تُقرأ وتُؤكل #17| لحمة راس مع جيمس جويس
#209 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
راوي محمد فرج في هذه الوصفة يلعب دورًا تاريخيًا، فهو لا يقوم بوظيفة الإخبار بالمقادير لقراء «تقرأ وتؤكل» بل يسجل وصفات مهددة بالانقراض، أو للدقة بدخول البهارات والأجبان فتصبح ماسخة ومشوهة. وهذا الدور التاريخي لراويه، لن يصح إلا بصحبة، وقد اختارها بعناية، ولنرحب بضيوفه وعلى رأسهم جيمس جويس، ونقرأ الوصفة رقم 17 من السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية.
#تقرأ وتُؤكل
بصراحة لستُ مغرمًا بالطبخ، أكيد أني أكثر ولعًا بالأكل. تربيتُ في أسرة سكندرية من الطبقة المتوسطة كانت تقدمية في أمور لها علاقة بالمساواة في أعمال تنظيف البيت مثلًا، أو في شراء حاجات البيت من الخارج، لكن لم تعلمنا أمي نحن الذكور الطبخ في صبانا.
أبي أيضًا لم يكن طباخًا، كان يمكنه بالكاد تجهيز إفطار لنا ونحن أطفال، أو يعد السلطة مثلًا أوقات كثيرة، لكن ليس الوجبات الأساسية، أجاد أحيانًا طهي الأرز بطريقة معينة، «الرزة ورزة»، وذلك حين مَنع المرض أمي مرات عن طهو الغداء، كان طباخ الضرورة.
أبي كان مغرمًا بتزويد الأكل بالمياه خاصة حساء الدجاج أو اللحم، وكان هذا يغيظ أمي معظم الوقت. عادة، وقت سلق اللحم ينبهها مرات عديدة «زودي الشوربة شوية»، أو يضيف هو شيئًا من الماء بدون أن تنتبه، وتفاجأ في نهاية الطهو بأن الحساء أخف من اللازم وتكتشف أن أبي السبب.
تحتم عليّ مغادرة البيت من أجل الجامعة، وساعتها علمتني أمي بضع طبخات وأساسيات: الأرز الأبيض، سلق دجاجة، صينية بطاطس وغيرها، لكن ما بقي معي منها العدس الأصفر، ربما كسلًا وفلسًا.
علمتني أمي أبسط طريقة لطهوه. «فقط أغسله ودعه يغلي مع بصلة.. يمكنك وضعها مقطعة فقط لأربع قطع»، وأنا صغير لم أحب ملمس وطراوة البصل المطبوخ. «أو يمكن تقطيعها لقطع صغيرة جدًا، دع العدس والبصل يغليان معًا لعدة دقائق، ثم على نار هادئة، قبل أن يمر نصف ساعة سيكون قد نضج وأصبح جاهزًا للأكل ويمكن ساعتها إضافة الملح والكمون وخلافه».
ظل العدس رفيقًا حتى اللحظة، وقت الشباب، كان الكيلو يكفي لإطعام مجموعة ليست قليلة من الأصدقاء الجائعين وجعل خدودهم تتورد، ولم يكن يكلف ساعتها كثيرًا. فيما بعد بدأت أجرب إضافة خضروات أخرى للمزيج الأساسي:.. بطاطس، كوسة، جزر، طماطم بالتأكيد، أحيانًا أضيف قطعة بنجر لإعطاء المنتج النهائي لونًا يقترب من البنفسجي، وكل إضافة تعني نكهة جديدة بجانب طعم العدس الجميل.
والحمد لله أَحَب أطفالي البقوليات بشكل عام، والعدس خاصة، أصفره وأسوده، المشهور بـ«أبو جبة». عندما تغيب زوجتي عن البيت أحيانًا يصبح الحل الأسرع بالنسبة لي لإطعام الأطفال هو العدس.
مرة تحتم على زوجتي السفر لأسبوعين، وفي أثناء تحضير الأطفال لهذا الغياب سأل ولدي الأكبر: «يعني هنقعد أسبوعين ناكل عدس؟»، لم نأكل عدسًا قط خلال تلك الفترة، طبخت لهم كل يوم شيئًا مختلفًا، لم أحب أن يرتبط غياب أمهم بصنف واحد من الطعام حتى لو كان لذيذًا بالنسبة لهم.
***
الطبخ نَفس كما هو معروف، وأعرف أن لديّ نَفسًا فيما أصنعه من أطعمة، ليس غرورًا ولكنها شهادات من آخرين. لكن الطهو ليس نفسًا فقط ولكنه خبرة، وممارسة، ومران، وإحساس، وتناسق، وقدرة على خلق انسجام بين مكونات متعددة أحيانًا تكون بسيطة وأحيانًا أخرى كثيرة ومعقدة.
ولما لم أكن ممارسًا روتينيًا لصنع الطعام، احتفظتُ بمفكرة سوداء صغيرة، أكتب فيها من حين لآخر وصفات الأطعمة التي أحب أن آكلها، وقد أحب أو اضطر حسب الظرف إلى طهوها يومًا ما، منها أكلات تذكرني بالطفولة مثلًا وأحب أن يتعرف عليها أطفالي وأرجو أن يحبوها كالشعرية بالسكر وقد أحبوها، وحلاوة الدقيق -في مناطق أخرى يُطلق عليها سد الحنك- ولكنهم لم يستسيغوها.
دوّنت أصنافًا أخرى تعتمد على البقوليات أتذكر طعمها أحيانًا وأعرف إن الوقت سيقصر عن إعدادها عند زياراتي لأمي التي ستفضل تجهيز أطعمة أكثر ثراءً، مثل البصارة والفولية أو «شر الطريق» كما يطلق عليها في المندرة حيث نشأت، التي تُصنع من الفول المدشوش -هو نفسه الذي يُستعمل للتدميس ولكن بعد تقشيره ودشّه لتنقسم الحبة إلى نصفين- مع صلصة الطماطم والقليل من الأرز. حاولت معرفة لما حملت الأكلة ذلك الاسم الغريب، ولم استطع الوصول لتفسير، السبب بالنسبة لأمي أنها شهية لدرجة قد تتخم آكلها وتثقله فيحدث له ما لا يسر في الطريق.. ربما.
بين صفحات المفكرة الصغيرة أيضّا أصناف أكثر عملية مثل الهامبورجر، أو المكرونة مع التونة، و pasta arrbiata أو المكرونة الغضبانة كما أسميها، خطوات شواء اللحم، أو الدجاج، ومقادير الصلصات المختلفة لكل صنف، وعدد ليس كبيرًا من أصناف أخرى.
ولما كنت طباخًا إضطراريًا إن جاز القول، أمارس الطهو من حين لآخر لذا فأحرص عند كتابة الوصفة على كتابة عدد الدقائق اللازمة لكل مرحلة أثناء الإعداد. كثيرًا ما تقول أمي أو زوجتي أثناء إملائي الطريقة.: «وبعدين سيبها شوية» أنا أعطلُ أمام هذه الشوية، أحتاج لمعرفة عدد الدقائق بالتحديد، مَن يمارس الطبخ بانتظام لا يحتاج لهذا التدقيق المدرسي، يعي أو يشعر بكم الوقت اللازم لإنضاج كامل الطبخة أو المرور بها من مرحلة لأخرى.
***
عندما كنا أطفالًا اختلفت علاقة كلًا منا باللحم الأحمر، أحببته أنا، وأحبته أختي بدون أي زوائد دهنية، وهكذا فضله أخي تحت الضغط، وأن كان لم يحبه بالأساس، وكان لأبي معه مناورات كثيرة وإجبارات أكثر لأكل اللحم، وإن لم نكن نأكله باستمرار، فبالنسبة لأسرة تنتمي للطبقة المتوسطة كان اللحم غاليًا ليصبح متواجدًا باستمرار على مائدتنا، كان الدجاج والأسماك أكثر منه تواجدًا في سنوات طفولتنا ومراهقتنا.
لكن ما اشتركنا في عدم حبه ونحن صغار كان تلك الأجزاء الأخرى من الحيوان التي بين حين وآخر كان يشتهيها أبي وأمي. يوم أن تطبخ أمي الكرشة كان يومًا ثقيلًا، وقتها كانت معدة الحيوان تباع بلا تنظيف، فقط غسلة مبدئية بالماء بمجرد إفراغها مما كان متبقيًا بداخلها عند الجزار.
وكانت أمي وأبي يقومان بتنظيفها في البيت، الأمر الذي عنى بالنسبة لنا يومًا طويلًا من الرائحة الكريهة داخل البيت، عبق عفن يحتل المكان. يجلس أبي وأمي في أرض المطبخ ليجذب كلًا منهما قطعة الكرشة إلى ناحية فوق طشت ويصب أبي ماء ساخنًا فوق القطعة المراد تنظيفها لتحكها أمي جيئة وذهابًا بالسكين، وهكذا مرات حتى تزال الفضلات من النسيج الفرائي للمعدة من الداخل، وتستمر عملية صب الماء الساخن والمرش بالسكين، إلى أن يتحول لون الكرشة إلى ما هو أقرب للأبيض. وهكذا تنتهي المرحلة الأولى من تنظيفها.
ولكون عملية إزالة العوالق الظاهرة والمختبئة تستغرق وقتًا، فإن الرائحة تحيط بنا من كل جانب، لا يفيد ساعتها الانتقال إلى أبعد حجرات البيت من المطبخ، ولا فتح كل نوافذ المنزل، أذكر مرة أننا حاولنا إغلاق أنوفنا بمشابك الغسيل، ولكن لم يفد ذلك بشيء، آلمتنا أنوفنا وتسللت إليها الرائحة بكل تأكيد.
عندما تبدأ عملية الطبخ تخف الرائحة قليلًا، لكن بالنسبة لنا يظل هناك هواءً مقرفًا في البيت، وطبعًا كانت أمي يومها تطبخ لنا صنفًا آخر، ونظل نؤكد عليها وعدها بأن شيئًا من الكرشة لن يلمس باقي الأصناف، حتى الملاعق.
عندما كبرنا قليلًا، وصار بإمكاننا نحن غَرف الطعام، لم نكن نلمس حلة الكرشة تاركين تلك المهمة لأمي.
الفشة (رئة الحيوان)، ولحمة الراس، لم يكن لهما تلك الرائحة القوية، ولكننا لم نتذوقها أيضًا، على الرغم من التشابه الظاهري بين الفشة وبين الكبدة لكن شتان ما بين رائحة الكبدة الزكية أثناء قليها وبين طريقة طبخ لحمة الراس لتصبح كمونية، أو الفشة التي لم استسغ نسيجها الناعم عندما تذوقتها ذات مرة.
***
عندما كبرت، بدأت أجرب أكلات لم أكن آكلها وأنا صغير، وبدأت أعرف أن هناك طرقًا مختلفة لصناعة الطعام، وثقافات أيضًا، لعب تركي للبيت فترة الجامعة دورًا في هذا، وبعد ذلك الأصدقاء الصديقات والسفر، استحسنت طعم النعناع الأخضر بجوار الفول المدمس مثله مثل الجرجير عندنا، وأحببت مذاق لحم الحصان ذي الطعم المسكر الشهي.
قبلها عرفت مطاعم السيدة، وبدأت آكل قطعًا أخرى من الحيوان، ولكن لم أقترب من لحمة الراس أو الكرشة وتركتهما لأمي، لم أُرد لرائحة نافرة أن تقطع علاقتي بتلك الأجزاء الحساسة.
***
رُزقت في حياتي بنساء يحسن الطبخ، ويتفنن فيه صنعه، أمي طباخة كلاسيكية ماهرة، صنعت لنا وما زالت كل الأصناف المصرية المعروفة -على الأقل في نطاق الإسكندرية- ولم تكن مبالِغة قط، لم تهو تسيبك الطعام فيخرج أكلها لذيذًا خفيفًا دائمًا، ولا تحب أيضًا المبالغة في التجريب، أمي تنتمي لجيل ما قبل غزو الجبن لكل شيء، وأيضًا سيل البهارات الكثيف الذي يغطي على طعم الطبخة الأصلي.
كذلك زوجتي الإيطالية، القادمة من مدينة صغيرة على سفح بركان إتنا بجزيرة صقلية، تحب الطهو، وإحدى فضائلها هي رغبتها الدائمة في التعلم بشكل عام، أيضًا فيما يخص الطعام.
بداية بحكم كونها مغتربة تعلمت الكثير من الأكلات المصرية، عن طريق الصديقات وأيضًا أمي، ولكن لا يتوقف الأمر على أصناف مصرية وإيطالية بل تعداه أيضًا لأكلات سورية ولبنانية وإيرانية أحيانًا. ولأنها تخشى الملل لدرجة كانت في فترة لا تكرر نفس الأكلة مرتين، مرة مازحتها حين لم أعد أتذكر صنفًا معينًا من كثرة التجريب، دعينا نعطي كل تجربة جديدة رمزًا كي يمكننا استعادتها مرة أخرى: س 18، ك 35.. وهكذا.
حماتي وهي إمرأة خفيفة الظل، عالية الصوت، أيضًا طباخة عظيمة، بالإضافة لإتقانها أكلات صقلية كلاسيكية لم يعد هناك الكثير ممن يجيد صنعها، تشتهر بين أقاربها ومعارفها بكونها تستطيع طبخ كل أجزاء الحيوان، أرجله وأحشائه على حسب مكانها، وأيضًا لحمة راسه.
لكن لم تحب زوجتي ولا أيًا من أخواتي أو الصديقات والأصدقاء الماهرين في الطبخ تلك الأكلات، لا لحمة الراس، ولا الكرشة، ولا الفشة، ولا الكلاوي، أو المخاصي والمخ واللسان وخلافه.
عرضت عليّ زوجتي مرات عديدة أن تطبخ لي وحدي ما أريد، ولكنها أعلمتني أنها لن تأكل منها، فلم أقبل. أظن أنه أمر ثقيل أن يطبخ الواحد طعامًا لا يحبه.
وكثيرًا ما أسأل نفسي ما مصير تلك الطرق والوصفات في طهو تلك الأجزاء بعد رحيل جيل أمي وأم زوجتي بعد عمر طويل، بالتأكيد لن يتوقف البشر عن طبخ أكلات كهذه، لكن بطرق مختلفة، وبالتأكيد ستهب رياح ثقيلة من البهارات وطبقات سميكة من الدهون كعادة الوصفات الجديدة التي تملأ صفحات الطبخ وفيديوهات اليوتيوب، لتصنع شيئًا جديدًا ربما يكون طيبًا، بالتأكيد مختلفًا، ولكن ماذا عن تلك الوصفات.. ستختفي؟ لن يتذكرها أحد بعد قليل؟ أهذا هو التطور؟ أم النسيان؟
فكرتُ ولما لا أطبخ أنا ما أريد؟ فكرت كثيرًا، وكعادتي أفكر كثيرًا ولا أفعل إلا القليل، إن فعلت. لكن ما دفعني للتجربة كان ليوبولد بلوم، بطل رواية عوليس الشهيرة لجيمس جويس.
***
قبل فترة نجحت في قراءة «عوليس» في ترجمة د. طه محمود طه، الرواية المشهورة بأن الجميع يعرفها، والجميع لم يقرأها. نجاحي جاء بعد مرات فشلت فيها تمامًا، فشلت في مرات سابقة في تهجئة بعض الكلمات بالأساس، لكن هذه المرة انفتح النص بالتدريج، وسقطت في متاهة جويس/ طه، انفلتت مني الكثير من التفاصيل لاستغلاقها، لكن بقت تفاصيل أكثر.
فعليًا انتهيت من القراءة لكن عمليًا ما زلت مشبوكًا مع تلك الرواية ومترجمها في عملية بحث مضطربة تهدأ أحيانًا وتثور مرات أخرى، ولكن هذا حديث آخر.
***
يظهر بلوم في الفصل الرابع من الرواية، حيث يعد وزوجته ما زالت تتقلب في السرير إفطارًا قوامه الأساسي كلية مقلية. لطالما خلبتني تلك الإفطارات المكونة من اللحوم، لم أجربها لأن طقسنا الحار وغلاء اللحم التاريخي منع وضع ذلك موضع التطبيق.
جويس -وبدون الدخول في تفاصيل- أراد أن يصنع ملحمة حديثة مثلما كانت الأوديسة ملحمة العصور القديمة، هناك نرى رحلة عودة البطل عوليس لموطنه إيثاكا بعد نهاية حرب طروادة، يتعرض البطل لمغامرات وإغواءات وتحديات من آلهة ومساعدات من آلهة أخرى حتى يستطيع في نهاية الملحمة العودة لزوجته الوفية بينلوبي التي تتهرب من عروض الزواج التي تنهال عليها عبر قولها أنها لن تقبل أي عرض حتى تنهي نسج كفن لأبو عوليس العجوز والحزين على غياب ابنه، وما تصنعه بالنهار تحله بالليل كي لا ينتهي العمل أبدًا، وعلى أمل أن يرجع الزوج الغائب منذ سنوات.
وعلى عكس عالم المغامرات والوحوش والمؤامرات الإلهية أختار جويس ليوبولد بلوم المواطن الإيرلندي العادي جدًا ليصبح هو البطل الحديث، وملحمته هي كيف يمكن للإنسان العادي أن يعبر يومه العادي أيضًا، الوحوش والمخاطر في عوليس جويس هي ما نتعرض له جميعًا في أيامنا «العادية» الحركة في الشوارع، الذهاب للعمل، حضور جنازة، الدخول في نقاش سياسي أو حول الأحوال العامة، التمشية إذا أُتيحت الفرصة، الهواجس التي تعبر في الرأس حول وفاء الشريك من عدمه، الاجتماع مع أصدقاء ومعارف حول مشروب ما، التفكير في مستقبل الأولاد وأحوالهم الحالية، وهكذا.
تبقى إحدى الأفكار التي تطوف بيوم بلوم، من وقت لآخر، والتي شكّلت حياته بشكل عام، هي رغبته في أن يكون له ولد ذكر من صلبه بعد أن مات وليد له قبل سنوات وهو ما زال ابن أيام معدودة. وعلى مدار يوم بلوم يرى الشاب ستيفن ديدالوس ابن صديقه، وبطل الفصول الثلاثة الأولى في الرواية -وأيضًا بطل رواية جويس الأولى «صورة الفنان في شبابه»- ويرى فيه تجسيدًا للابن الذي لم يحصل عليه.
البطولة هنا هي كيف يمكن للفرد أن يعيش يومه بين وحوش الحياة الحديثة، وعوليس الخارق الجديد هو ذلك العابر بين ساعات اليوم «المألوفة» للجميع، وانتصاره هو عودته للبيت بعد انتهاء يومه الطويل «العادي».
وبالتأكيد يأكل الواحد، خلال يومه، سواء في بيته أو خلال استراحة بين ساعات العمل، أو في المساء. الطعام ليس محورًا قائم بذاته في عوليس جويس، لكن يوجد بحكم أنه موجود طوال الوقت في يومنا سواء أكلًا أو تحضيرًا أو حديثًا عنه، فهو موجود في الرواية التي ترجمها المترجم المصري الكبير طه محمود طه، واستغرق في ترجمتها عشرين عامًا، أيضًا ترجم الرواية المترجم العراقي صلاح نيازي، لكن معرفتي بجويس وأبطاله جاءت عن طريق طه محمود طه.
***
عادية بلوم ربما، أو ربما الرحلات التي يقطعها القاريء خلال مروره على أطول يوم في تاريخ الرواية، مع سؤال أين ستذهب طرائق صناعة أكلات بعينها؟ أو بشكل واسع أي ستذهب صور حياتنا؟
كل هذا دفعني للاتصال بأمي وسؤالها عن خطوات طهو لحمة الراس الشهيرة في الإسكندرية باسم «الكمونية»، ودونت الخطوات في المفكرة السوداء الصغيرة، عرفت فيما بعد أن الكمونية ليست مرتبطة فقط بلحمة الراس في مناطق عديدة بمصر، لكن بإضافة الكمون إلى أي نوع لحم.
بعد مكالمة أمي، هاتفت حماتي، وسألتها عن خطوات إعداد الـ«كارنه دي موزو la carne di muso» -حرفيًا لحم الخطم- وكتبت أيضًا في المفكرة السوداء.
تنقسم عملية إنضاج الطبخة في الروايتين لمرحلتين، الأولى سلق اللحم، والثانية إنضاجه مع الصلصة والبهارات الخاصة به، بين طريقة أمي وطريقة حماتي لا توجد اختلافات كبيرة، هي طفيفة بدرجة ما، ولكن جذرية في صبغها الطعام بصبغته النهائية.
أمي تسلق اللحم مرة واحدة، تغلي الماء ثم تسقط قطع اللحم داخل الماء المغلي مع بصلة كبيرة، وفلفل أسود مطحون، وحبتي حبهان.
حماتي الصقليّة تغلي اللحم مرتين. في البداية تضع قطع اللحم وتغليها لمدة عشر دقائق -عشر دقائق تُحسب منذ أن تبدأ المياه في الغليان- بعدها تنقل اللحم إلى إناء آخر مع ماء مغلي أيضًا.
الغلوة الأولى تنظف اللحم أكثر من عوالق رائحة، أو قطع دم متجمدة، مع غلوة الدقائق العشر تَسوَد المياه قليلًا، وبعدها تخرج قطع اللحم لتوضع في المياه المغلية في الإناء الآخر، مع بصلة كبيرة، وفلفل أسود، ويمكن إضافة ورقتي لورو، وأيضًا معلقة زيت زيتون.
اخترت طريق الغلوتين، وأخبرت أمي أيضًا فاعتمدت أيضًا تلك الطريقة، إذ تصبح رائحة اللحم رائقة أكثر، ويكتسب الحساء لونًا فاتحًا، وبالتدريج مع استمرار عملية السلق تسبح على سطحه بقع دهنية ذهبية.
تتفق أمي وحماتي على أن اللحم يترك لمدة ما بين 45 دقيقة إلى الساعة تقريبًا، يُضاف قليل من الملح في الدقائق الأخيرة من المرحلة. ولا يجب أن ينضج اللحم تمامًا خلال عملية السلق، وإنما تترك الخطوة الأخيرة لإنضاجه وقت أن يوضع اللحم مع الصلصة الخاصة بها.
بعد انتهاء مرحلة السلق يتم فحص قطع اللحم مرة أخرى لإزالة أي زوائد جلدية غير مرغوب فيها، وأيضًا يتم تقطيع اللحم إلى قطع أصغر، فعادة ما تأتي لحمة الراس كقطعة كبيرة متصلة.
عرفت من كلتيهما أن لحمة الرأس يُمكن أن تؤكل بعد إنضاجها تمامًا مسلوقة، بعد إضافة قطرات من عصير الليمون فوق قطع اللحم، هكذا تؤكل أحيانًا في مصر، وأيضًا تباع في شوارع نابولي كأكلة شارع خفيفة.
وهكذا -مسلوقة- أحببتها أيضًا، وربما كسلًا مني أن أدخل في المرحلة التالية الخاصة بصناعة الصلصة الخاصة بها، والتي تعطي اختلافًا بين طريقتي المرأتين السكندرية والصقلية.
***
قالت أمي: تُقطع بصلة كبيرة الحجم أو بصلتان متوسطتان إلى مكعبات كبيرة، ويتم وضع البصل في زيت ساخن وتقليبه إلى أن تفقد القطع صلابتها وتتحول للون الذهبي، ثم يُضاف عصير نصف كيلو من الطماطم إلى البصل مع القليل من الفلفل الأسود المطحون، ويترك الخليط ليغلي مرة، دعنا نقول دقيقتين من بدء عملية الغليان.
من ناحية أخرى يتم تجهيز خمس أو ست فصوص ثوم مع قليل من الكمون والملح والفلفل المطحون وقرن فلفل حار أو بارد على حسب ما تفضل، والكسبرة المطحونة، ويتم طحن الخليط معًا، ثم يتم إضافة تلك الخلطة إلى عصير الطماطم المغلي مع البصل، وتترك لتتفاعل تلك المكونات سويةً لـ15 دقيقة.
بعد الاطمئنان إلى اختلاط تلك المكونات جيدًا، توضع قطع اللحم مع قليل من الماء إذا احتاج الأمر، ويترك اللحم ليكمل إنضاجه مع هذا الخليط لمدة تقع ما بين الـ45 دقيقة حتى الساعة، وهكذا اكتملت الطبخة، وأصبحت الكمونية جاهزة للأكل.
***
بينما أخذت الأكلة اسمها في بر مصر من رشة الكمون التي تم وضعها أثناء إعداد صلصتها، لا يعرف المطبخ الإيطالي بهار الكمون بالأساس، وبالتالي لا يدخل في أي من أكلاته المتنوعة على اختلافها، غير هذا الفارق الأساسي في رائحة النتيجة النهائية لم أشعر أن هناك اختلافًا شاسعًا في باقي المراحل.
وهكذا قالت حماتي من الجانب الآخر للبحر المتوسط: تُقطع بصلتين ويتم تشويحهم في الزيت -الزيت في عرف الإيطاليين هو دائمًا زيت الزيتون- وبعد اللون الذهبي للبصل توضع قطع اللحم مع البصل ويتم تقليبها لمدة عشر دقائق.
بعدها يُرفع اللحم، ويُضاف للبصل الذي اكتسب الآن شيئًا من نكهة اللحم، صلصة جاهزة الصنع -عادة لا تستعملها المرأة لكن هنا تعطي الطبخة نكهة مميزة- وعلى قدر ما تمت إضافته من الصلصة يُضاف أيضًا ماء.
يترك الخليط ليغلي وتتعاشق مكوناته جيدًا، بعدها يُضاف اللحم وفلفل مطحون وملح وأيضًا ورقتي لورو، وتترك عشر دقائق أو ربع ساعة على الأكثر ليطبخ اللحم داخل صلصته، وهكذا اكتملت الـ carne di muso.
***
أحببتُ الطريقتين، وأقوم بهما من حين لآخر، وإن كنت آكلها مسلوقة مع الليمون أكثر، كان لدي أمل أن يحبها الأولاد لتصبح بديلًا أرخص من اللحم، لكن لم يحدث. ظلت أكلة لي وحدي، لكن لا بأس ربما هكذا ضمنت شيئً من الحفاظ على وصفتين لمدة زمنية ربما تكون أطول.
مرات أتخيل أني سأقيم عشاءً أدعو فيه جويس وبلوم وستيفن ديدالوس وطه محمود طه، وأعد لهم كمونية وكارنه دي موزو وأيضًا قطع لحمة راس مسلوقة مع عصير الليمون، والكثير من الشراب، لنتحدث عن العاديين وملاحمهم وعن الزمن وعن كيفية الحفاظ على وصفات طبخ لعمر أطول، وأتساءل أي صنف سيفضلون؟
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن