تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تُقرأ وتُؤكل #1| خدعة جذر البطاطا

تُقرأ وتُؤكل #1| خدعة جذر البطاطا

كتابة: هديل غنيم 4 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام

الموضوع ألذ من وصفات أكل ألّفها أدباء، وإنما هي كتابة يُمكن أن تُشبعك عند الطبخ وبالمثل تُسعدك حين تقرأ، وهنا نقدم أول الوصفات التي تنتمي إلى سلسلة من إعداد مي المغربي وياسر عبد اللطيف اللذين وجها دعوات لكُتّاب لتناول علاقتهم بالمطبخ كتابةً فلبّوها بهذه الوصفات. هي وصفات طعام للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية وكل مَن يقرأ ديتوكس. نبعت وصفة هديل غنيم من انشغالها عن الطبخ بالجذور، ربما لذلك مكونها الأساسي مرتبط بجذور الأرض؛ البطاطا. 

اطبخها أو اقرأها، حسب هواك.

#تُقرأ وتُؤكل #دليل

تسرَّب مِنِّي الوقت في قراءات متفرقة ومتابعات بلا فائدة، سوى شعور بأني ذهبت هناك وجلست مع هؤلاء، مع أني أجلس هنا وحدي على بعد آلاف الأميال. توهمني أجهزتي أنه بالإمكان العيش في قارتين في نفس الوقت، ثم يقترب موعد خروج ابنتي من المدرسة لينتشلني من العالم الافتراضي ويرسلني جريًا إلى مطبخي.

لدي ساعة من الزمن لإعداد وجبة خفيفة ومغذية لي ولها، تجذبها قبل أن تمتد يدها إلى شيء مرشوش ومصبوغ ومردوم بالسكر والملح والزيوت المُصنَّعة ومكسبات الطعم والرائحة. نظرت في أرجاء المطبخ وأنا أفكر بسرعة حتى وقعت عيناي على حبّات البطاطا شائهة المنظر سريالية التكوين ففرحت وارتحت. علَّمتني خبرة التسوق والتذوق ألا يخدعني البريق الخارجي للفواكه والخضراوات، لأن تحت القشرة الوعرة الباهتة والانبعاجات المتربة لهذه الجذور ما يسهل تحويله طعامًا طريًا شهيًا فاقع اللون، وحلاوته طبيعية. 

فتحت الفرن واخترت درجة حرارة 425 فهرنهايت، ذلك المقياس الذي أفهمه في الطبخ ولا أقبله للطقس. غسلت البطاطا ثم وخزتها بالشوكة من كل جانب كما فعل الجنود في فيلم «الناصر صلاح الدين» الذي شاهدته مع ابنتي ليلة الإجازة، هل كان اختيارًا مناسباً لها؟ وجدته على نتفليكس فقلت لما لا أُعرِّضها لما تَعرَّضُت له من باب تداول الميراث السينمائي وتواصل الأجيال، ولعلها تجد وجهة نظر عربية في التاريخ الذي بدأت تدرسه في مدرستها الأمريكية. استغربت أنها تحمَّلت مشاهدته كاملًا، ورجوت ألا يكون أربكها عملٌ لا يفسر أحداث القرن الثاني عشر بقدر إنتمائه لستينيات القرن العشرين. 

تلاحقني الجذور بإرادتي أو رغمًا عنى. تذكرني جذور البطاطا بالرجل الذي كان يقف بعربته أمام ساقية الصاوي في الشتاء يبيعها مشويةً على الفحم، والعربة التي كانت تقف أمام جامعة القاهرة. يُقال إن عربة البطاطا هي ستار المخبرين. تذكرني أيضًا برواية «الحرام» وعمّال التراحيل الغرابوة في مصر، والعبيد السود في أمريكا. فهي تشبه ما كانوا يأكلونه في بلادهم في غرب إفريقيا قبل خطفهم واستعبادهم في أمريكا الشمالية. كأن البطاطا هي المّن والسّلوى الذي يخرج من الأرض ولا ينزل من السماء. كنز مدفون غني بالفوائد الغذائية، وتحلية إلهية للتخفيف من مرارة حياة البؤساء وعبيد الأرض. يعجبني اسم الفصيلة النباتية التي تنتمي إليها؛  الفصيلة المحمودية. لم أعثر على سبب التسمية لكنه يشي بالمزيد عن أصلها الطيب.    

دق جرس الفرن مُعلنًا استعداده لتلقي البطاطا. هل أستعمل صفائح الألومنيوم في لف كل حبّة؟ كان هذا هو القرار الأسهل والأسرع دائمًا، لكن وخزني ضميري البيئي الذي بدأ ينمو في السنوات الأخيرة. 

وضعت البطاطا على صاج في الفرن وبدأ ريقي يجري وأنا أفكر فيما سوف أضعه عليها بعد إخراجها ونزع قشرتها ثم هرسها بالشوكة. أحب إضافة عسل النحل والقرفة وقليل من الحبهان وجوزة الطيب والقرنفل. كما أحب إضافة المكسرات. وجدتُ عندي بعض اللوز وبعض الجوز الأمريكي الذي يُزرع هنا في ولايات الجنوب ويُسمى بيكان. أتشوق لتفتيتها لأن استعمال الهاون يمتعني. اشتريتُه من المتجر الهندي، ولأنه مصنوع من الجرانيت فإن الدق فيه يصدر رنة مكتومة محتملة، لا صليل الهاون النحاسي أو الحديدي الذي يُلقي الرعب في القلوب. أتجنب أجهزة المطبخ الكهربائية بسبب أصواتها المزعجة الموترة. ولا أعرف سر لذة الهاون، هل هي حسية أم ذهنية. ربما أسلي نفسي باعتبارها مغامرة قصيرة في العصر الرقمي أن أفعل ما كان يفعله الإنسان في العصر الحجري.  

أنتظر نضوج البطاطا وأتساءل لماذا غابت البطاطا عن مطبخ أمي؟ يبدو أننا في القاهرة نعتبرها أكل الشارع والمنتزهات مثل الذرة المشوية في الصيف، فلم نعطها حقها من الاحترام والتقدير رغم مزاياها الصحية والغذائية التي تفوق البطاطس بكثير. قرأت عن البطاطا وتعرفت على فوائدها أثناء حملي، فكانت أول طعام مهروس أقدمه لابنتي الرضيعة بعد الموز: «واحد اثنين.. بيتا كاروتين، بطا بطا .. بطاطا».

إنها هدية الأم المشغولة عن الطبيخ بالتفكير في الجذور. شعرتُ بنشوة الاحتيال على الوقت بحل سهل لم يكلفني جهدًا يُذكر. فتحت الثلاجة أبحث عن بخاخة الكريمة المخفوقة التي يتجرعها زوجي سرًا وعلانية. بخة واحدة كبيرة على شكل هرم حلزوني منفوش من الكريمة البيضاء هي اللمسة الأخيرة على كأس البطاطا المهروسة والمكسرات. لا شك أنها سوف تبهر ابنتي وتصرفها عن أضرار السويتس والتريتس والسناكس. احتلتُ عليها وخدعتُها بأكلة مفيدة، وزينتُ حبة البطاطا الدميمة وحولتها إلى عروس جاهزة للتصوير.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن