملة من الكاري). ما إن ذاقه حتى تغيّر وجهه، وبدا أن الحب الأعمى تفتحت عيناه فجأة. يُقال إن النعام يدفن رأسه في الرمال عند مواجهة الخطر، وقد اتبعت تلك الطريقة بشكل يومي فعادة كنت أتناول طعامي وأتظاهر بالاستمتاع، وأخبره أن الطعام لذيذ وأنه لا يجيد التذوق على أمل أن تقنعه حجتي. لكن في ذلك اليوم بمجرد تذوقي الطعام جمعت الأطباق في صمت يليق بحداد، وألقيت بمحتوياتها في سلة المهملات، وارتديت ملابسي وخرجنا لتناول البيتزا.
***
لم يعد حبنا أعمى، تفتحت عيناه على مهلٍ، طبخته/أنضجته المودة فصار أصدق من مشاهد هوليوود المعلبة. واكتشفتُ أنني مثل النعام، ربما لا أقدر على الطيران، لكنني أملك أجنحة قوية وأقدام راسخة. تعلمتُ الطبخ أخيرًا، وأصبح هذا الطبق مزحة عائلية أحب روايتها لطفلتي، فيضحك زوجي ويتذكر، ويربت بمحبة على أجنحتي.
* العبارات بالخط الأسود مترجمة عن الوصفة الأصلية بالإنجليزية. إذا قررت أن تعده ذات يوم، اتبعها وتجاهل ما فعلته أنا ربما يمكنك أن تنقذ نعامتك.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن